«أدب السجون»... قصائد مهرّبة وسرد مثقل بالشوق للحرية

شعراء وكتاب عرب يتحدثون لـ «الشرق الأوسط» عن معايشتهم للتجربة والكتابة عنها

«أدب السجون»... قصائد مهرّبة وسرد مثقل بالشوق للحرية
TT

«أدب السجون»... قصائد مهرّبة وسرد مثقل بالشوق للحرية

«أدب السجون»... قصائد مهرّبة وسرد مثقل بالشوق للحرية

أعاد فوز الكاتب الفلسطيني باسم الخندقي الذي يقضي سجناً بالمؤبد مدى الحياة في السجون الإسرائيلية بجائزة البوكر العربية عن روايته «قناع بلون السماء» ما يعرف بـ«أدب السجون» إلى الواجهة، وهو الأدب الذي رافق نشأة السجن نفسه وارتبط به على مر العصور. فكيف إذن يتحرر الخيال ليسطر إبداعاً ملهماً من وراء القضبان وليل الزنزانة الطويل، وإلى أي مدى يعكس هذا اللون الأدبي الضارب في عمق التاريخ شكلاً من أشكال المقاومة لفكرة الحرمان والشوق العارم للحرية والعدالة، علماً بأنه لا يقتصر على من عانى ويلات السجن مباشرة، فقد يستعين المبدع بالوثائق والشهادات الحية ليصبح «التخييل» بديلاً عن «التوثيق الذاتي»، كما في رواية «تلك العتمة الباهرة» للكاتب المغربي طاهر بن جلون، وغيرها.

في هذا التحقيق يتحدث شعراء وكتاب عرب لـ«الشرق الأوسط» عن معايشتهم لتجربة السجن، وكيف حولوها إلى إبداع راقٍ معجون بشوق عارم للحرية.

تعد حقبة الستينات في التاريخ العربي من أقوى الحقب التي برزت فيها ظاهرة «أدب السجون»، بخاصة في الشعر والكتابة السردية، فقد شهد الشعر الفلسطيني بعضاً من تجلياتها هذه الظاهرة في قصائد شعراء ألقى بهم الاحتلال وراء القبضان. منهم الشاعر حنا أبو حنا، الذي كتب من معتقله في «سجن الرملة» عام 1958، مجموعة من القصائد يقول في واحدة منها:

«خسئوا، فما حبسوا نشيدي بل ألهبوا نار القصيدِ - نار تأجج، لا تكبّل بالسلاسل والقيودِ - نار، جحيم للطغاة وزمرة العسف المريدِ - شرف لشعري أن يقض مضاجع الخصم اللدودِ - فأعجب لشعر يستثير الرعب في مهج الحديدِ - أقوى من السجن المزنر بالعساكر والسدودِ».

وفي مصر زج الكثير من الأدباء والمثقفين في السجون بتهمة الانتماء إلى التنظيمات الشيوعية. ويروي الكاتب والمؤرخ الراحل صلاح عيسى واقعة ذات دلالة في هذا السياق قائلاً: «يوم 4 أكتوبر (تشرين الأول) 1966 جرى اعتقال الجميع، وكان أغلبهم من المثقفين والمبدعين، أخذونا إلى سجن القلعة، حيث تعرضنا لعمليات من التعذيب والتنكيل لانتزاع الاعترافات منا، وقضينا نحو 35 يوماً في زنازين انفرادية لا يعرف أي منا ما يجرى لبقية المعتقلين». ومن وحي تلك الفترة البسيطة، استلهم الشاعر عبد الرحمن الأبنودي قصيدته الشهيرة «أحزان عادية» التي يقول فيها: «وتذكرت سنة ما اتبنت القلعة - وكنت أنا أول مسجون - وكان الضابط ده أول سجان - يوم ما ركلني نفس الركلة - يوم ما صفعني نفس الصفعة - نفس طريقة الركل - وآخر الليل جانى بدم صحابي في الأكل».

ويلهم نفس السجن الشاعر أحمد فؤاد نجم قصيدة مهمة يقول مطلعها: «أنا رحت القلعة وشفت ياسين - نحوه العسكر والزنازين - والشوم والبوم وكلاب الروم - يا خسارة يا أزهار البساتين - عيطي يا بهية على القوانين».

ويعد صنع الله إبراهيم واحداً من أصحاب التجارب الأدبية البارزة التي استندت في أحد مصادرها إلى تجربة السجن، وهو ما تجلى في العديد من أعماله مثل المجموعة القصصية «تلك الرائحة» ورواية «شرف» ونصوص «يوميات الواحات»، التي استند فيها إلى ذكريات اعتقاله منذ أواخر الخمسينات بتهمة الانتماء إلى حزب شيوعي ضمن حملة موسعة شملت أسماء بارزة في الثقافة مثل يوسف إدريس ومحمود أمين العالم ولويس عوض وشهدي عطية وعبد الحكيم قاسم وسامي خشبة. يقول صنع الله في «يوميات الواحات»: «أمرونا نحن الأربعة أن نجلس القرفصاء في جانب ونضع رؤوسنا في الأرض، ففعلنا، ثم أمرونا أن نرفع رؤوسنا بحيث نرى ما يجري لزملائنا، وتتابعوا أمامنا يُجرّدون من ملابسهم وهم يُضربون ويترنحون عرايا وهم يلهثون ويُغمى عليهم فيُغمسون في مياه ترعة صغيرة ويُداسون بالأقدام».

الشاعر زين العابدين فؤاد تعرض لتجربة الاعتقال السياسي أكثر من مرة في حقبة السبعينات، ومن وحي ما عاشه وراء القضبان أخرج واحدة من أشهر القصائد السياسية بالعامية المصرية، وهي قصيدة «مين اللي يقدر ساعة يحبس مصر» والتي غناها الملحن والمطرب إمام عيسى (1918 – 1995) الذي اشتهر بغنائه السياسي، لا سيما في حقبتي الستينات والسبعينات، وعُرفت على نطاق واسع باسم «واتجمعوا العشاق». يقول مطلع القصيدة: يتجمعوا العشاق في سجن القلعة - يتجمعوا العشاق في باب الخلق - والشمس غنوة م الزنازن طالعة - ومصر غنوة مفرعة م الحلق. وتطرح القصيدة صوراً مدهشة للوطن كما في قول الشاعر: «مصر النهار يطلقنا في الميادين - مصر البكا مصر الغنا والطين - مصر الشموس الهالة م الزنازين - هالة وطارحة من دمنا بساتين».

