«مجزرة النصيرات»: شهود يروون «أهوال يوم القيامة» خلال العملية الإسرائيلية

دمار واسع في النصيرات جراء عملية تحرير الرهائن الإسرائيليين (أ.ف.ب)
دمار واسع في النصيرات جراء عملية تحرير الرهائن الإسرائيليين (أ.ف.ب)
TT

«مجزرة النصيرات»: شهود يروون «أهوال يوم القيامة» خلال العملية الإسرائيلية

دمار واسع في النصيرات جراء عملية تحرير الرهائن الإسرائيليين (أ.ف.ب)
دمار واسع في النصيرات جراء عملية تحرير الرهائن الإسرائيليين (أ.ف.ب)

اختارت إسرائيل أكثر لحظات مخيم النصيرات ازدحاماً يوم السبت، لتدفع بعشرات من جنودها تحت غطاء كثيف من نيران المدفعية والطيران، لتخليص 4 من أسراها بقوا بين أيدي أعضاء حركة «حماس» أكثر من 8 أشهر.

انتهت العملية باستعادة امرأة و3 رجال إسرائيليين ومقتل أكثر من 200 فلسطيني وإصابة مئات آخرين، في ثاني عملية من نوعها تنجح فيها إسرائيل بعد عملية مخيم الشابورة برفح في فبراير (شباط) الماضي. لكن الثمن هذه المرة كان دماء أكثر سالت في دقائق معدودات.

 

تقول صحافية فلسطينية كانت شاهدة على ما جرى في وسط قطاع غزة، إن القوة العسكرية التي قال الجيش الإسرائيلي إنها ضمت أيضاً عناصر من جهاز الأمن العام (الشاباك) والشرطة، بدأت بتطويق منطقة النصيرات بالكامل من مختلف الاتجاهات، قبل أن يخرج عشرات الجنود، مما يعتقد أنها شاحنات تحمل لوحات فلسطينية، ويبدأوا في إطلاق النار بكثافة.

 

وأضافت الصحافية التي تحفظت على ذكر اسمها لأسباب أمنية في مقطع صوتي أرسلته لوكالة «أنباء العالم العربي»: «أنا كنت على دوار النصيرات... ما رأينا إلا هذا القصف الرهيب. قصف كتير. صارت زي أهوال يوم القيامة أقسم بالله... الناس صارت تجري... تجري في كل مكان... صارت القناصة تقنص في كل مكان... في كل مكان... والطيران يقصف والمدفعية تقصف».

 

وتابعت في وصفها للعملية: «قالوا قوة خاصة... رأينا الدبابات تأتي من جهة النخيل... من شرق البريج... دخلوا على (شارع) صلاح الدين مباشرة... جاءوا من نتساريم... حوطوا محيط نتساريم ومنطقة العودة وجاءوا من شارع الطاقة. جاءوا من شارع البريج وحاوطوا النصيرات كلها... وأول ما القوة الخاصة جاءت... طبعاً عملية الإنزال شفناها كويس عند مستشفى العودة... كانوا يمكن ولا 30 جندياً... وصار اللي صار».

 

أعادت مروحيات إسرائيلية بعدها بقليل كلاً من نوعا أرغماني (25 عاماً) وألموع مئير (21 عاماً) وأندري كوزلوف (27 عاماً) وشلومي زيف (40 عاماً) إلى داخل إسرائيل. واحتفى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وساسة إسرائيل بالعملية التي جاءت بعد 3 أشهر من تخليص مسنين إسرائيليين من قبضة مسلحين برفح في فبراير الماضي، في عملية انتهت يومها بمقتل أكثر من 100 فلسطيني.

رمات غان: رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (اليمين) يصافح الرهينة الإسرائيلي شلومي زيف في مركز شيبا تل هاشومير الطبي (د.ب.أ)

 

من زاوية أكثر قرباً، يقول شاهد آخر إن القوة المتسللة نفذت حزاماً نارياً كاملاً حول المنطقة، استخدمت فيها أسلحة مختلفة من مقاتلات «إف - 16» إلى مسيّرات «كواد كابتر» المسلّحة.

فلسطينيون يتفقدون منزلاً تعرض لضربة إسرائيلية في النصيرات (رويترز)

والحزام الناري هو طوق نيران يستخدم لإبعاد الطرف الآخر عن منطقة بعينها. وفي حالة غزة، يستخدمه الجيش الإسرائيلي لإخلاء مناطق محددة من المسلحين أو المدنيين تمهيداً لدخولها.

 

أين المفر؟

على بعد لا يزيد على 400 متر، كان موقع منزلين هما هدف العملية في المخيم الذي يصفه مسؤول في قطاع غزة لوكالة «أنباء العالم العربي»، بأنه أكثر نقاط قطاع غزة ازدحاماً في الوقت الحالي، بعد دفع مئات الآلاف للرحيل عن رفح في أقصى الجنوب وانتفاء مظاهر الحياة تقريباً فوقها في خان يونس.

 

يقول شاهد العيان الذي طلب عدم التصريح باسمه: «بدأوا بغطاء ناري كثيف جداً ساعة العملية... ضربوا أحزمة نارية على بعد 300 أو 400 متر من المكان اللي فيه المحتجزين... ضربوا الحزام الناري وكان كل شيء لديهم يضرب النار. (مسيّرات) الكواد كابتر بتضرب والمدفعية بتضرب... والمروحية بتضرب والإف - 16 كمان... كل الدنيا كانت تضرب».

الفلسطينيون ينتقلون إلى مناطق أكثر أماناً بعد عمليات نفذتها القوات الخاصة الإسرائيلية في مخيم النصيرات (د.ب.أ)

وأضاف: «الشهداء كانوا على الأرض والناس مش لاحقة تشيل شهداء».

