رئيس «نيوم للهيدروجين الأخضر»: إنشاء مصنعنا يتقدم بشكل ملحوظ

الغامدي لـ«الشرق الأوسط»: عملياتنا تنطلق في 2026 وإنتاج الشركة سيكون الأقل تكلفة في الأسواق


خلال عملية وصول توربينات محطة طاقة الرياح (موقع الشركة)
خلال عملية وصول توربينات محطة طاقة الرياح (موقع الشركة)
TT

رئيس «نيوم للهيدروجين الأخضر»: إنشاء مصنعنا يتقدم بشكل ملحوظ


خلال عملية وصول توربينات محطة طاقة الرياح (موقع الشركة)
خلال عملية وصول توربينات محطة طاقة الرياح (موقع الشركة)

كشف الرئيس التنفيذي لشركة «نيوم للهيدروجين الأخضر»، وسام الغامدي، أن إنشاء أكبر مصنع في العالم لإنتاج الهيدروجين في مدينة «أوكساجون» ضمن منطقة «نيوم» في السعودية، يتقدم بشكل ملحوظ في أعمال البناء الفعلية والتي «تمضي قدماً وفقاً للجدول الزمني المقرّر».

وأوضح الغامدي أن الشركة تسلمت الدفعة الأولى من المعدات الرئيسية؛ إذ يسير العمل حالياً على تثبيتها في الموقع، متوقعاً تسلم المزيد من توربينات الرياح والمعدات الرئيسية الضرورية لمصنع الهيدروجين ومحطتَي طاقة الرياح والطاقة الشمسية خلال العام الحالي.

ولفت الرئيس التنفيذي لشركة «نيوم للهيدروجين الأخضر» في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الشركة ستحقق خلال هذا العام أعلى مستوى من التقدّم على صعيد أعمال البناء، استعداداً لانطلاق العمليات بشكل كامل عام 2026، مشيراً إلى أن أبرز إنجاز حققته «نيوم للهيدروجين الأخضر» خلال عام 2023 هو بلوغها مرحلة الإغلاق المالي الكامل في مايو (أيار) من العام الماضي، بعد حصولها على تمويل إجمالي قدره 8.4 مليار دولار.

وقال: «رغم أنّ الأعمال الأولية في مصنع شركة (نيوم للهيدروجين الأخضر) انطلقت فعلياً برؤية مشتركة واستثمار قامت به الشركات المساهِمة الثلاث، وهي (أكوا باور) و(إير برودكتس) و(نيوم)، في مراحل مبكرة، فإن هذا التمويل ساهم في تمكيننا من المضي قدماً في أعمال التشييد والبناء الأساسية وتسريع وتيرة إنجازها».

وزاد: «الأهمّ من ذلك، هو إسهام عملية التمويل في التأكيد على ثقة جهات الاستثمار الدولية بالجدوى الاقتصادية لمشروع شركة (نيوم للهيدروجين الأخضر)، الهادف إلى إنشاء أكبر مصنع في العالم لإنتاج الهيدروجين على نطاق واسع».

إنتاج الهيدروجينوشرح الغامدي أنه «على صعيد أعمال البناء، تركز اهتمام الشركة خلال عام 2023 بشكل أساسي على استكمال أعمال التشييد الأساسية استعداداً لتسلم الدفعات الأولى من المعدات الرئيسية ضمن المواقع الثلاثة التابعة لمصنعنا في (نيوم). فقد تسلّمنا الدفعة الأولى من ستة توربينات رياح في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي في ميناء (نيوم) القائم في (أوكساجون)»؛ مدينة الصناعات النظيفة والمتقدمة.

وأعرب عن ثقة الشركة بإنتاج الهيدروجين الأخضر على نطاق واسع وبأقلّ تكلفة ممكنة في السوق، اعتباراً من عام 2026، مؤكداً أن السعودية تطمح بأن تصبح دولة رائدة على مستوى العالم في إنتاج الهيدروجين وتصديره انسجاماً مع المبادرة الخضراء؛ إذ تسعى إلى إنتاج 4 ملايين طن من الهيدروجين النظيف سنوياً بحلول عام 2030.

الرئيس التنفيذي لشركة «نيوم للهيدروجين الأخضر» وسام الغامدي

قيادة المملكة

وتوقع الغامدي أن «تقود المملكة في المستقبل القريب المساعي العالمية الرامية إلى إنتاج الهيدروجين الأخضر، مستفيدةً بذلك من خبرتها الطويلة مع مصادر الطاقة المتجدّدة ومواردها الطبيعية الوفيرة، بما في ذلك الرياح والشمس والمساحات الشاسعة»، مشدداً على أن «(نيوم للهيدروجين الأخضر) تحرص على الإسهام في تحقيق هذا الهدف الطموح».

