ضاحية سان دوني تتحول إلى ساحة حرب وأنباء عن مقتل أباعود

الحكومة تسعى إلى تمديد حالة الطوارئ.. والرئيس الفرنسي متوجهًا إلى مواطنيه: لا تخافوا

ضاحية سان دوني تتحول إلى ساحة حرب وأنباء عن مقتل أباعود
TT

ضاحية سان دوني تتحول إلى ساحة حرب وأنباء عن مقتل أباعود

ضاحية سان دوني تتحول إلى ساحة حرب وأنباء عن مقتل أباعود

استفاق سكان ضاحية «سان دوني» الفرنسية، في الرابعة والنصف من صباح الأمس، على أصوات الانفجارات وتبادل إطلاق النار. وشيئا فشيئا، تكاثرت سيارات الشرطة ووصلت فرق النخبة من قوات الشرطة والدرك وسيارات المؤللة وسيارات الإسعاف، فيما حومت طوافة فوق المكان الذي عرف تبادلا غزيرًا لإطلاق النار وإلقاء المتفجرات.
وبعد سبع ساعات ونصف من الغموض، أفاد فرنسوا مولينس، المدعي العام المكلف التحقيق في مجزرة ليل الجمعة - السبت في باريس أن العملية «انتهت» بمقتل اثنين وتوقيف 8 أشخاص.
وقالت صحيفة «واشنطن بوست» نقلا عن مسؤولين أوروبيين رفيعين بالمخابرات، إن عبد الحميد أباعود الذي يشتبه في كونه العقل المدبر لهجمات باريس، قُتل في المداهمة. ولم تذكر الصحيفة تفاصيل العملية، بما في ذلك جنسية مسؤولي المخابرات.
ويبدو أن تأكيد خبر مقتله جاء بعد أن أجرى خبراء الطب الشرعي فحوصات في موقع المداهمة، شملت ما تبقى من النوافذ والأرضيات التي انهار بعضها بعد انفجار امرأة بحزام ناسف، ساعين إلى الحصول على أدلة مفترضة وعلى عيّنات الحمض النووي. وتحدّث المسؤولون إلى الصحيفة شريطة التكتم على هوياتهم.
من جهته، قال مدعي عام باريس، فرنسوا مولان، في مؤتمر صحافي مساء أمس، إن المحققين الفرنسيين لا يستطيعون في هذه المرحلة تحديد هويات القتلى في مداهمات الشرطة بضاحية سان دوني، وأن المشتبه بأنه العقل المدبر لهجمات باريس عبد الحميد أباعود لم يعتقل في العملية. كما لفت إلى أن المحققين لا يستطيعون تحديد هويات الرجال الثلاثة الذين اعتقلوا في المداهمة، وأنه ألقي القبض على ثمانية أشخاص في الشقة أو على مقربة منها.
وطيلة خمسة أيام، لم تتوقف عمليات الدهم التي تقوم بها الأجهزة الأمنية الفرنسية في كل أنحاء البلاد. لكن ما كانت تطمع به من عملية الدهم في سان دوني هو توقيف «الدماغ المخطط» لما جرى في العاصمة نهاية الأسبوع الماضي، أي المواطن البلجيكي من أصول مغربية عبد الحميد أباعود الملقب أبو عمر السوسي أو أبو عمر البلجيكي والذي أثبتت التحقيقات أنه كان على علاقة باثنين على الأقل من منفذي العمليات الإرهابية. وهما إبراهيم وصلاح عبد السلام، المواطنان الفرنسيان من أصل جزائري، اللذان كانا يعيشان في ضاحية مولنبيك في بروكسل. الأول، فجر حزامه الناسف قريبا من قاعة الباتاكلان، والثاني الذي استأجر السيارات التي استخدمت في العمليات والشقق التي أوت الإرهابيين، نجح في الفرار إلى بلجيكا ولم يعثر له على أثر حتى الآن.
