من دبي إلى كينيا والبرازيل... لماذا ازدادت الأمطار والفيضانات حول العالم مؤخراً؟

شارع في دبي مغمور بمياه الأمطار 2 مايو الحالي (أ.ف.ب)
شارع في دبي مغمور بمياه الأمطار 2 مايو الحالي (أ.ف.ب)
TT

من دبي إلى كينيا والبرازيل... لماذا ازدادت الأمطار والفيضانات حول العالم مؤخراً؟

شارع في دبي مغمور بمياه الأمطار 2 مايو الحالي (أ.ف.ب)
شارع في دبي مغمور بمياه الأمطار 2 مايو الحالي (أ.ف.ب)

شهدت دول عدة حول العالم في الآونة الأخيرة انهمار مياه الأمطار والفيضانات التي وُصفت بالقاتلة، وتسببت تلك الأمطار في وفيات ودمار واسع، إضافة إلى عمليات إجلاء جماعية في قارات عدة، وتضرر كبير في البِنى التحتية.

وتعد تلك الأمطار والفيضانات في الأسابيع الأخيرة في مناطق حول العالم غير متوقعة سواء من حيث موقعها أو قوتها، وتثير التساؤلات حول أسبابها.

وأكد تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» أن الأمطار الغزيرة القوية هي نتيجة أنماط الطقس التي جرى شحنها بشكل كبير خلال عام قياسي لدرجات الحرارة العالمية؛ إذ إنه كلما زادت سخونة الكرة الأرضية، أصبحت أكثر رطوبة أيضاً. وبشكل أكثر بساطة، كلما كان الهواء أكثر دفئاً، زادت كمية الماء التي يمكنه الاحتفاظ بها.

لا يزال العلماء لا يعرفون ما إذا كانت هذه الحرارة العالمية القياسية التي استمرت مدة عام - والأمطار الغزيرة المصاحبة لها - تمثل إشارة إحصائية، وفي كل فيضان في شهر أبريل (نيسان) الماضي، اتحدت مجموعة معينة من الظروف الجوية القاسية معاً لتسبب العواصف، وفقاً لخبراء الأرصاد الجوية وعلماء المناخ.

مناطق متضررة

وتعد كمية الأمطار التي هطلت خلال هذه العواصف الربيعية غير عادية. فعلى سبيل المثال، هطلت أمطار في بلدان شرق أفريقيا يتراوح ارتفاعها من 4 إلى 20 بوصة خلال شهر أبريل، أي ما يصل إلى 6 أضعاف الكمية الطبيعية اعتماداً على المنطقة، وفقاً لبيانات مركز التنبؤ المناخي التابع لهيئة الأرصاد الجوية الوطنية.

وتسببت شدة الأمطار في الفوضى؛ إذ تعرضت نيروبي في كينيا، لما يقرب من 12 بوصة من الأمطار على مدى 7 أيام، ما أدى إلى تفجير السدود، ودفن البلدات في الوحل، وتحويل شوارع المدينة إلى أنهار قاتلة. ومن كينيا إلى دبي، سقط أكثر من 10 بوصات من الأمطار في يوم واحد، ما أدى إلى غمر مدارج مطارها الدولي.

يحاول السكان المحليون في قرية نغوندو في كينيا إنقاذ بعض ممتلكاتهم بعد استمرار هطول الأمطار الغزيرة (إ.ب.أ)

وغمرت الأمطار القياسية التي بلغ إجماليها 17 بوصة خلال الشهر مقاطعة قوانغدونغ بجنوب الصين، حيث انهار جزء من الطريق السريعة في منطقة جبلية، ما أسفر عن مقتل 48 شخصاً. تضم المقاطعة 127 مليون نسمة وكثيراً من عمالقة التكنولوجيا والتصنيع في الصين، والتي يقع معظمها على طول ساحلها الجنوبي.

صورة من أعلى تظهر المباني المتضررة في أعقاب إعصار في قرية بقوانغتشو بمقاطعة قوانغدونغ بالصين (رويترز)

وإلى البرازيل، حيث نشرت قواتها المسلحة في ولاية ريو غراندي دو سول بجنوب البلاد بعد هطول أمطار بلغ منسوبها 6 بوصات خلال 24 ساعة، ما تسبب في حدوث فيضانات جماعية أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 55 شخصاً، وفقدان أكثر من 70 آخرين، وتشريد أكثر من 70 ألفاً آخرين.