ومن المتوقع، بحسب الغامدي، أن يصل إنتاج مصنع «نيوم للهيدروجين الأخضر» إلى 600 طن من الهيدروجين الخالي من الكربون يومياً عند تشغيله، وهي كمية كافية لتشغيل ما يصل إلى 20 ألف حافلة تعمل بالهيدروجين، و«سنقوم كذلك بإنتاج الهيدروجين الأخضر على شكل 1.2 مليون طن من الأمونيا الخضراء سنوياً وتصديره إلى كافة أنحاء العالم؛ إذ ستملك شركة (نيوم للهيدروجين الأخضر) رصيفاً خاصّاً بها لنقل الهيدروجين الأخضر مباشرة على شكل أمونيا خضراء إلى الناقلات، مستفيدةً من موقعها الاستراتيجي على مقربة من طرق الشحن والتوزيع العالمية الرئيسية».

وحول أهمية المشروع عالمياً، قال وسام الغامدي: «سيسهم مشروعنا عند دخوله حيّز التشغيل الكامل في عام 2026 في إنتاج ما يصل إلى 600 طنٍ من الهيدروجين». وأكد أن المملكة تلتزم اليوم بتحقيق رؤيتها الثاقبة وتطلعاتها المستقبلية الطموحة لترجمة مشروع شركة «نيوم للهيدروجين الأخضر» الأول من نوعه إلى واقع ملموس. وقال: «لا شكّ في أنّ انسجام خططنا مع أهداف (رؤية السعودية 2030) أتاح لنا فرصة إنجاز أعمال البناء الأساسية بسرعة قياسية وعلى نطاق غير مسبوق».

ولفت إلى أن السعودية تسهم عبر هذه الخطوة في تزويد العالم بالهيدروجين الأخضر الذي سيساعد في إزالة الكربون من قطاعات رئيسية، مثل النقل الثقيل والصناعات الثقيلة وغيرها.

التمويل الكامل

وأشار الغامدي إلى أنه رغم إطلاق العديد من مشاريع الهيدروجين الأخضر حول العالم والتي ما زالت اليوم في مرحلة التخطيط الأولي، فإن شركة «نيوم للهيدروجين الأخضر» تبقى الوحيدة في العالم التي حصلت على التمويل الكامل، موضحاً أن ما يميّزها هو توقيعها في المراحل الأولية للمشروع على اتفاقية حصرية مع شركة «إير برودكتس» لشراء 100 في المائة من الهيدروجين الأخضر الذي سينتجه المصنع وتصديره لمدة 30 عاماً. وقال الغامدي إن «قطاع الهيدروجين الأخضر يُعدّ من القطاعات الناشئة الغنية بالفرص التي يمكن لدول العالم الاستفادة منها اليوم. لذلك، تطمح (نيوم للهيدروجين الأخضر) في تسليط الضوء على ما تحمله مشاريع الهيدروجين الأخرى من فرص وإمكانات كبرى، عبر إثبات الجدوى الاقتصادية لمشروع إنتاج الهيدروجين الأخضر على نطاق واسع، وقدرة هذا القطاع الناشئ على تحقيق النمو على نطاق واسع جداً».

ويُعدّ الهيدروجين النظيف اليوم من أكثر الحلول الواعدة لمواجهة تحديات التغيّر المناخي. وفي ظلّ مواصلة سعي دول العالم لتحقيق الحياد المناخي، يتوقع أن يلعب الهيدروجين النظيف دوراً محورياً في تسريع وتيرة التحوّل المنشود ضمن قطاع الطاقة العالمي وفي بعض القطاعات الصناعية؛ كونه الحلّ الوحيد لإزالة الكربون من مثل هذه القطاعات على نطاق واسع.

تفادي 5 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون

وأكد الغامدي أن المصنع سيعمل، عند تشغيله بالكامل عام 2026، على تفادي ما يصل إلى 5 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً؛ إذ سيكون الهيدروجين النظيف من العناصر الأساسية لمزيج الطاقة المستقبلي، بما يسهم في مواجهة التحدي المتمثل في إزالة الكربون من القطاعات التي يعتمد عليها اعتماداً كبيراً في الحياة اليومية، والتي يصعب فيها الحدّ من الانبعاثات.

