الهند واقتصادها في مهب التغيرات المناخية

تواجه معضلة ضرورة استمرار النمو في ظل التضخم السكاني والطاقة الملوثة

الهند واقتصادها في مهب التغيرات المناخية
TT

الهند واقتصادها في مهب التغيرات المناخية

الهند واقتصادها في مهب التغيرات المناخية

تعد الهند موطن ما نسبته 30 في المائة من أكثر الناس فقرا على مستوى العالم، وهم أولئك الذين يعيشون على دخل يقل عن 1.90 دولار في اليوم. ومن بين 1.3 مليار مواطن هندي، هناك 304 ملايين مواطن لا تصل إليهم الكهرباء، و92 مليون مواطن آخرون لا تصل إليهم مياه الشرب النظيفة.
كما أن الهند في طريقها لأن تواجه مشاكل التغيرات المناخية كذلك. تتهدد سبل العيش لنحو 600 مليون مواطن هندي إثر الاضطرابات المتوقعة للرياح الموسمية الجنوبية الغربية بين شهري يوليو (تموز) حتى سبتمبر (أيلول)، أي ما يمثل 70 في المائة من مجموع مياه الأمطار في الهند. تعتمد الأنهار في الهند على صحة الآلاف من الأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا التي تواجه خطر الذوبان بسبب الاحترار المناخي، بينما هناك 150 مليون مواطن يواجهون بأنفسهم خطر العواصف العاتية المرتبطة بارتفاع منسوب مياه البحار. هناك الكثير من الضرر مما لا مفر منه والناتج عن انبعاثات الغازات الدفيئة المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري من قبل الدول الغنية. لذا، يتساءل الكثير من المواطنين الهنود، لماذا يجب علينا أن ندفع المزيد؟ وعلى أي أساس يُطلب من الهند ترشيد استهلاكها من الطاقة للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون؟
يقول براكاش جافاديكار وزير البيئة الهندي في مقابلة أجرتها معه وكالة الأسوشيتد برس الإخبارية في سبتمبر (أيلول): «اليوم، أرى الفضاء الكربوني وقد احتله العالم المتقدم. وإننا نطالب العالم المتقدم بإخلاء الفضاء الكربوني حتى يمكنه استيعابنا. إن مطلب الفضاء الكربوني هو بمثابة العدالة المناخية».
إن التسوية الناجعة لصراع الأولويات لا تعد مهمة بالنسبة لمصالح الهند فحسب. إن التوتر القائم بين التنمية الاقتصادية وضرورة الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة يعتبر هو التحدي الرئيسي للجهود الدبلوماسية لحشد ائتلاف عالمي من الدول الغنية والفقيرة لمكافحة التغيرات المناخية.
تتوقع منظمة الأمم المتحدة أن يصل تعداد سكان الهند إلى 1.5 مليار نسمة بحلول عام 2030، وهو رقم يفوق تعداد سكان الصين. وإذا ما تابعت الهند عبر الـ15 عاما المقبلة أي مسار مثل مسار الوقود الأحفوري الثقيل للخروج من بوتقة الفقر، مثلما صنعت الصين قبل 15 عاما، فمن شأن ذلك أن يعصف بأي فرصة قد تكون هناك للحيلولة دون وقوع كارثة. والسؤال الحاسم لكل من له مصلحة في منع وقوع الكارثة المناخية هو كيفية وضع وتمويل مسار تنموي لمواطني الهند البالغين 1.5 مليار نسمة، مما يمنع تحقق تلك النتيجة.
يحزم العلماء ودعاة حماية البيئة والمديرون التنفيذيون والدبلوماسيون الحكوميون حقائبهم لحضور اجتماع قمة المناخ في باريس والمقرر أن يبدأ في 30 نوفمبر (تشرين الثاني)، ويجب أن يكون ذلك التحدي ماثلا أمام أعينهم. بعد الكثير من الجولات الدبلوماسية الفاشلة، يعتري الجميع حرص بالغ على الإعلان عن نجاح القمة المقبلة. وحتى الآن، قدمت 129 دولة تمثل ما يقرب من 90 في المائة تقريبا من دول انبعاثات الغازات الدفيئة خططها للمساهمة في تلك القضية. وفي حين أن التقدم الحالي حقيقي من دون شك، إلا أن التحدي الرئيسي يبقى بلا تسوية. فلم يُطلب من الدول تقديم تعهدات ملزمة قانونيا للتقليل من انبعاثات الغازات الدفيئة لديها. وسوف يظهرون، بدلا من ذلك، مع «إسهامات مقررة على الصعيد الوطني» في جهود التخفيف.
سوف تقدم الدول المتقدمة تخفيضات كبيرة في مجال انبعاثات الكربون. ولكن يتوقع من الدول الأقل تقدما الحد من كثافة الانبعاثات لديها - وهو تدبير بخصوص ثاني أكسيد الكربون المنبعث لإنتاج مقدار محدد من النشاط الاقتصادي - فيما يبدو وكأنه اعتراف بأن الاستهلاك من الطاقة لا يزال أمامه طريق طويل من النمو.
