فتحي التريكي: لإحياء الفلسفة لا بد من أن تنفتح على الفضاء العمومي

المفكر التونسي يرى أن هناك تجنياً على الفكر العربي... والتفلسف العربي خاصّة

فتحي التريكي: لإحياء الفلسفة لا بد من أن تنفتح على الفضاء العمومي
TT

فتحي التريكي: لإحياء الفلسفة لا بد من أن تنفتح على الفضاء العمومي

فتحي التريكي: لإحياء الفلسفة لا بد من أن تنفتح على الفضاء العمومي

> أنت رئيس «معهد تونس للفلسفة». ما الغرض من تأسيس هذا المعهد، وما إنجازاته حتى الآن؟

- تأسس «معهد تونس للفلسفة» نتيجة توصية من قبل المشاركين في الندوة العالميّة «الفلسفة والثقافة» التي انعقدت في تونس سنة 2018 برعاية وزارة الشؤون الثقافية، وقد تمحور كثير من التدخلات حول تصوّر إبداعي نقدي وتأويلي للفلسفة يقرّبها من المشاغل الفكريّة والثقافية المتنوّعة. فجرى تكوين «معهد تونس للفلسفة» سنة 2019. ويهدف «المعهد» إلى صياغة المعارف والأفكار والمفاهيم التي من شأنها تعميق المقاربات الفلسفية والثقافية في تونس والمحيط المتوسطي والعربي، والتشجيع على الاهتمام بالاختصاصات والفروع الجديدة والمتجددة في الدراسات الفلسفية والثقافية. كما يصبو إلى تنشيط الحياة الفكرية المنفتحة على الجديد في تونس وفي العالم من خلال التظاهرات الدورية والمؤتمرات والدروس الحرة والمحاضرات والندوات؛ من أجل تعزيز حضور الفلسفة والثقافة في المجتمع التونسي. وقد خصّص «المعهد» في هذا المضمار دراسات حول منزلة الفلسفة في الفكر التونسي منذ العصر القرطاجي، فأصدر مجموعة من الكتب تؤرّخ لذلك. وقد تناول نشاط «المعهد» منذ نشأته مواضيع عدّة مهمّة متّصلة بالحياة الثقافية العامة، فقد خصّص حيزاً مهماً لدراسة العلاقة بين الفلسفة والأدب والفنون، كما اهتمّ بالفلسفة التطبيقيّة، كالأخلاقيات العمليّة والكتابة النسويّة الجندريّة والفكر ضدّ الكولونياليّة والفلسفة البيئيّة؛ تلك الممارسات الفلسفيّة التي لا تُدرّس في الجامعات والتي لها صلة وثيقة بالثقافة العامة. واهتمّ أيضاً بالفلسفة التأويلية والنقديّة وعلاقتها بواقعنا الفكري. كما فتحنا مؤخّراً ملف علاقة العلوم بمجتمعاتنا لدراسة العوائق التي تجعلنا غير قادرين على الإبداع العلمي. تلك بعض المواضيع التي طرحناها للدرس والنقاش وأصدرنا حولها عشرين كتاباً.

> مؤخراً انتظمت في تونس ندوة بعنوان: «نحو تفكر فلسفي جديد» شارك فيها مفكرون مغاربة... ما حصيلة هذه الندوة؟ وما أهم الأفكار التي طرحت خلالها؟

