من دبي إلى كينيا والبرازيل... لماذا ازدادت الأمطار والفيضانات حول العالم مؤخراً؟

شارع في دبي مغمور بمياه الأمطار 2 مايو الحالي (أ.ف.ب)
شارع في دبي مغمور بمياه الأمطار 2 مايو الحالي (أ.ف.ب)
TT

من دبي إلى كينيا والبرازيل... لماذا ازدادت الأمطار والفيضانات حول العالم مؤخراً؟

شارع في دبي مغمور بمياه الأمطار 2 مايو الحالي (أ.ف.ب)
شارع في دبي مغمور بمياه الأمطار 2 مايو الحالي (أ.ف.ب)

شهدت دول عدة حول العالم في الآونة الأخيرة انهمار مياه الأمطار والفيضانات التي وُصفت بالقاتلة، وتسببت تلك الأمطار في وفيات ودمار واسع، إضافة إلى عمليات إجلاء جماعية في قارات عدة، وتضرر كبير في البِنى التحتية.

وتعد تلك الأمطار والفيضانات في الأسابيع الأخيرة في مناطق حول العالم غير متوقعة سواء من حيث موقعها أو قوتها، وتثير التساؤلات حول أسبابها.

وأكد تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» أن الأمطار الغزيرة القوية هي نتيجة أنماط الطقس التي جرى شحنها بشكل كبير خلال عام قياسي لدرجات الحرارة العالمية؛ إذ إنه كلما زادت سخونة الكرة الأرضية، أصبحت أكثر رطوبة أيضاً. وبشكل أكثر بساطة، كلما كان الهواء أكثر دفئاً، زادت كمية الماء التي يمكنه الاحتفاظ بها.

لا يزال العلماء لا يعرفون ما إذا كانت هذه الحرارة العالمية القياسية التي استمرت مدة عام - والأمطار الغزيرة المصاحبة لها - تمثل إشارة إحصائية، وفي كل فيضان في شهر أبريل (نيسان) الماضي، اتحدت مجموعة معينة من الظروف الجوية القاسية معاً لتسبب العواصف، وفقاً لخبراء الأرصاد الجوية وعلماء المناخ.

مناطق متضررة

وتعد كمية الأمطار التي هطلت خلال هذه العواصف الربيعية غير عادية. فعلى سبيل المثال، هطلت أمطار في بلدان شرق أفريقيا يتراوح ارتفاعها من 4 إلى 20 بوصة خلال شهر أبريل، أي ما يصل إلى 6 أضعاف الكمية الطبيعية اعتماداً على المنطقة، وفقاً لبيانات مركز التنبؤ المناخي التابع لهيئة الأرصاد الجوية الوطنية.

وتسببت شدة الأمطار في الفوضى؛ إذ تعرضت نيروبي في كينيا، لما يقرب من 12 بوصة من الأمطار على مدى 7 أيام، ما أدى إلى تفجير السدود، ودفن البلدات في الوحل، وتحويل شوارع المدينة إلى أنهار قاتلة. ومن كينيا إلى دبي، سقط أكثر من 10 بوصات من الأمطار في يوم واحد، ما أدى إلى غمر مدارج مطارها الدولي.

يحاول السكان المحليون في قرية نغوندو في كينيا إنقاذ بعض ممتلكاتهم بعد استمرار هطول الأمطار الغزيرة (إ.ب.أ)

وغمرت الأمطار القياسية التي بلغ إجماليها 17 بوصة خلال الشهر مقاطعة قوانغدونغ بجنوب الصين، حيث انهار جزء من الطريق السريعة في منطقة جبلية، ما أسفر عن مقتل 48 شخصاً. تضم المقاطعة 127 مليون نسمة وكثيراً من عمالقة التكنولوجيا والتصنيع في الصين، والتي يقع معظمها على طول ساحلها الجنوبي.

صورة من أعلى تظهر المباني المتضررة في أعقاب إعصار في قرية بقوانغتشو بمقاطعة قوانغدونغ بالصين (رويترز)

وإلى البرازيل، حيث نشرت قواتها المسلحة في ولاية ريو غراندي دو سول بجنوب البلاد بعد هطول أمطار بلغ منسوبها 6 بوصات خلال 24 ساعة، ما تسبب في حدوث فيضانات جماعية أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 55 شخصاً، وفقدان أكثر من 70 آخرين، وتشريد أكثر من 70 ألفاً آخرين.