ولا يحدد الشهود مصير الذين كانوا يتولون مسؤولية حراسة الإسرائيليين الأربعة الذين تقول إسرائيل إنهم اقتيدوا من حفل موسيقي في مستوطنة قرب غزة صباح 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

لكن شاهد العيان القريب قال إن الجنود المتسللين أطلقوا قنابل دخان بشكل كثيف جعلت حركة الجميع، بمن فيهم المسلحون، بالغة الصعوبة.

فلسطينيون يحملون جثمان أحد قتلى العملية الإسرائيلية لتحرير 4 رهائن من مخيم النصيرات للاجئين (د.ب.أ)

وأضاف: «ضربوا قنابل دخان. غطوا على العملية بشكل رهيب. تعرف لما يصير القصف بهذه الطريقة الحركة بتكون صعبة جداً... على المقاومين... وعلى اللي بيحرسوا وعلى المواطنين... الكل بيشوف مكان يختبئ فيه من الضرب. الناس كانت بتهرب وهما (الإسرائيليين) بينفذوا العملية. علشان هيك كانت عمليتهم ناجحة... قتل منهم ضابط أثناء العملية. والله أعلم بيقولوا قتل بنيران صديقة».

فلسطينيون يتلقون العلاج في مستشفى شهداء الأقصى بعد الغارات الإسرائيلية على مخيم النصيرات للاجئين (د.ب.أ)

يرجع خبير رسم السياسات الأمنية محمد القاسم ما جرى، لما وصفها بأنها «زاوية ضعف» في حراسة الأسرى يعتقد أن وراءها «مبالغة (حماس) في الحفاظ على صحة الرهائن».

 

وأضاف لوكالة «أنباء العالم العربي» في رسالة نصية من عمّان: «هل هي نقطة ضعف أو خلل عسكري؟ بعد 8 أشهر من الحرب الإسرائيلية المدمرة لا بد في الحروب أن تكون هناك نقاط تفوق لأي طرف... هي كر وفر ونقاط خسارة للطرف المقابل».

وتابع الخبير الأردني: «نحن هنا لا نتحدث عن جيش، بل نتحدث عن قوة مقاومة. بالتالي هي زاوية ضعف أكيد... اخترقها الشاباك المدجج بكل هذه التكنولوجيا... لكن قد تكون المعلومات التي وصلت إلى الشاباك من خلال مبالغة (حماس) في الحفاظ على صحة الرهائن وتوفير المسكن لهم في ظروف معينة. وهذا يخدم (حماس) من زاوية إعلامية وما إلى ذلك... لكن في زاوية أخرى كان عليهم الانتباه لها، وهي أن كثرة المبالغة في هذا الأمر إن كانت مبالغة حقيقية... فقد تكون المعلومات التي قدمت للشاباك من خلال الملف الطبي».

 

هل لا تزال النصيرات منطقة آمنة؟

يروي الشاهد القريب كيف رصد السكان في مخيم النصيرات عدداً ليس بقليل من الشاحنات التي يستقلها مدنيون. ويقول فلسطينيون إن إسرائيل استخدمت هذه المرة شاحنات مساعدات مغلقة.

الفلسطينيون ينتقلون إلى مناطق أكثر أماناً بعد عمليات نفذتها القوات الخاصة الإسرائيلية في مخيم النصيرات (أ.ف.ب)

ورغم انتقادات الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لما وصفها بأنها «العمليات العسكرية الإسرائيلية التي لا تزال تحصد العشرات من المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة»، وتصريح مقررة الأمم المتحدة الخاصة بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرنشيسكا ألبانيز، بأن جنوداً إسرائيليين اختبأوا داخل شاحنة مساعدات لتنفيذ عملية لاستعادة 4 أسرى بوسط غزة، فإن الجيش الإسرائيلي نفى ذلك تماماً، وقال إن جنوده لم يستخدموا في النصيرات أي سيارة أو شاحنة مساعدات.

كما نفى أدرعي استخدام الجيش الإسرائيلي للرصيف البحري الأميركي على سواحل غزة، في الدخول إلى النصيرات «بأي شكل من الأشكال».

في الوقت نفسه، نفت القيادة المركزية الأميركية استخدام الرصيف البحري المؤقت في غزة، أو أي من المعدات أو العناصر الموجودة به في عملية تحرير محتجزين إسرائيليين بالقطاع أمس (السبت).

وأضافت في بيان: «الإسرائيليون استخدموا منطقة إلى الجنوب من الرصيف البحري في غزة لإعادة المحتجزين لإسرائيل سالمين»، مؤكدة أن «أي مزاعم مخالفة لذلك عارية عن الصحة».

لكن ألبانيز أشارت رغم ذلك إلى ضيقها من تخليص الأسرى الأربعة «على يد قوات إسرائيلية... اختبأت داخل شاحنة مساعدات».

واتهمت ألبانيز إسرائيل باستخدام الرهائن «لإضفاء الشرعية على قتل الفلسطينيين وتجويعهم» في غزة.

 

حدث هذا في النصيرات، وهي منطقة وإن أشبعتها إسرائيل قصفاً في الأسابيع الماضية، فإنها تبقى الوحيدة في القطاع التي لم تتوغل فيها قوة إسرائيلية قبل اليوم.

صبي مصاب يقف في مدرسة تابعة لـ«الأونروا» بمخيم النصيرات (أ.ف.ب)

وقال الشاهد القريب لوكالة «أنباء العالم العربي» إن نجاح إسرائيل في اختراق المنطقة يرجع لعمليات تمويه متنوعة نفذتها خلال الأيام الماضية في النصيرات ومحيطها.

وأضاف: «بدأوا الساعة 11 صباحاً... طلعوا شائعة إن فيه خيمة سيتم قصفها في مستشفى شهداء الأقصى... هذا المستشفى فيه كل الإعلاميين والصحافيين وفيه خيام للنازحين في المكان. طبعاً لما طلع الخبر إنه بده يصير قصف في المستشفى بدأت الناس تخلي وصارت الفوضى».

وصف الشاهد موقع مستشفى شهداء الأقصى قرب المخيم المزدحم، ورسم لنا مكانه على الخط ذاته مع المخيم.