يوضح زين العابدين فؤاد في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن القصيدة كتبت أثناء اعتقاله في «سجن القلعة»، لكنه لم يستطع تهريبها إلى الخارج إلا حين انتقل إلى «سجن الاستئناف»، حيث تحولت القصيدة إلى نواة ديوان صدر في بيروت بعنوان «حلم السجن»، ثم أعيد طبع الديوان في القاهرة لاحقاً ليصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بعنوان «مين اللي يقدر ساعة يحبس مصر». ويشير إلى أن تلك القصيدة الشهيرة لم تكن الأولى التي غناها له «الشيخ إمام»، فهناك قصيدة أخرى بعنوان «يا شمس» كُتبت داخل الزنزانة عام 1972 وغناها أيضاً مطربون عديدون في فترات لاحقة مثل أحمد إسماعيل وغيره. ويوضح أن تجربته في السجن كأديب ومثقف لم تكن تخلو من المفارقات، فعلى سبيل المثال، تم إلقاء القبض عليه بتهمة «التحريض» على المظاهرات التي عرفت باسم «انتفاضة الخبز» في 18 و19 يناير (كانون الثاني) 1977. ورغم أن المظاهرات شهدت مشاركة الملايين بحسب التقديرات الرسمية، فإن التحريض عليها بحسب الاتهام الرسمي تم من أربعة أشخاص هم الشاعر أحمد فؤاد نجم والصحافيين صلاح عيسى وحسين عبد الرازق إلى جانب زين العابدين الذي واجه طوال الوقت تهمة فضفاضة تقول نصاً «دأب على كتابة قصائد مناهضة لنظام الحكم».

واعتقل الشاعر والروائي المغربي صلاح الوديع في الحقبة الزمنية نفسها، وتحديداً في عام 1974 بتهمة الانتماء إلى إحدى فصائل «اليسار الجديد»، حيث صدر ضده حكم بالسجن 20 عاماً لكن أفرج عنه بعد مرور 10 سنوات فقط. وكان «الوديع» يهرب قصائده إلى الخارج ليتم نشرها وتلقى رواجاً ثم يجمعها لاحقاً في ديوان بعنوان «جراح الصدر العاري» عام 1985. ومن ضمن قصائد الديوان قصيدة بعنوان «باهظ انتماؤك للمدى» يقول الشاعر فيها: «أعود بالآمالِ من حلم يُجْنَد - له الوتدْ - كبَّدتني قلبي - أبنوك أم أنتَ الذي - كبدتني أملي - فديتُكَ يا بلدْ - كبدتني أملي وأحلامي - وألياف الجلدْ - ماذا أقول وما تبقى ما بقاءك - يا جسدْ».

يقول صلاح الوديع لـ«الشرق الأوسط» إن «شغفاً بكتابات السجون تجلى في المغرب منذ نهاية الثمانينات وطوال التسعينات وظهر في عدد من المؤلفات مثل (منازل وقضبان)، الذي صدر عام 1988 ويضم الرسائل المتبادلة بيني وبين شقيقي وتحمست المرحومة والدتي لجمعها في كتاب وكذلك كتاب (كان وأخواتها) للكاتب والناقد عبد القادر الشاوي، وكتاب (الغرفة السوداء)، وهو سيرة ذاتية للكاتب جواد مديدش، كما اهتمت الصحافة آنذاك بمحاورة أصحاب هذه التجارب ولم يعد الأمر يحمل محاذير كما في السابق».

يضيف الوديع أنه مع انتشار موجة أدب السجون على هذا النحو بالمغرب، لاحظ أنها كتابات تستعيد لحظات الألم بقوة وعلى نحو يكاد يكون مباشراً فأراد أن يصنع شيئاً مختلفاً، واهتدى إلى إعادة كتابة تجربته في السجن بشكل ساخر كما ظهر في روايته «العريس»، التي تتطرق لوقائع التعذيب والإهانة والاختفاء القسري وانتهاك حقوق الإنسان ولكن من خلال سرد المأساة بحس فكاهي.

في سبتمبر (أيلول) 1981. جرت بمصر حملة اعتقالات شهيرة على خلفية معارضة معظم المثقفين للصلح مع إسرائيل، وطالت الحملة العديد من الأسماء البارزة، منهم أصوات نسائية معروفة في الأدب والإبداع والتخصصات الأكاديمية مثل نوال السعداوي وصافيناز كاظم ولطيفة الزيات وأمينة رشيد وعواطف عبد الرحمن. وصدر لنوال السعداوي في هذا السياق كتابها الشهير «مذكراتي في سجن النساء» والذي تقول فيه: «لا يموت الإنسان في السجن من الجوع أو من الحر أو البرد أو الضرب أو الأمراض أو الحشرات، لكنه قد يموت من الانتظار، الانتظار يُحوِّل الزمن إلى اللا زمن، والشيء إلى اللا شيء، والمعنى إلى اللا معنى».

ومؤخراً صدر للأكاديمية البارزة د. عواطف عبد الرحمن كتاب «أوراق من سجن النساء» عن دار «العربي» بالقاهرة والذي ترصد فيه مذكراتها حول التجربة نفسها. وتشير د. عواطف إلى مفارقة بارزة تتمثل في أنها سمعت بورود اسمها ضمن قائمة المطلوب حبسهم ضمن «اعتقالات سبتمبر» وهي في المجر تزور الكاتبة رضوى عاشور والشاعر مريد البرغوثي قادمة من ألمانيا التي جاءتها للمشاركة في مؤتمر «برلين الشرقية» للأمم المتحدة حول «نظام الفصل العنصري بجنوب أفريقيا».