- هي فعاليّة ذات أهمية قصوى بالنسبة إلى الفكر العربي حالياً. فقد قامت «مؤسّسة الفكر العربيّ» بالاشتراك مع «معهد تونس للفلسفة»، وبالتعاون مع «الإيسيسكو»، بتنظيم ندوة عنوانها: «نحو تفكر فلسفي عربي جديد» في تونس أيام 9 و10 و11 مايو (أيار) 2024، شاركت فيها مجموعة مهمة جداً من فلاسفة بلدان المغرب العربي؛ ونعني موريتانيا والمغرب والجزائر وليبيا وتونس، وحضرها جمهور غفير من المثقفين والمفكرين التونسيين والأجانب، وكانت هذه الندوة تحت رعاية وزارة الشؤون الثقافية التونسية. والحقيقة أنّ «معهد تونس للفلسفة» منذ نشأته سنة 2019 وهو يعمل على انفتاح الفلسفة الكامل على الفضاء العمومي خدمة للثقافة التونسيّة والعربيّة، عادّاً أنّ الفلسفة إذا بقيت سجينة الأكاديميّات والمدارس فستندثر وتتبدّد. لذلك لا بدّ من تجديدها وتحريرها والخروج بها إلى هموم الناس لتتأقلم مع احتياجات مجتمعاتنا ولتستجيب لقضايانا. فكانت الغاية من تنظيم هذه الندوة في زمن الثورة التكنولوجيّة والرقميّة الهائلة، تتمثّل في تطوير الفلسفة بمعنييها الأصلي والواقعي؛ تلك التي تهتم كما يقول الفارابي «بالفضائل النظريّة أولاً، ثمّ بالفضائل العمليّة». فالفلسفة لا تقتصر على بعدها النظري والميتافيزيقي والأنطولوجي، فهي أيضاً ذات بعد عملي تطبيقي يتلخّص في عمليّة تشخيص واقع الإنسان ومقتضياته ومستتبعاته بأدوات نظريّة وطريقة بحثيّة نقديّة تعتمد «خدمة المفاهيم» والتصوّرات. والفلسفة هي أيضاً ربط هذا التشخيص المتعلق بالواقع المعيش بإمكانيّة التغيير والإصلاح بحثاً عن سعادة الإنسان القصوى. فكان من نتائج هذه الندوة الدعوة إلى تنويع مسارات الفكر الفلسفي في ربوع البلدان العربية حتى تتجدّد وتحدث قفزة نوعيّة تجعلها مقبولة لدى الجميع. وأعطت الندوة عيّنة من هذه المسارات؛ مثل فلسفة الحياة اليوميّة، والأخلاقيات العلميّة والاجتماعيّة، والفلسفة الاجتماعيّة، وفلسفة القانون، والفلسفة النسويّة، وفلسفة الأدب، والفلسفة الموجّهة إلى الأطفال، والفلسفة الإيكولوجيّة. هذا التنوّع في المواضيع والمناهج يعطي صبغة ضروريّة للتفلسف اليوم في عالمنا العربي إذا كانت هناك إرادة للتطوّر العلمي والفكري والثقافي.

> خلال السنوات الأخيرة تكاثرت الندوات الفلسفية مشرقاً ومغرباً... فهل هناك أمل في إحياء فلسفي في العالم العربي؟

- نعم هناك أمل في إعادة إحياء الفكر الفلسفي عندنا بعد أن هيمنت على العالم العربي آيديولوجيتان خطيرتان: الآيديولوجيّة القوميّة التي وجّهت الشباب نحو تمجيد فكر فلسفي فارغ يقوم على مغالطات وسرديات منغمسة في نفخ الذات، فهو عصر «نحن والتراث» و«التراث والتجديد»؛ عصر بنية العقل العربي وكأن لكل ثقافة عقلها الخاص بها، فضاع الشباب العربي في منعطفات تلك الصراعات الآيديولوجيّة التي لا تنتهي. والآيديولوجيّة الإسلاميّة التي لا ترى في التفكير إلا صبغتها المرجعيّة لحضارة الإسلام الأولى فتكتفي بإعادة صياغتها في ضوء مستجدّات عصرنا. والآيديولوجيتان لا تقبلان النقد والتفكيك، فتنصهران في الدوغمائية التي قد تصل إلى العنف الشديد. هكذا تأدلجت الفلسفة وتاهت وكادت تنقرض في العالم العربي، لولا جهود بعض الفلاسفة والمهتمين بالشأن الفلسفي، لا سيما في تونس وفي بلدان عربيّة أخرى، وكان ذلك بالتصدي؛ نقداً وتشخيصاً وتوضيحاً، لذلك المنحى الثقافي الآيديولوجي، أو بالعودة الجريئة إلى الفلاسفة غرباً وشرقاً لإعادة قراءتهم والتعريف بهم وتحليل نظرياتهم وإبراز إضافاتهم، فلعب بذلك تاريخ الفلسفة في تونس دور الفلسفة حفاظاً على خصوصيّتها وإنقاذها من «الآيديولوجي المهيمن». وما علينا الآن إلّا أن يقوم المختص في الفلسفة بدوره لغرس الفكر النقدي لدى عامة الناس، ولن يكون ذلك سهلاً؛ لأن سلطة السياسي تعاقدت مع سلطة التكنولوجي وسلطة الديني لضرب كل فكر نقدي في عالمنا العربي، لتكون الفلسفة نضالاً مستمرّاً من أجل الفكر النقدي المبدع والخلاق.

