ضغوط على فرنسا لتعديل موقفها من قرار مدعي المحكمة الجنائية

سيجورنيه استقبل نظيره الإسرائيلي وقال إن الاعتراف بدولة فلسطين «ليس من المحظورات»

وزيرا خارجية الفرنسي ستيفان سيجورنيه (يسار) والإسرائيلي إسرائيل كاتس بمناسبة لقائهما في القدس يوم 30 أبريل الماضي (أ.ف.ب)
وزيرا خارجية الفرنسي ستيفان سيجورنيه (يسار) والإسرائيلي إسرائيل كاتس بمناسبة لقائهما في القدس يوم 30 أبريل الماضي (أ.ف.ب)
TT

ضغوط على فرنسا لتعديل موقفها من قرار مدعي المحكمة الجنائية

وزيرا خارجية الفرنسي ستيفان سيجورنيه (يسار) والإسرائيلي إسرائيل كاتس بمناسبة لقائهما في القدس يوم 30 أبريل الماضي (أ.ف.ب)
وزيرا خارجية الفرنسي ستيفان سيجورنيه (يسار) والإسرائيلي إسرائيل كاتس بمناسبة لقائهما في القدس يوم 30 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

مرة أخرى، تطفو على سطح الأحداث الانقسامات العميقة التي تعتمل الاتحاد الأوروبي إزاء تعاطيه مع الملف الفلسطيني - الإسرائيلي والحرب في غزة التي تدخل قريباً شهرها الثامن. وبرزت الانقسامات إزاء طلب مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية إصدار مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي، ووزير دفاعه بالتوازي مع ثلاثة قادة من «حماس» (يحيى السنوار ومحمد الضيف وإسماعيل هنية). فقد سارعت ألمانيا وإيطاليا والنمسا والتشيك إلى التنديد بقرار المدعي كريم خان، أسوةً بموقف الإدارة الأميركية ورئيسها جو بايدن، الذي وصفه بـ«الشائن». وفي المقابل، أبدت دول أخرى ومنها التي أعلنت عزمها الاعتراف بالدولة الفلسطينية (إسبانيا وآيرلندا والنرويج) دعمها قرار المحكمة الجنائية إضافةً إلى فرنسا. أما مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فقد التزم الحذر في تعليقه مكتفياً بالقول إن الاتحاد «يأخذ علماً» بقرار المحكمة. إلا أنه ندد سلفاً بـ«الضغوط» التي قد تمارس على المحكمة.

ومن بين الدول كافة، استقطب الموقف الفرنسي اهتماماً داخلياً وخارجياً. فقد جاءت ردة الفعل الفرنسية الأولى في إطار بيان صادر عن الخارجية وقد ورد فيه أن فرنسا «تؤيد المحكمة الجنائية الدولية واستقلاليتها ومكافحة الإفلات من العقاب في كل الحالات» التي تعني، ضمنياً، أن ما ينطبق على الدول الأفريقية مثلاً يجب أن ينطبق على الدول الأخرى ومن بينها إسرائيل.

دمار عقب غارات إسرائيلية على مدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

ضغوط داخلية

أثارت الفقرة المذكورة من بيان الخارجية ردود فعل عنيفة من المنظمات اليهودية في فرنسا ومن إسرائيل، علماً بأن وزير الخارجية الإسرائيلي إسرائيل كاتس، يزور فرنسا بمناسبة الاحتفال بقيام إسرائيل وبإقامة العلاقات الدبلوماسية بينها وبين فرنسا. فقد سارع المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا إلى إصدار بيان جاء فيه: «كيف يمكن لفرنسا أن تقبل أن تعامَل إسرائيل كما تعامَل حماس في طلبات مذكرات التوقيف» عن المحكمة. وسأل البيان: «كيف أنها (فرنسا) لم توجه أي انتقاد إلى المحكمة واختارت على العكس من ذلك أن تؤكد أنها تدعم المحكمة الدولية واستقلاليتها؟». وتابع البيان أن موقف باريس «يفتقر للانسجام والشجاعة، إذ كيف يمكننا أن نؤكد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول) ونتسامح في الوقت نفسه مع مساواة المحكمة الجنائية الدولية بين إسرائيل وحماس؟».