ووصلت الأجهزة الأمنية إلى الاستدلال على شقة سان دوني من خلال مراقبة الهاتف الجوال لامرأة تربطها علاقة قرابة بعبد الحميد أباعود، ويقال إنها قريبته. ويتبيّن أنه كلما استكملت الأجهزة الأمنية تحقيقا معينا، اكتشفت خيوطا جديدة. وبعد أن كان الاعتقاد السائد أن عدد الانتحاريين سبعة، وهم انقسموا إلى ثلاث مجموعات توزعت لزرع الموت في باريس وسان دوني، يتبين اليوم أن العدد أكبر بكثير، لا بل إن رئيس الحكومة مانويل فالس اعترف بنفسه أن «الصورة غير واضحة تماما».
ومداهمة أمس في سان دوني تقترب من حالة حرب حقيقية عاشتها الضاحية الواقعة في مدخل باريس الشمالي، والقريبة من مطار «رواسي» والبعيدة رمية حجر عن استاد فرنسا الكبير الذي شهد ثلاث عمليات انتحارية ليل الجمعة/ السبت، موازاة مع العمليات الإرهابية الست المتزامنة التي ضربت العاصمة تلك الليلة.
وولجت فرنسا ليل الجمعة إلى السبت مرحلة جديدة من الإرهاب، لأنها شهدت للمرة الأولى العمليات الانتحارية التي جاءت تلك الليلة جماعية. أما صبيحة الأمس، فقد جاءت بجديد لأنها المرة الأولى التي تشهد فيها فرنسا عملية انتحارية تنفذها امرأة، إذ إن قريبة أبو عمر البلجيكي فجرت نفسها بالحزام الناسف الذي كانت تحمله قبل طلوع الضوء وعند محاصرة قوة التدخل الشقة التي كانت فيها. وأفضت عملية الدهم الصباحية إلى إغلاق الشوارع المحيطة، ومنع السير، وإغلاق المدارس الموجودة وسط ضاحية سان دوني، وحصول حالة هرج ومرج والطلب من السكان في المنطقة عدم الخروج من منازلهم. وتدخّل 110 رجال في العملية، وفق وزير الداخلية، وألقوا القبض على 7 أشخاص، منهم اثنان مصابان بجروح بليغة في عملية تبادل إطلاق النار، فيما قتل شخصان هما المرأة الانتحارية ورجل أصيب بشظايا قنبلة أو برصاصة أطلقها أحد قناصة الشرطة.
وحتى بعد ظهر أمس، لم تكشف السلطات رسميا عن هوية الأشخاص الثمانية الموقوفين أو الشخصين اللذين قتلا، ولا عن دورهم في العمليات الإرهابية الأسبوع الماضي، وما إذا كانوا يخططون لمهاجمة حي الأعمال «لا ديفانس» الواقع على مدخل باريس الغربي وفق الأخبار التي تناقلتها وسائل إعلامية فرنسية نقلا عن «مصادر» لم تحددها.
لكن الثابت، مع الكشف عن هذه الخلية قوية التسليح والتي استطاعت أن تقاوم قوات التدخل طيلة سبع ساعات، أن التهديد الأمني في فرنسا أكبر مما كان متوقعا، مما يدعم قول رئيس الحكومة مانويل فالس إن ما حصل ليل الجمعة إلى السبت «يمكن أن يتكرر»، لأن فرنسا «في حالة حرب حقيقية».
بهذا الصدد، إن خلو لائحة الأشخاص التسعة من اسم أبو عمر البلجيكي من شأنه أن يسبب خيبة لدى الأجهزة الأمنية، خصوصا أن الإرهابي الآخر الذي تأكدت مشاركته في مجزرة باريس ما زال مختفيا عن الأنظار، رغم أنه وقع صدفة في أيدي الدرك الفرنسي قريبا من الحدود الفرنسية البلجيكية لدى توقيف السيارة التي كان يركبها مع شخصين آخرين ألقت السلطات البلجيكية القبض عليهما لاحقا.
في سياق متصل، قدّمت الحكومة إلى البرلمان، أمس، مشروع تمديد حالة الطوارئ ثلاثة أشهر إضافية تنتهي مع نهاية شهر فبراير (شباط) القادم، مما سيعطي الأجهزة الأمنية كل الصلاحيات للقيام بعمليات الدهم من غير عوائق من أجل تعطيل الخلايا النائمة أو توقيف الأشخاص الذين يشتبه بانتمائهم إلى مجموعات راديكالية يمكن أن تشكل خطرا على أمن البلاد. فضلا عن ذلك، تعد الحكومة مشروع قانون مستعجل، بناء على طلب الرئيس فرنسوا هولاند، يتضمن تعديلات دستورية من شأنها تمكين السلطات من اللجوء إلى تدابير أمنية بالغة التشدد يمكن البدء بتطبيقها عقب انتهاء مدة الأشهر الثلاثة، ومن غير الحاجة لفرض حالة الطوارئ مجددا.