وأعطى مثالاً على ذلك، قائلاً: «نعتقد أنّ الهيدروجين النظيف يملك إمكانات واعدة إذا تمّ استخدامه لتشغيل الشاحنات والآليات الثقيلة، التي غالباً ما تعمل على مدار الساعة في مناطق نائية حول العالم والتي لا يمكن توقيفها عن العمل وتزويدها بالوقود لفترات مطوّلة».

وتجدر الإشارة إلى أنّ بخار الماء هو العنصر الوحيد الذي ينتج عن احتراق الهيدروجين، ما يجعل منه منتجاً نهائياً خالياً من الكربون تماماً.

وشدد الغامدي على أنه، بالإضافة إلى إسهامها في الحفاظ على البيئة والحدّ من بصمتها الكربونية، تسعى شركة «نيوم للهيدروجين الأخضر» إلى تعزيز التعاون الدولي والاستثمار في تكنولوجيا الطاقة النظيفة.

موقع مشروع شركة «نيوم للهيدروجين الأخضر» (الشرق الأوسط)

وقال: «آمل من خلال التأكيد على الجدوى الاقتصادية لإنتاج الهيدروجين الأخضر بتكلفة منخفضة، أن تتحوّل شركة (نيوم للهيدروجين الأخضر) إلى مصدر إلهام وتحفيز للشركات الأخرى حول العالم، بما يسهم بالتالي في تعزيز الابتكار وخفض التكاليف وتسريع وتيرة التحوّل نحو الهيدروجين الأخضر».

وأكد أن «نيوم للهيدروجين الأخضر» تقود مساعي التحوّل نحو الطاقة النظيفة وتعزيز القدرة التنافسية العالمية للهيدروجين الأخضر، وقال: «كما هو الحال مع جميع الابتكارات التكنولوجية السابقة مثل الطاقة المتجدّدة على سبيل الذكر لا الحصر، لا شكّ في أنّ تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر سوف تنخفض في ظلّ التحوّل التدريجي نحو إنتاجه واستخدامه على نطاق أوسع. وأعتقد أننا نقف اليوم على عتبة تحوّل جذري في قطاع الطاقة، وآمل أن نرى خلال السنوات المقبلة المزيد من المشاريع الرائدة على غرار مشروع شركة (نيوم للهيدروجين الأخضر) قيد التنفيذ حول العالم».

مزيج الطاقة العالمي

وعن حظوظ الهيدروجين الأخضر في الاستحواذ على حصة في مزيج الطاقة العالمي مستقبلاً، قال رئيس «نيوم للهيدروجين الأخضر»: «لا شكّ في أنّ الهيدروجين الأخضر يملك اليوم إمكانات كبرى وواعدة. فقد أشارت بعض الدراسات إلى قدرته على الإسهام بنسبة 10 في المائة في المساعي العالمية الرامية إلى الحدّ من آثار التغير المناخي لبلوغ 1.5 درجة مئوية، وتلبية 12 في المائة من الطلب النهائي على الطاقة ضمن اقتصاد عالمي قائم على الحياد المناخي».

تسارع وتيرة نمو الطلب

وتشير توقعات شركة «برايس ووتر هاوس كوبرز» إلى تسارع وتيرة نمو الطلب على الهيدروجين الأخضر بعد عام 2030، وبالتحديد اعتباراً من عام 2035 وما بعده؛ إذ يعتزم الاتحاد الأوروبي وحده استيراد عشرة ملايين طن من الهيدروجين النظيف بحلول عام 2030.

ورغم إمكانات الهيدروجين الأخضر الواعدة، يتعيّن على دول العالم زيادة حجم إنتاج الهيدروجين النظيف بشكل ملحوظ لتلبية الطلب المستقبلي المتوقع وتمكينه من التحوّل إلى حلّ أساسي لإزالة الكربون من القطاعات التي يصعب فيها الحدّ من الانبعاثات.

وشدد الغامدي في هذا الإطار على أن «هناك حاجة ملحّة اليوم لتسريع وتيرة التحوّل نحو مصادر الطاقة النظيفة، بهدف مواجهة تحديات التغير المناخي. ومع ذلك، ما زال قطاع الهيدروجين النظيف في بداية مسيرة طويلة نحو تلبية الطلب المستقبلي المتوقّع. ولا شكّ في أنّ شركات الإنتاج والاستثمار تحتاج إلى الإسراع في الاستفادة من الإمكانات والفرص الكامنة ضمن قطاع الهيدروجين النظيف». وأضاف: «يمكن تسريع وتيرة الجهود العالمية المبذولة ضمن هذا القطاع من خلال الاتفاق حول تعريف الهيدروجين الأخضر وتنظيم عمليات إنتاجه واتخاذ التدابير اللازمة لتحفيز الطلب وتسهيل العرض في المستقبل. معاً، نستطيع رسم مستقبل أخضر ومستدام لأجيال الغد».