وخلص البيان إلى التعبير عن «أسف المجلس اليهودي الشديد أن يكون بلدنا (فرنسا) قد اختار الانفصال عن حلفائنا الطبيعيين، الديمقراطيات الغربية الكبرى (التي أدانت المحكمة)».

كانت الخارجية قد بررت موقفها بالتذكير بأن فرنسا «أدانت منذ السابع من أكتوبر المجازر المعادية للسامية التي ارتكبتها حماس» وأنها بالتوازي «نبَّهت منذ أشهر عديدة إلى ضرورة احترام (إسرائيل) الصارم للقانون الدولي الإنساني والطابع غير المقبول للخسائر الإنسانية في قطاع غزة والوصول الإنساني غير الكافي» للمدنيين.

مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية كريم خان متحدثاً في مؤتمر صحافي يوم 25 أبريل (أ.ف.ب)

إزاء حملة ممنهجة على الدبلوماسية الفرنسية، سارع ستيفان سيجورنيه، وزير الخارجية، إلى إحداث «انعطافة» في موقف باريس لجهة «التماثل» في التعاطي بين «حماس» وإسرائيل. فقد قال، رداً على سؤال طُرح عليه (الثلاثاء) في البرلمان، إن «الطلبات المتزامنة (من جانب المحكمة الجنائية) لإصدار مذكرات توقيف لا ينبغي أن تضع على قدم المساواة (حماس) وإسرائيل». وأوضح سيجورنيه أنه هناك، من جهة، «حماس» وهي «مجموعة إرهابية أشادت بهجمات 7 أكتوبر، وأعلنت مسؤوليتها عنها» ومن جهة أخرى، هناك إسرائيل وهي «دولة ديمقراطية يجب أن تحترم القانون الدولي في إدارة حرب لم تتسبب بها».

وبذلك تكون باريس قد انضمت إلى مقاربة الدول الغربية الأخرى التي رفضت التوازي في التعامل بين هذين الطرفين. لكنَّ سيجورنيه الذي يعي المأزق الدبلوماسي المستجد في علاقات بلاده مع إسرائيل، حرص على تأكيد «مبدأ التضامن مع الإسرائيليين والفلسطينيين» وإعادة تأكيد العمل من أجل حل سياسي لأنه «الأفق الوحيد الممكن للسلام، ونحن نعمل على الصعيد الدبلوماسي لتحقيق هذه الغاية»، وأخيراً على استقلالية المحكمة الجنائية التي «يتعين على قضاتها الآن الحكم بشأن إصدار مذكرات التوقيف هذه، وسيقومون بذلك بشكل مستقل وبكل حرية».

فلسطينيون يعاينون (الأربعاء) الخراب الذي حلَّ بعد ضربة إسرائيلية استهدفت مراكب الصيد على شاطئ رفح (أ.ف.ب)

فرنسا تسعى لموقف متوازن

لم يَرُقْ لإسرائيل التصحيح الذي جاء على لسان سيجورنيه، إذ عدَّته غير كافٍ. فما دعا إليه المجلس اليهودي التمثيلي، كرره نظيره إسرائيل كاتس في خطوة واضحة للضغط على الدبلوماسية الفرنسية حتى تتراجع عن بيانها الأول. فقد قال كاتس، متوجهاً إلى ستيفان سيجورنيه الحاضر بمناسبة الاحتفالات المشار إليها: «أتوجه إلى صديقي وزير الخارجية الفرنسي بالقول إنه في مواجهة هذا الطلب المخزي من المدعي العام، فإن دعمكم ودعم الحكومة الفرنسية ضروريان». وأضاف: «من المهم أن تعلنوا بشكل واضح أن طلب المدعي العام مخزٍ وبالتالي غير مقبول بالنسبة إليكم وإلى الحكومة الفرنسية مهما تكن سلطة المحكمة». ولم تتأخر أصوات أخرى موالية لإسرائيل ووسائل إعلامية فرنسية في تكرار الرسالة نفسها وإيجاد الحجج والذرائع للتنديد بـ«التوازي» في تعامل المحكمة مع إسرائيل وحماس. وفي الكلمة التي ألقاها قبل إسرائيل كاتس، في المناسبة نفسها، أكد سيجورنيه أن بلاده «تقف إلى جانب إسرائيل». ونقلت صحيفة «لوموند» أن كلام سيجورنيه أثار «استهجان» الحضور. ونقلت عن جويل ميرغي، رئيس المجلس العبادة اليهودي في باريس، أن «رد فعل باريس على تفويضات المحكمة الجنائية الدولية مخيِّب للآمال ومقلق ليهود فرنسا»، وأنه «يتناقض» مع مكافحة فرنسا لمعاداة السامية. ونقلت عن آخرين أن طلب إصدار مذكرات توقيف بحق قادة إسرائيليين «خطير» و«غبي» ولا يليق بقادة «دولة ديمقراطية ذات نظام قضائي فعال».