تعتبر المقاربة الجديدة ضرورية لتحقيق أي تقدم. ولكنها تتطلب تنحية الأسئلة العسيرة جانبا. ومع اقترابها من تعداد سكان الصين، ولكنها تبتعد عنها كثيرا من حيث التنمية الاقتصادية، فإن الهند تعبر عن أحد أصعب تلك الأسئلة قاطبة. وفقا لمعظم الحسابات، فإن انبعاثات الغازات الدفيئة حول العالم لا بد أن تقترب من الحاجز الصفري بحلول نهاية القرن الحالي، على أدنى تقدير. مما يسبب الضغط والتوتر للجميع. على سبيل المثال، يطرح تقرير حديث صادر عن البنك الدولي أن الاقتصاديات مثل الصين والهند يتعين عليها وبصورة كلية الحد من اعتماد إمدادات الكهرباء لديها على الكربون بحلول منتصف القرن الحالي ثم البدء في تحقيق الانبعاثات السلبية من ذلك الوقت فصاعدا، باستخدام تكنولوجيا التقاط الكربون والزيادة الكبيرة في مساحات الغابات، لامتصاص مستويات الكربون المرتفعة من الغلاف الجوي. وبعبارة أكثر لطفا، فإن ذلك سوف يكون تحديا كبيرا.
يقول جايرام راميش، الذي شغل منصب وزير البيئة في حكومة رئيس الوزراء الأسبق مانموهان سينغ، إن الهند يتعين عليها الاستمرار في النمو وفق نسبة 7.5 إلى 8 في المائة بالعام خلال الـ15 عاما المقبلة.
ولتمكين مثل ذلك النمو، فإن الاستهلاك الهندي من الكهرباء - الذي يمثل نصف انبعاثات الغازات الدفيئة في الهند - سوف يرتفع من 6 إلى 7 في المائة في العام. وحتى في ظل أكثر الأهداف طموحا للطاقة النووية والطاقة المتجددة، فإن أكثر من نصف تلك الطاقة يتوقع استخراجه من الفحم، وهو أقذر أنواع الوقود. ويضيف السيد راميش قائلا: «بحلول عام 2030 سوف يتضاعف استهلاك الهند من الفحم ثلاث أو أربع مرات».
وضعت الهند خطة مساهمة للتخفيف تطرحها في اجتماع باريس. وتهدف الخطة إلى حصول الهند على 40 في المائة من الكهرباء من الوقود غير الأحفوري بحلول عام 2030 وتقليل كثافة الانبعاثات لديها بنسبة 33 إلى 35 في المائة بين عام 2005 وحتى 2030، كما توفر زيادة كبيرة في الغطاء النباتي من خلال الغابات.
وتلك الخطة، رغم ذلك، تشير وبوضوح إلى أن استهلاك الطاقة في الهند يبلغ 0.6 طن متري فقط من المكافئ النفطي للفرد، وهو يساوي نحو ثلث المتوسط العالمي. مما يوضح أنه «لا توجد دولة في العالم» قد حققت مستوى التنمية لدول العالم المتقدمة اليوم من دون استهلاك أربعة أطنان على أقل تقدير.
وتقول الخطة «أمام الهند الكثير لتفعله من أجل توفير الحياة الكريمة لمواطنيها وتلبية طموحاتهم المشروعة».
يقول بعض المحللين إن هناك سبيلا للوصول إلى حل ما. حيث يمكن فصل التنمية عن انبعاثات الكربون، كما يصر على ذلك البنك الدولي. علاوة على ذلك، يقول خبراء الاقتصاد في البنك الدولي في تقرير مستقل صدر الأحد الماضي، إنه يمكن تنظيم سياسات تقليل الانبعاثات لصالح الفقراء خلال الـ15 سنة المقبلة - عن طريق استخدام إيرادات الضرائب على الكربون لسداد تكاليف الضمان الاجتماعي على سبيل المثال.
يقول ستيفان هاليغات الذي أشرف على الدراسة «إن الأهداف طموحة للغاية، ولكن هناك عدد قليل جدا من السيناريوهات لتحقيقها. ولكنها سيناريوهات قابلة للتحقيق».
بموجب مجموعة جيدة وصحيحة من السياسات، ومشروعات البنك الدولي، فإن أكثر الآثار التدميرية للتغيرات المناخية سوف تضيف 3 ملايين مواطن إلى شريحة المواطنين الأكثر فقرا في الهند بحلول عام 2030، ولكن الخيارات السيئة، على العكس من ذلك، سوف ترفع ذلك الرقم إلى 42 مليون فقير بحلول نفس العام.
يبدو أن البعض في الهند قد اقتنع بذلك المنطق. يقول السيد راميش في خطاب له العام الماضي أمام المعهد الوطني للدراسات المتقدمة في بنغالور «إن موقفنا الدفاعي التقليدي لم يكن ضمن المصلحة الوطنية المستنيرة. يجب على الهند أن تنظر إلى عصر الاقتصاد الأخضر ليس كتهديد لخططها التنموية. بدلا من ذلك، يجب النظر إليه كفرصة سانحة للبناء وإظهار القدرات التكنولوجية الهندية للعالم».
وحتى الآن، هناك مخاطرة كبيرة من أن ترفض الهند أجندة التغيرات المناخية الغربية، حيث أخبرني السيد راميش قائلا: «إنها تقوم بدور كبير وجيد للغاية على الصعيد المحلي. لا ينبغي لأحدنا إغفال ذلك الاحتمال».
* خدمة «نيويورك تايمز»



