خطر المسيّرات الانتحارية شمال سوريا يهدد بنزوح المزارعين

منذ شهر فبراير تزايد استخدام المسيّرات المصنعة محلياً

على الرغم من حجمها الصغير تُسبب الطائرة الانتحارية دماراً واسعاً وتقتل مدنيين وعسكريين (الشرق الأوسط)
على الرغم من حجمها الصغير تُسبب الطائرة الانتحارية دماراً واسعاً وتقتل مدنيين وعسكريين (الشرق الأوسط)
TT

خطر المسيّرات الانتحارية شمال سوريا يهدد بنزوح المزارعين

على الرغم من حجمها الصغير تُسبب الطائرة الانتحارية دماراً واسعاً وتقتل مدنيين وعسكريين (الشرق الأوسط)
على الرغم من حجمها الصغير تُسبب الطائرة الانتحارية دماراً واسعاً وتقتل مدنيين وعسكريين (الشرق الأوسط)

تفرض المسيّرات الانتحارية في شمال غربي سوريا خياراً صعباً على المدنيين المزارعين تحديداً، إما النزوح من مناطق التماس مع قوات النظام السوري شمالاً إلى المخيمات؛ طلباً للسلامة والأمان، وإما البقاء تحت خطر العمل في الأراضي الزراعية، وكسب لقمة العيش.

في أبريل (نيسان) الماضي، كان حسين القرقوري يعمل بأرضه الزراعية قرب بيته في بلدة قسطون في ريف حماة الشمالي، عندما سمع صوتاً غريباً آتياً من السماء، «عرفت أنها طائرة مسيّرة، لكنني لم أعرف أنها مذخرة»، قال المزارع الخمسيني لـ«الشرق الأوسط»، واصفاً الآلة التي حامت حول منزله وأرضه ببطء قبل أن تسرع مصطدمة بسيارته.

ينظر حسين لصورة حطام سيارته على هاتفه المحمول (الشرق الأوسط)

لم يصب حسين وأفراد عائلته في حينها، إذ لم يكونوا ضمن المركبة، واستطاعوا الاحتماء باللحظات الأخيرة، لكن السيارة تحطمت بالكامل، بفعل الانفجار، «لا أهداف عسكرية في البلدة» قال المزارع: «استهداف سيارتي كان الأول في هذه المنطقة».

الهجوم الذي أثار الرعب في قلب حسين، حسب وصفه، لم يكن الأول الذي نجا منه مع عائلته خلال السنوات الماضية، إذ يحمل منزله الصغير تشققات وآثار ترميم واضحة لما أحدثته القذائف المدفعية من أضرار، إلا أن هذا الهجوم كان له الأثر الأكبر على شعوره بالخوف على عائلته، والتفكير الجديّ بالنزوح إلى المخيمات، وترك مصدر رزقه الوحيد خلال فترة الحصاد.

«القذيفة أقل إثارة للخوف»، قال حسين، واصفاً عشوائية الاستهداف بالقذائف، والفرص التي يوفرها الحظ للنجاة: «المسيرة تلحق بالهدف وتتابعه، إلى أن تصيبه، لا مجال للهرب منها».

شهدت سنوات الحرب السورية استخدام مئات أنواع الأسلحة والذخائر، ولكن منذ شهر فبراير (شباط) الماضي، تزايد استخدام المسيّرات المُصنعة محلياً، وهي عبارة عن جسد طائرة بسيطة محملة بكاميرا أمامية، وجهاز لإرسال الفيديو، وجهاز لاستقبال أوامر التحكم، وعبوة متفجرة تحمل حشوات «RPG» معدة للانفجار عند الاصطدام، أو مادة «TNT» مع قطع حديدية تُشكل الشظايا.

«المرصد السوري لحقوق الإنسان» وثّق خلال شهر أبريل (نيسان) 66 هجوماً بالطائرات المسيّرة الانتحارية أطلقتها قوات النظام على مناطق شمال غربي سوريا، مسببة مقتل وإصابة مقاتلين من الفصائل المعارضة، مع إصابة 5 مدنيين، بينهم طفلان.

