مئات الآلاف يواجهون خطر الحرمان من الرعاية الصحية في إدلب

توقف التمويل يهدد عمل عشرات المنشآت الطبية في شمال غربي سوريا

TT

مئات الآلاف يواجهون خطر الحرمان من الرعاية الصحية في إدلب

مئات الآلاف يواجهون خطر الحرمان من الرعاية الصحية في إدلب

تقف امرأة في أشهر حملها الأخيرة أمام مشفى «السلام»، في مدينة حارم، بريف إدلب الشمالي، وتنظر إلى المبنى الطابقي الذي يبدو مهجوراً قبل أن تتابع مسيرها بعيداً، لم تغرها اللافتة التي توضح اختصاص المشفى بالصحة الإنجابية والأطفال، إذ أصبح تراجع العمل فيه معروفاً منذ شهور بسبب توقف الدعم، أي نقص التمويل، الذي يهدّد أيضاً عمل عشرات المراكز والمنشآت الطبية في المنطقة خلال الأشهر الآتية.

حواضن الأطفال الرضع لم تستخدم منذ أشهر في مشفى السلام (الشرق الأوسط)

القابلة حسناء عليكو تتطوع يومين في الأسبوع للعمل مجاناً داخل المشفى. «النساء لا يعلمن أين عليهن الذهاب منذ توقف الدعم»، كما قالت لـ«الشرق الأوسط».

في السابق كان المشفى يقدم جميع الخدمات من التوليد الطبيعي والجراحات القيصرية والعناية بالأطفال وتوفير الدواء والخدمة المجانية للسيدات ضمن المدينة وفي المخيمات المحيطة.

اليوم تقتصر الخدمة على الاطمئنان على الجنين وكتابة الوصفات الطبية، ولكن أغلب المراجعات «لا يملكن ثمن الدواء» كما قالت حسناء، التي أشارت إلى أن المنطقة بأكملها، التي تضم نحو 300 ألف شخص، لا تتوافر فيها عيادة نسائية ولا مشفى بديل، ما يعني اضطرار النساء لقطع مسافات بعيدة ودفع تكاليف باهظة في المشافي الخاصة للحصول على الخدمة، وهو ما يعرض النساء لـ«الخطر»، حسب وصف القابلة التي تملك خبرة 30 عاماً في المجال الطبي، وأعطت حسناء مثالاً: «أحياناً تأتي امرأة لتلد وهي معرضة للنزيف الحاد ولا نستطيع مساعدتها ولا تعرف أين عليها الذهاب لأنها لا تملك المال».

القابلة حسناء عليكو تعمل متطوعة في مشفى السلام (الشرق الأوسط)

مشافٍ مهجورة

لا تنقص المعدات في مشفى «السلام». غرف العمليات تُركت كما هي منذ توقف العمل في الشهر التاسع من العام الماضي، وحواضن الرضع وغرف الانتظار تشكلت فوقها طبقة كثيفة من الغبار، وبينما يعمل القائمون عليه للحصول على دعم جديد، لكن «لا وعود جدية لعودة التمويل» حسبما قال المدير الإداري للمشفى قدري عدلة.

يستمر بعض العاملين في المشفى بتأدية مهامهم بشكل تطوعي، لكنهم غير قادرين على تقديم سوى 10 في المائة من الخدمة السابقة. قال قدري لـ«الشرق الأوسط» إنه لا يوجد سبب لإيقاف الدعم سوى عدم وجود المنح، وهو السبب نفسه الذي أدى لتوقف عمل العديد من المشافي الأخرى في المنطقة. وأضاف: «توقف الدعم أثر بشكل سلبي على المستفيدين، معظم المشافي المجاورة توقف الدعم عنها ومشفى النسائية والأطفال هو الوحيد بالمنطقة ولا يوجد مركز صحي بالمدينة، ما أدى إلى لجوء المريضات للقطاع الخاص أو اللجوء للسفر 27 كيلومتراً باتجاه سرمدا أو 15 كيلومتراً باتجاه سلقين، والناس غير قادرين على تحمل التكاليف للتنقل ولا ثمن الأدوية».