ومع وصول أحد الأنهار الرئيسية في المنطقة إلى أعلى مستوى له على الإطلاق، دُمرت الطرق والجسور، ما أدى إلى تعطيل المحاصيل في ثاني أكبر ولاية منتجة لفول الصويا في البلاد. بينما تُرك نحو نصف مليون شخص دون إمكانية الحصول على المياه النظيفة، و300 ألف شخص من دون كهرباء بعد انهيار سد صغير لتوليد الطاقة الكهرومائية، ما أدى إلى موجة من المياه الموحلة بارتفاع مترين اجتاحت القرى المحلية.

جانب من الفياضانات التي ضربت ريو غراندي دو سول جنوب البرازيل (أ.ف.ب)

أكثر سخونة... أكثر رطوبة

وأشار تقرير الصحيفة إلى أن الكوارث المرتبطة بهطول الأمطار هي نتيجة ارتفاع درجات الحرارة العالمية؛ إذ إن الكرة الأرضية شهدت 10 أشهر متتالية من متوسط درجات الحرارة العالمية القياسية في الغلاف الجوي، و12 شهراً متتالياً من المتوسط العالمي القياسي لدرجات حرارة المحيطات.

على الرغم من أن الأسئلة لا تزال قائمة حول ما إذا كان الارتفاع في درجات الحرارة العالمية سيستمر، فإن الأمر المؤكد هو أن الغلاف الجوي الأكثر دفئاً يحمل مزيداً من الرطوبة التي تهطل لاحقاً على شكل أمطار، في حين أن المحيطات الأكثر دفئاً تبخر مزيداً من الماء إلى الهواء، وفقاً لسارة كابنيك، كبيرة العلماء في الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي في أميركا.

وتابعت كابنيك: «هطول الأمطار يحدث بشكل متكرر الآن في أماكن لا نعتقد أنها ممطرة، مثل دبي، لذلك يكون الأمر أكثر إثارة للدهشة عندما تحدث».

أمطار غزيرة سقطت في بورتو أليغيري جنوب البرازيل (رويترز)

وحدثت فيضانات بشرق أفريقيا الشهر الماضي خلال موسم الأمطار الذي يمتد من مارس (آذار) إلى مايو (أيار)، على الرغم من أن الكمية الفعلية للأمطار تختلف في سنة معينة. هذه المرة، حدث هطول الأمطار بشكل ضخم بسبب نمط الطقس المسمى «ثنائي القطب للمحيط الهندي». وفي مرحلته الإيجابية، يدفع ثنائي القطب المياه الدافئة نحو الساحل الشرقي لأفريقيا؛ وفي مرحلته السلبية، تندفع المياه الدافئة عائدة نحو أستراليا وإندونيسيا.

هذا العام، يكون ثنائي القطب أقوى من المعتاد، ما يؤدي إلى هطول أمطار غزيرة في مناطق على الجانب الغربي من المحيط الهندي، مثل كينيا، وفقاً لجويس كيموتاي، عالمة المناخ في كلية «إمبريال لندن» وعضو منظمة «وورد ويزر أتريبيوشن»، وهي منظمة تضم مجموعة من العلماء من الجامعات ومعاهد البحوث في أوروبا والولايات المتحدة.

ظاهرة «النينو»

ووفقاً للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، تعد الفيضانات التي اجتاحت دبي الشهر الماضي، هي الأشد خطورة منذ 75 عاماً، وفقاً لتقارير إخبارية. في 15 فبراير (شباط)، سجلت دبي أعلى هطول يومي للأمطار منذ بدء التتبع في عام 1949.

وخلص تحليل نشرته مجموعة «وورد ويزر أتريبيوشن»، إلى أن كمية الأمطار التي هطلت في دبي تأثرت على الأرجح بظاهرة «النينو»، وهي نمط مناخي في المحيط الهادئ يؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة المحيط في شرق المحيط الهادئ، ويمكن أن يؤثر على أنماط الجفاف وهطول الأمطار.

وبدأت ظاهرة «النينو» الحالية في عام 2023، وهي تتضاءل ببطء، على الرغم من أنها لا تزال ذات تأثير، وهي مسؤولة جزئياً عن الأمطار القاتلة التي شهدتها جنوب البرازيل، الأسبوع الماضي، وفقاً للمعهد الوطني للأرصاد الجوية في البلاد، وفي المنطقة العربية، هناك أمطار غزيرة خلال سنوات «النينو» مقارنة بالسنوات التي لا تحدث فيها.