ويذكر أن الأجهزة الأمنية قامت، خلال الأيام الخمسة الماضية، بحسب أرقام وزارة الداخلية، بـ414 عملية دهم في كل أنحاء فرنسا. ألقت بموجبها القبض على 60 شخصا، وعثرت على 60 قطعة سلاح. وفيما بينت استطلاعات الرأي أن 73 في المائة من الفرنسيين يعتبرون هولاند «بمستوى المسؤولية» الملقاة على عاتقه كرئيس للسلطة التنفيذية والقائد الأعلى للقوات المسلحة والمسؤول عن السياسة الخارجية والدفاع وواسطة العقد في النظام الجمهوري الفرنسي، ما زال الرئيس يوجد على كل الجبهات.
من جهته، ألقى هولاند، أمس، أمام رؤساء بلديات فرنسا المجتمعين في باريس خطابا مطولا، استعاد فيه ما كان قد شدد عليه في كلمته أمام مجلس النواب والشيوخ مجتمعين في قصر فرساي. وحملت كلمة هولاند رسالتين أساسيتين: الأولى، دعوة مواطنيه لعدم الخوف من الإرهاب وعدم الانطواء والانغلاق، والثانية تلافي الانقسام والشقاق وتغليب الوحدة الوطنية على النزعات الحزبية والمصالح السياسية الضيقة.
وفيما يبدو أن الرسالة الثانية موجهة للمعارضة اليمينية، خصوصا الكلاسيكية الممثلة أساسا بحزب «الجمهوريين» الذي يقوده الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، بعد الانتقادات التي دأبت على توجيهها لأداء الحكومة متهمة إياها بالليونة وعدم قدرتها على مواجهة الإرهاب، وإخفاقها في حماية الفرنسيين، فإن الرسالة الأولى تشكل دعوة ضمنية لعدم استهداف المسلمين وعدم الخلط بينهم وبين الإرهاب والإرهابيين.
أما على الصعيد الخارجي، فإن الدبلوماسية الفرنسية مستمرة في تحركها لبناء تحالف دولي «موحد» لمحاربة «داعش»، يمر عبر التقارب مع موسكو ومحاولة إيجاد أرضية مشتركة بين التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية وذلك الذي تقوده روسيا. وفي 24 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي. وبموازاة إبحار حاملة الطائرات «شارل ديغول» إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، واستمرار الضربات الجوية المكثفة ليلا ضد مواقع «داعش»، سيتوجه هولاند إلى واشنطن يوم 24 نوفمبر الحالي للقاء الرئيس أوباما، قبل أن يتوجه بعدها بيومين إلى موسكو للاجتماع بنظيره بوتين.
لكن هذه الانعطافة في السياسة الخارجية باتجاه التقارب مع روسيا بعد سنوات من الانتقادات الموجهة لها بحجة الحرص على حماية النظام السوري والتدخل العسكري المكثف لضرب المعارضة المسلحة المعتدلة، أخذت تسمع أصوات تنتقد «غياب الرؤية الواضحة» و«التخبط» في التحالفات المتناقضة. وجاءت أبرز الانتقادات من صحيفة «لو موند» المستقلة في طبعتها ليوم أمس، حيث تساءلت عن «الغرض» المستهدف من تشديد الضربات العسكرية وحول الانعطافات في الدبلوماسية الفرنسية وتبعاتها.