 

قال: «هو مستشفى بعيد عن النصيرات بأقل من كيلومتر واحد. كلهم على نفس الخط الداخلي الطريق يعني... المستشفى على نفس الخط اللي بيجمع المستشفى مع الزوايدة مع النصيرات... وغير كدا الجيش الإسرائيلي توغل اليوم في منطقة دير البلح وصارت اشتباكات... كان الجيش يحاول يجذب المقاتلين اللي في الوسطى إلى دير البلح بحيث يخفف الضغط على المنطقة اللي عاوز يدخل عليها... هي منطقة فارغة اسمها أبو العجين، ولا أعتقد أن فيها أي شيء يخلي الجيش يتوغل فيها. وطلعوا شائعة بأن فيه الاشتباكات وصارت الدبابات تضرب... كانوا يضربون بحيث يجذبون انتباه المقاومة ويشتتوها».

يعتقد مصدر سياسي فلسطيني أن عجز أفراد الحراسة عن التصدي للهجوم وراءه الغارات الكثيفة التي تعرضوا لها، خصوصاً أن المنطقة كانت بين تلك التي تصنفها إسرائيل «مناطق آمنة».

وقال: «صار الاجتياح لمخيم 2 القريب من نتساريم... أما داخل النصيرات أو المنطقة التي يطلق عليها الهايبر مول اللي هي في المخيم وهي منطقة كتير واسعة ومكتظة جداً بالناس. طبعاً هما اختاروا توقيت وقت الذروة بالضبط وطلعوا الإشاعة الخاصة بدير البلح ومواضيع التصعيد وضرب القنابل من أيام في المناطق المحاذية».

فلسطيني يحمل طفلته المصابة من الاجتياح الإسرائيلي للمخيم (د.ب.أ)

وأضاف: «في ساعة الصفر كانوا مراقبين البيتين. فاجأوا الشباب اللي كانوا بيحرسوا واللي كانوا المفروض يفجروا نفسهم ودخلوا ثبتوهم أو قتلوهم... وأخذوا الأسرى. كانت عملية الإسناد كبيرة لأنه من الصعب جداً إنك تنزل مروحية في منطقة مثل هذه... لو أي حد شاف المروحية من فوق أي بيت كان ضربها بسلاحه وقعها وصارت ضربة كبيرة».

 

هل تكررها إسرائيل؟

بين تخليص المسنين فرناندو مرمان (60 عاماً) ولويس هر (70 عاماً) من مخيم الشابورة برفح في 9 فبراير والعودة بالشبان الأربعة من مخيم النصيرات أمس (السبت)، تفرغ الجيش الإسرائيلي للقصف الجوي والمدفعي ومحاولات السيطرة على مناطق من رفح في أقصى جنوبي القطاع.

لكن الضابط السابق في المخابرات الأردنية عمر الرداد، يعتقد أن الجيش سيعاود الكرة لمحاولة تخليص أكبر عدد ممكن من الأسرى من قبضة الفصائل الفلسطينية بعد العملية التي نفذتها قواته اليوم.

وأضاف الرداد لوكالة «أنباء العالم العربي» في رسالة نصية من عمّان: «من المرجح أن يفتح النجاح الإسرائيلي بهذه العملية شهية الجيش والأجهزة الأمنية لتكرارها، وربما بأساليب وتفاصيل جديدة مختلفة. ومن المؤكد أن أي نجاحات مقبلة ستعزز مقاربات إسرائيلية بأن تحرير الرهائن ممكن عبر العمل العسكري والأمني، وهو ما يعني تقليل فرص التفاوض، وبالتالي انتزاع اهم أوراق (حماس) بهذه الحرب».

لكن خبير رسم السياسات الأمنية محمد القاسم، يعتقد أن «حماس» ستكون أكثر حذراً في تعاملها مع الأسرى، خصوصاً في ظل ضيق المساحة التي تتحرك بها بعد توغل الجيش الإسرائيلي في رفح.

وأضاف لوكالة «أنباء العالم العربي»: «هل ستكون هناك عمليات أخرى؟ هذا يعتمد على ما أرادت إسرائيل تحقيقه من هذه العملية. هل أرادت الحصول على صورة تعطيها النصر بحيث عندما تتم الموافقة على مقترح بايدن يكون نتنياهو قد قدم نفسه للمجتمع الإسرائيلي باعتباره منتصراً... أنا وقعت الاتفاقية بعد نصر كبير؟ هل تريد إسرائيل هذه الصورة؟».

وتابع: «إسرائيل قد تستخدم هذه العملية اليوم ورقة ضغط على (حماس) للحصول على مزيد من التنازلات أو لإشعار (حماس) والفلسطينيين بالهيبة المفقودة منذ 7 أكتوبر. وبالتالي تستطيع إسرائيل من خلال هذه العملية أن تفرض على أرض الواقع نقاطاً وشروطاً تفرضها هي».


مقالات ذات صلة

إسرائيل تستحدث منطقة عازلة خارج «الخط الأصفر» بجنوب لبنان

المشرق العربي جندي في الجيش اللبناني يستخدم هاتفه لتصوير دخان يتصاعد من مبنى في زوطر الشرقية تعرض لضربة إسرائيلية (رويترز)

إسرائيل تستحدث منطقة عازلة خارج «الخط الأصفر» بجنوب لبنان

كثّف الجيش الإسرائيلي إجراءاته العسكرية الهادفة إلى تحويل شريط القرى المحاذي لـ«الخط الأصفر» في جنوب لبنان إلى منطقة عازلة خارج الخط.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي زحمة عند نقطة تفتيش إسرائيلية شمال رام الله يوم الخميس (أ.ف.ب)

942 حاجزاً وبوابة عسكرية إسرائيلية تخنق الضفة الغربية

جلب الجيش الإسرائيلي مؤخراً قوات من غزة ولبنان وسوريا إلى الضفة الغربية لتعزيز قواته هناك، حيث ارتفع تصنيف جبهة الضفة من ثانوية إلى مركزية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي رجل يقف فوق مبنى ينظر إلى خيام فلسطينيين نازحين في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