ضعف النظام البيئي

وقالت كيموتاي إن التنقل ذهاباً وإياباً بين سنوات الجفاف التي تليها فترات من هطول الأمطار الغزيرة وطويلة الأمد يجعل من الصعب على التربة والنباتات امتصاص مياه الأمطار، وتابعت: «هناك كثير من التقلبات بين النقيضين؛ لذا فإن النظام البيئي لا يملك الوقت الكافي للتعافي والعودة إلى حالته الطبيعية والتكيفية، لذلك فإنه يصبح نظاماً ضعيفاً بمرور الوقت».

كما أدت الأمطار الشديدة إلى التأثير المباشر على الزراعة أيضاً. وفي الجزر البريطانية شديدة الأمطار، كان الشتاء الماضي من أكثر الفصول رطوبة على الإطلاق، وتسببت الأمطار في غمر حقول المزارعين في منتصف موسم الزراعة، ما يهدد المحاصيل.

يمكن أن تكون أضرار الأمطار أسوأ في المناطق الحضرية مثل دبي، حيث لا يمكن للمياه أن تتسرب إلى الأرض، أو في المناطق الريفية؛ حيث جرى قطع النباتات من أجل الغذاء أو الوقود، وفقاً لجوستين مانكين، أستاذ الجغرافيا المساعد في كلية دارتموث. وتابع: «يمكن لسطح الأرض امتصاص كمية محدودة من الماء، وزيادتها بشكل أكبر تشكل خطراً على الناس في شكل فيضانات. وهذه هي الحال سواء كنت تتحدث عن شرق أستراليا أو دبي أو شرق الصين».


مقالات ذات صلة

45 قتيلاً على الأقل جراء أمطار وعواصف في أفغانستان وباكستان

آسيا صورة لأضرار ناجمة عن الفيضانات المفاجئة في لوغار بأفغانستان يوم 30 مارس 2026 (إ.ب.أ)

45 قتيلاً على الأقل جراء أمطار وعواصف في أفغانستان وباكستان

قضى 45 شخصاً على الأقل منذ الأربعاء في أفغانستان وباكستان جراء أمطار غزيرة وعواصف شديدة، وفق ما أفادت أجهزة الإسعاف في البلدين.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «أناضول» لغمر المياه بلدة تل حميس شمال شرقي الحسكة نتيجة الأمطار الغزيرة المتزايدة منذ السبت الماضي

سوريا تحذر من منخفض جوي مصحوب بأمطار غزيرة ورياح قوية

فتح ممرات مائية وسحب مياه الأمطار المتجمعة في المنازل والأقبية والمحلات التجارية، إضافة إلى التعامل مع حالات انهيار في الشوارع والأبنية وحوادث طرق

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
شمال افريقيا بستان من أشجار الحمضيات يغمره الفيضان في منطقة سيدي قاسم (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات عجاف... فيضانات المغرب تغمر آلاف الهكتارات وتكبّد المزارعين خسائر كبيرة

تحولت حقول في شمال غربي المغرب إلى بحيرات شاسعة بعد فيضانات سببتها أمطار استثنائية طال انتظارها، ما ألحق خسائر كبيرة بالمزارعين.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا صندوق النقد الدولي توقع أن ترفع الأمطار الاستثنائية نسبة النمو في المغرب بـ4.9 % هذا العام (أ.ب)

توقعات بأن ترفع الأمطار الاستثنائية نسبة النمو في المغرب بـ4.9 %

تحولت حقول كثيرة في شمال غربي المغرب إلى بحيرات شاسعة، بعد فيضانات سببتها أمطار استثنائية طال انتظارها، ما ألحق خسائر كبيرة بالمزارعين.

«الشرق الأوسط» (القنيطرة (المغرب))

«شمس» السعودي لسبر أغوار الطقس الفضائي

شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
TT

«شمس» السعودي لسبر أغوار الطقس الفضائي

شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)

أعلنت «وكالة الفضاء السعودية» إطلاق قمرها الاصطناعي الجديد «شمس» والتواصل معه بنجاح، ضمن مهمة «آرتيمس2»، وبذلك لم تعد السعودية الشريك العربي الأول في هذا البرنامج الطموح فقط، بل قدمت للعالم أول مهمة وطنية مختصة في سبر أغوار «طقس الفضاء».