أورسولا فون دير لاين تتعرض لوابل من الانتقادات ومطالبات بإقالتها

فون دير لاين تتحدث في ستراسبورغ تحضيراً لاجتماع الاتحاد في 19 الشهر الجاري حول الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران (أ.ف.ب)
فون دير لاين تتحدث في ستراسبورغ تحضيراً لاجتماع الاتحاد في 19 الشهر الجاري حول الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران (أ.ف.ب)
TT

أورسولا فون دير لاين تتعرض لوابل من الانتقادات ومطالبات بإقالتها

فون دير لاين تتحدث في ستراسبورغ تحضيراً لاجتماع الاتحاد في 19 الشهر الجاري حول الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران (أ.ف.ب)
فون دير لاين تتحدث في ستراسبورغ تحضيراً لاجتماع الاتحاد في 19 الشهر الجاري حول الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران (أ.ف.ب)

منذ بداية ولايتها الأولى رئيسةً للاتحاد الأوروبي، تميَّزت أورسولا فون دير لاين بتجاوزاتها المتعددة للتراتبية التي تضبط الإيقاع الصارم لأداء قادة المؤسسات الكبرى في الاتحاد، وحدود الصلاحيات المنوطة بكل منهم، وتعرَّضت غير مرة لانتقادات شديدة ومباشرة من زملائها، ومن مرؤوسيها الذين كانوا غالباً ما يأخذون عليها تفرُّدها باتخاذ القرارات، أو تسجيل نقاط النجاحات والإنجازات في خانتها الشخصية، عندما تكون القرارات ثمرة الجهد المشترك لمعاونيها.

أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)

لكن التصريح الأخير الذي ورد على لسان رئيسة المفوضية مطلع هذا الأسبوع، وهي تخاطب الاجتماع السنوي لسفراء الاتحاد في العالم، وقع ضمن الدائرة الخطرة للمحظورات، واستدعى وابلاً من الانتقادات والأصوات المطالبة بإقالة فون دير لاين من رئاسة المفوضية أو استقالتها.

قالت فون دير لاين: «لم يعد بوسع أوروبا أن تكون حارسة النظام الدولي القديم، في عالم اندثر من غير عودة»، لتثير عاصفة من الانتقادات، بين كبار معاونيها أولاً، وفي أوساط قادة المؤسسات الأوروبية الأخرى، قبل أن يعمَّ الاستياءُ عدداً من عواصم الدول الأعضاء التي منذ فترة تشعر باستياء متزايد من تجاوز رئيسة المفوضية صلاحياتها في مجال السياسة الخارجية والدفاع، ودعوتها المباشرة إلى إعادة نظر عميقة في العقيدة المؤسسة للاتحاد، ومؤسساته، وطريقة اتخاذ القرار فيه، بعد التغيُّر العميق الذي طرأ على المشهد الجيوسياسي العالمي.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خلال مؤتمر صحافي في نهاية اجتماع غير رسمي لأعضاء المجلس الأوروبي ببروكسل يوم 23 يناير 2026 (إ.ب.أ)