7- الراصد الميداني «أبو أمين» - (الشرق الأوسط)

«أبو أمين»، الذي يعمل بالرصد الميداني والعسكري في منطقة إدلب، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن استخدام المسيّرات يعود إلى الشهر الثامن من عام 2023، في مناطق ريف إدلب الجنوبي، وريف حلب الغربي، وكان من أهدافها آليات زراعية ودرّاجات نارية للمدنيين، ما أدى إلى سقوط عدد من القتلى وأضرار مادية بالغة.

على الرغم من حجمها الصغير تُسبب الطائرة الانتحارية دماراً واسعاً وتقتل مدنيين وعسكريين (الشرق الأوسط)

بتقدير «أبو أمين»، لا تتجاوز تكلفة الطائرة المسيّرة سوى 250 دولاراً، ما يجعلها أقل تكلفة من الذخائر المدفعية والصواريخ، كما أنها أثبتت فاعليتها بإصابة محققة للأهداف، وتمكنها من التوغل مسافة تصل إلى 8 كيلومترات، حسب سعة البطارية المستخدمة فيها.

الفصائل العسكرية في المنطقة حازت بعضاً من المسيّرات، وحسبما صرح قائد في غرفة عمليات «الفتح المبين»، التي تجمع عدداً من الفصائل المعارضة المحاربة لقوات النظام، فإن «التدابير اللازمة» تم اتخاذها للتعامل مع تلك الطائرات.

متداولة على المواقع لمسيّرة في شمال سوريا

وقال القائد العسكري لـ«الشرق الأوسط» إن «العمل جارٍ على تطوير سلاح مناسب للتعامل مع الطائرات المسيّرة، وتعميمه على جميع المناطق»، نافياً أن يكون للطائرات المسيّرة أثر مهم على الواقع العسكري في المنطقة التي يستمر فيها «خفض التصعيد» منذ مارس (آذار) عام 2020، على الرغم من الخروقات وحملات القصف المتكررة التي لم تؤدِّ لبدء معارك مباشرة بين قوات النظام والمعارضة.

نزوح المزارعين

انخفضت أعداد المدنيين، الذين اختاروا البقاء في مناطقهم القريبة على خطوط التماس للعمل وتأمين الرزق، بعد بدء استخدام المسيّرات الانتحارية، حسبما لاحظ الراصد الميداني «أبو أمين»، الذي قال إن حالة من «الرعب» خيّمت على السكان، بعد تكرار الاستهدافات ووفاة عدد من الأشخاص.

بإمكان بعض الاحتياطات أن تقلل من فرص الاستهداف للمدنيين، يقول «أبو أمين»، الذي نبّه إلى أن المراصد العسكرية تعمم بشكل مباشر عند دخول المسيرات للمنطقة، وحينها يكون تمويه الآليات الزراعية مفيداً، وكذلك الابتعاد عنها عند سماع صوت الطائرة، والاتجاه نحو الأماكن المنخفضة التي تقلّ بها القدرة على التحكم بالمسيّرة عن بُعد.

وأضاف الراصد أن على المدنيين الابتعاد عن الآليات بمجرد استهدافها، لأن قوات النظام تعتمد على «مبدأ السرب»، أي تكرار الاستهداف بطائرة أو اثنتين أو 3 طائرات.

المزارع حسين يشير إلى مكان استهداف المسيرة الانتحارية لسيارته (الشرق الأوسط)

وبالنسبة للمزارع حسين، لم تكن خسارة السيارة مقصورة على ثمنها، الذي كان يقدر بنحو 4500 دولار، وإنما خسارة وسيلة النقل الآمنة في حال اضطرار العائلة للنزوح السريع من المنطقة، كما فعلوا مراراً من قبل. «لم نعد نعرف ما الذي علينا فعله»، قال حسين: «نريد أن نزرع ونحصد ونعتني بأراضينا التي نقتات منها، إلى أين علينا الذهاب».