المدير الإداري لمشفى السلام قدري عدلة (الشرق الأوسط)

مديرية الصحة في إدلب عقدت اجتماعاً في النصف الأول من شهر مايو (أيار)، ضم المنظمات الطبية العاملة في المنطقة، لمناقشة المخاطر التي تهدد القطاع الصحي. وقال مدير صحة إدلب، الدكتور زهير قراط، خلال الاجتماع، إن 77 منشأة طبية تعمل بلا دعم في المنطقة، بينها 17 مشفى مختصاً بالنسائية والأطفال، ومع نهاية يونيو (حزيران) سيرتفع هذا العدد إلى 112 منشأة تخدم نحو 1.5 مليون شخص.

الحلقة المفرغة للمرض

أوضح الدكتور حسام قرة محمد، معاون مدير صحة إدلب، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن نسب انخفاض الدعم خلال العام الحالي تتراوح بين 30 و40 في المائة من المنح العامة مقارنة بالعام الماضي، الذي كان قد شهد بالفعل انخفاضاً بنسبة 50 في المائة عن الأعوام السابقة.

معاون مدير صحة إدلب الدكتور حسام قرة محمد (الشرق الأوسط)

القطاع الصحي «عالي الاستهلاك» حسب وصف الدكتور حسام، ونقص الدعم ينعكس على الصحة العامة. وقال: «ستزداد الوفيات والأمراض وسندخل في حلقة مفرغة من الحاجة للمشافي والرعاية الصحية الأولية غير المتوفرة بسبب نقص الدعم».

يحتاج 4 ملايين شخص للرعاية الصحية في شمال غربي سوريا من أصل 5.06 مليون يقيمون فيها، وكما توضح أرقام الأمم المتحدة فإن القطاع يعاني أصلاً من ضغوط شديدة لتلبية الاحتياج، إذ إن أعداد الكوادر الصحية بالنسبة للسكان هي نصف المعدل العالمي، (11.2 عامل في مجال الصحة لكل 10 آلاف شخص في الشمال الغربي، بينما المعدل العالمي يبلغ 22)، وأعداد الأسرّة المتوفرة أقل من نصف المعدل العالمي (6.8 سرير لكل 10 آلاف شخص في الشمال الغربي، بينما يبلغ المعدل العالمي 18 لذات العدد).

غرف العمليات والمعدات الطبية قليلة في إدلب ولكن نقص الدعم يحول دون استخدام المتوافر منها (الشرق الأوسط)

راميش راجاسينغام، مدير قسم التنسيق في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، حذر في خطابه لمجلس الأمن في 25 أبريل (نيسان) الماضي من آثار نقص الدعم للقطاع الصحي في سوريا، وقال: «للأسف سيحرم على الأغلب الكثير من الناس من المساعدات الأساسية التي يحتاجونها في حال استمرار نسب نقص الدعم الحالية، مئات المنشآت الصحية وفرق الصحة المتنقلة يواجهون خطر الإغلاق خلال الأشهر المقبلة، ما يؤثر على الحصول على الرعاية المنقذة للحياة للملايين من الناس بما في ذلك خدمات رعاية الحضانة والصحة النسائية والإنجابية التي تحتاجها 4.1 مليون امرأة وفتاة بعمر الإنجاب».

نقص الدعم المستمر خلال الأعوام الماضية دفع الأمم المتحدة لطلب مبلغ أدنى من الأعوام السابقة، بقيمة 4.07 مليار دولار لمساعدة 10.8 مليون شخص من أصل 16.7 مليون بحاجة للمساعدة لعام 2024، إذ لم تحصل العام الماضي سوى على 37.8 في المائة من المبلغ المطلوب الذي كان بقيمة 5.4 مليار دولار، وفي حين تصل متطلبات قطاع الصحة إلى 598 مليون دولار لعام 2024، يواجه القطاع فجوة أساسية تبلغ 359 مليوناً.

