المساعدات الأميركية تحدث فرقاً في الحرب الأوكرانية لكن تأثيرها ليس حاسماً بعد

كييف تواجه عجزاً في سلاح المدفعية وموسكو خسرت 60 مليار دولار من المعدات

الرئيس الأميركي جو بايدن يصافح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبيل اجتماعهما في باريس الجمعة (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن يصافح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبيل اجتماعهما في باريس الجمعة (أ.ف.ب)
TT

المساعدات الأميركية تحدث فرقاً في الحرب الأوكرانية لكن تأثيرها ليس حاسماً بعد

الرئيس الأميركي جو بايدن يصافح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبيل اجتماعهما في باريس الجمعة (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن يصافح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبيل اجتماعهما في باريس الجمعة (أ.ف.ب)

كشفت تقارير إخبارية وعسكرية وخرائط الأقمار الصناعية لساحة المعركة، جمعتها مجموعات مراقبة مستقلة، وتحليلات مراكز أبحاث متخصصة، أن عودة تدفق الأسلحة الغربية، وخصوصاً الأميركية، بدأت تحدث فرقاً في أوكرانيا. جاء ذلك بعد أيام من إعطاء الرئيس الأميركي جو بايدن الإذن لأوكرانيا باستخدام الأسلحة التي قدّمتها الولايات المتحدة في استهداف الأراضي الروسية الحدودية التي تنطلق منها الهجمات، وخصوصاً على مدينة خاركيف، في تراجع عن قيود دامت أكثر من عامين، حاولت تجنب تصعيد الصراع مع روسيا المسلحة نووياً.

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مصادر في الجيش الأوكراني أن الأسلحة الأميركية بدأت تحدث فرقاً، مقابل القوات الروسية التي كانت لا تزال تحاول دفع سلاح مدفعيتها إلى مناطق حدودية قريبة من خاركيف، للاستفادة من تفوقها في هذا المجال.

مدفع «هاوتزر» أوكراني يطلق النار على مواقع روسية في كوبيانسك (رويترز)

ونشرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، الجمعة، قائمة مفصلة بالأسلحة والمعدات التي قدمتها الولايات المتحدة إلى أوكرانيا، والتي بلغت قيمتها نحو 52 مليار دولار منذ بداية إدارة بايدن، بما في ذلك أكثر من 51 مليار دولار منذ الغزو الروسي في 24 فبراير (شباط) 2022. وتشمل بطاريات الدفاع الجوي «باتريوت» و«ناسامس» و«هوك» وصواريخ «ستينغر»، وطائرات مسيرة من أنواع مختلفة، وأنظمة الرادار، وصواريخ «هيمارس» ومدافع «هاوتزر»، ومدافع هاون من عيارات مختلفة، ودبابات «أبرامز» وناقلات الجند «برادلي» ومعدات حماية وإزالة ألغام. وشملت القائمة لائحة طويلة من المعدات، التي تظهر أن الولايات المتحدة كانت ولا تزال أكبر داعم للجيش الأوكراني حتى الآن.

ومع سعي بايدن لمواصلة حشد الدعم لأوكرانيا خلال زيارته المستمرة إلى فرنسا، فقد وصلت الذخائر والأسلحة من حزمة المساعدات التي وافق عليها الكونغرس الشهر الماضي إلى الجبهة بكميات كافية للمساعدة في إعادة استقرار خطوط الدفاع الأوكرانية، بحسب الجيش الأوكراني.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي رفقة وزير القوات المسلحة الفرنسية سيباستيان ليكورنو أمام مركبة تحمل راداراً عسكرياً في باريس (أ.ف.ب)

استهداف تجمعات الروس

ويؤكد الجنود الأوكرانيون أن أطقم مدفعيتهم بات بإمكانها الآن إطلاق القذائف بشكل مستقر، مستهدفة تجمعات القوات الروسية القريبة، بعد توفر الذخيرة، وهو ما أدى إلى وقف التقدم الروسي إلى حد كبير في منطقة خاركيف، بعد الهجوم الذي بدأ في 10 مايو (أيار) الماضي.

ولكن إلى الجنوب، وخصوصاً في منطقة دونباس، جدّدت روسيا هجماتها على الخطوط الأوكرانية. ورغم ذلك، تؤكد تقارير عسكرية وصور الأقمار الصناعية أن خط الجبهة بشكل عام لم يتغير منذ أكثر من أسبوعين، على الرغم من القتال العنيف.