خلال يوم الأربعاء، استقبل سيجورنيه نظيره الإسرائيلي في باريس. وكان مرتقباً أن يكون الوضع في غزة، وقرار ثلاث دول أوروبية الاعتراف بالدولة الفلسطينية، فضلاً عن القرار الصادر عن المحكمة الجنائية، موضع تباحث بين الوزيرين. لكنَّ مصادر فرنسية تؤكد أن باريس وإن «لطَّفت» من موقفها الأول «لا تستطيع التراجع عن تأكيد دعمها المحكمة الجنائية خصوصاً أنه كان لها دور كبير في ولادتها ودعمها وذلك مهما تكن الضغوط الداخلية والخارجية».

وذكرت وكالة الصحافة الفرنسية اليوم، أن الوزير سيجورنيه قال في تصريح مكتوب إن الاعتراف بدولة فلسطين «ليس من المحظورات» بالنسبة إلى فرنسا، لكنّ باريس ترى أن الظروف غير متوافرة «الآن ليكون لهذا القرار تأثير فعلي» على العملية الهادفة إلى قيام دولتين. وتابع: «يجب أن يكون قرار كهذا مفيداً، أي السماح بتسجيل تقدم حاسم على الصعيد السياسي. في هذا الإطار، يجب أن يحصل هذا القرار في الوقت المناسب» ليُحدث فرقاً. ورأى سيجورنيه أن «الأمر لا يتعلق فقط بمسألة رمزية أو بالتموضع السياسي بل بأداة دبلوماسية تُسخَّر لحل الدولتين اللتين تقومان جنباً إلى جنب بسلام وأمن».​


مقالات ذات صلة

أطفال غزة يعودون إلى فصولهم للمرة الأولى منذ 3 سنوات

المشرق العربي طلاب فلسطينيون يحضرون اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تابعة للأونروا في النصيرات وسط قطاع غزة (رويترز) p-circle

أطفال غزة يعودون إلى فصولهم للمرة الأولى منذ 3 سنوات

عاد مئات الآلاف من الأطفال في ​غزة إلى الدراسة الحضورية للمرة الأولى منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، وإن كان في مبانٍ مدرسية متهدمة أو مؤقتة أو في خيام.

«الشرق الأوسط»
المشرق العربي فلسطيني نازح يقف في شرفة مبنى مدمر يُستخدم كمأوى في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

إسرائيل تصعّد الغارات قرب الخط الأصفر في غزة

واصل الجيش الإسرائيلي، الاثنين، تصعيد غاراته وهجماته قرب الخط الأصفر الافتراضي الذي يتمركز شرقه، ويحتل أكثر من 65 في المائة من مساحة غزة.

المشرق العربي رجل يبكي على جثمان بصير البرش الذي قُتل في غارة إسرائيلية بمدينة غزة السبت (أ.ب)

الجيش الإسرائيلي يقتل 3 فلسطينيين بينهم طفل بقطاع غزة

قتل الجيش الإسرائيلي ثلاثة فلسطينيين في مناطق مختلفة من قطاع غزة، حسب ما أفادت مصادر طبية والدفاع المدني.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي قوات إسرائيلية تغلق نقطة تفتيش يستخدمها الفلسطينيون بعد إطلاق النار قرب رام الله (رويترز)