> كيف يمكن مقاومة الإسلام السياسي فلسفياً؟ ومن هم الفلاسفة العرب والمسلمون الذين تتوجب العودة إليهم؟

- إنّنا إذا قاومنا الفكر الدوغمائي كما بينت أعلاه، فسنقاوم بطبيعة الحال الإسلام السياسي والاستعمار الجديد وكلّ ممارسات الهيمنة التي تأتي يميناً أو شمالاً. فالفلسفة تقاوم فكريّاً كلّ دوغمائيّة ولا تدخل المعارك السياسية. ذلك لا يعني أنّها بعيدة عن السياسة مطلقاً، ونحن نتذكّر ردّ سقراط على كاليكلاس في محاورة الغورجياس عندما اتهمه كاليكلاس بأنّه بعيد عن السياسة؛ إذ أجابه سقراط قائلاً بما معناه: «نعم أنا بعيد عن السياسة بالمعنى المبتذل الذي يجعل منها صراعات للوصول إلى كراسي الحكم. أمّا إذا اعتبرناها في معناها النبيل تدبيراً علمياً لشؤون الناس، فأنا سياسي؛ بل أفضل سياسي في أثينا». فالفلسفة من حيث هي جودة الرويّة لإسعاد البشريّة سياسة مُثلى بامتياز. أمّا عن الفلاسفة العرب الذين تتوجّب العودة إليهم، فشخصيّاً أعدّ أن كلّ من تفلسف يجب أن يكون مرجعاً في عملنا التفكيري، فيجب ترسيخ هذا التقليد الذي نجده في الغرب، وهو مصدر تطور فكرهم الفلسفي. هذا المرجع يكون بواسطة عمليات مختلفة، مثل التنويه، ومواصلة محوره، أو النقد وبيان قوّته وضعفه، أو بالدحض وتقديم البديل. عندئذ تكون لنا حياة فلسفيّة. مع العلم أنني شخصيّاً أفضّل العودة إلى كتاباتي حتّى بواسطة الدحض ذلك أفضل من اللامبالاة.

> هناك من يرى أن جل الأطروحات الفكرية والفلسفية في العالم العربي تفضي إلى «اللامعنى»؛ أي إنها تخوض في قضايا ومسائل لا علاقة لها بالواقع... ما رأيك؟

- مطلقاً؛ ذلك تجنٍّ على الفكر العربي عامة؛ وعلى التفلسف العربي خاصّة. وقد بيّنت في كتابي الأخير «الفلسفة في تونس... مقاربات أوّليّة» كيف كان التفلسف في تونس مواكباً لقضايا العصر. فالذين يدّعون أنّ الفلسفة عندنا تفضي إلى «اللامعنى» جميعهم يحملون نظرة احتقار عن الفلسفة وعن المفكّرين العرب. أذكّر أنّه في ألمانيا منذ مدّة قد صدر الجزء الأخير من موسوعة ضخمة عن الفلسفة في العالم الإسلامي والعربي بداية من الفترة القديمة إلى يومنا هذا، باللسان الألماني، وفي السنوات المقبلة ستصدر الترجمة عن «دار بريل» الهولنديّة باللسان الإنجليزي. وقد أصدرت «المجلّة الفلسفيّة السعوديّة» في عددها الأوّل مقالاً مفيداً حول هذه الموسوعة التي أصدرتها «مؤسسة شفاية للنشر» في بازل وبرلين بألمانيا. فالغرب يعترف بنا ونحن لا نعترف بمساهماتنا في الفكر الفلسفي.

وبالمناسبة هناك كثير من الفلاسفة التونسيين تحدّثت عنهم هذه الموسوعة. ومن المعلوم أيضاً أنّ «كرسي اليونيسكو للفلسفة بالعالم العربي» قد ساهم في إصدار «موسوعة الفلاسفة العرب» التي أعدّتها مجلّة «أوراق فلسفية» بالقاهرة، وهي تضمّ أكثر من ثلاثة آلاف صفحة تحدّثت عن فلاسفة عرب فكّروا بتواصل مع عصرهم. ولكن للأسف جاءت في طبعة رديئة وينقصها التدقيق، وذلك لعدم وجود من يدعّم مالياً هذا النوع من الأعمال في العالم العربي. نحن نثمّن كل مجهود يقوم به مفكّر فيلسوف لتحريك سواكننا، وهنا يكمن المعنى الذي نصبو إليه.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.