مقالات ذات صلة

موريتانيا للمستثمرين السعوديين: نحن بوابتكم الأطلسية لتأمين معادن المستقبل

خاص وزير المعادن الموريتاني إتيام التيجاني (الشرق الأوسط)

موريتانيا للمستثمرين السعوديين: نحن بوابتكم الأطلسية لتأمين معادن المستقبل

تضع موريتانيا ثقلها التعديني وموقعها الاستراتيجي المطلّ على المحيط الأطلسي «بوابةً للتعدين الأفريقي» أمام الاستثمارات السعودية.

فتح الرحمان یوسف (الرياض)
الاقتصاد محطة تعبئة الهيدروجين للشاحنات والسيارات في برلين (رويترز)

ألمانيا تنجز أول 500 كيلومتر من خطوط شبكة أنابيب الهيدروجين

أكدت رابطة صناعة الغاز الألمانية «إف إن بي غاز»، الانتهاء من إنشاء أول 500 كيلومتر من شبكة أنابيب الهيدروجين بين الأقاليم في ألمانيا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
خاص الرئيس التنفيذي لـ«نيوم للهيدروجين الأخضر» وسام الغامدي (تصوير: تركي العقيلي) play-circle 01:35

خاص «نيوم» تستعد لإطلاق أول إنتاج تجاري للهيدروجين الأخضر في 2027

كشف الرئيس التنفيذي لـ«نيوم للهيدروجين الأخضر» وسام الغامدي أن الشركة تستعد لبدء الإنتاج التجاري في عام 2027، بعد اكتمال مراحل الاختبار والتشغيل خلال عام 2026.

آيات نور (الرياض)
الاقتصاد منشآت تابعة للمصافي العربية السعودية (موقع الشركة)

تعاون سعودي ـ إماراتي بين «المصافي» و«جو إنرجي» لتطوير الهيدروجين الأخضر

وقّعت شركة «المصافي العربية السعودية» مذكرة تفاهم غير ملزمة مع شركة «جو إنرجي للطاقة الإماراتية» بهدف التعاون لتطوير الأعمال في تصنيع الهيدروجين الأخضر.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد جناح شركة «وودسايد إنرجي» الأسترالية في مؤتمر الغاز العالمي بكوريا الجنوبية (رويترز)

«وودسايد» الأسترالية تتعاون مع شركتين يابانيتين لتطوير سلسلة توريد هيدروجين سائل

أعلنت «وودسايد إنرجي» الأسترالية أنها تتعاون مع شركتي «سويسو إنرجي» و«كانساي للطاقة الكهربائية» اليابانيتين لتطوير سلسلة توريد للهيدروجين السائل.

«الشرق الأوسط» (كانبيرا)

المحكمة العليا الأميركية تفصل في أحقية ترمب إقالة ليزا كوك

صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب والمحافظة ليزا كوك (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب والمحافظة ليزا كوك (أ.ف.ب)
TT

المحكمة العليا الأميركية تفصل في أحقية ترمب إقالة ليزا كوك

صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب والمحافظة ليزا كوك (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب والمحافظة ليزا كوك (أ.ف.ب)

بينما تحتفل الأجنحة السياسية في واشنطن بالذكرى السنوية الأولى لتنصيب الرئيس دونالد ترمب لولاية ثانية في 20 يناير (كانون الثاني)، يجد الرئيس نفسه في اليوم التالي، أمام اختبار قضائي شديد الأهمية. ففي أروقة المحكمة العليا، تبدأ المرافعات الشفهية في قضية ترمب ضد محافظة «الاحتياطي الفيدرالي» ليزا كوك، لترسم معالم الصراع بين السلطة التنفيذية واستقلالية القرار النقدي.

لا يبدو اختيار التوقيت محض صدفة؛ فبعد عام كامل من محاولات إعادة صياغة الاقتصاد الأميركي وفق رؤية «ماغا» (Make America Great Again)، يستهل ترمب عامه الثاني بهجوم جبهوي على «الفيدرالي». ويرى مراقبون أن نجاح ترمب في هذه القضية غداة ذكرى تنصيبه سيكون بمثابة «إعلان سيادة» كاملة على مفاصل الدولة كافة، بما في ذلك المؤسسات التي ظلت محصنة لعقود.