من العلا... 3 دروس سعودية لتمكين الاقتصادات الناشئة

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)
وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)
TT

من العلا... 3 دروس سعودية لتمكين الاقتصادات الناشئة

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)
وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

بعث مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة في نسخته الثانية العام الحالي، رسالة حاسمة إلى العالم مفادها أن «زمن التبعية قد انتهى».

وأطلق وزير المالية السعودي محمد الجدعان، من قلب الحدث الذي يشارك فيه وزراء مالية ومحافظو بنوك مركزية وقادة مؤسسات دولية، «بيان الثقة»، مختصراً رؤية المملكة لتمكين الاقتصادات الناشئة في 3 رسائل حاسمة: الأولى، أن استقرار الاقتصاد الكلي هو «الأساس المتين» لأي نهضة تنموية وليس عائقاً لها كما يُشاع؛ والثانية، أن مصداقية السياسات لا تُبنى ببراعة الخطط الورقية، بل بـ«جسارة التنفيذ» على أرض الواقع؛ والثالثة، أن الأسواق الناشئة لم تعد تابعة، بل باتت «المحرك السيادي» الذي يقود 70 في المائة من النمو العالمي.

من جهتها، رسمت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، مشهداً قلقاً حيال ارتفاع مستويات الدَّين، معتبرةً أن تمكين القطاع الخاص هو المخرج الآمن لتعزيز النمو.


التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

TT

التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

رسائل كثيرة بعثها مؤتمر العلا في نسخته الثانية، لكنَّ أبرزها أنَّ «زمن الانتظار» خلف الاقتصادات المتقدمة قد انتهى؛ فاليوم تقف الأسواق الناشئة لا كأنها قوة مكملة، بل بوصفها محركاً سيادياً يقود أكثر من 70 في المائة من النمو العالمي. هذه الرسائل لم تكن مجرد استعراض للأرقام، بل كانت «بيان ثقة» يرتكز على ثلاثة دروس جوهرية قدمها وزير المالية السعودي محمد الجدعان من واقع التجربة السعودية، لتكون بمثابة بوصلة للاقتصادات الناشئة.

لقد وضع الجدعان العالم أمام حقيقة اقتصادية صلبة أنَّ مصداقية السياسات لا تُقاس ببراعة الخطط، بل بجسارة التنفيذ. وتجسد ذلك في دروسه الثلاثة؛ أولها أن استقرار الاقتصاد الكلي والانضباط المالي هما حجر الزاوية لأي نهوض، وثانيها أن الإصلاحات الهيكلية لا قيمة لها دون مؤسسات قادرة على تنفيذها، إذ تنبع المصداقية من الحوكمة والشفافية لا من الوعود. أما الدرس الثالث، فهو أن التعاون الدولي متعدد الأطراف بات ضرورة وجودية لحماية هذه الأسواق من الصدمات المتكررة.

هذه «الثلاثية» (الاستقرار، وكفاءة المؤسسات، والتعاون) هي التي تلخص فلسفة التحول الجديدة؛ حيث لم تعد الأسواق الناشئة مجرد ساحة للتجارب، بل أصبحت هي المنصة التي تُصاغ منها الحلول لمواجهة تحديات الدين وتباطؤ التجارة. غير أنَّ هذه الرسائل لم تغفل الجانب التنبيهي؛ إذ إنَّ هذه الأسواق - ورغم تفوقها النموذجي على الاقتصادات المتقدمة - لا تزال تتحرك فوق أرضية ملغومة بالديون المرتفعة، مما يجعل من دعوة الجدعان لتحويل المؤسسات إلى «أدوات تنفيذية مرنة» المرتكز الذي لا يقبل المساومة لضمان استدامة النمو.

وكانت انطلقت أعمال النسخة الثانية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026، الأحد، الذي تحتضنه محافظة العلا الواقعة (غرب السعودية) بالشراكة بين وزارة المالية وصندوق النقد الدولي، وبمشاركة رفيعة المستوى من صُنّاع القرار الاقتصادي، ووزراء مالية، ومحافظي بنوك مركزية، وقادة مؤسسات مالية دولية، ونخبة من الخبراء والمختصين من مختلف دول العالم.

«مجموعة العشرين»

وفي كلمته الافتتاحية، أوضح الجدعان أن هذه الاقتصادات أصبحت المُحرِّك الرئيسي للنشاط الاقتصادي الدولي بعد أن تضاعفت حصتها في الاقتصاد العالمي بأكثر من مرتين منذ عام 2000، لافتاً إلى أن أكبر 10 اقتصادات ناشئة في «مجموعة العشرين» تمثل وحدها الآن أكثر من نصف نمو العالم.

وتابع أن الاقتصاد العالمي يمرُّ بلحظة تحول عميق، تقودها الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، التي باتت تُشكِّل اليوم نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حيث القوة الشرائية، وتسهم بأكثر من 70 في المائة من النمو العالمي.

جانب من حضور وزراء ومسؤولين في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أنه رغم هذا الدور المحوري، فإن هذه الاقتصادات تواجه بيئةً دوليةً تزداد تعقيداً وتشرذماً، مع ارتفاع مستويات الديون، وتباطؤ نمو التجارة العالمية، وزيادة التعرُّض للصدمات الجيوسياسية.

وحذَّر الجدعان من أن أكثر من نصف البلدان منخفضة الدخل تعاني حالياً من ضائقة ديون، أو تقع تحت خطرها، في وقت تراجعت فيه معدلات نمو التجارة إلى نحو نصف ما كانت عليه قبل الجائحة، مما يفرض ضرورة تبني استجابة سياسية منسقة ونابعة من الملكية الوطنية للدول؛ لضمان فاعلية مواجهة هذه التحولات الهيكلية.