ويمثل «شمس» محطة فارقة في مسيرة الابتكار السعودي؛ حيث وُلد في المختبرات السعودية بكفاءات محلية، ليتحول من طموح وطني إلى عين علمية ترصد تقلبات النشاط الشمسي. وسيتيح تغطية واسعة لرصد النشاط الإشعاعي، وسيسهم في تعزيز موثوقية واستدامة القطاعات الحيوية المرتبطة بالفضاء، مثل الاتصالات والطيران والملاحة، من خلال توفير بيانات علمية تمكّن الجهات المعنية من رفع الجاهزية التشغيلية، وتعزيز أمن البنية التحتية التقنية التي يعتمد عليها العالم في حياته اليومية.


مصريون يغيّرون عادات راسخة في الطعام بفضل «الفضاء الإلكتروني»

وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
TT

مصريون يغيّرون عادات راسخة في الطعام بفضل «الفضاء الإلكتروني»

وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)

اكتسبت الأم المصرية عزة فؤاد (57 عاماً) عادات جديدة في الطبخ بفعل تنقلها بين صفحات الطباخين على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أضفى تجديداً على سفرتها، وبنى جسراً للتواصل مع أبنائها لمحاولتها مسايرتهم فيما يفضلونه من وجبات.

وتقول عزة، وهي ربة منزل تسكن منطقة المعادي (جنوب القاهرة)، إنها على عكس شخصيتها المحافظة، والرافضة للعديد من «التقاليع الحديثة»، استفادت من صفحات الطبخ، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أشاهدها وأضيف لمساتي الخاصة».

وساهم الفضاء الإلكتروني في تبديل علاقة مصريات بالطبخ، الذي يتعدى كونه شكلاً من أشكال أعمال الرعاية التي تقوم بها السيدة لأسرتها، ليحمل دلالات اجتماعية وطبقية، حسب الباحثة في الإنثروبولوجيا، لُجين خيري.

وتقول لُجين لـ«الشرق الأوسط»، إن الإنترنت، تحديداً «السوشيال ميديا»، خلقت نوعاً من الإتاحة الكبيرة لدى السيدات اللاتي أصبحن يتابعن طبخات جديدة كل يوم عبر هواتفهن، وهو ما لم يكن متوفراً من قبل، حين كان تعلم الطبخ يحتاج إلى كتب لا يمتلكها الجميع، أو متابعة برامج في أوقات معينة قد لا تناسبهن.

وجبة مصرية تقليدية (الشرق الأوسط)

بفعل صفحات الطبخ، تعلمت عزة وجبات جديدة مثل «كفتة الفراخ»، التي تصنعها من صدور الدجاج بعد فرمها، في محاكاة للكفتة التقليدية التي تُصنع من اللحم المفروم.

كما طورت الأم المصرية من وصفات قديمة كانت تعرفها، مثل«العجة» التقليدية، وهي وجبة مصرية مصنوعة من البيض وأنواع معينة من الخضروات الورقية، وبعد التطوير «السوشيالي» أصبحت تضيف عليها جبن الموتزاريلا والفلفل الملون، لتكتسب الوجبة طعماً وقيمة غذائية جديدة.

وبينما تعد عزة من ذوات «النفس الحلو» في الأكل، فإن الانتشار الواسع لوصفات الطبخ المختلفة، نقل السيدة إلهام محمد (56 عاماً) من تصنيف طبخها بـ«المتواضع» إلى «الجيد جداً»، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتعرض للتنمر من نساء العائلة، أما الآن أتفوق عليهن بأصناف وتنوع كبير في المأكولات».

وتضيف السيدة التي تسكن في منطقة الهرم، أنها تعلمت «إعداد العجين للبيتزا والفطائر، والسمبوسة، والعيش السوري»، بالإضافة إلى طرق تخزين الطعام دون أن يفسد، أو إصلاح ما فسد خلال الطبخ «لو الأرز اتلسع أضع له رغيف خبز، لسحب رائحة الدخان منه، والأكل لو كان ملحه زائداً أضع له حبة من البطاطس لسحب الملح الزائد منه»، على حد تعبيرها.