وبعدما كانت القوات الروسية تتقدم بشكل سريع نسبياً، مستفيدة من سلاح مدفعية الميدان الذي تتفوق فيه، وتدفع لتقريب مرابضها لقصف خاركيف، بشكل أكثر كثافة وفاعلية، بات عليها الآن الاعتماد على القنابل الجوية والصواريخ بعيدة المدى، الأكثر تكلفة من قذائف المدفعية. ومع استعادة القوات الأوكرانية لمخزوناتها من قذائف المدفعية والسماح لها باستهداف تجمعات القوات الروسية خلف الحدود القريبة، بات على الجيش الروسي القيام مرة أخرى بهجمات أكثر حدة وخطورة وتكلفة، عمّا كان عليه الحال الشهر الماضي.

وفيما حاولت روسيا الاستفادة من إجبار الأوكرانيين على سحب كثير من وحداتهم من مناطق الجنوب، لدعم دفاعات خاركيف، بما يؤدي إلى إضعاف دفاعاتهم في دونباس، يؤكد الجيش الأوكراني فشل هذه الخطة. وقال إن مدفعيته غيّرت تكتيكاتها، وهي الآن تستهدف مرة أخرى الهجمات على الخطوط الأوكرانية التي تشنها وحدات روسية صغيرة، يجري التضحية بها، مجبراً الجيش الروسي على الدفع بوحدات أكبر، يمكن كشفها بسهولة.

جمود في دونباس

وفي منطقة دونباس، فقد سجّلت صور الأقمار الصناعية هدوءاً لافتاً على الجبهات التي لم يطرأ عليها أي تغيير منذ أكثر من أسبوع، وهو ما عدّه معهد أبحاث السياسة الخارجية علامة على أن القوات الروسية «لم تستفد من هجوم خاركيف»، على الرغم من أنها تمكنت من إقناع أوكرانيا بنقل عدد من القوات من دونباس. وشهدت منطقة دونباس الجنوبية أعنف قتال في الأسابيع الأخيرة، بحسب خرائط الأقمار الصناعية.

ورغم ذلك، فقد حقّق الجيش الروسي ليل الأربعاء إلى الخميس تقدماً صغيراً بالقرب من قرية سوكيل، وفقاً للجنود الأوكرانيين. وقال محللون إن وصول المساعدات الغربية سهّل على أوكرانيا الدفاع عن مواقعها، لكن لم يكن له تأثير حاسم بعد. وقال المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية: «لقد أحدث قرار بايدن التغيير الرئيسي، ليس في ساحة المعركة، ولكن بين جميع الدول الأخرى التي حذت حذوها». وأضاف أن روسيا احتفظت بميزة كبيرة في القوة البشرية والقوة النارية. ومن المرجح أن تظل في موقع الهجوم معظم العام. وأضاف: «لكن في مرحلة ما، قد تواجه نقصاً في الدبابات والمركبات المدرعة، حيث تنشر عدداً كبيراً منها على جبهة أفدييفكا منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكن ربما لا تكون قادرة على تحمل معدلات خسائر مستدامة فيها على المدى الطويل».

قوات أوكرانية في دونباس (أ.ف.ب)

60 مليار دولار خسائر في معدات روسيا

ونقلت مجلة «نيوزويك» عن مصادر عسكرية أوكرانية وغربية أن إجمالي خسائر المعدات الروسية منذ بداية الحرب بلغ أكثر من 60 مليار دولار. وأضافت أن نجاح روسيا في تجديد كثير من آلياتها العسكرية، بعدما حوّلت قاعدتها الصناعية إلى حالة الحرب، سيكون قاصراً على تجديد المعدات عالية التقنية أو تعويضها بسبب تكلفتها العالية.