وكانت إحصاءات «الأمم المتحدة»، بخصوص الأوضاع الاقتصادية في شمال غربي سوريا، في تدهور مستمر، إذ مع غلاء الأسعار وانخفاض قيمة العملة التركية التي يعتمد عليها سكان المنطقة، تقلّ فرص العمل، وترتفع نسب الفقر والحاجة للمساعدات الإنسانية.

لكن الاستجابة الإنسانية «تعاني نقص التمويل بشكل مثير للقلق»، إذ ذكر تقرير الأوضاع، المنشور من قبل مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع لـ«الأمم المتحدة»، في 16 من مايو (أيار) الماضي، أن المنظمات الإنسانية لم تحصل سوى على 6 في المائة من التمويل المطلوب لعام 2024 (227 مليون دولار من أصل 4.07 مليار دولار).

المخيمات السورية في إدلب لا يمكنها حماية النازحين من الكوارث المناخية (رويترز)

خلال 5 سنوات، ارتفع عدد النازحين داخلياً في شمال غربي سوريا بنسبة 90 في المائة، من 1.8 مليون منتصف عام 2019 إلى 3.4 مليون شخص عام 2024. ويفتقر 80 في المائة من النازحين داخلياً لمصدر دخل مستقر، ويعتمدون على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية.

وبالنسبة لسكان مناطق التماس، التي تواجه خطر المسيرات الانتحارية، لا يعدّ قرار الرحيل سهلاً، «لا نريد انتظار سلة الإغاثة»، قال حسين مبرراً بقاءه في قريته، إلا أن خطر الاستهداف من جديد يدفعه للتفكير الجدي بالنزوح: «لن أغامر بأولادي ونفسي لأحصل على الرزق، الله يعوض الرزق، الرزق بيد الله».


مقالات ذات صلة

طائرات مسيّرة روسية تنفّذ ضربة نهارية نادرة على العاصمة الأوكرانية كييف

أوروبا شرطي أوكراني (يمين) ويساعده رجل آخر يحملان كيساً بلاستيكياً يحتوي على حطام طائرة مسيّرة بموقع غارة روسية بطائرة مسيّرة في كييف 28 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

طائرات مسيّرة روسية تنفّذ ضربة نهارية نادرة على العاصمة الأوكرانية كييف

دوّت انفجارات قوية في كييف، الثلاثاء، بعد وقت قصير من إنذار بالعاصمة من ضربة جوية. وأشارت السلطات إلى هجوم بطائرات مسيّرة روسية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)

انفجارات في كييف بعد ساعات من هجوم أوكراني على مصفاة روسية

دوّت انفجارات في سماء كييف اليوم (الثلاثاء)، بينما حثّ مسؤولون أوكرانيون سكان العاصمة على الاحتماء بسبب تهديد بشنّ هجوم روسي بطائرات مسيّرة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
شمال افريقيا سودانيون ينتظرون استخراج رفات شقيقهم الذي قتلته «قوات الدعم السريع» في أم درمان (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

أفادت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» عن تعرّض قافلة مساعدات تابعة لها لهجوم بطائرة مسيّرة في شمال دارفور بالسودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
الولايات المتحدة​ صورة مقتبسة من فيديو نشرته «ساوثكوم» للأنظمة ذاتية التشغيل

الجيش الأميركي يطلق أول قيادة لـ«الحرب ذاتية التشغيل» في أميركا اللاتينية

أعلن الجيش الأميركي إطلاق قيادة عسكرية جديدة لـ«الحرب ذاتية التشغيل» لنشر أنظمة متطورة غير مأهولة في جميع أنحاء أميركا اللاتينية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا مضخات نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان بروسيا 4 يونيو 2023 (رويترز)

اندلاع حريق في محطة نفط روسية بعد هجوم مسيّرات أوكرانية

قال مصدر مطلع في جهاز الأمن الأوكراني، إن طائرات مسيّرة أوكرانية هاجمت محطة نفط وموقع تخزين في مدينة سامارا بمنطقة الفولغا الروسية، مما أدى إلى اندلاع حريق.