وتروى عواطف عبد الرحمن ملابسات عودتها إلى مصر كيف كانت صدمة اللحظات الأولى في السجن. تقول: «عندما وصلت إلى سجن النساء في القناطر وجدت بوابة كبيرة وبها باب صغير، دخلت من الباب الصغير ورأيت السجانات اللاتي نشاهدهن في السينما يعلقن المفاتيح في الحزام الجلد، شكلهن مخيف جداً وغير مريح. وفجأة صفقت السجانات وقلن: (إندهوا الست زينب سجانة السياسيات... تعالي تسلمي فيه إيراد جديد)، فاستغربت جداً كيف يتحول الإنسان في لحظة إلى شيء، خصوصاً أني قادمة من مؤتمر دولي أطالب فيه بحقوق الشعوب. كيف أتحول في نظرهم إلى (إيراد)... إيراد يعني إيه؟ يعني تخفيض قيمتي إلى أن أصبح مجرد شيء».

وينتمي كتاب «رسائل سجين سياسي إلى حبيبته» الصادر مؤخراً عن الناشر نفسه بالقاهرة للكاتب مصطفى طيبة إلى «أدب الرسائل»، حيث اختار المؤلف قالب الخطابات، بما فيه من حميمية وبساطة وبعد عن الآيديولوجيات الكبرى، التي يبعث بها لمحبوبته ويحكي فيها مشاهد مختلفة من تجربته العريضة وراء القضبان عبر عقود عدة شملت الأربعينات والخمسينات والستينات بتهمة الانتماء إلى تنظيم شيوعي.

يكشف المؤلف في واحدة من تلك الرسائل عن تجربة «الإضراب عن الطعام» بهدف الضغط على إدارة السجن لتحسين المعيشة وجلب المزيد من الحقوق للسجناء. يقول: «أصعب الأوقات التي يواجهها المضرب عن الطعام هي الأيام الثلاثة الأولى، بعدها تكون المعدة قد تعودت على عدم استقبال الطعام ثم يبدأ التعب في هد الجسم وعادة ما يتعجل المضربون عن الطعام حضور النيابة للتحقيق في مطالبهم. ومن المفروض أن تأتي في موعد لا يزيد على 48 ساعة منذ بداية الإضراب، ومع أن مأمور السجن أرسل التحقيق الإداري إلى المسؤولين في مصلحة السجون التي عليها أن ترسل في طلب النيابة، فقد مضى اليوم العاشر ولم تأتِ، والعدول عن الإضراب قبل أن تأتي النيابة هزيمة لنا. في اليوم الثالث عشر ساءت صحة زميلين إلى حالة خطيرة، ومع ذلك لم ينقلا إلى المستشفى إلا في اليوم السابع عشر بعد أن أعلن الطبيب عدم مسؤوليته عما يحدث لهما إذا لم يعدلا عن الإضراب وتناول العلاج الضروري. وكان الطبيب أكد على أهمية نقلهما إلى المستشفى بعد اليوم الثالث عشر، إلا أن إدارة السجن امتنعت عن تنفيذ توصية الطبيب هرباً من أي دليل يثبت أننا أضربنا عن الطعام، وبالتالي امتنع هو الآخر عن الحضور إليهما في الزنزانة».

ويشير الناقد والأكاديمي اليمني د. فارس البيل إلى أن ظاهرة «أدب السجون» تراجعت في العقود الأخيرة بسبب اتساع وسائل التعبير وتعدد أشكال التدوين والتوثيق، فضلاً عن خفوت اعتقال الأدباء والمبدعين لأسباب آيديولوجية بحتة بنفس الغزارة التي شهدتها حقب زمنية ماضية من التاريخ العربي، لا سيما في حقبتي الستينات والسبعينات. ورغم أن أسباب وأشكال مضايقات الأدباء لم تنته وما زالت تتردد هنا أو هناك بشكل أو بآخر، فإن العصر الذهبي لكتابات ما وراء الجدران يبدو أنه قد ولى، ولم يعد أمامنا سوى التصدي بالدرس النقدي واستخلاص العبر والسمات والملامح لهذا التراث الضخم في تجلياته المختلفة عربياً وعالمياً.

ويرى البيل أن هذا اللون من الأدب نشأ نتيجة احتياجات تعبيرية ضاغطة وملحة تتعلق بالتجارب شديدة القسوة والمرارة التي تعرض لها الأدباء بكثافة في حقب زمنية سابقة، مشيراً إلى غلبة الطابع السوداوي وهيمنة الأجواء الكابوسية على معظم الإنتاج السردي العربي تحت هذه اللافتة.

ولا يميل الناقد اليمني إلى تصنيف رواية «قناع بلون السماء» للروائي الفلسطيني باسم خندقي ضمن أدب السجون، مشيراً إلى أنها تناقش الحالة الفلسطينية في فضائها المفتوح، ولا تركز على عالم السجن، برغم أن المؤلف محكوم عليه بالسجن مدى الحياة.



النزعة النرجسية وتمثُّلاتها في التراث الشعري العربي

رسم تخيلي لامرئ القيس
رسم تخيلي لامرئ القيس
TT

النزعة النرجسية وتمثُّلاتها في التراث الشعري العربي

رسم تخيلي لامرئ القيس
رسم تخيلي لامرئ القيس

لم تقتصر الانعكاسات الفكرية والإبداعية لأسطورة نرسيس على الثقافة الغربية وحدها، بل اتسعت دائرتها لتطال ثقافات العالم المختلفة، باعتبار أن الشخصية النرجسية غير محددة بهوية محلية، بل هي تجد شواهدها وتمثلاتها لدى سائر الشعوب والهويات والجماعات. ومع أننا لا نعثر في الشعر العربي القديم على أي تفاعل مباشر مع هذه الأسطورة، أو غيرها من أساطير اليونان، غير أن هذا الشعر عرف عبر رموزه المختلفة، قدراً عالياً من الزهو النرجسي والاعتداد بالذات.