الإصلاحات الهيكلية

وشدَّد على أن التجربة السعودية خلال العقد الماضي عزَّزت دروساً أساسية، في مقدمتها؛ الاستقرار الاقتصادي الكلي هو الأساس المتين للنمو وليس عائقاً له، وأن مصداقية السياسات تأتي من كفاءة التنفيذ والقدرة على ترجمة الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة، وليس من مجرد الخطط.

وفي هذا السياق، أكد أن الإصلاحات الهيكلية جاءت ثانياً، وهي لا يمكن أن تحقق نتائجها المرجوة ما لم تدعمها مؤسسات قوية وقادرة على الإنجاز، مشيراً إلى أن الحوكمة والشفافية تظلان الضمانة الأساسية لتحويل الرؤى إلى أثر ملموس على أرض الواقع.

ولفت الجدعان إلى أن تعزيز التعاون الدولي، وتفعيل دور المؤسسات متعددة الأطراف يأتي ثالثاً، مثل صندوق النقد والبنك الدوليَّين، ليس فقط بوصفها جهات إقراض، بل بوصفها بمثابة مستشارين موثوقين لدعم الاقتصادات الناشئة في رحلتها وسط الصدمات المتكررة.

النمو دون المستويات

من جهتها، ذكرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، أن النمو العالمي لا يزال دون مستويات ما قبل الجائحة، محذرة من أن ذلك يثير القلق في ظل توقع التعرض لمزيد من الصدمات، مع تآكل الهوامش المالية في كثير من الدول، وارتفاع ضغوط الإنفاق ومستويات الدين.

وحدَّدت غورغييفا أولويَّتين للسياسات؛ الأولى إطلاق نمو يقوده القطاع الخاص عبر تقليص البيروقراطية، وتعميق الأسواق المالية، وتعزيز المؤسسات وتحسين الحوكمة، إلى جانب تمكين الشباب من اكتساب مهارات وظائف المستقبل وتشجيعهم على ريادة الأعمال.

أما الثانية، فتعزيز التكامل في عالم يشهد تبدل التحالفات وأنماط التجارة، عبر اغتنام فرص التعاون الإقليمي وعبر الأقاليم، وخفض الحواجز بما يحافظ على التجارة بوصفها محركاً للنمو.

وأبانت غورغييفا أن إطلاق المؤتمر، العام الماضي، جاء اعترافاً بالدور المتنامي للاقتصادات الناشئة في عالم يشهد تحولات واسعة في الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا والتجارة.

وطبقاً لمديرة صندوق النقد الدولي، فإن السياسات الجيدة تؤتي ثمارها، وإن معدلات النمو في الاقتصادات الناشئة تبلغ نحو 4 في المائة هذا العام، متجاوزة بفارق كبير نظيرتها في الاقتصادات المتقدمة، البالغة قرابة 1.5 في المائة، بينما تزيد حصة الاقتصادات الناشئة من الاقتصاد العالمي على 56 في المائة.

غورغييفا تتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

التجارة والاستثمار

من ناحيته، أكد وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، على ضرورة السرعة والمرونة في صنع السياسات لاقتصادات الأسواق الناشئة، قائلاً: «الوقت ليس محايداً، فالتأخير يحمل تكلفة اقتصادية كلية تتراكم بمرور الوقت، لذلك تمكنت الدول التي استطاعت ضغط دورات اتخاذ القرار مع الحفاظ على الثقة والمصداقية من تحويل تلك السرعة إلى ميزة استراتيجية».

وزاد الإبراهيم، أن السعودية «ستظل منارة للبراغماتية في شراكاتها»، وستعمل كأنها حلقة وصل تخلق منصة للفرص من جميع أنحاء العال، مفيداً أن التجارة والاستثمار لا يزالان محركين أساسيين للنمو والمرونة لاقتصادات الأسواق الناشئة.