المعدات الطبية في مشفى السلام متروكة بلا استخدام بعد توقف الدعم (الشرق الأوسط)

في إدلب، حسب البيان الذي نشرته مديرية الصحة في 14 من مايو (أيار)، لم تجد المنظمات ومديرية الصحة حلولاً لمواجهة خطر توقف الدعم، سوى التنسيق معاً للعمل على تخفيض النفقات والتكاليف على المراجعين والبحث عن مانحين جدد. وأوضح الدكتور حسام أن المديرية ستسعى لإشراك القطاع الخاص بالعمل الخيري لتخفيض قيمة الخدمة التي توفرها للسكان الذين يعاني 90 في المائة منهم من الفقر، ليتمكن المريض من دفع تكاليف الرعاية الصحية الخاصة عند الحاجة.


مقالات ذات صلة

وزير الخارجية البحريني: هجمات إيران استهدفت مقوّمات الحياة المدنية

الخليج وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني متحدثاً للصحافيين بمقر الأمم المتحدة الخميس (بنا)

وزير الخارجية البحريني: هجمات إيران استهدفت مقوّمات الحياة المدنية

أكد وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني أن هجمات إيران على بلاده ليست حدثاً معزولاً، منوهاً بأن ما استهدفته ليست أهدافاً عسكرية، بل مقوّمات الحياة المدنية

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي المتحدث الإعلامي باسم وزارة الدفاع التركية زكي أكتورك خلال إفادة صحافية في أنقرة في 2 يوليو (الدفاع التركية - «إكس»)

تركيا تُطالب الأمم المتحدة بوقف عدوان إسرائيل على جنوب سوريا

طالبت تركيا قوة الإشراف على وقف إطلاق النار ومراقبة تنفيذ اتفاقية فض الاشتباك التابعة للأمم المتحدة (أوندوف) باتخاذ التدابير اللازمة في مواجهة هجمات إسرائيل.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الخليج أكد اللواء المغيدي أن التهديدات المرتبطة بتمويل الإرهاب تستوجب تعزيز التعاون الدولي (الشرق الأوسط)

التحالف العسكري الإسلامي: التهديدات المرتبطة بتمويل الإرهاب تستوجب تعزيز التعاون الدولي

أكد المشاركون أن التهديدات المتطورة المرتبطة بتمويل الإرهاب تستوجب تعزيز التعاون الدولي، وتكامل الأدوار بين الدول والمنظمات الإقليمية والدولية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا فيدان خلال استقباله وفد «الاتحاد الأوروبي» الذي ضم: ممثلة الشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ومفوضة شؤون التوسع مارتا كوس ومفوض الشؤون الداخلية ماغنوس برونر بمقر وزارة الخارجية التركية في أنقرة (الخارجية التركية)

تركيا و«الاتحاد الأوروبي» إلى مزيد من التعاون «بعيداً عن العضوية»

أكدت تركيا و«الاتحاد الأوروبي» التزام اتخاذ خطوات مشتركة لتعزيز التعاون في مجالات السياسة الخارجية والأمن والهجرة والاقتصاد والتجارة...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
آسيا الدالاي لاما الزعيم الروحي للتيبت (رويترز)

أقليات تحذر في الأمم المتحدة من قانون صيني جديد يحقق «المحو» الثقافي

دعا ممثلون لسكان التيبت وأقلية الأويغور خلال اجتماع للأمم المتحدة إلى ممارسة ضغوط دولية على الصين لحملها على إلغاء قانون يهدف إلى محو مجتمعات الأقليات.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

مسيّرة إسرائيلية تقصف قرب مستشفى في النبطية بجنوب لبنان

مبانٍ مدمرة في قرية لبنانية على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية 1 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
مبانٍ مدمرة في قرية لبنانية على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية 1 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

مسيّرة إسرائيلية تقصف قرب مستشفى في النبطية بجنوب لبنان

مبانٍ مدمرة في قرية لبنانية على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية 1 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
مبانٍ مدمرة في قرية لبنانية على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية 1 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

جدّدت مسيّرة إسرائيلية إغارتها على محيط «مستشفى غندور»، في يبلدة النبطية الفوقا بجنوب لبنان، «للمرة الثانية في أقل من نصف ساعة»، وفق ما نقلته «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية الرسمية.