وسواء بدا هذا الزهو تعبيراً عن حاجة الذات المنبتة عن كنفها القبلي، إلى ما يحصنها في وجه العزلة والقلق، كما في حالة امرئ القيس وطرفة وعنترة والشعراء الصعاليك، أم كان متصلاً بروح الجماعة، كما لدى عمرو بن كلثوم، فالملاحظ أن تضخم الأنا النرجسية قد شكَّل إحدى السمات الأساسية للشعر العربي، الذي كان الفخر بالنفس والجماعة واحداً من ركائزه وعلاماته.

والأرجح أن النزوع النرجسي في الشعر العربي القديم، يجد بعض أسبابه في التفاوت الهائل بين لا نهائية المكان الصحراوي، ومحدودية الجسد الإنساني، حيث الذات المثلومة والمرحَّلة بشكل قسري عن مواطنها، لا تجد ما يعصمها من التشتت سوى الافتخار بنفسها، والالتفاف كالشرنقة على هويتها الفردية أو الجمعية.

وقد بدا الافتتان بالذات واضحاً في شعر امرئ القيس، وهو الذي أفرد مقاطع غير قليلة من معلقته للحديث عن مغامراته العاطفية مع النساء اللواتي بادلنه العشق بالعشق، والافتتان بالافتتان، كما كان شأنه مع أم الحويرث وأم الرباب وفاطمة وعنيزة وغيرهن. ورغم أن عشقه لعنيزة قد دفعه إلى ذبح ناقته لكي تردفه خلفها على ظهر ناقتها، فإنه حين بالغت في الغنج والتمنع، يعمد إلى إثارة غيرتها عبر تذكيرها بجاذبيته التي لا تقاوم.

كما لم يتوانَ «الملك الضليل» عن التباهي بكسر الأعراف والمحرمات، سواء عبر علاقاته مع النساء الحوامل، أو مع المتزوجات اللواتي لم تتحرج إحداهن من تحويل جسدها إلى وليمة متقاسمة بالتساوي بينه وبين طفلها الرضيع. وهو ما تشير إليه أبياته الشهيرة:

ويوم دخلتُ الخدْر خدر عنيزةٍ

فقالت لك الويلاتُ إنك مرجِلي

فقلتُ لها سيري وأرخي زمامه

ولا تبعديني عن جَناكِ المعلَّلِ

فمثلكِ حبلى قد طرقتُ ومرضعٍ

فألهيتُها عن ذي تمائمَ محْولِ

على أن النزوع النرجسي في الجاهلية لم يأخذ شكل الاعتداد بالذات المفردة فحسب، بل كثيراً ما بدا اعتداداً بالذات الجمعية، باعتبارها امتداداً لذات الشاعر، وحصنه وملاذه. فهو إذ يخوض حرباً ما، فليس ليذود عن نفسه وحدها، بل ليذود عن حياض السلالة ومكانتها ومصادر رزقها في الوقت ذاته. وقد تكون معلقة عمرو بن كلثوم، بما فيها من تصوير ملحمي لشجاعة بني تغلب، هي الشاهد الأبلغ على المماهاة الكاملة بين الذاتين الفردية والجمعية، وبخاصة في أبيات من مثل:

لنا الدنيا ومن أمسى عليها

ونبطش حين نبطش قادرينا

كأنّا والسيوف مسلّلاتٌ

وَلدنا الناس طرّاً أجمعينا

إذا بلغ الفطامَ لنا صبيٌّ

تخرُّ له الجبابر ساجدينا

وكثيراً ما يبدو الزهو النرجسي بالذات، رداً مشبعاً بالمرارة على ظلم القبيلة، التي لم تتساهل أبداً في معاقبة الخارجين على أعرافها وقوانينها. فطرفة بن العبد الذي انساق وراء ملذاته، وقد استشعر قصر الحياة وعبثيتها، والذي عاقبته القبيلة بعزله عنها وإفراده «إفراد البعير المعبد»، لم يجد رداً مناسباً على الظلم اللاحق به، أفضل من التذكير بشجاعته، وبكونه فتى الجماعة وفارسها المقدام، كما في قوله «إذا القوم قالوا: من فتىً؟ خلت أنني، عنيتُ فلم أكسل ولم أتبلدِ».

أما عند عنترة فقد بدا الاعتداد بالذات، نوعاً من الرد على ما لحق به من ظلم وتهميش، بسبب سواد لونه. وإذ وجد عنترة في بأسه الجسدي، ما يدفع بني عبس إلى رد الاعتبار له، بدا شعره بمعظمه اعتداداً بشجاعته، واستعادة رمزية لهويته المهددة. وهو ما يؤكده قوله: «ولقد شفى نفسي وأبرأ سقْمها، قول الفوارس: ويكَ عنتر أَقْدِمِ». أو قوله وهو يعمل على استثمار شجاعته في المجال العاطفي: «إن المنيّة يا عبيلةُ دوحةٌ، وأنا ورمحي أصلها وفروعها».

ومع أن تباهي الشعراء بأنفسهم في الجاهلية، قد أخلى مكانه في صدر الإسلام، للخشوع والتواضع الجم أمام الخالق، فقد كانت تجربة سحيم عبد بني الحسحاس، واحدة من الاستثناءات القليلة، التي شكَّلت امتداداً للزهو الجاهلي بالذات. وحيث شارك سحيم عنترة سواده ولم يشاركه شجاعته في ساحات المعارك، وجد في مخادع الحب، الميادين البديلة التي تمكنه من الاعتداد بفحولته، وتوفر له سبل الرد المفحم على ما ألحقه به بنو الحسحاس من عسف واضطهاد. وإذ رأى سحيم في انشغال رجال القبيلة بالحرب، الفرصة المثلى للانفراد بنسائهم، فقد كان حرصه على إغاظة رجال القبيلة الذين بالغوا في ازدرائه، أكثر من حرصه على حياته نفسها، مما دفعه إلى التباهي بعلاقاته الغرامية على نحو علني، حتى إذا قرر بنو الحسحاس حرقه حياً، لم يتورع عن القول متباهياً:

شُدّوا وثاق العبد لا يفْلتْكمُ

إن الحياة من الممات قريبُ

فلقد تحدَّر من جبين فتاتكمْ

عرقٌ على ظهر الفراش وطِيبُ

أما عمر بن أبي ربيعة الذي كان ينتمي إلى أحد فروع قريش الأكثر منعة وثراء، فقد بدت نرجسيته الفاقعة ثمرة عاملين اثنين هما، نشأته الباذخة التي تدعمها الوسامة والموهبة العالية من جهة، ورغبته الملحة في انتهاك المحظورات والقواعد الأخلاقية التي فرضها الدين الحنيف، بما فيها من حث على التعفف والتقوى، ونهي عن الفجور والزنا وارتكاب المحرمات. كما أن نزوع عمر إلى التمرد، لم تقتصر وجوهه على السلوكيات العابثة والتلذذ الأقصى بالحياة فحسب، بل تعدتهما إلى الشعر نفسه، حيث حوَّل قصائده ومقطوعاته إلى احتفال عارم بالمغامرات العاطفية والتلذذ بمتع العيش وملذاته، ضارباً بعرض الحائط كل دعوة إلى الوقار والزهد والاحتشام.

وإذ بدا شعر عمر ترجمة أمينة لأحوال نفسه، فنحن لن نعدم الشواهد التي تعكس صورة أناه المتفاقمة، وهو القائل في وصف النساء المنتظرات قدومه بفارغ الصبر «وكنّ إذا أبصرنني أو سمعن بي، هُرعن فرقَّعنَ الكوى بالمحاجرِ». كما أنه في سياق الامتداح المفرط للذات، لم يجد غضاضة في التصريح بأن إحدى عاشقاته الوالهات، لا تجد ما تستعين به على النهوض، إذ تزل بها القدمان، سوى ذكر اسم شاعرها المعشوق، فيقول في ذلك:

وإذا ما عثرت في مشيها

نهضتْ باسمي وقالت: يا عمرْ

على أن أي حديث عن النرجسية في الشعر العربي القديم، لا يستقيم دون التوقف عند شخصية أبي الطيب المتنبي، الذي بلغ به الخيلاء وتعظيم النفس، حدوداً قلّ أن بلغها أحد من الشعراء العرب السابقين. ومن يتابع سيرة الشاعر على امتداد السنوات الخمسين التي عاشها، لا بد أن يكتشف أن اعتداده بنفسه لم يقتصر على ناحية بعينها، بل كان يطال شعره ولغته، بقدر ما يطال مزاياه الشخصية، كالشجاعة والمروءة والأنفة والشعور بالغربة. وقد بدا واضحاً أن تعظيم الشاعر لذاته، قد بدأ مع مطالع الصبا، حيث أسهم فوران صباه وانتماؤه القرمطي، في تعزيز أناه وتضخيمها ومضاعفة منسوبها، كما يظهر في قوله:

أيَّ محلٍّ أرتقي أي عظيمٍ أتَّقي

وكلُّ ما قد خلق الله وما لم يخلقِ

محتقرٌ في همّتي كشعرة في مفرقي

وإذ رافقت هذه السمة المتنبي في جميع مراحل حياته، فلن يعوزنا العثور على عشرات الشواهد والأمثلة الدالة على نرجسيته، وشعوره العميق بالعظمة والنبوغ. فهو لم يتحرج من القول: «أنا ترْبُ الندى وربُّ القوافي»، أو «ما بقوم شرفتُ بل شرفوا بي»، أو وصف غربته وتعاليه عن معاصريه من البشر، بالقول: «وما أنا منهمُ بالعيش فيهمْ، ولكنْ معدن الذهب الرغامُ». وهو في مواضع أخرى «خير من تسعى به قدم»، والصوت المتفرد الذي يتحول الآخرون إلى صدىً له. وهو الذي ينظر الأعمى إلى أدبه، ويسمع كلماته الأصم.

وقد يكون الشاعر الأندلسي ابن حمديس، أخيراً، أحد أكثر الشعراء قدرة على اختزال الشخصية النرجسية بقليل من الكلمات، حين وصف أحد الذين يرون في أنفسهم، محور الأرض وسبب دورانها، بقوله:

كأنما العالم مرآتهُ فلا يرى فيها سوى شخصهِ


عرش الأرض الطيبة في قصير عمرة

تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية
تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية
TT

عرش الأرض الطيبة في قصير عمرة

تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية
تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية

يحتل قصير عمرة موقعاً خاصاً في خريطة القصور الأموية التي تمّ الكشف عنها في صحاري بلاد الشام، ويتميّز في المقام الأوّل بجدارياته التي تشكّل منجماً فنياً يزخر بالصور متعدّدة المعاني، كما تشهد الأبحاث التي دأبت على دراستها وتحليلها، منذ اكتشاف هذا الموقع في مطلع القرن الماضي. يتوزّع قسم كبير من هذه الجداريات على قاعة كبرى تتألّف من ثلاثة إيوانات، يتوسّطها ركن يُعرف بـ«ركن العرش»، وفيه يحضر أمير القصر على عرشه تحت قبّة على شكل قنطرة، تزيّنها حلّة تصويرية مبتكرة تجمع بين سلسلة من القامات الأنثوية. تتبنّى هذه الحلّة طرازاً شاع في العالم المتوسّطي خلال القرون الميلادية الأولى، وتمثّل على الأرجح الأرض المثمرة بخيراتها الوفيرة التي ورثتها الخلافة الأموية، وأضحت أمينة عليها.