لكن فون دير لاين ذهبت إلى أبعد من ذلك في كلامها أمام سفراء الاتحاد، لتبرر الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران ونظامها، والتي حرصت معظم القيادات الأوروبية على القول بأنها تتعارض من أحكام القانون الدولي، وتفتقر إلى الشرعية التي تمنحها الأمم المتحدة، وقالت: «أقول بكل صراحة إنه يجب عدم التباكي على النظام الإيراني الذي ألحق الموت والقمع بشعبه، والدمار وزعزعة الاستقرار في المنطقة، بواسطة حلفائه المسلحين بالصواريخ والمُسيَّرات». وأضافت: «كُثر هم الإيرانيون، في الداخل كما في أوروبا والعالم، الذين احتفوا بمقتل آية الله خامنئي، كما احتفى به كثيرون في المنطقة من الذين كانوا ينتظرون هذه اللحظة، لتفتح الطريق أمام إيران الحرة وشعبها الذي يستحق الحرية والكرامة والحق في تقرير مصيره، حتى وإن كنا نعلم بأن ذلك يحمل مخاطر وزعزعة للاستقرار خلال الحرب وبعدها».

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (أ.ف.ب)

وما زاد في استياء العواصم الأوروبية أن تصريحات فون دير لاين -فضلاً عن تعديها الصارخ على الصلاحيات الحصرية للدول الأعضاء- قد جاءت في الوقت الذي كانت دول الاتحاد قد بدأت فيه تحاول توحيد الموقف الأوروبي المشترك من هذه الحرب، وتميِّزه عن الموقف الأميركي، وتقول صراحة إنها تنتهك قواعد الشرعية الدولية، وتعرب عن قلقها من «تأثيراتها الوجودية على النظام الدولي القائم على القواعد، أو على الوحدة الأوروبية التي تتعرض لضغوط وتحديات غير مسبوقة من الداخل والخارج» كما جاء على لسان رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، في تصريح لاحق حاول أن يرد به على موقف فون دير لاين التي كانت قد أفرغت جعبتها بالقول: «من الخرافة الاعتقاد أنه بوسعنا الانطواء على أنفسنا، والانسحاب من عالم مضطرب تعمُّه الفوضى»، مؤكدة أن الاتحاد الأوروبي لم يعد بوسعه أن يثق بالقواعد التي ارتكز عليها النظام الدولي طيلة عقود، وأن عليه البحث عن موقعه الجديد في العالم.

مسؤولة السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال مشاركتها في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل يوم 23 فبراير (إ.ب.أ)

وقالت رئيسة المفوضية: «لقد دافعنا دائماً عن النظام الذي ساعدنا على بنائه مع حلفائنا، ولكن هذا النظام لم يعد اليوم السبيل الوحيد للدفاع عن مصالحنا، ولم تعد قواعده قادرة على حمايتنا من التهديدات المعقدة التي تواجه العالم، ولذا علينا أن نشق طريقنا الخاص، ونجد أشكالاً جديدة للتعاون مع شركائنا»، مستحضرة المقولة الشهيرة لعرَّابتها السياسية المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل: «أوروبا لها قيم ومبادئ، ولكن قبل أي شيء لها مصالح».

وبعد أن كشفت فون دير لاين عن أن المفوضية مُنكبَّة، إلى جانب المسؤولة عن السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس، على وضع استراتيجية دفاعية جديدة تتناسب مع التحديات الجديدة، قالت: «إن الوضع في الشرق الأوسط ليس شرارة؛ بل هو أحد عوارض مشكلة أوسع، مثل غرينلاند وأوكرانيا، وما ينتظرنا غيرها في مناطق أخرى كثيرة العام المقبل. وهنا علينا أن نختار في هذا الزمن الذي يشهد تحولات جذرية، بين التمسك بما كان مصدر قوتنا في الماضي، وندافع عن عاداتنا والأفكار التي تجاوزها التاريخ، أو الذهاب نحو مصير مختلف لأوروبا».

الرئيس السويسري غي بارميلان ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال توقيع حزمة اتفاقيات في بروكسل يوم 2 مارس 2026 (إ.ب.أ)

هذه التصريحات على لسان رئيسة المفوضية زادت من حدة الانتقادات التي تتعرض لها منذ فترة، بسبب مواقفها التي تعتبرها دول أعضاء كثيرة قريبة جداً من واشنطن وتل أبيب، فسارع كثيرون من رؤساء حكومات وبرلمانيين أوروبيين إلى اتهامها بتجاوز صلاحياتها، وإصرارها على أن تكون هي صوت أوروبا، على طريقتها، أو في الأقل على طريقة ألمانيا.