ولا يقل شغف الثلاثينية سمر حسن، التي تعيش في محافظة المنيا بصعيد مصر، تجاه وصفات الطبخ «السوشيالية» عن سابقتها، غير أنها لا تزال عاجزة عن محاكاة ما تراه «أعيش في بيت عائلة، وهم لا يعرفون سوى الطبيخ التقليدي من لحم وخضروات وأرز... أنتظر أن أنتقل أنا وزوجي وأبنائي في منزل خاص بنا حتى أعد لهم كل الأكلات الجديدة التي شاهدتها»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

المطبخ المصري لم يعد يكتفي بالوجبات التقليدية مع التوسع في برامج الطبخ «السوشيالية» (الشرق الأوسط)

وترى الباحثة في الإنثروبولوجيا، لجين خيري، أن الطعام لطالما عُرف باعتباره أحد معايير التميز الطبقي، لكن الآن يعكس اقتباس الطبقات من بعضها البعض، فتحاول الطبقات الأقل دخلاً محاكاة الطبقات الأغنى في تحضير نفس مأكولاتها، حتى مع تغيير بعض المكونات بما يتناسب مع ميزانيتها.

ولفتت أيضاً إلى الطعام باعتباره وسيلة للقضاء على المركزية، من خلال انتشار مأكولات وترندات في الطعام بالأقاليم، في محاكاة للقاهرة، وكسر نمط تفوقها الثقافي والاقتصادي.

وجبات من إعداد أنفلونسر الطعام رحاب البوشي ( صفحتها على «إنستغرام»)

ولم يقتصر انفتاح عالم الطبخ حالياً على تغير قدرات مصريات فيه، بل كان وسيلة أخريات لتحقيق ذواتهن وتتبع شغفهن، واحدة من هؤلاء هي الثلاثينية خريجة كلية الإعلام، رحاب البوشي، فهي لديها صفحة على «إنستغرام» تقدم فيها وصفات مأكولات من ثقافات مختلفة، تعيد تقديمها بعد «تبسيطها بأكثر صورة ممكنة».

وتقول رحاب لـ«الشرق الأوسط»: «أحرص أن تكون المكونات موجودة لدى الجميع، حتى لا يشعر أحد بالتعجيز»، مشيرة إلى أنها بدأت تصوير المأكولات ونشرها قبل 4 أعوام، ثم توقفت لوضعها طفليها، وعادت بعدها بشكل أكبر، خصوصاً بعدما تلقت ردود فعل إيجابية من متابعين.

ويدفع تقديم وصفات الطعام لدى الشابة الثلاثينية إلى البحث عن كل طرق إعداد الوجبة التي ترغب في تقديمها في الثقافات المختلفة، ثم تقدم الوصفة ببصمتها الخاصة، وتشدد على أنها «من المستحيل أن أنقل وصفة طبق الأصل، لا بد أن أضيف عليها بصمتي الخاصة».


متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
TT

متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

نظم متحف المركبات الملكية في بولاق (وسط القاهرة)، معرضاً أثرياً مؤقتاً تحت عنوان «خزائن الهوانم»، يضم مجموعة فريدة من مقتنيات المتحف من الحُلي والمجوهرات التي تُعرض للمرة الأولى.

ويتضمن المعرض سبع قطع نادرة تتنوع بين الحُلي والمقتنيات الزخرفية ذات الطابع الفني، التي تعكس دقة ومهارة الصناعات اليدوية، فضلاً عن إبراز تنوع الخامات المستخدمة، بما يعكس جانباً من الذوق الفني والجمالي المرتبط بالمرأة المصرية، وفق تصريحات لمدير متحف المركبات الملكية، أمين محمود الكحكي، الذي أكد، في بيان للوزارة، أن «المعرض يأتي في إطار حرص المتحف على إثراء تجربة الزائرين، وإتاحة الفرصة أمامهم للتعرّف على مقتنيات مميزة لم تُعرض من قبل».