مقتل إسرائيلي بإطلاق نار في الضفة الغربية... وتوقيف مشتبه به

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأحد، مقتل شخص في إطلاق نار بالقرب من مستوطنة «نفيه تسوف» قرب رام الله في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
يوميات الشرق نجم البوب البريطاني إد شيران (أ.ب)

إد شيران: حرب إسرائيل على غزة كارثية ولا يمكن تبريرها

وفي أول تعليق له على القضية، انتقد المغني البريطاني معاملة إسرائيل لسكان غزة، ووصفها بأنها «لا يمكن تبريرها».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

إصابة ناقلتين بـ«مقذوفات مجهولة المصدر» في مضيق هرمز

سفن في مضيق هرمز (رويترز)
سفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إصابة ناقلتين بـ«مقذوفات مجهولة المصدر» في مضيق هرمز

سفن في مضيق هرمز (رويترز)
سفن في مضيق هرمز (رويترز)

أصيبت ناقلة للغاز النفطي المسال بشظايا «مقذوفات مجهولة المصدر» أثناء خروجها من مضيق هرمز، وفق ما أفادت هيئة بحرية بريطانية، في ثاني حادثة تتعرض لها ناقلة في الممر المائي، الاثنين.

وتغلق إيران عملياً مضيق هرمز الحيوي لإمدادات الطاقة في العالم، منذ اندلاع الحرب مع أولى الضربات الأميركية - الإسرائيلية عليها في 28 فبراير (شباط)، وردت الولايات المتحدة بفرض حصار على الموانئ الإيرانية.

وقالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) إنها تلقّت «بلاغاً متأخراً» عن حادث تعرضت له ناقلة غاز نفطي مسال أثناء عبورها خارجة من مضيق هرمز.

وأفاد ربان الناقلة بأنها أصيبت بشظايا مقذوفات مجهولة المصدر، مؤكداً سلامة أفراد الطاقم وعدم وجود أي تأثير بيئي، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي وقت سابق اليوم، أُصيب اثنان من أفراد طاقم ناقلة بجروح طفيفة بعدما أصابها «مقذوف مجهول المصدر» أثناء عبورها مضيق هرمز.

وقالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن «السلطات العسكرية أبلغتنا بأن ناقلة أصيبت بمقذوف مجهول المصدر أثناء عبورها مضيق هرمز باتجاه الدخول».

وأضافت: «أصيب اثنان من أفراد الطاقم بجروح طفيفة، وأفادت التقارير بأن السفينة تواصل إبحارها إلى ميناء التوقف التالي».


«زواج» أوجلان يفجّر جدلاً في تركيا

آخر ظهور لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان من داخل سجن إيمرالي في غرب تركيا خلال رسالة مصورة في 9 يوليو 2025 دعا فيها أعضاء الحزب إلى إلقاء السلاح والتوجه للعمل السياسي الديمقراطي (رويترز)
آخر ظهور لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان من داخل سجن إيمرالي في غرب تركيا خلال رسالة مصورة في 9 يوليو 2025 دعا فيها أعضاء الحزب إلى إلقاء السلاح والتوجه للعمل السياسي الديمقراطي (رويترز)
TT

«زواج» أوجلان يفجّر جدلاً في تركيا

آخر ظهور لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان من داخل سجن إيمرالي في غرب تركيا خلال رسالة مصورة في 9 يوليو 2025 دعا فيها أعضاء الحزب إلى إلقاء السلاح والتوجه للعمل السياسي الديمقراطي (رويترز)
آخر ظهور لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان من داخل سجن إيمرالي في غرب تركيا خلال رسالة مصورة في 9 يوليو 2025 دعا فيها أعضاء الحزب إلى إلقاء السلاح والتوجه للعمل السياسي الديمقراطي (رويترز)

تفجّر جدل جديد في تركيا حول زواج زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان، بعد الجدل الذي استمر لفترة حول بناء «فيلا» في جزيرة إيمرالي في جنوب بحر مرمرة في غرب تركيا التي يقع بها السجن القابع فيه منذ أكثر من 26 سنة، للانتقال إليها لممارسة دوره في «عملية السلام» القائمة على دعوته إلى حل الحزب ونزع أسلحته.