القادة العسكريون الأوكرانيون متهمون بقصف إقليم دونباس الأوكراني الذي تحتله روسيا (رويترز)

وفقد أسطول روسيا في البحر الأسود في الأسابيع الأولى من الحرب الطراد «موسكفا»، الذي كان يعد جوهرة الأسطول، وتصل قيمته إلى 750 مليون دولار، بعدما استهدف بصواريخ نبتون الأوكرانية المضادة للسفن. وفي سبتمبر (أيلول) 2023، ضربت صواريخ «ستورم شادو» البريطانية الفرنسية قاعدة أسطول البحر الأسود في سيفاستوبول في القرم، وأصابت غواصة «روستوف أون دون» بأضرار لا يمكن إصلاحها، وتصل قيمتها إلى 300 مليون دولار. وألحقت أوكرانيا أضراراً أو دمرت كثيراً من سفن الإنزال الروسية باهظة الثمن، بما في ذلك «مينسك» و«نوفوتشركاسك» و«أولينيغورسكي غورنياك»، المعروفة أيضاً باسم «المشروع 775» أو «سفن فئة روبوتشا». ولا يمكن استبدال هذه السفينة مباشرة بسفينة جديدة، وتبلغ تكلفتها أكثر من 214 مليون دولار. وعملياً، أدت الهجمات الأوكرانية على أسطول البحر الأسود الروسي إلى إخراجه من المنطقة وتحييده من المشاركة في قصف الجنوب الأوكراني.

كما دمّر الجيش الأوكراني نظام القيادة والتحكم بالحرب الإلكترونية الروسي النادر، المعروف باسم «آر بي 109 إيه بايلينا»، في يناير (كانون الثاني) الماضي، ويعد خسارة «كبيرة جداً».


مقالات ذات صلة

ترمب يشيد برئيس هندوراس الجديد بعد محادثات في الولايات المتحدة

الولايات المتحدة​ صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب وبنظيره الهندوراسي نصري عصفورة (ا.ف.ب)

ترمب يشيد برئيس هندوراس الجديد بعد محادثات في الولايات المتحدة

أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، بنظيره الهندوراسي نصري عصفورة، الذي دعمه خلال حملته الانتخابية، عقب اجتماع عقد في منتجع مارالاغو الذي يملكه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أثناء مؤتمر صحافي بفلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

تقرير: نتنياهو سيؤكد لترمب ضرورة القضاء التام على المشروع النووي الإيراني

ذكر موقع إسرائيلي أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سيؤكد للرئيس الأميركي دونالد ترمب إصرار إسرائيل على القضاء التام على المشروع النووي الإيراني.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شمال افريقيا عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)

مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

أعربت مصر عن تقديرها للدور المهم والبنّاء الذي تضطلع به سلطنة عُمان واستضافتها المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

ترمب يشيد برئيس هندوراس الجديد بعد محادثات في الولايات المتحدة

صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب وبنظيره الهندوراسي نصري عصفورة (ا.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب وبنظيره الهندوراسي نصري عصفورة (ا.ف.ب)
TT

ترمب يشيد برئيس هندوراس الجديد بعد محادثات في الولايات المتحدة

صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب وبنظيره الهندوراسي نصري عصفورة (ا.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب وبنظيره الهندوراسي نصري عصفورة (ا.ف.ب)

أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، بنظيره الهندوراسي نصري عصفورة، الذي دعمه خلال حملته الانتخابية، عقب اجتماع عقد في منتجع مارالاغو الذي يملكه الملياردير الجمهوري في ولاية فلوريدا الأميركية.

والأسبوع الماضي، تم تنصيب عصفورة، رجل الأعمال المحافظ والرئيس السابق لبلدية تيغوسيغالبا، رئيسا لهندوراس بعد فوزه في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) بدعم من ترمب.

وكان ترمب هدّد بقطع المساعدات عن أفقر دولة في أميركا الوسطى إذا هُزم «صديقه».

وكتب ترمب على منصته «تروث سوشال» «لقد عقدت اجتماعا مهما جدا مع صديقي ورئيس هندوراس، نصري +تيتو+ عصفورة».

وأضاف «بمجرد أن قدمت له دعمي القوي، فاز في الانتخابات! أنا وتيتو نتشارك العديد من القيم التي تضع أميركا أولا. لدينا شراكة وثيقة في مجال الأمن».

وأشار إلى أن الطرفين ناقشا الاستثمار والتجارة بين البلدين.

ومن المقرر أن يتحدث عصفورة إلى وسائل الإعلام الأحد بشأن المحادثات التي أجراها مع ترمب.

وكان عصفورة التقى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في 12 يناير (كانون الثاني) وقد أعلن الجانبان بعد ذلك خططا لإبرام اتفاق تجارة حرة.