قطع الحلي المشاركة بالمعرض (وزارة السياحة والآثار)

ومن بين القطع المعروضة عقد من أحجار الكوارتز البرتقالي، وأسورة من الفضة تجمع بين الكرات والمكعبات، وأخرى فضية تتدلى منها دلايات، إلى جانب حزام مزخرف بالخرز الملون، وأسورة مطعّمة بالمينا متعددة الألوان (الأزرق والأخضر والأحمر) على هيئة ورود متلاصقة، ودبوس صدر من الفضة المطلي بالذهب مرصّع بفصوص من الكوارتز الأزرق، بالإضافة إلى زوج من الحُلي يُرتدى على الكتفين مصنوع من أحجار زجاجية ملونة، بحسب ما أوضحت مسؤولة قسم المعارض المؤقتة بالمتحف، رشا سعيد.

ووفق بيان «السياحة والآثار» يُبرِز المعرض الدور الثقافي والتوعوي الذي يقوم به متحف المركبات الملكية لتعزيز الوعي بالتراث، وإبراز الجوانب الجمالية والفنية المرتبطة بتاريخ مصر.

ورغم أن متحف المركبات الملكية من المتاحف النوعية القليلة على مستوى العالم التي أُنشئت خصيصاً لحفظ المركبات الملكية، ويحتفظ بالمركبات التي ترجع لعصر أسرة محمد علي وكل ما يتعلق بها، فإنه أيضاً يسلط الضوء على رعاية الخيول خلال هذه الفترة بمصر، كما يضم بعض مقتنيات الأسرة العلوية.

عقد من القطع المعروضة في متحف المركبات (وزارة السياحة والآثار)

ويرى المتخصص في التاريخ الحديث بجامعة القاهرة، الدكتور محمد محروس غزيل، أن «أهمية المقتنيات المعروضة بالمتحف تكمن في أنها تؤرخ للذوق والفن الذي امتازت بهما المرأة المصرية، عندما تمتعت بقدر هائل من الاستقلالية وحرية التزيُّن»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «تعدد تلك المقتنيات واختلاف تصاميمها يؤكد على عبقرية وحرفية الصانع المصري، وعلى تعدد شبكة العلاقات التجارية الواسعة لمصر مع المناطق الأخرى، كما عبرت عن بعض أنماط الحياة اليومية في مصر وتعدد مناسباتها والبيئة التي عاشت فيها المرأة المصرية»، وأشار غزيل إلى أن تلك المجموعة من المجوهرات والحلى يمكنها أن تعين الباحثين والمؤرخين على فهم البنية الاجتماعية والثقافية في مصر، موضحاً أن «تلك المقتنيات لا تقتصر أهميتها على قيمتها المادية، بل على كونها تاريخاً صامتاً عبَّر عن هوية مجتمع نالت فيه المرأة تقديراً معتبراً».

إحدى القطع النادرة في معرض خزائن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

يُذكر أن فكرة إنشاء المتحف ترجع إلى عهد الخديوي إسماعيل، فيما بين عامي 1863 و1879م، ليكون مبنى خاصاً بالمركبات الخديوية والخيول، ثم تحول إلى متحف للمركبات الملكية بعد عام 1952. وتم إغلاقه لفترة طويلة منذ ثمانينات القرن الماضي للترميم، إلى أن أُعيد افتتاحه عام 2020.

ومن أشهر المركبات المعروضة بالمتحف، عربة الآلاي الكبرى الخصوصي، التي أهداها الإمبراطور نابليون الثالث وزوجته الإمبراطورة أوجيني للخديوي إسماعيل وقت افتتاح قناة السويس عام 1869. يضم المتحف أيضاً مجموعة من أطقم الخيول وإكسسواراتها، بالإضافة إلى الملابس الخاصة بالعاملين في مصلحة الركائب، وفق وزارة السياحة والآثار.

وترى المتخصصة في الحلي، الدكتورة وهاد سمير، أن «كل قطعة من هذه القطع المعروضة مصنوعة بطريقة خاصة، ولها سماتها التي تشير إلى فنون هذا العصر والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك قطعة مصنوعة كأسورة يمكن ارتداؤها في اليد، ويمكن ارتداؤها في القدم وإغلاقها. في هذه الفترة لم تكن شائعة فكرة أن تكون هناك دلايات في الأساور، وهناك قطعة أخرى مصنوعة بمجموعة أسلاك تعطي شكل الأسطوانة والأسورة التي تغلق على اليد، ولها طريقة خاصة في الصناعة، وهناك صعوبة في الحفاظ على درجات اللون الموجودة في بعض القطع؛ ما يتطلب حرفية ومهارة عالية، لاعتمادها على المينا الساخنة».