وتسببت تصريحات لرئيس حزب «النصر» القومي، أوميت أوزداغ، عن استعداد أوجلان، البالغ من العمر 78 عاماً، للزواج بعد الانتقال إلى مسكنه الجديد في إيمرالي، في إثارة جدل جديد.

وأصدر مكتب «عصرين» للمحاماة الذي يتولى ملف أوجلان القانوني بياناً، الاثنين، انتقد فيه التصريحات بشدة، مهاجماً أوزداغ، من دون الإشارة إليه بالاسم.

اتهامات بالعنصرية

وقال المكتب، في البيان الذي نشره عبر حسابه في «إكس» تحت عنوان «بيان للرأي العام»، إن «من الواضح أنه يمكن توقع مثل هذا المستوى من عقلية عنصرية وكارهة للنساء، تجوب المنازل لاستجواب اللاجئين وتؤجج كراهية الأجانب».

وأضاف أنه في الوقت الذي نمر فيه بمرحلة تُبذل فيها جهودٌ حثيثةٌ لخلق فرص لمعالجة القضية الكردية، الممتدة لقرنين تقريباً، على أسسٍ سياسيةٍ وقانونيةٍ، وإخراجها من دائرة الصراع والعنف، تواصل جهات مختلفة منذ فترة نشر خطاب تضليلي واستفزازي ضد أوجلان، «الفاعل الرئيسي في هذه العملية»، الذي يُركز جهوده على تحويل هذه الفرصة الناشئة إلى سلامٍ دائمٍ وحلٍّ ديمقراطي.

وتابع: «ندرك تماماً أن هذه العقلية، التي تُحاول التغطية على البُعد التاريخي والسياسيّ للقضية الكردية، وفصل العملية الجارية عن سياقها الجوهريّ باختزالها إلى أجنداتٍ صحافيةٍ رخيصةٍ تناسب الصحافة الصفراء، لا تعرف حدوداً أخلاقية، ومن الواضح أن من ينزعجون من انتهاء الصراع والعنف ليسوا هم أنفسهم من دفعوا الثمن البشري والاقتصادي والاجتماعي للصراعات السابقة».

أوزداغ يشعل الجدل.. وبهشلي ينتقد

وقال أوزداغ، خلال برنامج تلفزيوني، الجمعة، إن منزلاً تبلغ مساحته نحو 250 متراً مربعاً، يزعم أنه يُجهز لاستخدام عبد الله أوجلان في سجن إيمرالي، مضيفاً: «أوجلان يرغب في تكوين أسرة والزواج في هذا المبنى، هوية المرأة التي سيتزوجها (لم يكشف عنها) كانت موضوع نقاش في أوساط أنقرة لشهور».

رئيس حزب «النصر» القومي أوميت أوزداغ فجّر الجدل حول زواج أوجلان في منزل أقيم له في إيمرالي (حساب الحزب في إكس)

وعن الجدل الذي أثير حول المبنى أو المنزل الذي سيخصص لأوجلان، والذي كشف عنه رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي، في تصريحات صحافية في 11 سبتمبر (أيلول) الحالي والذي وصفته وسائل الإعلام بـ«الفيلا»، ذكر مكتب «عصرين» للمحاماة، في بيانه، أن تحويل هذا المبنى «الضروري» لتقدم العمل السياسي والقانوني لـ«عملية السلام والمجتمع الديمقراطي»، إلى أداة استفزازية من خلال اقتطاعه من سياقه، هو استمرار للنهج نفسه».

وأكد أن الهدف الحقيقي لحملة التشويه التي شُنّت ضد أوجلان هو الشعب الكردي، لافتاً إلى أن «إنكار وجود الأكراد، والصورة النمطية التي رسمتها الدولة عن أوجلان، والنظام المُطبق في إيمرالي، كل ذلك يُؤجج الخطاب المُعادي لنضال الشعب الكردي من أجل نيل حقوقه من خلال الحملة على أوجلان الذي يجب أن يحصل على وضع قانوني لقيادة عملية السلام».