يحتلّ وسط سقف هذه القنطرة شريط تزييني عريض متقن أُنجز بحرفيّة عالية، ويتبنّى تأليفاً نباتياً تقليدياً، قوامه أربع زهريّات يونانية متراصة عمودياً، تحيط بها أربع شتول من فصيلة الأقنثا. تمتدّ هذه الشتول بأوراقها المسنّنة في فضاء التأليف، وتتوزّع بشكل تعادلي متناسق، لتؤلف لوحة نباتية يغلب عليها الطابع التجريدي الهندسي. لا يخلو هذا التأليف من العناصر التصويرية، الآدمية والحيوانية، إذ نجد في القسم الأسفل من هذا الشريط قامتين متواجهتين في وضعية نصف جانبية، ترفع كل منهما ذراعيها في اتجاه الأخرى، ونجد في القسم الأعلى طائرين متواجهين في وضعية جانبية، يرفع كلّ منهما رأسه في اتجاه الآخر. تحيط بهذا الشريط النباتي ستّ قامات نسائية نصفية، توزّعت على جانبي جداري القنطرة المقوّسين في بناء تعادلي محكم.

تتشابه هذه القامات الأنثوية بشكل كبير، وتُقارب في تشابهها التماثل، مع اختلافات بسيطة تحضر في تفاصيل ثانوية. ترتفع الرؤوس بشكل ثابت، محدّقة في اتجاه المشاهد، وتكشف عن وجوه ذات ملامح واحدة، تكلّلها خصل من الشعر تلتفّ من حولها، وتنسدل من خلف الكتفين. اللباس واحد، وقوامه جبّة، تتغير ألوانها ونقوشها بين قامة وأخرى. الحركة واحدة، وتتمثّل بحضور وشاح على شكل رزمة عريضة تنفتح أفقياً عند حدود الصدر. يستقرّ كلّ من هذه الرؤوس وسط قوس زيّن بسلسلة من النقوش المتراصة، وسط مساحة أفقية تزيّنها طيور من فصيلة الدراج، تصطفّ أفقياً في وضعيّة جانبية. تحضر ثلاثة طيور على الحائط الغربي، وتحضر إلى جانبها زهرية يونانية في طرف الصورة. ويتكرّر هذا التأليف بشكلّ مماثل على الحائط الشمالي.

ترتفع هذه الأقواس الستة فوق عواميد رخامية طويلة تكلّلها تيجان، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بـ«قوس المجد». وتنتصب وسط هذه العواميد سلسلة من القامات في وضعية المواجهة. ترتفع أربعة عواميد على الحائط الغربي، وتجاورها شجرة مورقة ترتفع إلى جانبها في طرف الصورة. تظهر تحت القوس الأوّل ثلاث قامات مُحِيَ الجزء الأكبر من تفاصيلها، ويتَضح عند التأمّل فيما بقي منها أنها تمثل قامة «ملكية» ترافقها قامتان من رجال الحرس، كما يوحي اللباس والرماح التي تظهر من خلف الظهر. تظهر تحت القوس الثاني امرأة تنتصب وسط شجيرات خضراء، حاملة بيديها شتولاً مزهرة. وتظهر تحت القوس الثالث، امرأة تنتصب كذلك في وضعية مشابهة. يتكرّر هذا التأليف على الحائط الشمالي، مع اختلاف في التفاصيل. يرافق الحرس القامة الملكية تحت القوس الأول. وتقف امرأة وسط شجيرات مثمرة تحت القوس الثاني. وتقف رفيقتها تحت القوس الأخير، رافعة بيدها اليسرى نحو الأعلى قرناً ضخماً.

يستعير هذا التأليف مفرداته من القاموس التشكيلي الكلاسيكي المتوارث. فالمرأة التي ترفع رزمة، هي في الأصل «غايا»، الأرض الأم التي ولد منها الكون وتشكّل، بحسب سفر التكوين اليوناني. وهي في العصر المسيحي، الأرض الطيّبة التي ترفع رزمة ملأى بالثمار. في المقابل، تجسّد القامات النسائية المنتصبة هذه الخصوبة، وفقاً لمبدأ «تشخيص» الفضائل والقيم والخيرات الذي اعتمده الفن الكلاسيكي، وتبنّاه الفن المسيحي من بعده. يجمع ركن العرش الأموي بين أربع قامات من هذا الطراز، وتتمّيز إحداها بالقرن الذي ترفعه بيدها عالياً، وهي في الفن الكلاسيكي «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال، والقرن الذي تحمله هو «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض. ظهر هذا القرن في القرن الخامس قبل الميلاد حيث ارتبط بسيد العالم السفلي «هاديس»، أي «مانح الثروة»، وذلك كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه» التي تعدّدت صورها ورموزها، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة. ورث الفن المسيحي هذا المثال فجرّده من دلالاته الأولى، وجعل منه رمزاً للوفرة والعطاء، ويبدو أنه دخل الفن الأموي من هذا الباب.

تحضر القامة الملكية برفقة حرسها على الجدار الغربي، كما تحضر على الجدار الشمالي المقابل. في المقابل، يظهر صاحب القصير متربّعاً على عرشه الملكي في صورة مركزيّة تحتلّ الجدار الجنوبي. تتآلف هذه العناصر وتعكس صورة سيادة الخلافة على هذه الأرض المثمرة. تكتمل هذه الصورة بحضور عناصر أخرى من هذه الحلة الاستثنائية. في الإيوان الشرقي، تظهر ثلاث قامات في لوحة جامعة تحتل الجزء الأعلى من الجدار الجنوبي. تحضر قامة نسائية تقف خلف قامة أخرى وهي تمسك بذراعها. ترافق هاتين القامتين كتابتان يونانيتان، «الحكمة» و«التاريخ». تتطلّع هاتان السيّدتان في اتجاه قامة تقف في الطرف المقابل، متكئة على عمود مربّع قصير، وترافق هذه القامة كتابة تسمّى «الشعر». يقابل هذه الصورة تأليف يحتلّ الأعلى من الحائط الجنوبي في الإيوان الغربي. فوق لوحة تمثّل الأمير وسط ديوانه، يظهر طاووسان متواجهان، وتعلو كلّاً منهما عبارة باللغة اليونانية، تسمّى إحداها «النعمة» وتسمّى الأخرى «النصر».

في الخلاصة، تمتدّ سيدة الخلافة لتشمل الأرض الطيبة كلها بغلال ثمارها، وتتزيّن بفضائل التاريخ والحكمة والشعر، وتحظى في حكمها بالنعمة والنصر.


تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»
TT

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، صدر كتاب «في مرايا الشعر» للشاعر والناقد المصري جمال القصاص، الذي يقدم فيه قراءات ودراسات متعمقة، بلغة عذبة وشعرية لعدد من أبرز المشاريع الشعرية الإبداعية الخاصة بجماليات القصيدة العربية وتحولاتها.

ويضم الكتاب عشرات القراءات في تجارب شعرية، تنتمي إلى أجيال مختلفة ومرجعيات جمالية متباينة وأنساق لغوية وجغرافية متعددة، مثل: محمد الفيتوري، وسميح القاسم، وفاضل السلطاني، وفتحي عبد السميع، وصلاح اللقاني، وعائشة بلحاج، وسمية عسقلاني، ومحمود قرني، وعيد صالح، وميسون صقر، وديمة محمود، وعاطف عبد العزيز، وعزمي عبد الوهاب، وبهية طلب، وعبد الرحمن مقلد، وعماد فؤاد، وإبراهيم البجلاتي، وأحمد يماني، وعمر شهريار، ورشا أحمد.

ويشير القصاص في مقدمة الكتاب إلى أنه على مدار سنوات كتب هذه القراءات فرحاً بالشعر وبالشعراء والشاعرات، حيث كانت خبرته كشاعر هي البوصلة الأولى التي ينظر من خلالها بعين القارئ والناقد معاً لهذه الأعمال التي أحبها، ويحسب أنها عبر نماذجها تشكل تمثيلاً مرضياً على الأقل بالنسبة له في متابعة الحركة الشعرية العربية ورصد ما وصلت إليه من مغامرة الحداثة والتجديد، عبر حركتها الدائبة منذ فترة الستينات التي شهدت تحولاً لافتاً على مستوى الشكل والمضمون حتى اللحظة الراهنة.

ورغم أن لكل مرحلة عطاءها ومنجزها اللافت، لكن يظل المشكل الأساسي الذي لا يزال يواجه هذه الشعرية، كما يقول القصاص، أن «حداثتنا ومغامراتنا في التجديد محمولة دوماً على المنجز الغربي والنقدي، سواء في النظر أو التطبيق. ونتجت عن ذلك تلك النظرة النقدية العقلانية للشعر، واعتباره فنّاً خالصاً لذاته، وأن مغامرته لا تنهض ولا تتأسس على العقل وحده، رغم أن الوعي المتصل بالعقل لا ينتج شعراً حقيقيّاً، فالصورة الشعرية ليست ظاهرة ذهنية محضة، إنما هي أساساً ابنة الروح في ومضها ووهجها المباغت المنفلت من قبضة الأطر والتقاليد والمنطق الصوري المبني على نمطية العلاقة ومصداقية المقدمات والنتائج».

ويرى القصاص أن جوهر الشعر يكمن في أنه يجعلنا نحسّ بحريتنا وبحداثة قابعة في داخلنا، علينا أن نوقظها ونحررها من أسر العادة والنمط والمعرفة الغيرية، وهي حداثة غنية تمتلك إرثاً عميقاً وتنوعاً لا يزال قادراً على إثارة الأسئلة والدهشة، وأن يهزّنا جسداً وروحاً بشكل جديد. وهو في كل هذا لا يدّعي الصواب، وما زال يسعى لامتلاكه فيما تبقى له من هذه الرحلة الممتعة مع الشعر، وفي ظنه دائماً أن الخطأ محض صواب، لم ينضج في أوانه، بل ربما لم نلتفت إليه وهو يسقط من شجر الحياة ليعاود الكرة من جديد بقدرة أوسع على إدراك نفسه وإدراك الحرية.

ورغم إيمانه الشديد بضرورة التجريب والبحث عن دماء جديدة للشعر، فإن القصاص يتوجس من أغلب هذه الأفكار، خصوصاً أنها وافدة إلينا من بيئة أخرى وطينة مختلفة، لها ثقافتها وفضاؤها وأطماعها وآيديولوجيتها. وهو لا يثق في الآيديولوجيا، لأنها غالباً ما تنطوي على خطاب زائف. في المقابل، يتساءل؛ لماذا لا تكون لنا حداثتنا الخاصة النابعة من تربتنا وتراثنا، وهما ليسا فقيرين، بل بهما من الثراء المعرفي والوجداني ما يجعلهما سؤالاً ممتداً في الزمان والمكان؟!

القفزة الأخيرة في فضاء حلمي سالم

ويتناول جمال القصاص بعض ملامح تجربة الشاعر المصري الراحل حلمي سالم، مشيراً إلى أنه مثلما كان شاعراً استثنائياً كان كذلك مريضاً استثنائياً بامتياز، حيث أدرك منذ البداية أن صراعه مع المرض سيطول وسيتفرع ويتشابك، فقرر أن ينتصر عليه بإرادة الشعر، وكان موقناً أنه بذلك ينتصر لإرادة الحياة.

تخلى حلمي مع اشتداد ضراوة المرض عن فكرة العداء للمرض نفسه، واتجه إلى مصادقته وكأنه مجرد طفل تنبغي ملاطفته ومسامرته، وهي الفكرة التي قلّب أوجهها وأقنعتها الشعرية بمهارة الصانع والعراف معاً في ديوانه «مديح جلطة المخ»، ثم ناوشها عن بعد في ديوانه «الثناء على الضعف».

وكان السؤال الذي يواجهه بألم وحيرة؛ هل تستطيع القصيدة أن تسبق الموت وتهزمه طالما أنا أصبحت غير قادر على ذلك؟ ثم هل يعني ذلك انتصاراً للشاعر نفسه الذي لم ينفصل عن قصيدته، وما زال قادراً على أن يضخّ في شرايينها روح الجدة والمغامرة؟! ومع دخوله في محنة الفشل الكلوي، وبعد أن نجا من سرطان الرئة، أدرك أن سؤاله سيظل مسكوناً بالنقص، وأن الإجابة عنه سيختلط فيها العبث بمرارة الرجاء، فكأنه إذن سؤال ناقص يبحث عن إجابة ناقصة.