ومع وصول أحد الأنهار الرئيسية في المنطقة إلى أعلى مستوى له على الإطلاق، دُمرت الطرق والجسور، ما أدى إلى تعطيل المحاصيل في ثاني أكبر ولاية منتجة لفول الصويا في البلاد. بينما تُرك نحو نصف مليون شخص دون إمكانية الحصول على المياه النظيفة، و300 ألف شخص من دون كهرباء بعد انهيار سد صغير لتوليد الطاقة الكهرومائية، ما أدى إلى موجة من المياه الموحلة بارتفاع مترين اجتاحت القرى المحلية.

جانب من الفياضانات التي ضربت ريو غراندي دو سول جنوب البرازيل (أ.ف.ب)

أكثر سخونة... أكثر رطوبة

وأشار تقرير الصحيفة إلى أن الكوارث المرتبطة بهطول الأمطار هي نتيجة ارتفاع درجات الحرارة العالمية؛ إذ إن الكرة الأرضية شهدت 10 أشهر متتالية من متوسط درجات الحرارة العالمية القياسية في الغلاف الجوي، و12 شهراً متتالياً من المتوسط العالمي القياسي لدرجات حرارة المحيطات.

على الرغم من أن الأسئلة لا تزال قائمة حول ما إذا كان الارتفاع في درجات الحرارة العالمية سيستمر، فإن الأمر المؤكد هو أن الغلاف الجوي الأكثر دفئاً يحمل مزيداً من الرطوبة التي تهطل لاحقاً على شكل أمطار، في حين أن المحيطات الأكثر دفئاً تبخر مزيداً من الماء إلى الهواء، وفقاً لسارة كابنيك، كبيرة العلماء في الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي في أميركا.

وتابعت كابنيك: «هطول الأمطار يحدث بشكل متكرر الآن في أماكن لا نعتقد أنها ممطرة، مثل دبي، لذلك يكون الأمر أكثر إثارة للدهشة عندما تحدث».

أمطار غزيرة سقطت في بورتو أليغيري جنوب البرازيل (رويترز)

وحدثت فيضانات بشرق أفريقيا الشهر الماضي خلال موسم الأمطار الذي يمتد من مارس (آذار) إلى مايو (أيار)، على الرغم من أن الكمية الفعلية للأمطار تختلف في سنة معينة. هذه المرة، حدث هطول الأمطار بشكل ضخم بسبب نمط الطقس المسمى «ثنائي القطب للمحيط الهندي». وفي مرحلته الإيجابية، يدفع ثنائي القطب المياه الدافئة نحو الساحل الشرقي لأفريقيا؛ وفي مرحلته السلبية، تندفع المياه الدافئة عائدة نحو أستراليا وإندونيسيا.

هذا العام، يكون ثنائي القطب أقوى من المعتاد، ما يؤدي إلى هطول أمطار غزيرة في مناطق على الجانب الغربي من المحيط الهندي، مثل كينيا، وفقاً لجويس كيموتاي، عالمة المناخ في كلية «إمبريال لندن» وعضو منظمة «وورد ويزر أتريبيوشن»، وهي منظمة تضم مجموعة من العلماء من الجامعات ومعاهد البحوث في أوروبا والولايات المتحدة.

ظاهرة «النينو»

ووفقاً للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، تعد الفيضانات التي اجتاحت دبي الشهر الماضي، هي الأشد خطورة منذ 75 عاماً، وفقاً لتقارير إخبارية. في 15 فبراير (شباط)، سجلت دبي أعلى هطول يومي للأمطار منذ بدء التتبع في عام 1949.

وخلص تحليل نشرته مجموعة «وورد ويزر أتريبيوشن»، إلى أن كمية الأمطار التي هطلت في دبي تأثرت على الأرجح بظاهرة «النينو»، وهي نمط مناخي في المحيط الهادئ يؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة المحيط في شرق المحيط الهادئ، ويمكن أن يؤثر على أنماط الجفاف وهطول الأمطار.