رئيس حزب الحركة القومية دولت بهشلي (حساب الحزب في إكس)

كان بهشلي قد انتقد تصوير حديثه عن مقر أوجلان الجديد على أنه «فيلا»، قائلاً إنه مسكن مساحته 250 متراً مربعاً قيد الإنشاء، سيتمكن أوجلان فيه من العمل ولقاء الصحافيين، ويجب توفير هذه الفرص، بعدما أمضى أوجلان أكثر من 26 سنة في السجن وأصبح متقدماً في السن، وسيتم توفيرها».

أوزيل يحذر

في السياق ذاته، قال زعيم المعارضة رئيس «الحزب الجديد» ، أوزغور أوزيل، إن مسألة «وضع أوجلان»، التي لطالما شدد عليها بهشلي تحددت بموجب إعلان كبير مستشاري الرئاسة التركية للشؤون القانونية، محمد أوتشوم، الأسبوع الماضي، عن أن أوجلان سيكون عضواً في «لجنة نزع السلاح والتنسيق الاستراتيجي».

وأضاف أوزيل، في تصريحات، الاثنين، أن حزبه ملتزم بموقفه ودعمه تنفيذ مسار «تركيا خالية من الإرهاب» (عملية السلام والمجتمع الديمقراطي)، وإذا ألقت منظمة ما أسلحتها وعملت آليات الدولة المختلفة على تهيئة الظروف اللازمة لذلك، فليس من حقنا أن نرفض، لكننا نركز على الديمقراطية والبنود الخاصة بها في «قانون تعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي» الذي أقره البرلمان في 10 أغسطس (آب) الماضي.

زعيم المعارضة التركية أوزغور أوزيل (حساب الحزب الجديد في إكس)

ورأى أوزيل أن التركيز على قضايا مثل وضع أوجلان، وطريقة معيشته والتواصل معه، مُضرّ للغاية للعملية الجارية ويؤدي إلى تضاؤل الدعم الاجتماعي لها.

وقال إنه بدلاً من العمل على انتقال أوجلان إلى منزل جديد في جزيرة إيمرالي يجب إعطاء الأولوية لإطلاق سراح السياسيَّين الكرديَّين صلاح الدين دميرتاش وفيجان يوكسكداغ، وجميع السجناء السياسيين، الذين لا ذنب لهم سوى قولهم للرئيس رجب طيب إردوغان: «لن ندعك تصبح رئيساً»، ليعودوا إلى منازلهم.

وختم أوزيل: «قضيتنا هي تنفيذ قرارات المحكمة الدستورية التركية والمحكمة الأوروبية بشأن دميرطاش والناشط عثمان كافالا، والتوقف عن اعتقال الصحافيين ورسامي الكاريكاتير بتهمة الإرهاب، وتفعيل الأخلاقيات السياسية وشفافية التمويل السياسي».


تباطؤ الملاحة في هرمز مع استمرار التهديدات بالتصعيد العسكري

القوات الأميركية قالت إنها ساعدت أكثر من 2000 سفينة تجارية على عبور مضيق هرمز (سنتكوم)
القوات الأميركية قالت إنها ساعدت أكثر من 2000 سفينة تجارية على عبور مضيق هرمز (سنتكوم)
TT

تباطؤ الملاحة في هرمز مع استمرار التهديدات بالتصعيد العسكري

القوات الأميركية قالت إنها ساعدت أكثر من 2000 سفينة تجارية على عبور مضيق هرمز (سنتكوم)
القوات الأميركية قالت إنها ساعدت أكثر من 2000 سفينة تجارية على عبور مضيق هرمز (سنتكوم)

تشهد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم، تباطؤاً ملحوظاً مع استمرار حالة التوتر في الشرق الأوسط والجمود بين الولايات المتحدة وإيران. وبينما تؤكد واشنطن نجاحها في تأمين ممر بحري يعزز تدفقات النفط، تُظهر بيانات التتبع المتخصصة أن حجم الشحنات لا يزال أدنى بكثير من مستويات ما قبل الحرب.

وأظهرت بيانات شحن يوم الاثنين أن 17 سفينة سلع أولية عبرت مضيق هرمز مطلع الأسبوع، انخفاضاً من 37 سفينة قبل أسبوع، في ظل استمرار التوتر في الخليج، مع بقاء الوضع بين الولايات المتحدة وإيران في حالة جمود.