معنوياً بنى حلمي استراتيجيته لمجابهة المرض على فكرة التسامي عليه، واعتباره مجرد محطة ضمن محطات كثيرة، خبرها في الحياة، ورغم أنه كان يدرك أنها المحطة الأحرج، لا من حيث الوصول إليها، وإنما من حيث صعوبة تغيير مسارها المحتوم، فإن روح التسامي كانت أداة الشحن الأساسية في أن ينتصر، ولو مؤقتاً ويقاوم بشراسة عسى يستطيع أن يؤجل ولو لبضع دقائق لحظة الوصول إلى حيث ينهي الجسد لعبته مع المرض اللعين مستسلماً إلى قدره، وتنفتح الروح على حياة أخرى يشكل الموت البوابة الرئيسية للدخول إليها.

على هذا النحو يثبّت حلمي سالم صورة العائلة في المشهد، ويوثقها بطرق شتى في متن النص. وفي الوقت نفسه لا يتعامل معها كتيمة أو حيلة شعرية أو أيقونة دلالية، وإنما حقيقة ماثلة وحية في طبقات الجسد والروح والتاريخ بمستوييه الشخصي والعام.

يقول في قصيدة بعنوان «تحليل دم» مستحضراً صورة أسرته الصغيرة...

قلت لشقيقة النهر

أريد بعد خروجي من البئر بناتي أمامي

لميس ذكاء القلب والندية حكمة الحنان

عيون القطط ورائحة «زاهية»

رنيم: حصة في الرقة القافزة خلف البحر

حنين: سلامة الفطرة ملح الأرض التي

لا يعجبها «دهاليزي والصيف ذو الوطء»

وبسببي حفظت مستشفيات القطر

جماليات الإيقاع والصورة

كما يتناول الكتاب تجربة الشاعر العراقي فاضل السلطاني، ويرى أن هاجس التحول عنده يشكل مرتكزاً جمالياً وفكرياً يصعد منه الشعر ويهبط إليه، كما في ديوان «ألوان السيدة المتغيرة» الذي صدرت منه نسخة مصرية عن الهيئة العامة للكتاب، حيث «يتنوع هذا الهاجس في مناخات الديوان مشتبكاً مع أزمنة وأساطير مسكونة برائحة الماضي والحاضر وتقاطعات الأزمنة والأمكنة، بينما تدور الأشياء في فلكه بقوة الطبيعة والنص الشعري معاً».

ويتكشف هذا الهاجس، كما يضيف المؤلف، في أضلاع المثلث التي وسمت عنوان الديوان، فالبصري والحسي يكونان ضلعيه في علاقة تجاور بين خطين يلتقيان في نقطة الذروة أعلى رأس المثلث بنسقه الهرمي، صانعةً تفاصيل اللوحة شعرياً بألوانها وخطوطها المفعمة بالأنوثة.

وهو يرى أن الدالّ المضمر في مفردة «المتغيرة» لا يأتي كتوصيف مجازي فحسب، بل يشتبك بصرياً وحسياً مع كل عناصر المثلث، ليمارس انزياحاً معرفياً يقيه من الركون ليقين ما محدد، فالأشياء تمشي وراء الصمت والكلام وفي الألوان والرائحة وإيقاع الزمن الذي يجعل الذات دائماً قابعة في منطقة المنتصف كحلقة وصل وقطع بين السابق واللاحق، بين البدايات والنهايات بين الـ«هنا» والـ«هناك»، وهو ما يطالعنا في النص، الذي استشهد به القصاص، والذي يستهل به الشاعر القسم الأول في منتصف الذاكرة بعنوان صغير كأنه برواز لـ«صورة»...

«هل تذكرين؟

كنتِ في وسط الصورة

وعلى جانبيك كانت الموسيقى تعزف

كأنها الموسيقى الأخيرة على الأرض

وكنت أحار

كيف أميز العازف من العزف؟

والراقص من الرقص؟

كنت تجلسين وسط الصورة

لاهية عن الموسيقى

عن لحظة ثبّتتك إلى الأبد

صورة في إطار

وكنت أحار

كيف أدخل في الصورة؟

كيف أفصل النور عن الظل؟

لكنك كنت تبتسمين

لاهية عن اللحظة

وهي تكبر خلف الإطار»

أحجار رفعت سلام

أما ما يخص تجربة الشاعر الراحل رفعت سلام، فيشير جمال القصاص إلى أن الوثوق واليقين والإرادة هي بمثابة ثلاثة أحجار صغيرة بنى عليها رفعت سلام شعريته، وتعبّر بجلاء عن موقفه من العالم والواقع والأشياء، كما تشكل فيما بينهما ما يشبه المتوالية النصية الشعرية، وهي متوالية تتمتع بالصلابة والوضوح، فليس ثمة يقين من دون الوثوق به، ومن دون إرادة تدل عليه وتتشبث بلحظات وعيه ولا وعيه، لحظات حضوره وغيابه.

لقد انحاز رفعت، كما يقول، ومنذ وقت مبكر لمفهوم الوعي، وربطه بهذه الأحجار الثلاثة، باعتباره نافذة العقل لإدراك الوجود وحقائق الأشياء والعالم الخارجي متحاشياً حقيقة الوعي في ذاته ولذاته، ربما لأنه ينطوي على مساحة ما، يبرز فيها اللاوعي كصنو وشريك أساسي في صناعة هذه النافذة، بما ينتجه من علاقات مباغتة ومفاجئة، قد تشارف الجنون والمغامرة والفوضى التي تهدد بنسف النافذة نفسها.

وظلّت القصيدة لديه ابنة الوعي الواضح الثاقب، وهو ما انعكس على همّ التجريب الذي انصبّ في جوهره على إخراج النص الشعري في شكل طباعي خاص وإبرازه وكأنه محض فضاء سيميائي تتراكب فيه العلامات والرموز والإشارات في أنساق لغوية وأسلوبية محددة، ضمن حقول دلالية ومعرفية يمكن القبض عليها وتأويلها بوضوح واقتفاء أثرها من أقصر نقطة يمتد إليها النظر.