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا شدد أمس على أن «واجب الأوروبيين الدفاع عن النظام الدولي القائم على القواعد والمبادئ التي كرَّسها ميثاق الأمم المتحدة»، واتهم الولايات المتحدة وروسيا بتقويض هذا النظام، داعياً إلى حلول متعددة الأطراف بعيداً عن مناطق النفوذ التي تحتكم إلى سياسة القوة، وليس إلى القانون الدولي.

ومن جهتها، قالت تيريزا ريفيرا، نائبة رئيسة المفوضية: «على أوروبا اليوم أن تدافع بحزم عن القانون الدولي وقيمه»، وحذا حذوها عدد من المفوضين الذين انتقدوا تصريحات فون دير لاين.

مسؤولة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال حديث للصحافيين في بروكسل قبيل اجتماع وزراء خارجية التكتل (أ.ب)

حكومات أوروبية عدة، على رأسها إسبانيا، انتقدت بشدة تصريحات فون دير لاين، ودعتها إلى التصويب والامتناع عن تجاوز صلاحياتها، بينما وجَّه وزير الخارجية الفرنسي كان نويل بارّو تحذيراً لفون دير لاين يدعوها فيه إلى احترام التراتبية في المؤسسات الأوروبية، مذكراً أن المسؤولة عن السياسة الخارجية هي التي تدير هذه السياسة المشتركة في الاتحاد، وتساهم في رسمها عن طريق تقديم الاقتراحات إلى الدول الأعضاء، وتنفذها تحت إشراف المجلس الأوروبي.

أمام هذا السيل من الانتقادات، ردَّ الناطقون باسم فون دير لاين بأن خطابها أمام سفراء الاتحاد قد «أسيء تفسيره»، ولكن ذلك لم يمنع عواصم الاتحاد من مواصلة توجيه اللوم والانتقادات التي وصل بعضها إلى حد المطالبة بإقصائها عن المنصب أو استقالتها.


ألمانيا وسويسرا تنقلان بعثاتهما الدبلوماسية من إيران بسبب التهديدات الأمنية

لاجئون يسيرون حاملين أمتعتهم بعد عبورهم الحدود من إيران إلى أرمينيا عند نقطة تفتيش حدودية في بلدة ميغري جنوب أرمينيا، 8 مارس 2026 (أ.ف.ب)
لاجئون يسيرون حاملين أمتعتهم بعد عبورهم الحدود من إيران إلى أرمينيا عند نقطة تفتيش حدودية في بلدة ميغري جنوب أرمينيا، 8 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا وسويسرا تنقلان بعثاتهما الدبلوماسية من إيران بسبب التهديدات الأمنية

لاجئون يسيرون حاملين أمتعتهم بعد عبورهم الحدود من إيران إلى أرمينيا عند نقطة تفتيش حدودية في بلدة ميغري جنوب أرمينيا، 8 مارس 2026 (أ.ف.ب)
لاجئون يسيرون حاملين أمتعتهم بعد عبورهم الحدود من إيران إلى أرمينيا عند نقطة تفتيش حدودية في بلدة ميغري جنوب أرمينيا، 8 مارس 2026 (أ.ف.ب)

​نقلت ألمانيا موظفي عدد من بعثاتها ‌الدبلوماسية ‌في ​مناطق ‌بالشرق ⁠الأوسط، ​مثل إيران والعراق، مؤقتاً نظراً للتهديدات الأمنية ⁠الناجمة ‌عن الصراع ‌العسكري ​هناك. وقال ‌متحدث ‌باسم وزارة الخارجية، خلال ‌مؤتمر صحافي، الأربعاء: «تم ⁠نقل موظفي ⁠هذه البعثات الدبلوماسية مؤقتاً بسبب الوضع الأمني ​الراهن».