ونفّذت القوات الإسرائيلية، بعد ظهر الخميس، عملية تفجير استهدفت عدداً من المنازل في بلدة حداثا بجنوب لبنان؛ ما أسفر عن دويّ انفجارات قوية وصل صداها إلى البلدات والقرى المجاورة في منطقة بنت جبيل، وفق ما أعلنته «الوكالة الوطنية».

ويستمرّ الجيش الإسرائيلي في استهداف مناطق واسعة بجنوب لبنان والبقاع شرق لبنان، بعد الإعلان الأول عن وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 16 أبريل (نيسان) الماضي، ثم تمديده في 23 من الشهر نفسه لمدة 3 أسابيع، وتمديده مرة أخرى في 15 مايو (أيار) الماضي لمدة 45 يوماً.

وأعلن، في 20 يونيو (حزيران) الماضي، عن وقف لإطلاق النار، انخفضت بعده وتيرة الاستهدافات الإسرائيلية لجنوب لبنان.


إسرائيليون يحيون ذكرى 1000 يوم على «7 أكتوبر» بمظاهرات وانقسامات

سيدة ترفع يديها المصبوغتين باللون الأحمر خلال احتجاج أمام مقر إقامة رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس الخميس (أ.ب)
سيدة ترفع يديها المصبوغتين باللون الأحمر خلال احتجاج أمام مقر إقامة رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس الخميس (أ.ب)
TT

إسرائيليون يحيون ذكرى 1000 يوم على «7 أكتوبر» بمظاهرات وانقسامات

سيدة ترفع يديها المصبوغتين باللون الأحمر خلال احتجاج أمام مقر إقامة رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس الخميس (أ.ب)
سيدة ترفع يديها المصبوغتين باللون الأحمر خلال احتجاج أمام مقر إقامة رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس الخميس (أ.ب)

أحيا إسرائيليون، الخميس، ذكرى مرور 1000 يوم على هجوم «حماس» على البلدات والمواقع العسكرية المحيطة بقطاع غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بمظاهرات ونشاطات أظهرت عمق الشرخ في المجتمع والخلافات الحادة حول القضايا الجوهرية والانفضاض عن رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو.

وعبَّر المتظاهرون عبر اللافتات عن أن هجوم «حماس» كان «كارثة على إسرائيل، وأكبر كارثة لليهود منذ الحرب العالمية الثانية».

كما ركزوا إفادات لمتفاعلين مع الحدث ومعلقين سياسيين استنتاجات مختلفة، منها أن الجيش غيّر العقيدة القتالية بشكل حاد، بعدما ظهر أن مجرد النجاح في احتلال 21 بلدة و11 موقعاً عسكرياً لعدة ساعات في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، يعتبر إخفاقاً استراتيجياً، متهمين إياه باستغلال ممارسات «حماس» ليرد بحرب إبادة على غزة أسفرت عن مقتل أكثر من 74 ألف فلسطيني، وتوسيعها إلى حرب على سبع جبهات (لبنان والضفة الغربية وإيران والعراق واليمن وسوريا، إضافة إلى غزة).

وعلى المستوى الشعبي، فقد الإسرائيليون ثقتهم بقادتهم وبمؤسساتهم؛ ففي استطلاع معمق لمعهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، جاء أن نحو 80 في المائة لا يشعرون بالأمان الشخصي.

وقال 31 في المائة فقط إنهم يثقون برئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وقال 25 في المائة إنهم يثقون بالحكومة (61 في المائة يثقون برئيس الأركان إيال زامير و73 في المائة يثقون بالجيش).