تقرير: 12 خرقاً إسرائيلياً لوقف إطلاق النار في غزة منذ فجر اليوم

ارتكبت القوات الإسرائيلية، منذ فجر اليوم السبت، 12 خرقاً جديداً لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، شملت قصفاً مدفعياً وإطلاق نار مكثفاً.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية صورة التُقطت من قرية زوطر الغربية في جنوب لبنان تُظهر آليات مدرعة إسرائيلية تقوم بمناورات في قرية زوطر الشرقية المجاورة (أ.ف.ب)

تقرير: الجيش الإسرائيلي يدخل «مرحلة جديدة» من القتال في جنوب لبنان

أعلنت «القناة 12» العبرية، اليوم (الجمعة)، أن الجيش الإسرائيلي سيدخل مرحلة جديدة من القتال في جنوب لبنان خلال الأيام المقبلة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي جنديان إسرائيليان يستجيبان لبلاغ عن حادث أمني في عسقلان بجنوب إسرائيل - 10 أكتوبر 2023 (رويترز)

مقتل جنديَيْن إسرائيليَيْن في غزة بانفجار عرضي لمسيّرة

قُتل جنديان إسرائيليان في قطاع غزة، الخميس، جراء انفجار عرضي لطائرة مسيّرة إسرائيلية، وفق ما أعلن مسؤول عسكري الجمعة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

سوريا: توقيف 16 طياراً بسلاح الجو السابق في أقل من شهر

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب- أرشيفية)
عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب- أرشيفية)
TT

سوريا: توقيف 16 طياراً بسلاح الجو السابق في أقل من شهر

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب- أرشيفية)
عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب- أرشيفية)

في تطور أمني لافت، أعلنت السلطات الأمنية السورية عن تنفيذ سلسلة عمليات ضمن حملة واسعة لملاحقة ضباط سلاح الجو السابق، أسفرت عن توقيف 16 ضابطاً، بينهم قادة، خلال أقل من شهر. وتمت عمليات التوقيف على وجه الخصوص في محافظتي اللاذقية وطرطوس، على الساحل السوري، وكذلك في محافظة حلب شمال البلاد.

ونقلت قناة «الإخبارية السورية» الرسمية، السبت، عن مصدر في إدارة مكافحة الإرهاب تأكيده القبض على الطيَّار خلدون حسين مبارك، في ريف مدينة جبلة بمحافظة اللاذقية. وحسب تقارير في الإعلام المحلي، تم القبض عليه في منزله بقرية عين قيطة بريف جبلة، الجمعة.

وكان الطيار مبارك قد نجا من عملية إسقاط طائرته عام 2020، وأفاد حينها الإعلام الرسمي التابع للنظام السوري السابق بأن طائرته سقطت قرب مدينة سراقب في محافظة إدلب، جراء استهدافها من قيل الطيران التركي. وأعاد ناشطون بث مقابلة مع مبارك أكد فيها بعد نجاته مواصلة مهماته العسكرية، حتى لو تكرر استهدافه أكثر من مرة.

الطيارون التسعة الذين قُبض عليهم في اللاذقية (صفحة مراسل الأمن الداخلي في اللاذقية)

ويُعد الطيار خلدون حسين مبارك الطيار السادس عشر الذي تم توقيفه خلال أقل من شهر. فقد أعلن قائد الأمن الداخلي بمحافظة طرطوس العقيد عبد العال محمد عبد العال، يوم 18 سبتمبر (أيلول) الجاري، تنفيذ سلسلة من العمليات الأمنية الدقيقة، بالتعاون مع إدارة مكافحة الإرهاب، أفضت إلى إلقاء القبض على 5 من كبار الضباط في سلاح الجو السابق، وهم: اللواء محمد فجر علي، والعميد الركن الطيار عبد الله علي معلا، والعقيد الركن الطيار نضال حسين صالح، والعقيد محمد علي سليم، والمقدم الطيار طالب عبد الكريم حسن. وجاء توقيفهم بناء على الاشتباه بتورطهم في التخطيط وإدارة وتنفيذ عمليات قصف جوي استهدف «مناطق مأهولة» خلال الحرب، حسبما أعلنه قائد الأمن الداخلي؛ مشيراً إلى أن التحقيقات تتواصل لحصر مسؤولياتهم الجنائية عن الغارات والانتهاكات المنسوبة إليهم، تمهيداً لإحالتهم إلى القضاء المختص وفق الأصول القانونية.

وسبق ذلك إعلان الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، في العاشر من الشهر ذاته، توقيف 9 طيارين، هم: العميد الركن منهل أنور صالح، والعميد سامي إبراهيم محمود، والعميد غياث علي الرحية، والعقيد عيسى عز الدين خضور، والعقيد مروان صلاح نافش، والعقيد بشار سمير ونوس، والمقدم أيهم حمزة عليا، والنقيب أيهم أحمد داود، والنقيب عمار عيسى جنيدي، حسبما نشرت قوى الأمن عبر حساباتها الرسمية.

وقال قائد الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، العميد عبد العزيز الأحمد، إن التحقيقات أظهرت «مشاركتهم في ارتكاب جرائم وانتهاكات بحق الشعب السوري في عدد من المحافظات، مستغلين مواقعهم العسكرية واختصاصهم في سلاح الطيران الحربي والمروحي، وما رافق ذلك من عمليات قصف واستهداف أدت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا بين قتيل وجريح، وإلحاق أضرار بالمدن والبلدات، وتهجير الأهالي وتدمير المنازل والمنشآت والمرافق المدنية».