«الشرق الأوسط» (كييف)

«حماس» غاضبة من تواصل الخروقات... وتجهز تعديلات على خطة الوسطاء الجديدة

مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«حماس» غاضبة من تواصل الخروقات... وتجهز تعديلات على خطة الوسطاء الجديدة

مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)

كشفت 3 مصادر من حركة «حماس» عن أن الحركة أبدت غضبها للوسطاء من استمرار الخروقات الإسرائيلية في قطاع غزة، والتي كان آخرها اغتيال إياد الشنباري، القيادي البارز في كتائب «القسام» (الذراع العسكرية للحركة).

وبحسب المصادر الثلاثة التي تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن «(حماس) اعتبرت هذه الخروقات واغتيال قيادات أمنية بشكل خاص، ضربةً لجهود الوسطاء في محاولة إرساء اتفاق واضح يلزم إسرائيل بتنفيذ ما عليها، داعية إياهم للتدخل «الجاد والحازم» لوقف هذه العمليات التي أدت لقتل نحو ألف فلسطيني منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025. ووفقاً للمصادر، فإن الوسطاء أكدوا أنهم يواصلون جهودهم من أجل وضع حد للخروقات الإسرائيلية.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر فلسطيني على تواصل مع «لجنة إدارة غزة» أن الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف كان قد «طلب يوم الاثنين من إسرائيل وقف الهجمات الجوية في قطاع غزة لمدة 48 ساعة لمنح مفاوضات القاهرة فرصة للنجاح؛ إلا أنه لم يتلقَّ رداً منها». وقالت المصادر من «حماس» إنها لا علم لديها بهذا الطلب.

عناصر من الدفاع المدني الفلسطيني يفحصون مركبة استهدفتها غارة جوية إسرائيلية غرب مدينة غزة (إ.ب.أ)

وبعد يوم من مقترح جديد قدمه الوسطاء و«مجلس السلام» بشأن غزة والمضي في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، قالت المصادر من «حماس» إن الحركة تجهز رداً يحمل ملاحظات وطلبات تعديلات سيقدمها الوفد المفاوض لملادينوف والوسطاء.

وكانت «الشرق الأوسط» قد حصلت على تفاصيل المقترح الذي صاغه ممثلون لـ«مجلس السلام»، والوسطاء من الدول الثلاث؛ مصر وقطر وتركيا، إلى جانب الولايات المتحدة، بشأن قطاع غزة، خاصةً نزع السلاح منه. وأظهرت الوثيقة المعنونة بـ«خريطة طريق» لإتمام تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشاملة للسلام بغزة، 15 بنداً للتعامل مع تنفيذ بنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس».

وسيركز الرد، وفق المصادر، على مطالبات بجدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي، وإيجاد مقاربات وضمانات دولية واضحة لإلزام إسرائيل، وعدم ربط قضية إعادة الإعمار، بحصر ونزع السلاح، والتأكيد على حق الفصائل بممارسة دورها السياسي بشكل كامل دون قيود.

وتشير الورقة الجديدة إلى تشكيل لجنة سُميت «التحقق من التنفيذ»، سيتم إنشاؤها من قبل الممثل الأعلى لغزة، تتألف من الدول الضامنة، وقوة الاستقرار الدولية و«مجلس السلام»، لضمان تنفيذ الأطراف ما يقع على عاتقها، على أن يتم تدعيم هذه اللجنة من خلال آلية مراقبة معززة.

وتؤكد الوثيقة في أول بنودها أهمية التزام الأطراف كافة بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2803 بشكل كامل، وخطة ترمب الشاملة، بعدّهما يشكلان إطاراً دولياً متفقاً عليه وسيتم الاسترشاد بهما لتنفيذ هذه العملية، بما يضمن تحقيق الهدف الأهم باستعادة الحياة المدنية، وتمكين الحكم الفلسطيني، وإعادة الإعمار والأمن والتعافي الاقتصادي، وتوفير الظروف للوصول إلى مسار موثوق به لتحقيق تقرير المصير والدولة الفلسطينية بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن.


مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
TT

مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)

قالت شركة محاماة أميركية إن تحقيقاً مستقلاً أجرته أخيراً، لم يُظهر أي أدلة تربط رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي بأنشطة مالية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مؤكدة أن القيود التي فُرضت عليه عام 2024 جاءت على خلفية «أخطار تتعلق بالسمعة»، لا بسبب «تورط مثبت في عمليات غسل أموال».

يأتي هذا التوضيح في وقت يواجه فيه التكليف المفاجئ للزيدي تشكيل الحكومة في بغداد خلفاً لمحمد شياع السوداني تدقيقاً سياسياً في خلفيته، بعد إدراج مصرف يملكه ضمن قيود فرضها البنك المركزي العراقي على التعامل بالدولار، في إطار ما قيل حينها إنها «حملة لمكافحة التدفقات المالية غير المشروعة».

وقال ممثلون عن شركة «K2 Integrity»، طلبوا عدم الإفصاح عن هوياتهم لأنهم غير مخولين بالتصريح، إن تحقيقاً مستقلاً أجرته الشركة لم يجد «أي أدلة موثوقة» تربط الزيدي أو «مصرف الجنوب» بـ«فيلق القدس»، كما لم يرصد تدفقات مالية مباشرة من المصرف إلى جهات إقليمية مصنفة عالية المخاطر.

وأوضح أحد الممثلين، لـ«الشرق الأوسط»، أن الحظر الذي أوصت به وزارة الخزانة الأميركية و«الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك على «مصرف الجنوب» اقتصر على التعامل بالدولار الأميركي، وكان مدفوعاً بمخاطر تتعلق بالسمعة وملكية المصرف، وليس بسبب ثبوت مخالفات تتعلق بغسل الأموال أو تمويل كيانات مرتبطة بإيران.

يُعدّ الزيدي، وهو رجل أعمال يمتلك مع شقيقه وشركائه شركات، من بينها «الأويس» و«الجنوب» و«قناة دجلة»، شخصية غامضة في المشهد السياسي، وجاء تكليفه في ظل رفض أميركي علني أدى إلى استبعاد نوري المالكي من السباق، في حين أفيد بأن رفضاً غير معلن استبعد السوداني أيضاً.

رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)

قيود على إيران

وكان العراق قد فرض في فبراير (شباط) 2024 قيوداً على 8 بنوك محلية، من بينها «مصرف الجنوب الإسلامي»، مانعاً إياها من الوصول إلى الدولار عبر نافذة البنك المركزي. وجاءت تلك الخطوة ضمن جهود تقودها واشنطن للحد من تحويل الأموال إلى إيران.

وقال متحدث باسم وزارة الخزانة آنذاك إن الإجراءات تهدف إلى «حماية النظام المالي العراقي من إساءة الاستخدام»، في إشارة إلى مخاوف من توظيف العملة الأميركية في أنشطة غير قانونية.

وتسلط هذه القضية الضوء على التحدي المستمر الذي تواجهه بغداد في تحقيق توازن بين علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة وإيران، في ظل اعتمادها الكبير على الدولار الأميركي، حيث يتلقى العراق نحو 10 مليارات دولار نقداً سنوياً من «الاحتياطي الفيدرالي»، وفق تقديرات رسمية.

ورحبت السفارة الأميركية في بغداد بتكليف الزيدي، مؤكدة دعمها جهود تشكيل حكومة «تعكس تطلعات العراقيين». ويأتي ذلك بعد أشهر من الجمود السياسي، وفي ظل ضغوط مارستها إدارة دونالد ترمب هددت خلالها بقطع الدعم عن العراق إذا عاد المالكي إلى السلطة.

ويواجه الزيدي مهلة 30 يوماً لتشكيل حكومته، وسط انقسامات حادة داخل «الإطار التنسيقي»، وفي وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية منذ الضربات العسكرية على إيران في فبراير 2026، وما تبعها من استهداف جماعات مسلحة للمصالح الأميركية في العراق.


«حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
TT

«حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

الحرب الكلامية المشتعلة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون و«حزب الله» حول من يفاوض باسم لبنان، وتصاعد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية، أديا إلى تعليق اجتماع رئيس الجمهورية مع رئيس البرلمان نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، وتأجيله ريثما تؤدي الاتصالات إلى تنفيس أجواء الاحتقان، وخلق المناخ المريح لاجتماعهم، واستعيض عنه باتصالات مفتوحة بينهم ريثما تنجح الولايات المتحدة الأميركية في وقف الاعتداءات بما يسمح بمعاودة اللقاء في أقرب فرصة.

لكن هذه الحرب الإعلامية التي اتسمت بسقوف سياسية عالية لن تحجب الأنظار عما حمله البيان الذي أصدره أمين عام الحزب نعيم قاسم في تبريره للأسباب الكامنة وراء رفضه الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

فالجديد في موقف قاسم الذي قال فيه: «ليعلم أصحاب السلطة أن أداءهم لن ينفع لبنان، ولن ينفعهم، فما يريده العدو الإسرائيلي-الأميركي منهم ليس بيدهم، وما تريدونه منه لن يمنحكم إياه»، قوبل باستغراب من قبل أكثرية القوى السياسية التي تقف خلف عون في خياره الدبلوماسي التفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية أميركية.

رسالة إيرانية

وقالت مصادر لبنانية مطلعة على مجريات الاتصالات لـ«الشرق الأوسط» إن ما لم يقله قاسم هو الأهم بإيحائه بأن حزبه هو وحده من يملك في الميدان ما يعطيه، وليس في مقدور السلطة أن تعطي ما لا تملك. وأكدت أنه أراد تمرير رسالة لمن يعنيهم الأمر أن إيران هي الأقدر على التفاوض بالإنابة عن لبنان، وهذا ما يكمن وراء شكره لها على توصلها مع الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار في محادثات باكستان.

ولفتت المصادر إلى أن قاسم أغفل عن قصد تسمية الجهة التي سيوكل إليها المفاوضات غير المباشرة، رغم قوله إنه «لو أتى وقف النار من أي وسيط علينا أن نقبل به».

دورية لقوات «اليونيفيل» في جنوب لبنان قرب المنطقة الحدودية مع إسرائيل (أ.ب)

وسألت المصادر عن صحة ما يتردد على نطاق واسع في بيروت أن «حزب الله» انتدب مستشارين عنه لتمثيله بالوفد الإيراني في مفاوضاته مع الولايات المتحدة في باكستان يعود إليهم عند الضرورة للوقوف على رأيهم حيال ما تطرحه إيران من نقاط يعتبرها أساساً لإنهاء الحرب في الجنوب اللبناني، مع أنهم لا يجلسون على الطاولة، ويوجدون في غرفة محاذية للقاعة التي تستضيف المفاوضات؟

وقالت إنه إذا صح ما يقال في هذا الخصوص، كمل نقل عن مصدر دبلوماسي وثيق الصلة بإحدى الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، فإن إصرار الحزب على إيداع الورقة اللبنانية في السلة الإيرانية سيصطدم بموقف أميركي لا عودة عنه، ليس لرفضه ربط لبنان بإيران فحسب، وإنما لأنه من غير الجائز مصادرة القرار اللبناني بالتفاوض المباشر مع إسرائيل الذي هو من صلاحية عون، بحسب المادة 52 من الدستور، وبالتالي لا يحق لحزب مصنف أميركياً على لائحة الإرهاب أن ينوب عن الدولة بعد أن رتب على بلده أكلافاً بشرية ومادية لا تقدّر بتفرُّده بقرار السلم والحرب عندما قرر إسناد غزة، وإيران.