مزيد من الحروب

وعلى الرغم من أن الحرب الدائرة منذ 1000 يوم لا تتوقف، ولا تنتهي بحلول سياسية كما تنتهي عادة الحروب، فإن غالبية الإسرائيليين تطلب مزيداً من الحروب.

ووفقاً للاستطلاع ذاته، قال 57 في المائة إنهم يعارضون الانسحاب من لبنان حتى لو التزم «حزب الله» باتفاق وقف النار، وقال 59 في المائة إنهم يؤيدون شن حرب على لبنان، و42 في المائة شن حرب مع إيران حتى لو أدى ذلك إلى صدام مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ناقلة جند إسرائيلية تغادر غزة بينما يتجمع جنود قرب تلة متاخمة للقطاع (أ.ف.ب)

وفيما يتعلق بترمب، وعلى الرغم من مساندته الكبيرة لإسرائيل ومشاركتها في الحرب على إيران وإغراقها بالأسلحة ودعمها سياسياً ومالياً وعسكرياً، تعلن الغالبية الإسرائيلية عن فقدان الثقة به، وفقط 12 في المائة يثقون بأن ترمب ملتزم حقاً بأمن إسرائيل، وقال 57 في المائة إن ترمب يدعم أمن إسرائيل فقط إذا كان هذا الدعم يخدم مصالحه.

الانفصال عن الفلسطينيين

وعلى الرغم من ذلك، وجد الاستطلاع أنه في حال تقديم طروحات عقلانية لتغيير الواقع، يستجيب قسم جدي من الإسرائيليين. فعلى سبيل المثال، لا يطرح الإسرائيليون حلولاً سلمية. ولا يلتفتون إلى الفلسطينيين والعدد الهائل من الضحايا الذي أوقعوه.

لكن عندما سئلوا عن آفاق الحل للقضية الفلسطينية قال 27 في المائة إنهم يؤيدون الانفصال عن الفلسطينيين، وقال 25 في المائة إنهم يؤيدون حل الدولتين.

وعندما سئلوا كذلك عن توسيع «اتفاقيات إبراهيم» بشرط أن يتضمن ذلك إقامة دولة فلسطينية تعيش بسلام مع إسرائيل، انقسم الإسرائيليون إلى نصفين، فأجاب بالإيجاب 42 في المائة، وأجاب بالرفض 41 في المائة.

جنود إسرائيليون يحملون نعش زميل لهم قتل في غزة (إ.ب.أ)

والمعروف أن نتنياهو يتباهى بالحروب ويعتبر أنها حققت لإسرائيل مكاسب ضخمة، وبفضل قيادته لها تغير وجه الشرق الأوسط.

وقد علق الكاتب شاحر كلاين على ذلك في صحيفة «هآرتس» بالقول: «اغتيال كبار قادة المحور الإيراني وسقوط نظام الأسد واتفاق الإطار مع لبنان، تدل فعلاً على أن الشرق الأوسط تغير بالفعل، لكن ليس بالضرورة لصالح إسرائيل». ورأى أن «قوة الحوثيين ازدادت، و(حماس) صمدت في غزة، و(حزب الله) صمد في لبنان، وإيران ما زالت صامدة وتفرض إرادتها على إسرائيل والولايات المتحدة».

وكتب بن درور يميني في «يديعوت أحرونوت»: «نحن مغرمون قليلاً بالمقولة المبتذلة (العالم كله ضدنا). هذه المقولة غير دقيقة. صحيح أن الكثيرين ضدنا، لكن ليس الجميع ضدنا... المشكلة تكمن في أننا ضد أنفسنا. الحماقة مسجلة باسمنا، والهزيمة السياسية من صنع أيدينا».

واستدرك: «عندما قال دونالد ترمب، أعظم وأهم وأقوى حليف لإسرائيل في العالم، على الأقل حتى قبل أسبوعين، لنتنياهو: (الجميع سئم منك)، فقد جسّد الهزيمة».