أفراد من قوى الأمن الداخلي السورية (قوى الأمن الداخلي عبر تلغرام)

وسجل الطيارون التسعة أكثر من 3200 ‏‏‏‏ساعة طيران وطلعات جوية خلال سنوات الثورة، حسب مصدر في وزارة الداخلية السورية، قال إن التحقيقات أشارت إلى تنفيذهم غارات جوية استخدموا فيها أنواعاً مختلفة من المروحيات الهجومية والمقاتلات النفاثة التي «استهدفت كثيراً ‏‏‏‏من المناطق، ولا سيما الغوطة الشرقية، ومدينة حلب وريفها، ودير الزور وريفها، ‏‏‏‏وريف حماة»، وفق ما نقلته وكالة «سانا» الرسمية.

وفي الخامس من سبتمبر، كشفت قوى الأمن الداخلي في محافظة حلب عن تنفيذ عملية أدت إلى توقيف العميد الطيار حميدي علي مراد، وهو أحد كبار القادة في سلاح الجو السوري؛ حيث تولى خلال سنوات خدمته إدارة مطارات عسكرية عدة، منها مطار المزة في دمشق، ومطار التيفور بريف حمص الشرقي، ومطار كويرس شرق حلب. إلى جانب قيادته الكلية الجوية.

وتتهم السلطات السورية الطيارين الموقوفين بالتورط -حسب موقع كل منهم ومسؤوليته- في التخطيط لعمليات القصف الجوي وإدارتها وتنفيذها، والاستفادة من سلاح الجو والقواعد الجوية ومراكز التوجيه الميداني لتنفيذ غارات قتالية استهدفت مناطق مأهولة، ما أسفر عن تدمير أحياء سكنية وبنى تحتية، وتهجير قاطنين قسراً، إضافة إلى خسائر بشرية واسعة، وفق «الإخبارية السورية».

ويشار إلى أن وزارة الداخلية كانت قد بثت في أبريل (نيسان) الماضي مقاطع من اعترافات عدد من الطيارين الذين تم توقيفهم العام الماضي، أبرزهم الطيار عبد الكريم أحمد عليا، وميزر صوان الملقب بـ«عدو الغوطتين». وكشفت الاعترافات أن استخدام الطائرات المقاتلة ضد السوريين الثائرين على نظام بشار الأسد، بدأ عام 2013، أي بعد عامين من اندلاع الاحتجاجات. كما أكدت الاعترافات تدخل بشار الأسد بشكل مباشر في تحديد أهداف القصف الجوي.


إسرائيل تستحدث منطقة عازلة خارج «الخط الأصفر» بجنوب لبنان

جندي في الجيش اللبناني يستخدم هاتفه لتصوير دخان يتصاعد من مبنى في زوطر الشرقية تعرض لضربة إسرائيلية (رويترز)
جندي في الجيش اللبناني يستخدم هاتفه لتصوير دخان يتصاعد من مبنى في زوطر الشرقية تعرض لضربة إسرائيلية (رويترز)
TT

إسرائيل تستحدث منطقة عازلة خارج «الخط الأصفر» بجنوب لبنان

جندي في الجيش اللبناني يستخدم هاتفه لتصوير دخان يتصاعد من مبنى في زوطر الشرقية تعرض لضربة إسرائيلية (رويترز)
جندي في الجيش اللبناني يستخدم هاتفه لتصوير دخان يتصاعد من مبنى في زوطر الشرقية تعرض لضربة إسرائيلية (رويترز)

كثّف الجيش الإسرائيلي إجراءاته العسكرية الهادفة إلى تحويل شريط القرى المحاذي لـ«الخط الأصفر» في جنوب لبنان إلى منطقة عازلة خارج الخط، وعبارة عن أرض محروقة لا يقيم فيها السكان، ولا تتضمن أي منازل أو منشآت مدنية، وسط مخاوف لبنانية بأن يكون ذلك جزءاً من خطة لاحتلال طويل الأمد.

وعلى مدى أسابيع نفذ الجيش الإسرائيلي عشرات التفجيرات في بلدات لم تكن مدرجة ضمن «الخط الأصفر» الذي رسمه لمنطقة أمنية حددها في جنوب لبنان، وتصل في بعض المناطق إلى 12 كيلومتراً في العمق اللبناني عن الحدود.

وطالت تلك التفجيرات بلدات المنصوري وبيوت السياد ومجدل زون في القطاع الغربي، وبلدات برعشيت وبيت ياحون وحداثا في القطاع الأوسط، وبلدات زوطر الشرقية، والنبطية الفوقا وكفرتبنيت في القطاع الشرقي. كما وسع الجيش الغارات الجوية، والقصف المدفعي إلى بلدات كفررمان، ومرتفعات الجبل الرفيع بمحيط النبطية، وعيتا الجبل، ووادي زبقين، وغيرها.

سكان محليون يشاهدون محلقة إسرائيلية تراقبهم في بلدة زوطر الغربية بجنوب لبنان (رويترز)

تخطيط لاحتلال طويل

ومع أن تلك البلدات تقع خارج «الخط الأصفر»، إلا أن استهدافها وطرد السكان منها وتحويلها إلى مناطق مدمرة وخطرة «يعني أن إسرائيل تخطط لاحتلال طويل الأمد للمناطق التي تحتلها»، حسبما يقول مصدر أمني في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»، لافتاً إلى أن القوات الإسرائيلية «تحول المنطقة المحاذية للخط الأصفر إلى منطقة محروقة بمثابة منطقة عازلة جديدة خارج المنطقة العازلة التي استحدثها بين الحدود مع لبنان والخط الأصفر».

وقال المصدر إن إجراءً مشابهاً «يعني أن إسرائيل تسعى لإبعاد السكان، وإحباط محاولة رصد تحركات، وتموضعات قواتها داخل المنطقة المحتلة من قبل (حزب الله)»، مضيفاً أن «المخاوف من استئناف أعمال المقاومة والعمليات العسكرية الموجهة في المستقبل تدفع إسرائيل لإجراء مشابه».