وقد منح هذا الفوز ترمب حليفا آخر في أميركا اللاتينية بعدما حلّ محافظون ركزوا حملاتهم الانتخابية بشكل كبير على الجريمة والفساد، مكان اليساريين في تشيلي وبوليفيا والبيرو والأرجنتين.

ويمارس ترمب ضغوطا على الدول الواقعة في الفناء الخلفي لواشنطن لإجبارها على الاختيار بين إقامة علاقات وثيقة مع واشنطن أو مع بكين.


«خطوة غير مألوفة»... ترمب يستعين بعسكريين في الجهود الدبلوماسية بشأن إيران وأوكرانيا

الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (أ.ف.ب)
TT

«خطوة غير مألوفة»... ترمب يستعين بعسكريين في الجهود الدبلوماسية بشأن إيران وأوكرانيا

الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (أ.ف.ب)

استعان الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقادة عسكريين في جهود دبلوماسية رفيعة المستوى، حيث أوفد القائد الأعلى للقوات الأميركية في الشرق الأوسط إلى المحادثات بشأن البرنامج النووي الإيراني، وجعل وزير الجيش مفاوضاً رئيسياً لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية.

وعدت شبكة «إيه بي سي نيوز» الأميركية قرار ترمب بمشاركة العسكريين في الجهود الدبلوماسية «خطوة غير مألوفة»، وقالت إن الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية، انضم لأول مرة إلى المحادثات الأميركية الإيرانية غير المباشرة، يوم الجمعة، في سلطنة عُمان، وظهر بزيّه العسكري الرسمي في إشارة إلى تعزيز الولايات المتحدة لقدراتها العسكرية في المنطقة.

قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي - إكس)

وبينما استأنف وزير الجيش دان دريسكول دوره في المحادثات الروسية الأوكرانية، هذا الأسبوع، عمل على استمرار الحوار مع المسؤولين الأوكرانيين خلال فترات الراحة بين الجلسات.

وقالت إن تولي المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر ترمب، جاريد كوشنر، زمام المفاوضات الشائكة، واختيار إشراك قادة عسكريين - سواء لخبرتهم أو علاقاتهم أو للإشارة إلى خيارات أكثر صرامة - يعكس كيف قلبت الإدارة الجمهورية السياسة الخارجية والدبلوماسية الأميركية التقليدية رأساً على عقب.

وقالت إليسا إيورز، التي شغلت مناصب في الأمن القومي في إدارتي جورج دبليو بوش وأوباما، إن وضع قادة عسكريين في الخدمة الفعلية، مثل كوبر، في مناصب دبلوماسية يُظهر كيف قللت إدارة ترمب من شأن الدبلوماسيين المهرة وأدوات الدبلوماسية لصالح الاعتماد المفرط على الجيش في محاولة حل تحديات السياسة الخارجية.

وأضافت إيورز، الباحثة في شؤون الشرق الأوسط في مركز الأمن الأميركي الجديد: «غالباً ما يتطلب الأمر وقتاً وجهداً واستثماراً هائلين للوصول إلى مرحلة يمكن فيها القول إن الدبلوماسية قد نجحت».

وفي المقابل، أشارإليوت كوهين، الذي شغل منصب مستشار وزارة الخارجية في إدارة جورج دبليو بوش، إلى مشاركة جنرالات أميركيين في محادثات الحد من التسلح مع الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة.

وقال كوهين إن خطوة ترمب بإرسال دريسكول، القائد المدني الأعلى للجيش، كانت غير معتادة، لكنه أضاف: «الرؤساء يفعلون هذا النوع من الأمور».

وأوضح كوهين: «هناك تقليد عريق للرؤساء الأميركيين في استخدام شخصيات غير تقليدية كمبعوثين إذا كانوا يثقون بهم، ويعتقدون أنهم قادرون على إيصال الرسالة».

وهدفت المحادثات في سلطنة عُمان إلى تهدئة التوترات المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة، والتي تُبقي المنطقة على حافة الهاوية.

ووصف ترمب المحادثات بأنها «جيدة للغاية»، وأنه من المقرر عقد المزيد منها مطلع الأسبوع المقبل. لكنه حذر من أنه إذا لم تتوصل إيران إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي، «فستكون العواقب وخيمة للغاية».