وبدأت ظاهرة «النينو» الحالية في عام 2023، وهي تتضاءل ببطء، على الرغم من أنها لا تزال ذات تأثير، وهي مسؤولة جزئياً عن الأمطار القاتلة التي شهدتها جنوب البرازيل، الأسبوع الماضي، وفقاً للمعهد الوطني للأرصاد الجوية في البلاد، وفي المنطقة العربية، هناك أمطار غزيرة خلال سنوات «النينو» مقارنة بالسنوات التي لا تحدث فيها.

ضعف النظام البيئي

وقالت كيموتاي إن التنقل ذهاباً وإياباً بين سنوات الجفاف التي تليها فترات من هطول الأمطار الغزيرة وطويلة الأمد يجعل من الصعب على التربة والنباتات امتصاص مياه الأمطار، وتابعت: «هناك كثير من التقلبات بين النقيضين؛ لذا فإن النظام البيئي لا يملك الوقت الكافي للتعافي والعودة إلى حالته الطبيعية والتكيفية، لذلك فإنه يصبح نظاماً ضعيفاً بمرور الوقت».

كما أدت الأمطار الشديدة إلى التأثير المباشر على الزراعة أيضاً. وفي الجزر البريطانية شديدة الأمطار، كان الشتاء الماضي من أكثر الفصول رطوبة على الإطلاق، وتسببت الأمطار في غمر حقول المزارعين في منتصف موسم الزراعة، ما يهدد المحاصيل.

يمكن أن تكون أضرار الأمطار أسوأ في المناطق الحضرية مثل دبي، حيث لا يمكن للمياه أن تتسرب إلى الأرض، أو في المناطق الريفية؛ حيث جرى قطع النباتات من أجل الغذاء أو الوقود، وفقاً لجوستين مانكين، أستاذ الجغرافيا المساعد في كلية دارتموث. وتابع: «يمكن لسطح الأرض امتصاص كمية محدودة من الماء، وزيادتها بشكل أكبر تشكل خطراً على الناس في شكل فيضانات. وهذه هي الحال سواء كنت تتحدث عن شرق أستراليا أو دبي أو شرق الصين».


مقالات ذات صلة

عواصف تحصد 188 قتيلاً في باكستان وأفغانستان

آسيا رجل يسير على طول طريق غمرتها المياه بينما تتسبب الأمطار الغزيرة بفيضانات في بيشاور بباكستان (أ.ف.ب)

عواصف تحصد 188 قتيلاً في باكستان وأفغانستان

أفادت وكالات إدارة الكوارث في أفغانستان وباكستان، الثلاثاء، بمقتل نحو 188 شخصاً جراء أمطار غزيرة وفيضانات وثلوج تضرب البلدين منذ أكثر من أسبوعين.

«الشرق الأوسط» (كابل - إسلام آباد)
آسيا صورة لأضرار ناجمة عن الفيضانات المفاجئة في لوغار بأفغانستان يوم 30 مارس 2026 (إ.ب.أ)

45 قتيلاً على الأقل جراء أمطار وعواصف في أفغانستان وباكستان

قضى 45 شخصاً على الأقل منذ الأربعاء في أفغانستان وباكستان جراء أمطار غزيرة وعواصف شديدة، وفق ما أفادت أجهزة الإسعاف في البلدين.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «أناضول» لغمر المياه بلدة تل حميس شمال شرقي الحسكة نتيجة الأمطار الغزيرة المتزايدة منذ السبت الماضي

سوريا تحذر من منخفض جوي مصحوب بأمطار غزيرة ورياح قوية

فتح ممرات مائية وسحب مياه الأمطار المتجمعة في المنازل والأقبية والمحلات التجارية، إضافة إلى التعامل مع حالات انهيار في الشوارع والأبنية وحوادث طرق

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
شمال افريقيا بستان من أشجار الحمضيات يغمره الفيضان في منطقة سيدي قاسم (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات عجاف... فيضانات المغرب تغمر آلاف الهكتارات وتكبّد المزارعين خسائر كبيرة

تحولت حقول في شمال غربي المغرب إلى بحيرات شاسعة بعد فيضانات سببتها أمطار استثنائية طال انتظارها، ما ألحق خسائر كبيرة بالمزارعين.

«الشرق الأوسط» (الرباط)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.