وحسب المصدر: «لا تقتصر أبعاد هذه الإجراءات على الشق الأمني، إذ تنطوي على شق عسكري أيضاً يتمثل في تمهيد الطريق لقضم أي منطقة تنوي التقدم إليها بسرعة، من دون أن يترتب عليها مخاطر تُذكر في أي محاولات تقدّم يمكن أن تقدم عليها إذا حاز الجيش الإسرائيلي على موافقة سياسية»، واصفة هذه الإجراءات بـ«الخطيرة».

إفراغ البلدات وتدميرها

وأفرغ الجيش الإسرائيلي بلدة المنصوري، الواقعة جنوب مدينة صور، في شهر يونيو (حزيران) الماضي من سكانها بالكامل، إثر إلقاء منشورات تضمنت دعوة فورية للسكان للمغادرة، والإخلاء نظراً لخطورة المنطقة، علماً أن البلدة كانت تقيم فيها 37 عائلة عادت بعد وقف إطلاق النار. كما استهدفت محلقات إسرائيلية نقاط انتشار الجيش اللبناني فيها، مما دفعه للتراجع.

ومنذ ذلك الوقت نفذ الجيش الإسرائيلي أكثر من 130 تفجيراً، حسبما تقول مصادر تتحدر من المنصوري لـ«الشرق الأوسط»، مضيفة أن دبابات الجيش الإسرائيلي والآليات العسكرية «تدخل البلدة وتخرج منها بشكل شبه يومي لتنفيذ أعمال التفخيخ». وأشارت إلى أن آليات عسكرية «عبرت وسط البلدة إلى منطقة البركة الواقعة غربها قرب الطريق الساحلي، وفخخت منازل وقطعت الأشجار». وقالت إنه «بعد تدمير مسجد البلدة، لم يعد بالإمكان معرفة الأحياء المستهدفة بالتفجيرات، أو بالقصف المدفعي، باعتباره المعلم الذي كان يتم الاستناد إليه في تحديد مواقع التفجيرات».

تلامذة يقفون قرب حائط مدرسة في بلدة برج قلاويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وينسحب الأمر على بلدات حداثا وبيت ياحون التي «أخليت تماماً من سكانها إثر التوغلات الإسرائيلية، والقصف اليومي»، أما بلدة برعشيت «فباتت شبه خالية من السكان»، كما تقول مصادر محلية في القطاع الأوسط لـ«الشرق الأوسط». وتتعرض عيتا الجبل لقصف مدفعي يومي، وتوغلات في محيطها، مما دفع معظم السكان لمغادرتها «بعدما باتت منطقة خطرة».

هذا الواقع يُطبق أيضاً في كفرتبنيت والنبطية الفوقا «اللتين باتتا خاليتين تماماً، وشبه مدمرتين بالكامل» على إيقاع تفجيرات في الأولى، وقصف وغارات في الثانية. وفرغت النبطية الفوقا من السكان إثر استهداف إسرائيلي لمدرّسة وأطفالها كانوا في طريقهم إلى منزلهم لإحضار بعض الامتعة في يونيو الماضي.

مناطق غير مستقرة

وتعاني المناطق المواجهة للبلدات المحتلة شرق وادي الحجير ووادي السلوقي من قصف مدفعي يومي، وغارات جوية، وتحليق متواصل للمسيرات الإسرائيلية. وقال المصدر الأمني في الجنوب إن تلك البلدات «لا تشبه أحوالها، حال البلدات الواقعة على خط التماس مع (الخط الأصفر)، لأنها بعيدة نسبياً، لذلك لم تخلُ من سكانها، لكنها باتت عرضة لقصف متواصل، مما يجعلها غير مستقرة»، في إشارة إلى استهداف بلدة شقرا، والبلدات الواقعة على الأطراف الغربية لوادي الحجير.

تفجيرات وغارات

هذا الواقع تعكسه تطورات السبت، حيث استهدف قصف مدفعي منطقة وادي السلوقي -محيط بلدة شقرا، وأطراف زوطر الشرقية. كما استهدفت سلسلة غارات عنيفة الجبل الرفيع والريحان بين إقليم التفاح وقضاء جزين سمعت أصداؤها إلى مدينة صيدا وجوارها. ورصدت 3 غارات على أطراف بلدة سجد نُفذت بصواريخ ارتجاجية وصل صداها إلى الزهراني. وفي القطاع الغربي، قصفت القوات الإسرائيلية بالمدفعية مناطق المنصوري، ومجدل زون، ووادي حسن، وهز تفجير ضخم إسرائيلي بلدة الطيري، وهز تفجير عنيف آخر مجدل زون.

وأفيد بتقدّم قوة إسرائيلية إلى الجهة الجنوبية من أطراف بلدة دير ميماس في قضاء مرجعيون، وتحديداً عند كروم الزيتون.

كما نفذت بعد منتصف ليل الجمعة – السبت تفجيرات عنيفة في برعشيت، وحداثا، ومحيط بلدة بيت ياحون.


ماذا بعد انتقادات الأردن «غير المسبوقة» لإسرائيل؟

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني خلال خطابه أمام الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)
العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني خلال خطابه أمام الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

ماذا بعد انتقادات الأردن «غير المسبوقة» لإسرائيل؟

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني خلال خطابه أمام الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)
العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني خلال خطابه أمام الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)

يستعد مسؤولون أردنيون للتعامل مع «هجمة» إسرائيلية محتملة على خلفية الخطاب الأخير للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي وجّه فيه انتقادات شديدة للسياسات الإسرائيلية. وقالت مصادر مطلعة في عمّان إن «الهجمة المرتقبة قد تكون على جبهات متعددة، دبلوماسية وسياسية، والأخطر إلكترونية». والأخيرة على وجه الخصوص تشكل قلقاً رسمياً لسرعة تأثر المزاج العام في البلاد بما تنشره مواقع الاتصال الاجتماعي.