وقد هدد ترمب مراراً باستخدام القوة لإجبار إيران على التوصل إلى اتفاق، وأرسل حاملة الطائرات أبراهام لينكولن وسفناً حربية أخرى إلى المنطقة خلال حملة طهران الدموية لقمع الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد.

وقال مايكل أوهانلون، محلل الشؤون الدفاعية والسياسة الخارجية في معهد بروكينغز، إن حضور كوبر يهدف إلى «إظهار العزم والترهيب»، وكتب أوهانلون في رسالة بريد إلكتروني: «إن إشراك قائد القيادة المركزية الأميركية أمر غير معتاد، ويبدو أنه يهدف إلى توجيه رسالة أكثر من تعزيز قوة فريق التفاوض في المحادثات نفسها».

وأضاف أوهانلون: «لكن العلاقات متوترة وسيئة للغاية لدرجة أنني أشك في أن ذلك سيحدث فرقاً كبيراً، ما لم يجرِ الإيرانيون مراجعة جذرية لبرنامجهم النووي».

وقال مايكل سينغ، الذي شغل منصب مدير أول لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض في عهد إدارة جورج دبليو بوش، إنه يرى أن حضور كوبر مرتبط أكثر بخبرته.

وأوضح سينغ أن ويتكوف وكوشنر ليسا خبيرين في الشأن الإيراني، بل هما شخصيتان عامتان تشاركان في محادثات دبلوماسية حول العالم، بينما يمتلك كوبر معرفة بالمنطقة وإمكانية الوصول إلى خبراء عسكريين قادرين على تقييم أي تنازلات مقترحة لبرنامج إيران النووي.

وتحدث كوبر بإسهاب عن القدرات النووية والعسكرية الإيرانية خلال جلسة استماع ترشيحه في يونيو (حزيران)، بعد وقت قصير من شن الولايات المتحدة ضربات على مواقع نووية رئيسية إيرانية.

وقال سينغ، المدير الإداري لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: «هذه قضايا فنية للغاية نتعامل معها. إنها ليست قضايا يمكن التعامل معها بشكل غريزي. سيتمكن الأدميرال كوبر من الوصول إلى هذه الخبرة بطريقة قد لا يمتلكها ويتكوف وكوشنر أو قد لا يختاران الوصول إليها».

و قال كوهين: «يجلب كوبر المعرفة والتهديد الضمني باستخدام القوة، وهو جزء من المفاوضات».

وفي نوفمبر(تشرين الثاني)، تم اختيار دريسكول فجأة للمفاوضات في محاولة لإنهاء الحرب الروسية المستمرة منذ ما يقرب من 4 سنوات في أوكرانيا، وكانت المحادثات آنذاك قد تعثرت، واستغل دريسكول رحلةً إلى أوكرانيا للقاء الرئيس فولوديمير زيلينسكي ومسؤولين حكوميين وعسكريين رفيعي المستوى ومنذ ذلك الحين، شارك دريسكول في عدة جولات تفاوضية أخرى، بما في ذلك جولة أبوظبي هذا الأسبوع.

وقال مصدر مُطّلع على المفاوضات إن دور دريسكول تمحور حول التنسيق بين الأوكرانيين ومسؤولي إدارة ترمب، مثل ويتكوف وكوشنر.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (يسار) يصافح وزير الجيش الأميركي دان دريسكول (أ.ف.ب)

وأوضح المصدر أن العلاقة مع الأوكرانيين كانت ثمرة قدرة دريسكول على استمرار الحوار بين جولات التفاوض، فضلاً عن خبرته العسكرية كقائد وضابط سابق في الجيش.

وخدم دريسكول كضابط مدرعات لأكثر من 3 سنوات، وحصل على رتبة ملازم أول. خدم في العراق من أكتوبر (تشرين الأول) 2009 إلى يوليو (تموز) 2010.

في أبوظبي، انضم إليه الجنرال الأميركي أليكسوس غرينكويتش، قائد القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا، والذي أسهم في التفاوض على إعادة إطلاق حوار عسكري رفيع المستوى بين الولايات المتحدة وروسيا لأول مرة منذ 4 سنوات وجاء في بيان عسكري أميركي أن هذا الحوار «سيوفر اتصالاً عسكرياً مستمراً بين الطرفين في إطار مساعيهما لتحقيق سلام دائم».