وتراجعت كثيراً حركة الملاحة التي يمكن رصدها عبر المضيق، الذي كان ممراً لخُمس إمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال قبل الحرب، ولكن منتجين من الشرق الأوسط يواصلون تصدير النفط على متن ناقلات تبحر وهي تغلق أجهزة الإرسال والاستقبال.

وفي ظل تهديد إيران باستهداف السفن التي لا تستخدم المسارات التي توافق عليها طهران، تطفئ السفن في معظم الأحيان أجهزة الإرسال الخاصة بتحديد مواقعها عند سلوك الممر الذي تؤمّنه الولايات المتحدة، ما يصعّب رصدها مباشرة. وأفادت «لويدز» وكالة الصحافة الفرنسية بوجود «هامش خطأ» في عمليات الرصد، فيما قالت «كبلر» إن لديها «درجة ثقة مرتفعة نسبياً في إجمالي التدفقات»، لكن ليس من الممكن رصد كل عملية عبور في الوقت الفعلي.

تفاصيل الحركة الملاحية

وأظهرت بيانات أولية من شركة «كبلر» للتحليلات أن 5 سفن يمكن تتبعها غادرت المضيق يوم الأحد، فيما دخلت ناقلتا نفط صغيرتان الخليج. وشملت السفن المغادرة ناقلة الخام العملاقة «بينيوس»، وناقلتين تحملان منتجات نفطية مكررة، وناقلتين فارغتين للسلع السائبة والغاز.

وأظهرت بيانات «كبلر» ومجموعة بورصات لندن، أن الناقلة «بينيوس» كانت تنقل يوم الاثنين مليونَي برميل من خام البصرة العراقي، قبالة الفجيرة في الإمارات، إلى ناقلة خام عملاقة أخرى، هي «نيو كونستانت»، التي من المتوقع أن تتجه إلى الصين.

وأظهرت البيانات أن 8 سفن -من بينها ناقلة عملاقة- غادرت الخليج يوم السبت محمَّلة بالنفط الخام ومنتجات زراعية ونفطية وغاز طبيعي مسال وغاز بترول مسال وأسمدة، فيما دخلت ناقلة غاز عملاقة وناقلة نفط عملاقة.

كما أظهرت بيانات «كبلر» ومجموعة بورصات لندن، أن ناقلة الغاز الطبيعي المسال «شاندونغ ريدوود»، المحملة بشحنة من ميناء رأس لفان القطري، عبرت مضيق هرمز يوم السبت، وهي في طريقها إلى باكستان.

انخفاض حاد مقارنة بما قبل الحرب

وقبل بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران في 28 فبراير (شباط)، كان المضيق تمر منه عادة نحو 125 سفينة تجارية كبيرة يومياً، تشمل ناقلات النفط وناقلات الغاز وسفن البضائع السائبة وسفن الحاويات.

وأظهرت بيانات «كبلر» أن 22 ناقلة، معظمها ناقلات خام عملاقة جداً، تحمل 42 مليون برميل من النفط الخام، غادرت مضيق هرمز في الأسبوع المنتهي في 13 سبتمبر (أيلول). واستحوذت السعودية والعراق على 43 في المائة لكل منهما من إجمالي الكميات.

ووفقاً لبيانات «كبلر»، عبرت 51 سفينة مضيق باب المندب في الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، وغادرت 33 سفينة خلال مطلع الأسبوع، من بينها ناقلة من فئة «أفراماكس» تحمل نحو 700 ألف برميل من الخام السعودي. ويمثل ذلك انخفاضاً من 57 سفينة خلال مطلع الأسبوع السابق.

«سنتكوم»: دعمنا نقل مليار برميل

من جانبه، أعلن الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، مؤخراً عن دعم عمليات نقل أكثر من مليار برميل من النفط عبر مضيق هرمز خلال الشهرين الماضيين. وأضاف كوبر في مقطع فيديو أنه تم تحقيق هذا الإنجاز المهم بالتزامن مع تأمين عبور أكثر من 2000 سفينة تجارية عبر المضيق من خلال توفير الحماية منسقة، مؤكداً أن ممرات العبور الرئيسية في المضيق خالية من الألغام.