لماذا يرفض «حزب الله» التفاوض المباشر؟

كما سألت «حزب الله»: هل يرفض المفاوضات المباشرة بذريعة أن كلمة الفصل تبقى له على خلفية حضوره العسكري في الميدان، ويعود له تسمية الجهة التي ترعاها؟ وماذا سيقول للبنانيين في ظل الاختلال في ميزان القوى بينه وبين إسرائيل التي تستمر في تجريف البلدات، وتدميرها الممنهج للمنازل، وارتكابها للمجازر بذريعة القضاء على ما تبقى من بنيته العسكرية؟ وقالت إن إصرار الحزب على شراء الوقت برفضه المفاوضات المباشرة يعني حكماً أنه يوفّر الذرائع لإسرائيل، وإن كانت ليست في حاجة إليها للتمادي في تدمير البلدات التي لا تقتصر على تلك الواقعة في المنطقة المعروفة بالخط الأصفر، وإنما تمتد إلى بلدات الخط الأمامي في شمال نهر الليطاني، وتطل على جنوبه.

الدخان يتصاعد جراء قذائف مدفعية إسرائيلية تستهدف جنوب لبنان (إ.ب.أ)

وقالت إن عامل الوقت ليس في مصلحة لبنان، وهذا ما يتطلب من الحزب مراجعة حساباته باتخاذه قراراً جريئاً يقضي بوضع سلاحه بعهدة الدولة لتحسين شروطها في المفاوضات المباشرة، لإنقاذ ما تبقى من البلدات الواقعة في جنوب نهر الليطاني، وضفته الشمالية.

غطاء سياسي لعون

ودعت المصادر لإخراج الوضع من التأزّم بتوفير الغطاء السياسي لعون الذي كان قال كلمته، ولن يتراجع عن دعوته للتفاوض المباشر برعاية أميركية، خصوصاً أنه يشترط لبدئها إلزام إسرائيل بوقف أعمالها العدائية على قاعدة تمسكه بالثوابت الوطنية، وعدم التفريط بها تحت أي ضغط خارجي، وهو يلتقي في هذا السياق مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري من موقع الاختلاف معه برفضه المفاوضات المباشرة.

وشددت على ضرورة تنفيس الاحتقان المسيطر على البلد من جراء تصاعد الاشتباك بين عون، الذي يحظى موقفه بتأييد غالبية اللبنانيين، و«حزب الله» الذي يكاد يغرّد وحيداً في موقفه، وإن كان بري يحرص على مراعاته لاستيعابه، واحتضانه. وقالت إن الضرورة الوطنية تقضي باعتماد لغة الاعتدال في الخطاب السياسي للحفاظ على الاستقرار، وعدم تعريض السلم الأهلي لأي انتكاسة.

استحالة عودة سكان الجنوب

وأبدت المصادر مخاوفها من أن يتحوّل النزوح المؤقت للجنوبيين من بلداتهم، في حال استمرت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» التي تصاعدت وتيرتها مع تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع، إلى لجوء دائم لاستحالة عودتهم إلى قراهم التي سوّتها إسرائيل بالأرض، وحوّلت القسم الأكبر من جنوب الليطاني إلى منطقة محروقة يصعب العيش فيها. ولفتت إلى أن الخيار الدبلوماسي يبقى الوحيد لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي بعد أن جرّب «حزب الله» الحرب بإسناده لغزة وإيران، ورتّب على البلد أثماناً غالية، وأن إصراره على رفع سقوفه السياسية سيواجه رفضاً بما يشبه الإجماع إذا ما اعتقد أنه يريد ثمناً سياسياً بادعائه، بخلاف ما هو حاصل في الميدان، أنه حقق انتصاراً على إسرائيل، وإذا كان هناك من ثمن فهو يقتصر أولاً وأخيراً على تسهيل عودة الجنوبيين إلى قراهم التي لن تكون ميسّرة ما لم تضع الحكومة خطة مدعومة عربياً ودولياً لإعادة إعمارها، وهذا ما يشكل إحراجاً للحزب إذا ما استمر على عناده بتمسكه بسلاحه الذي يصر المجتمع الدولي على وضعه بيد الدولة لبسط سلطتها على كافة أراضيها.