لماذا تبدو عتبة النووي العالمي أخطر مما كانت عليه؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

لماذا تبدو عتبة النووي العالمي أخطر مما كانت عليه؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

لم يكن حديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إعادة النظر في «التزامات» أميركا النووية مجرَّد سجال داخلي حول تكلفة الردع أو «لياقة» التعهدات. الجديد هذه المرة أن مسؤولين أميركيين انتقلوا من لغة التحذير إلى لغة الإجراء: اتهامٌ مباشر للصين بإجراء تفجير نووي سري عام 2020، وتأكيدٌ على أن واشنطن تستعد لاستئناف أنشطة/ اختبارات نووية «أسوة بالآخرين»، في لحظة يتفكك فيها آخر قيدٍ تعاقدي كبير على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم، بعد انتهاء «نيو ستارت» في 5 فبراير (شباط) 2026.

هذه التطورات لا تعني تلقائياً أن العالم يتجه غداً إلى سلسلة تفجيرات نووية فوق الأرض على غرار الخمسينيات. ولكنها تعني، وبشكل ملموس، أن «القواعد غير المكتوبة» التي خفَّضت أخطار سوء التقدير خلال نصف قرن تتآكل بسرعة، وأن فكرة «العودة إلى التجربة» تُستخدم الآن كأداة ضغط تفاوضي وكإشارة ردعية في آن واحد. وهو خليط شديد الحساسية في بيئة استراتيجية مزدحمة بالشكوك والحروب بالوكالة، وتنافس القوى الكبرى.

اتهامات واشنطن

في مؤتمر نزع السلاح بجنيف، قال توماس دي نانو، إن الحكومة الأميركية «تدرك» أن الصين نفَّذت «اختباراً نووياً تفجيرياً» بعائدٍ مُنتِج في 22 يونيو (حزيران) 2020. واتهم بكين أيضاً بالتحضير لاختبارات بعوائد «في حدود مئات الأطنان»، وبالتلاعب ببيئة الرصد الزلزالي لإخفاء آثارها، مبرراً ذلك بالحاجة إلى «خطوات موازية» مع روسيا والصين، مع تآكل وقف التجارب غير الرسمي.

في المقابل، ردَّت منظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، بأن منظومة الرصد الدولية التابعة لها لم تسجل حدثاً يطابق خصائص تفجير نووي في التاريخ الذي حددته واشنطن، وأن التحليلات اللاحقة لم تغيِّر تلك الخلاصة.

من مناورات صينية قرب تايوان في 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

حسب محللين، هذا التباين مهم؛ لأنه يكشف جوهر المعضلة: حتى لو وُجد نشاط منخفض العائد أو «مناطق رمادية» تقنية، فقد لا يكون قابلاً للحسم علناً بالأدلة المتاحة للجمهور، ما يفتح الباب أمام توظيف الاتهامات في السياسة والردع، ويقلص مساحة الثقة الضرورية لأي ضبط تسلح. ويؤكد هؤلاء على أن الخطاب الدائر يخلط أحياناً بين ثلاثة مستويات:

التفجير النووي الكامل: يولِّد تفاعلاً متسلسلاً ذاتي الاستدامة، وعائداً تفجيرياً واضحاً. هذا هو جوهر ما تحظره معاهدة الحظر الشامل للتجارب إذا دخلت حيز النفاذ، وهو أيضاً ما تحاول الأعراف الدولية منعه منذ التسعينيات.

أرشيفية لصاروخ باليستي عابر للقارات روسي من طراز «توبول إم» يعبر الساحة الحمراء خلال عرض عسكري في موسكو (أ.ف.ب)

اختبارات منخفضة العائد/ شديدة الانخفاض: وقد تكون أصعب كشفاً، ويمكن -حسب خبراء- التحايل على رصدها عبر ظروف جيولوجية، أو غرف معدنية، أو تقنيات «فك الارتباط» التي تخفف الإشارة الزلزالية. هذا ما يجعل الاتهام الأميركي للصين شديد الحساسية، حتى لو لم تُعلن واشنطن أدلة تفصيلية.