من جهتها، قالت وزارة ​الخارجية السويسرية، الأربعاء، إن سويسرا قررت إغلاق سفارتها في ‌طهران ‌مؤقتاً بسبب الحرب ‌في ⁠الشرق ​الأوسط وتزايد ⁠المخاطر الأمنية. وأضافت أن السفير وخمسة من ⁠الموظفين السويسريين ‌غادروا إيران براً، ‌ووصلوا ​بسلام ‌إلى ‌خارج البلاد: «وسيعودون إلى طهران بمجرد أن يسمح ‌الوضع بذلك». وأشارت في بيان ⁠إلى أن ⁠سويسرا ستحافظ على خط اتصال مفتوح بين الولايات المتحدة وإيران، بالتشاور ​مع ​البلدين.

وتجدر الإشارة إلى أن سويسرا هي الدولة التي تمثل مصالح الولايات المتحدة في إيران؛ حيث لا يوجد تمثيل دبلوماسي مباشر لواشنطن، منذ أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية في طهران سنة 1979.


إسبانيا تنهي رسمياً مهام سفيرتها لدى إسرائيل

سفيرة إسبانيا لدى إسرائيل آنا ماريا سالومون بيريز (إ.ب.أ)
سفيرة إسبانيا لدى إسرائيل آنا ماريا سالومون بيريز (إ.ب.أ)
TT

إسبانيا تنهي رسمياً مهام سفيرتها لدى إسرائيل

سفيرة إسبانيا لدى إسرائيل آنا ماريا سالومون بيريز (إ.ب.أ)
سفيرة إسبانيا لدى إسرائيل آنا ماريا سالومون بيريز (إ.ب.أ)

أنهت الحكومة الإسبانية رسمياً مهام سفيرتها لدى إسرائيل آنا ماريا سالومون بيريز، بعدما استدعتها إلى مدريد منذ سبتمبر (أيلول) 2025 على خلفية توترات بين البلدين، وفق مرسوم ملكي نشر اليوم الأربعاء في الجريدة الرسمية.

وإذا ما قررت الحكومة الإسبانية أن تعود وتمثّل في إسرائيل بسفيرة جديدة أو سفير جديد، فسيتوجب عليها أولاً تعيين دبلوماسي في هذا المنصب، على أن يقدم هذا الأخير أوراق اعتماده إلى السلطات الإسرائيلية.

الحكومة الإسبانية اليسارية من أكثر الأصوات الأوروبية انتقاداً لحكومة بنيامين نتنياهو منذ الحرب المدمرة في قطاع غزة رداً على هجوم حركة «حماس» على الأراضي الإسرائيلية في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

كما جدّد رئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو سانشيز في الأيام الأخيرة معارضته للضربات الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وأعلن الملك فيليبي السادس في المرسوم الموقَّع أمس: «بناءً على اقتراح وزارة الشؤون الخارجية... توصلتُ إلى قرار إنهاء مهام آنا ماريا سالومون بيريز كسفيرة لإسبانيا لدى دولة إسرائيل، مع توجيه الشكر لها على ما قدّمته من خدمات».

وفي سبتمبر 2025، استدعت مدريد سفيرتها على خلفية سجالات حادّة مع إسرائيل، أعقبت إعلان الحكومة الإسبانية عن تدابير جديدة تهدف إلى «وضع حدٍّ للإبادة الجماعية في غزة».

وكان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر قد وصف حينها بيدرو سانشيز بأنه «معادٍ للسامية» و«كاذب»، وذلك بعدما أعرب رئيس الوزراء الإسباني عن «إعجابه» بمتظاهرين مؤيدين للفلسطينيين.

من جانبها، لم تعيّن إسرائيل سفيراً لها لدى إسبانيا منذ اعتراف حكومة اليسار برئاسة سانشيز بدولة فلسطين في عام 2024.