إسرائيليون تسللوا إلى قرية فلسطينية فاحتلها الجيش خشية «اختطافهم»

جندي إسرائيلي يستخدم مصوب ليزر خلال دورية في البلدة القديمة بنابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
جندي إسرائيلي يستخدم مصوب ليزر خلال دورية في البلدة القديمة بنابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
TT

إسرائيليون تسللوا إلى قرية فلسطينية فاحتلها الجيش خشية «اختطافهم»

جندي إسرائيلي يستخدم مصوب ليزر خلال دورية في البلدة القديمة بنابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
جندي إسرائيلي يستخدم مصوب ليزر خلال دورية في البلدة القديمة بنابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

تعرضت قرية مخماس الفلسطينية لعملية احتلال طيلة 6 ساعات، فجر الخميس، قامت خلالها قوات من الجيش والمخابرات الإسرائيلية بالتفتيش عن 10 من اليهود المتدينين دخلوا إليها.

وقد قاد عملية الاحتلال كبار الجنرالات، الذين اعتبروه حدثاً أمنياً خطيراً، ولكن في ختام العملية تبين أنها محاولة من يهود دخلوا للصلاة في مقام قبر يوسف في نابلس خلافاً للتعليمات. فأثاروا الهلع في أروقة القيادات العسكرية والسياسية.

وبحسب تقرير لصحيفة «معاريف» العبرية، وقع الحادث في الساعات الأولى بعد منتصف الليل، واتضح في ختام العملية أن 10 إسرائيليين حريديم قدموا من إسرائيل إلى مدينة نابلس للصلاة في مقام يوسف، وهو ضريح يعتقد اليهود أنه قبر النبي يوسف، ويعتقد الفلسطينيون أنه مقام لأحد الولاة.

جنود إسرائيليون يقفون في دورية حراسة خلال جولة أسبوعية للمستوطنين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 مايو 2026 (رويترز)

وقد انسحب الجيش الإسرائيلي من هذا المقام، بموجب اتفاقيات أوسلو التي نصّت على تسليم السلطة الفلسطينية 40 في المائة من مساحة الضفة الغربية أواسط التسعينات من القرن الماضي.

ويعدّ اليهود الموقع مقاماً مقدساً، سمح لهم بدخوله والصلاة فيه، ولكن وفق ترتيبات أمنية صارمة، حيث يرافق الجيش المصلين من لحظة دخولهم حتى عودتهم.

تسللوا في الليل وزعموا حصارهم

ويبدو أن اليهود العشرة المذكورين قرروا مخالفة التعليمات وعدم انتظار دخول وفد منظم، فتسللوا في الساعة الواحدة بعد منتصف الليلة الفائتة، إلى نابلس وأقاموا الصلاة وعادوا أدراجهم بسلام.

إلا أنه في هذه الأثناء وصلت معلومات إلى جهاز الأمن العام (الشاباك) الإسرائيلي تفيد بأن سيارة ترانزيت إسرائيلية دخلت إلى المنطقة المحظورة في نابلس، فتم إرسال سيارة شرطة إسرائيلية إلى المكان. وعندما شاهد المواطنون اليهود سيارة الشرطة هربوا منها بسرعة جنونية، وبعد المرور مسافة 60 كيلومتراً، دخلوا إلى قرية مخماس الفلسطينية الواقعة جنوب شرق رام الله، وهم يقودون السيارة بسرعة عالية وبطريقة مهووسة، وأصابوا سيارات فلسطينية في الشارع، واختفوا في أزقة القرية.

جنديان إسرائيليان يشاركان في حراسة جولة أسبوعية للمستوطنين الإسرائيليين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة 14 فبراير 2026 (رويترز)

وبعد فترة من عمليات التعقب الاستخبارية، شوهدت السيارة وعرف صاحبها، وبعد الفحص في حاسوب الشرطة، اتصلوا بصاحبها، فحاول تبرير فعلته بأنه دخل بالخطأ للقرية الفلسطينية، وزعم أنه ورفاقه يتعرضون للمحاصرة من قبل مجموعة من الفلسطينيين الذين يرشقون مركبتهم بالحجارة.