ما سبق يُمهد لمحاولة تفسير عبارات ومواقف العاهل الأردني التي اعتبرها مراقبون بمثابة «طلاق» في العلاقة السياسية بين عمّان وتل أبيب، وهو ما فاجأ سلطات دستورية في البلاد استمعت إلى «خطاب سياسي على منبر أممي موجّه للداخل الأردني والجوار المكتظ بمشاهد الفوضى وعدم الاستقرار»، بحسب ما قالت مصادر مطلعة. وبرأي متابعين، فإن مواقف الملك عبد الله الثاني «لها ما بعدها» على صعيد المشهد الداخلي والإدارة اليومية لأزمات مرتقبة، مع الأخذ بالاعتبار التغيّرات الجذرية في الحياة الإسرائيلية وتأثر المملكة الأردنية المباشر بسياسات التطرف التي تنتهجها أحزاب وحكومات إسرائيلية.

الملك عبد الله الثاني بجانب الرئيس دونالد ترمب خلال لقاء ضم عدداً من القادة العرب على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم 22 سبتمبر (رويترز)

ورداً على سؤال لـ«الشرق الأوسط» عن سبب اختيار الملك عبد الله المكان والزمان لإعلان موقفه الحاد من حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، قال موظفون سابقون عملوا بالقرب من العاهل الأردني إن الملك عبد الله الثاني لا يثق برئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ويصفه بالكاذب. وتابعوا أن إسرائيل تستفز الأردن من خلال استمرار الانتهاكات في المسجد الأقصى والحرم القدسي، وتتعمد بذلك إثارة الشارع الأردني.

ولفتوا إلى أن إسرائيل «تتعمد» أيضاً «نقض بروتوكول إدخال المساعدات الأردنية عن طريق الهيئة الخيرية الهاشمية والحملة الأردنية إلى قطاع غزة، وتتعمد تعطيل الإجراءات والموافقات وعمليات التسليم بهدف تقليل كميات المساعدات عن طريق المملكة الأردنية، واتهام الأردن بالتقصير بإدخال المساعدات». وأشار هؤلاء إلى أن إسرائيل رفضت بيع المياه إلى الأردن خلال العامين الماضيين بقصد خلق أزمة محلية، وهذا ما يمثّل مخالفة لمعاهدة السلام (معاهدة وداي عربة).

وبرأي المصادر نفسها، سعى اليمين المتطرف الإسرائيلي إلى تزوير الحقائق، وتغيير الواقع، والعبث بتاريخ العلاقة الأردنية - الإسرائيلية، من خلال بث فتن بين الأردنيين تستهدف الأصول والمنابت الشرقية مقابل الأصول الفلسطينية. كذلك أشارت هذه المصادر إلى محاولة إسرائيل استذكار قرار فك الارتباط الإداري مع الضفة الغربية، وهو قرار أردني صدر عام 1988.

وتضيف المصادر نفسها أن هناك متغيراً جديداً ومهماً يتمثل بسلسلة التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري، والتهديد التي تمثله تلك التوغلات على المصالح الوطنية العليا والأمن الوطني الأردني، والعبث بمصادر حصص الأردن من المياه المشتركة في نهر اليرموك وسد الوحدة، وبالتالي عودة القلق الأردني مما يحصل على حدوده الشمالية.

موقع أثري قرب مستوطنة إسرائيلية في غور الأردن تم فيه ملء بركة بمياه كانت مخصصة لري مزارع فلسطينية بالضفة الغربية يوم 19 يونيو 2026 (أ.ب)

وفي رأي هذه المصادر، فإن استمرار إسرائيل بنقض بنود قانون معاهدة السلام الأردنية - الإسرائيلية، قد يدفع عمّان إلى اتخاذ خطوات عملية تجاه تعطيل بند أو أكثر من بنود المعاهدة.

ويُدرك الأردن حساسية «ضرب أسافين» الفتنة بين فئات الشعب الأردني، وهي الفئات التي تجاوزت تاريخاً من العلاقة المُلتبسة بفعل اضطرابات نهاية ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، والتي انتهت باعترافات كثيرة عن أخطاء ارتكبتها فصائل فلسطينية مسلحة.

الإسلاميون في ميزان المصالح والخصومة

ما سبق يمكن أن يُفسر رغبة بعض مراكز قرار في البلاد في إعادة ترتيب الأوراق المحلية، وإعادة تدوير الزوايا الحادة في العلاقة مع حزب الأمة (جبهة العمل الإسلامي سابقاً) بصفته حزباً يملك حضوراً في الشارع، وبصفته يستطيع ممارسة ترشيد خطاب الشارع واحتواء شعاراته، بشكل يدعم النظام السياسي في البلاد ولا يعارضه.

وقد ظلت تلك الفكرة حاضرة منذ عامين، في وقت كان يتم فيه تجهيز ملف يتضمن تجاوزات جماعة «الإخوان المسلمين» التي جرى تفعيل قرار قضائي بحلها ومصادرة ممتلكاتها واعتبار جميع نشاطاتها محظورة في البلاد.

وفي مقابل تحريك هذا الملف، كان آخرون يطالبون بالتأني قبل التصعيد القانوني ضد الحزب والجماعة. فقد كانت المؤشرات حينها تتحدث صراحة عن مستقبل علاقة مضطرب مع دولة الاحتلال. وفي رأي هؤلاء يمكن استخدام ورقة الإسلاميين في شكل يحمي البلاد من الضغوط الخارجية للقبول بصفقة تضر بالمصالح الأردنية، بحجة الخوف من إثارة الفوضى في الشارع الأردني الذي يتأثر بتطورات سياسات الاحتلال ضد الفلسطينيين. وقد يساعد التاريخ السياسي الأردني الحديث في معرفة تلك المساحة من التفاهمات بين الحركة الإسلامية والمؤسسة الرسمية، في أكثر من مناسبة.

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني خلال خطابه أمام الجمعية العامة في نيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (بترا - د.ب.أ)

وفي سياق ما يمكن تفسيره على أنه «رسالة حسن نيات» في استجابة الحركة الإسلامية لفكرة التقارب مع المؤسسة الرسمية، جاءت انتخابات الأمين العام لحزب «الأمة» التي جرت السبت الماضي، حاملة رسالة تُفيد باختيار الجماعة والحزب سياسة التهدئة. فوسط منافسة صعبة، تقدّم معاذ الخوالدة على محمد القطاونة بفارق قليل من الأصوات، قبل انسحاب الأخير من منافسات الجولة الثانية.