شي في الذكرى الثمانين لانتصار الصين (روسترز)

اختبارات «دون حرجة»: تُجرى دون الوصول إلى تفاعل متسلسل ذاتي الاستدامة، وتعدُّها بعض الدول ضمن «المنطقة الرمادية»؛ لأنها لا تنتج عائداً تفجيرياً نووياً قابلاً للرصد بالمعايير نفسها. هنا تكمن مساحة التلاعب السياسي؛ حيث يمكن لحكومة ما أن تقول إنها «عادت للاختبار» بينما تقصد توسيع نشاطات دون حرجة، ويمكن لخصومها أن يقرأوا ذلك ككسرٍ للمحظور وتوطئة لتفجيرات حقيقية.

لذلك، عندما يقول مسؤولون إن واشنطن «ستبدأ أنشطة الاختبارات النووية»، يبقى السؤال العملي: هل نتحدث عن تفجيرات نووية فعلية لأول مرة منذ 1992؟ أم عن توسيع أنشطة تحت العتبة؟ الغموض قد يكون مقصوداً؛ لأنه يمنح الردع مرونة، ولكنه يرفع أيضاً أخطار سوء الفهم.

شي وبوتين في الذكرى الثمانين لانتصار الصين على اليابان (إ.ب.أ)

فراغ ما بعد «نيو ستارت»

انقضاء «نيو ستارت» يعني فقدان سقفٍ مُتحقق على الرؤوس الحربية الاستراتيجية المنشورة، وفقدان ما تبقى من قابلية التنبؤ المتبادل بين واشنطن وموسكو. والأهم: أنه يخلق «فراغاً تعاقدياً» تتسابق داخله ثلاث قوى (الولايات المتحدة، وروسيا، والصين) على تحديث الترسانات وقدرات الإيصال والأنظمة الجديدة التي لم تُصمم لها معاهدات العقدين الماضيين.

في هذا السياق، يدفع فريق إدارة ترمب نحو «اتفاق أوسع» يشمل الصين، بينما ترفض بكين الانضمام، بحجة أن ترسانتها أصغر بكثير من ترسانتَي واشنطن وموسكو، رغم نموها السريع.

الأرقام تُظهر لماذا يعتقد كل طرف أنه محق: تقديرات معهد استوكهولم الدولي لبحوث السلام تشير إلى أن الولايات المتحدة وروسيا تمتلكان معاً نحو 90 في المائة من الرؤوس النووية العالمية، بينما تملك الصين ما لا يقل عن 600 رأس، وتُعد الأسرع نمواً.

أرشيفية من القوات الجوية الأميركية لصاروخ «مينيوتمان 3» الباليستي العابر للقارات خلال إطلاقه من قاعدة «فاندنبرغ» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)

التداعيات على «التوازن» والسلام العالمي

عودة الحديث عن التجارب النووية لم تعد مسألة تقنية، بقدر ما هي رسالة سياسية بأن قيود الضبط تتآكل، وأن القوى الكبرى تريد مساحة أوسع لتحسين التصاميم، ورفع موثوقية الترسانات، وربما تطوير أنظمة جديدة. في هذا المناخ يصبح الردع أقرب إلى التخمين؛ لأن الغموض حول قدرات الخصم يزداد، فتغدو التجارب أو التلويح بها عامل تصعيد. ومع انحسار قنوات التحقق والمعايير المشتركة ترتفع أخطار سوء التقدير، وسوء تفسير المناورات والحوادث، وهو ما حذَّر منه أنطونيو غوتيريش، أمين عام الأمم المتحدة، مع اقتراب انقضاء «نيو ستارت». كما يضغط ذلك على نظام عدم الانتشار عبر إضعاف «المحرّم» الأخلاقي للاختبار، ويهز ثقة الحلفاء في الردع الموسّع، ما قد يطلق سباق ضمانات وتسليح متعدد المحاور.

الزعيم الكوري الشمالي يشرف على تجارب صاروخية (إ.ب.أ)

المدافعون عن نهج إدارة ترمب يجادلون بأن إدخال الصين في أي إطار جديد ضرورة واقعية، وأن الحديث عن التجارب والقدرات يهدف إلى منع «التحايل السري» وإجبار الخصوم على طاولة تفاوض أكثر شمولاً.

في المقابل، ينتقد آخرون فكرة ترك اتفاق قائم وقابل للتحقق مقابل هدف تفاوضي قد يكون بعيد المنال، ويحذرون من أن الاتهامات غير المدعومة علناً؛ خصوصاً مع نفي منظومة الرصد الدولية، قد تتحول إلى ذريعة لسباق غير مضبوط.