وفي الحال تم الإعلان عن حدث أمني كبير وخطير يخشى أن يتحول إلى عملية اختطاف، فتم استنفار عدد هائل من قوات الجيش والكوماندوز والمخابرات فحاصروا قرية مخماس الفلسطينية وأقاموا حواجز التفتيش في جميع مداخلها وبداخلها، وأوقفوا السيارات وراحوا ينكلون بالفلسطينيين حتى «يعترفوا بالتهمة»، وفق شهادات محلية، وراحت طيارة مروحية مقاتلة تحوم في سماء القرية وطائرات مسيرة.

ولكن سيارة الإسرائيليين كانت قد غادرت القرية في طريقها إلى وسط إسرائيل. وفي ساعات الصباح، أعلن الجيش عن انتهاء الحدث وتم توقيف المتدينين اليهود للتحقيق، وفكّ الحصار عن القرية الفلسطينية.

الفلسطيني سعود الأطرش يعانق والدته بينما تهدم قوات إسرائيلية منزل العائلة يوم الثلاثاء جنوب الخليل بالضفة الغربية بحجة عدم الحصول على ترخيص بناء (أ.ف.ب)

يذكر أن قرية مخماس تعرضت خلال سنوات الاحتلال الستين إلى العديد من الاقتحامات والاعتداءات من الجنود الإسرائيليين، وكذلك من ميليشيات المستوطنين التي أقيمت بتشجيع الحكومة.

وخلال سنوات أوسلو الثلاثين الماضية دخل مئات من الإسرائيليين بالخطأ إلى بلدات فلسطينية، وفي العادة كان يتم تسليمهم إلى الجيش الإسرائيلي بسلام، باستثناء بعض الحالات النادرة.

ولكن الجيش والمخابرات الإسرائيلية يعتقدون أنه في أعقاب «حرب الإبادة» في غزة والاعتداءات اليومية في الضفة الغربية يوجد فلسطينيون يخططون لعمليات انتقام، باختطاف إسرائيليين أو تنفيذ عمليات تفجير.

وتتأهب أجهزة الأمن الإسرائيلية، طيلة الوقت لمواجهة محاولات كهذه. وتغلق مدن الضفة الغربية بأكثر من ألف بوابة حديدية صفراء تقيد بها حياة المواطنين ومجالات التعليم والعمل والخدمات الطبية وتكبل التنقل من بلدة لأخرى وتجعل حياة الناس قاسية تفتقر في بعض الأحيان للقمة العيش وأبسط العلاجات الطبية وللحد الأدنى من الأمان.

وتدير سلطات الاحتلال سياستها بهذا الشأن وسط هلع وفزع دائمين، وتبطش بلا رحمة. الأسبوع الماضي، كانت حالة شبيهة عندما نشر أن الشرطة في الضفة الغربية أنقذت جندياً إسرائيلياً من فلسطينيي بلدة ترقوميا قرب رام الله، وتبين لاحقاً أن جندياً دخل البلدة وتخاصم مع فلسطيني من سكانها على خلفية جنائية. ما تسبب أيضاً في استنفار عسكري ضخم.

مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون في حقل بينما يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

والمعروف أن اتفاقيات أوسلو قسّمت الضفة الغربية إلى 3 مناطق إدارية وأمنية رئيسية. تشمل المنطقة (أ) المدن الفلسطينية الكبرى، مثل رام الله ونابلس والخليل وجنين، وتخضع لسيطرة مدنية وأمنية فلسطينية كاملة، والمنطقة (ب) تخضع لسيطرة مدنية فلسطينية وأمنية مشتركة، في حين تقع المنطقة (ج) تحت سيطرة إسرائيلية كاملة، وتشمل المستوطنات والمناطق العسكرية. ويمنع دخول الإسرائيليين اليهود إليها بموجب أوامر عسكرية، حيث تُوضع لافتات تحذيرية عند مداخلها. وإذا دخلها أي إسرائيلي يتلقى بلاغاً من تطبيق «وييز» يقول: «احذر. أنت تدخل منطقة محظورة على الإسرائيليين».