يذكر أن إيران تواصل فرض قبضتها على المضيق الاستراتيجي، في وقت تواصل واشنطن تشديد حصارها المضاد للموانئ الإيرانية خلال الحرب في الشرق الأوسط. وتسعى طهران إلى فرض رسوم على السفن مقابل عبورها، وتهاجم السفن التي تتهمها بمحاولة تجنب المسار الذي تحدده.

ممر تؤمّنه واشنطن

وساهم إنشاء ممر بحري تؤمّنه الولايات المتحدة في مضيق هرمز في زيادة تدفقات النفط عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي بصورة كبيرة، لكن حجم الشحنات لا يزال عند نحو نصف مستواه قبل الحرب، وفق تحليل أجرته وكالة الصحافة الفرنسية لبيانات متخصصة.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن في منتصف أغسطس (آب) أن «كميات هائلة من النفط» تُشحن عبر المضيق، غير أن بيانات شركتَي «كبلر» و«لويدز ليست إنتليجنس» لتتبّع حركة السفن تظهر أن التدفقات لا تزال أدنى بكثير من مستويات ما قبل الحرب.

وقال مسؤولون في البيت الأبيض لموقع «أكسيوس» إن الولايات المتحدة تسيطر منذ نحو منتصف يونيو (حزيران) على الممر المحاذي للساحل العُماني، حين تم التوصل إلى مذكرة تفاهم مع إيران. ويرافق الجيش الأميركي قوافل من السفن منذ استئناف القتال في 8 من يوليو (تموز)، وتهديد إيران مجدداً بمهاجمة السفن التي تستخدم هذا المسار.

وحسب التحليل الذي أجرته وكالة الصحافة الفرنسية استناداً إلى معايير «لويدز»، خرج عبر المضيق منذ 8 يوليو نحو 330 مليون برميل من النفط على متن سفن لا تُعد مرتبطة بإيران، أي ما يعادل نحو 4.9 مليون برميل يومياً.

لكن التدفقات ارتفعت باطراد خلال أغسطس وسبتمبر، وبلغ متوسطها قرابة 8 ملايين برميل يومياً خلال الأيام السبعة الأولى من سبتمبر. وفي السابع من سبتمبر وحده، خرج عبر المضيق أكثر من 14 مليون برميل.

وبالمقارنة، كان نحو 18 مليون برميل يومياً يعبر المضيق في زمن السلم، في مقابل 1.4 مليون برميل خلال المرحلة الأولى من الحرب حين فُرضت القيود للمرة الأولى، و9.4 ملايين برميل خلال المحادثات التي رُفعت القيود أثناءها.

وتعرّف «لويدز» العبور غير المرتبط بإيران بأنه رحلة لسفينة لا تتجه إلى ميناء إيراني أو تنطلق منه، ولا تملكها إيران ولا ترفع علمها، وليست خاضعة للعقوبات أو جزءاً من «أسطول الظل». واستبعد التحليل أيضاً السفن التي سلكت المسار الإيراني للخروج من مضيق هرمز.

السفن تطفئ أجهزة الإرسال

تقول الإدارة الأميركية إن المتوسط المتحرك للتدفقات يبلغ نحو تسعة ملايين برميل يومياً، أي أكثر بنحو مليون برميل من أعلى متوسط أسبوعي رصدته شركتا التتبّع. ويعادل هذا الفارق حمولة ناقلة نفط خام عملاقة كل يومين.

وقال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إنه، خلافاً لشركات التتبّع، «نعرف كل سفينة وما تحمله (...) في هذه القوافل التي نسيّرها». وأكدت الحكومة الأميركية أيضاً عبور نحو 18 مليون برميل خلال فترة واحدة امتدت 24 ساعة، وهو رقم لا يمكن استبعاده، خصوصاً إذا عبر عدد كبير من السفن خلال فترة زمنية مركزة. لكن البيانات لا تؤيد إعلان ترامب في رسم بياني نشره على منصته «تروث سوشيال»، أن تدفق 18 مليون برميل يومياً أصبح المستوى الاعتيادي الجديد.