ومثّلت تلك الانتخابات ونتائجها ما يمكن اعتباره انتصاراً لتيار «التغيير والإصلاح» داخل الحزب بعد فك الارتباط وتبعية العلاقة التنظيمية (تحت طائلة المساءلة) بجماعة «الإخوان المسلمين». وقد يستفيد الحزب نفسه من اختيار الخوالدة الذي سبق وأن كان قيادياً بارزاً في صفوف الجماعة وناطقاً رسمياً باسمها. وهو شخص كان يميل في تصريحاته إلى الدبلوماسية وعدم التصعيد مع الرسميين.

الموقف الأردني

وأكدت مصادر سياسية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» ما وصفته بـ«جدية التهديدات الأردنية لإسرائيل»، والمقصود بهذا التحذير مخاوف الأردن الرسمي إزاء أي «تهديد إسرائيلي على الحدود الشمالية» للبلاد، مضيفة أن الأردن «لن يبقى مكتوف الأيدي ومن حقه حماية مصالحه العليا»، خصوصاً أمام استمرار الاجتياحات الإسرائيلية لمناطق في الجنوب السوري، و«التهديدات المحتملة بتغيير الخرائط على الأرض، ومصادرة المياه المشتركة بين عمّان ودمشق في نهر اليرموك وسد الوحدة».

واعتبر خبراء استراتيجيون يمثّلون قطاعات عسكرية ودبلوماسية، ومسؤولون رسميون تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، أن العاهل الأردني اختار هذا العام «لغة التصعيد بخصوص تصرفات إسرائيل في المنطقة»، في ظل تطور السياسات المتطرفة لحكومة اليمين، بقيادة بنيامين نتنياهو، والتي من شأنها «قتل حل الدولتين».

ولفت هؤلاء إلى أن حدة النقد الأردني لإسرائيل «غير مسبوقة»، مشيرين إلى أن الأردن الرسمي يعتبر أن إسرائيل، في ظل بقاء حكومة اليمين المتطرف، هي «دولة مارقة» بسبب استمرار «انتهاكها للقوانين الدولية وعدم احترامها للشرعية الدولية واستعدائها لمحيطها».

ولفت مقربون من القصر، في حديثهم لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الملك عبد الله الثاني «اختار استخدام لغة حادة تجاه إسرائيل»، وسط مخاوف من «تهجير فلسطينيين قسراً (من الأراضي الفلسطينية) باتجاه الأردن»، وهو ما يعتبره الأردن الرسمي «جريمة حرب». وتابعوا أن الأردن يواجه أيضاً خطراً مضاعفاً في ظل استمرار توسع إسرائيل في الجنوب السوري.

مركبات عسكرية إسرائيلية تمر في سوريا بالقرب من خط وقف إطلاق النار بين مرتفعات الجولان المحتلة وسوريا... كما شوهدت من مجدل شمس بمرتفعات الجولان يوم 15 ديسمبر 2024 (رويترز)

وكان الملك الأردني قد انتقد عدم انتباه المجتمع الدولي إلى سوريا التي تمثل «إنذاراً»، مشيراً إلى أن «التوغلات الإسرائيلية المتكررة، والتوسع الجغرافي الذي يتمدد، وفرض حقائق جديدة على الأرض» عناصر يمكن أن تؤدي إلى المس بمصادر مائية حيوية للأردن.

وشدد العاهل الأردني على أن أي تهديد للحدود الشمالية أو الأمن المائي هو «تهديد لأمننا القومي»، مضيفاً أن بلاده «لن تشيح بنظرها، بل سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالحنا».

وأدرك الأردن الرسمي مبكراً أن أول ردود الفعل الإسرائيلية على خطاب الملك عبد الله الثاني، سيكون عبر هجمات مُكثفة ومنظمة على منصات التواصل الاجتماعي بهدف توجيه انتقادات لشخصيات وسياسات رسمية. وتعتبر الجهات المعنية في عمّان أن إسرائيل طورت من قدراتها في الحرب الإلكترونية في عدة مجالات، لكن الأردن يبذل جهوداً للتصدي للهجمات التي تستهدفه.

وكانت رحلة العاهل الأردني الأخيرة للصين أثارت تحفظات لدى الإدارة الأميركية التي سعت إلى إلغائها، وإحباط أي مشاريع لإبرام اتفاقات عسكرية مع بكين، بحسب مصادر «الشرق الأوسط». وجاء ذلك في وقت عزز فيه الأردن من تحالفه العسكري مع فرنسا بتوقيع اتفاقية رابعة تؤطّر وتدعم وتنظم الاتفاقات السابقة.

وتؤكد المصادر نفسها أن الأردن «ينوّع خياراته لكنه لا ينقلب على تحالفاته». وتأتي هذه التطورات في ظل حبل العلاقة المشدود بين عمّان وواشنطن، علماً بأن الدعم العسكري الأميركي للجيش الأردني مستمر.

ويتوقع سياسيون أردنيون أن مواقف العاهل الأردني الأخيرة من إسرائيل، لها ما بعدها لصالح تعميق الأزمة في العلاقة السياسية والدبلوماسية بين البلدين. وقد انتقلت العلاقة مع دولة الاحتلال من الفتور إلى التوتر إلى انقطاع مستويات الاتصال الدبلوماسي على مستويات متقدمة، في حين تظل قنوات الاتصال الأمني واحدة من المزايا المشتركة التي وفّرتها مظلة معاهدة السلام.

والسفارة الإسرائيلية في عمّان لا تزال مهجورة من العاملين منذ نهاية أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وفي حين لم تتم عودة السفراء بين البلدين، فإن السفارة الأردنية في تل أبيب يقتصر عملها على تقديم بعض الخدمات القنصلية.