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

وأردف وزير الاقتصاد والتخطيط: «أمامنا اليوم فرصة لبحث آليات المواكبة مع نظام التجارة المتطور، واستكشاف كيف يمكننا تحقيق قيمة أكبر من خلال ذلك»؛ مؤكداً على الدور الاستراتيجي للمؤسسات في ضمان المواءمة مع نظام التجارة العالمي.

المخاطر الجيوسياسية

من جانبه، صرّح وزير المالية الصيني لان فوان آن، بأن الاقتصادات الناشئة والنامية تواجه 3 تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية، وازدياد أوجه القصور في منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية.

وتابع أن الاقتصاد العالمي سجَّل نمواً بنحو 3.3 في المائة خلال عام 2025، وهو أقل من متوسط ما قبل الجائحة، مؤكداً أن ذلك يعود إلى تصاعد الحمائية وازدياد عدم اليقين الجيوسياسي، وما نتج عن ذلك من تباطؤ في التجارة العالمية، وتجزؤ الاقتصاد الدولي.

وزير المالية الصيني في كلمته الخاصة خلال مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأكمل أن هذه التطورات أسهمت في تعطيل تخصيص الموارد عالمياً وتعميق الفجوة التكنولوجية، لا سيما في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، في وقت لا تزال فيه الدول النامية متأخرة في حجم الاستثمارات التقنية. وحسب لان فوان آن، فإن أوضاع الديون في الدول منخفضة الدخل واصلت التدهور، ما يقيّد نمو الاستهلاك والاستثمار، ويؤثر سلباً على جهود التنمية، مشيراً إلى أن دول الجنوب العالمي تمثل نحو 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتسهم بنحو 75 في المائة من النمو العالمي.

السياسات النقدية

من جهة أخرى، أفاد محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، بأن حالة عدم اليقين الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية - لا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتنامي للوساطة المالية غير المصرفية.

وأبان السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات، مثل طلبات تغطية الهوامش، وخصومات الضمانات، وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

محافظ البنك السعودي المركزي في جلسة حوارية (الشرق الأوسط)

وزاد أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات.

وتحدث السياري عن تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وشرح أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

التضخم

أما محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، فيرى أن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات، مشيراً إلى أن مستوى النشاط الاقتصادي تأثر بهذه الضبابية مع تفاوت الزخم بين الدول والقطاعات والمناطق، غير أن الاقتصاد العالمي أثبت قدرة واضحة على التكيف مع مشهد سريع التغير.

وأردف، أن التضخم لم يرتفع بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، رغم استمرار ضغوط تكاليف المعيشة في كثير من الدول، مضيفاً أن الأوضاع المالية العالمية كانت داعمة إلى حد كبير على الرغم من فترات التقلب وارتفاع عوائد السندات السيادية.

وفيما يتعلق بالنظام المالي، شرح أن الإصلاحات التي أعقبت الأزمة المالية جعلته أكثر متانة وقدرة على امتصاص الصدمات الكبيرة رغم انتقال جزء من الوساطة المالية من البنوك إلى المؤسسات غير المصرفية، مؤكداً أن البنوك لا تزال مصدراً أساسياً للائتمان والسيولة.

إصلاحات السعودية

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر العلا، أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما سماه «التكامل المجزأ».

ولفت أنتراس إلى أن «رؤية السعودية» وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد البروفيسور بول أنتراس خلال حديثه إلى الحضور في المؤتمر (الشرق الأوسط)

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، أجاب أنتراس: «تحد أسعار الفائدة المرتفعة، مضافة إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ووفق أنتراس، فإن هذا النمو هو المخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».


السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
TT

السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)

أكد سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية»، على جاهزية المواني السعودية وقناة السويس لاستقبال عودة الخطوط الملاحية الكبرى للعبور مرة أخرى من المنطقة بعد استقرار الأوضاع.

وعبر المزروع، خلال لقائه الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس المصرية، على هامش فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) بالقاهرة، عن تقديره لجهود هيئة قناة السويس في تعزيز الاستدامة والاستقرار لحركة الملاحة العالمية المارة بمنطقة البحر الأحمر وباب المندب.

تجدر الإشارة إلى أن منطقة البحر الأحمر كانت تشهد فترة من الاضطرابات الملاحية، بسبب الهجوم على السفن التجارية، من قبل جماعة الحوثيين اليمنية، غير أن التوصل لوقف إطلاق النار في غزة، ساهم في توقف الحوثي بنسبة كبيرة عن تلك الهجمات، وعودة خطوط الملاحة الدولية الكبرى للمرور من قناة السويس، التي يمر بها نحو 12 في المائة من التجارة العالمية.

وأبدى المزروع رغبته في التعاون مع قناة السويس في مجال بناء المعديات، فضلاً عن التعاون مع شركات الهيئة العاملة في مجالات التكريك وأعمال الأرصفة، لا سيما مع اتجاه المملكة لتطوير ميناء جدة والقيام بالعديد من مشروعات البنية التحتية.

وشدَّد رئيس «الهيئة العامة للموانئ» بالمملكة العربية السعودية على أن التعاون مع هيئة قناة السويس يعكس قوة العلاقات الثنائية بين البلدين ووحدة الأهداف، متوقعاً أن تشهد الفترة المُقبلة مزيداً من التعاون البنَّاء بين الجانبين.

من جانبه، صرَّح الفريق أسامة ربيع، أنه بحث مع المزروع، سبل التعاون المستقبلي، والتباحث حول آليات التعاون في مجالات تقديم الخدمات اللوجيستية، وبناء الوحدات البحرية، وأعمال المواني والتكريك.

وأعرب ربيع، وفقاً لبيان صحافي صادر عن هيئة قناة السويس، عن تطلعه «لتعزيز علاقات الشراكة والصداقة ومد جسور التعاون لتشمل مجالات عمل جديدة بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الراهنة في ضوء تطور مفهوم الخدمات البحرية واللوجيستية بهيئة قناة السويس وزيادة متطلبات المواني البحرية السعودية».

وأكد الفريق ربيع أن «هيئة قناة السويس تمتلك تجربة تعاون ناجحة مع (هيئة الموانئ السعودية) حيث قامت أكاديمية المحاكاة والتدريب البحري التابعة للهيئة بعملية نمذجة ناجحة لميناء رأس الخير في السعودية تمهيداً لتنفيذ عملية ازدواج لقناة الاقتراب في الميناء، وهو التعاون الذي شهد إشادة كبيرة من جانب وفد (هيئة الموانئ السعودية)».

واستعرض ربيع جهود توطين الصناعة البحرية في الترسانات والشركات التابعة لهيئة قناة السويس والتي شهدت طفرة كبيرة خلال العامين الماضيين تحت شعار «صنع في مصر» بجودة عالمية وأسعار تنافسية.

بدأت فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) في نسخته الخامسة عشر، والذي تنظمه الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري تحت رعاية جامعة الدول العربية وبالتعاون مع وزارة النقل المصرية بالقاهرة، خلال الفترة من 8 - 10 فبراير (شباط) الحالي.

وأشار رئيس الهيئة إلى أن إحصائيات الملاحة بالقناة خلال النصف الأول من العام المالي (2025/ 2026) شهدت تحسناً نسبياً مُسجلة نمواً في أعداد السفن العابرة بنسبة 5.8 في المائة، وارتفاعاً في الحمولات الصافية بنسبة 16 في المائة، بما انعكس إيجاباً على زيادة الإيرادات بنسبة 18.5 في المائة، وذلك مقارنة بالفترة ذاتها من العام المالي 2024/ 2025.

وأضاف أن حركة الملاحة بالقناة منذ بداية العام الحالي 2026 سجلت عبور 1315 سفينة بإجمالي حمولات صافية 56 مليون طن محققة إيرادات قدرها 449 مليون دولار مقابل عبور 1243 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 47 مليون طن، محققة إيرادات قدرها 368 مليون دولار، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.