كما يأتي هذا التاريخ في توقيت شديد الحساسية، بعد أيام قليلة من إعلان رئيس «الفيدرالي» جيروم باول عن خضوعه لتحقيقات جنائية من وزارة العدل، مما يجعل من قرار المحكمة «حجر زاوية» لمستقبل الجهاز المصرفي بأكمله.

من الاحتفالات إلى المرافعات

بعد تسليط الأضواء على منجزات العام الأول في الـ20 من الشهر الحالي، تنتقل العدسة إلى المحكمة العليا؛ حيث يحاول الفريق القانوني للرئيس إقناع القضاة بأن حصانة أعضاء الفيدرالي (مثل ليزا كوك) تعيق قدرة الرئيس على تنفيذ تفويضه الشعبي. وفي المقابل، تقف كوك مدعومة بقرارات المحاكم الأدنى التي رفضت إقالتها، لتؤكد أن البنك المركزي ليس «إدارة تابعة»، بل مؤسسة تقنية يجب أن تبقى بعيدة عن تقلبات السياسة.

يشير القانونيون إلى أن تدخل القضاء في تفاصيل السياسة الاقتصادية بهذا الحجم لم يُشهد منذ حقبة «الاتفاق الجديد» للرئيس فرانكلين روزفلت في الثلاثينات. وتعد قضية «كوك» النزاع الاقتصادي الثاني الذي يصل للمحكمة العليا بعد الطعن في قانونية التعريفات الجمركية العالمية التي فرضها ترمب.

ويحذر خبراء الاقتصاد من أن تحويل «الاحتياطي الفيدرالي» إلى هيئة تابعة سياسياً قد يؤدي إلى عواقب كارثية على استقرار العملة الخضراء. وفي هذا السياق، يرى جون يو، أستاذ القانون في جامعة كاليفورنيا ببركلي، أن السيطرة السياسية على عرض النقود وأسعار الفائدة تؤدي حتماً إلى تضخم جامح، وهو درس أكدته تجارب دولية مريرة.

رغم أن المحكمة العليا تتمتع بأغلبية محافظة (6 إلى 3)، فإن القضاة أبدوا في مداولات أولية شكوكاً تجاه توسيع صلاحيات الرئيس في المجال الاقتصادي البحت. وتترقب الأسواق العالمية ما سيسفر عنه هذا النزاع، حيث من المتوقع صدور الأحكام النهائية بشأن قضيتي التعريفات الجمركية وإقالة ليزا كوك بحلول نهاية يونيو (حزيران) 2026.


صراع ترمب مع «الفيدرالي» يضع الاقتصاد العالمي في مرمى النيران

ترمب يشير إلى قائمة تكاليف تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أثناء حديثه مع باول خلال تفقده الأعمال في يوليو (رويترز)
ترمب يشير إلى قائمة تكاليف تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أثناء حديثه مع باول خلال تفقده الأعمال في يوليو (رويترز)
TT

صراع ترمب مع «الفيدرالي» يضع الاقتصاد العالمي في مرمى النيران

ترمب يشير إلى قائمة تكاليف تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أثناء حديثه مع باول خلال تفقده الأعمال في يوليو (رويترز)
ترمب يشير إلى قائمة تكاليف تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أثناء حديثه مع باول خلال تفقده الأعمال في يوليو (رويترز)

في عام 2019، اجتاحت تركيا موجة من عدم الاستقرار الاقتصادي بعدما قام الرئيس رجب طيب أردوغان بإقالة محافظ البنك المركزي مراد شيتينكايا لرفضه الانصياع لأوامره لخفض الفائدة، ما أدى إلى انهيار الليرة وتصاعد التضخم. اليوم، يبدو أن هذا المشهد «غير التقليدي» ينتقل إلى واشنطن، لكن بحدة أكبر، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز». فالمعركة بين الرئيس دونالد ترمب ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول لم تعد تقتصر على التصريحات، بل تحولت إلى مواجهة قضائية مفتوحة تهدد أسس الاقتصاد العالمي وسمعة المؤسسات الأميركية التي قادت العالم منذ الحرب العالمية الثانية.

لقد كسر باول التقاليد الصارمة لمنصبه هذا الأسبوع، حينما ظهر في مقطع فيديو مباشر ليفضح ما وصفه بـ«المناورة» القضائية ضده. وتتمحور القضية حول تحقيق تجريه وزارة العدل في مشروع ترميم مقر البنك الذي بلغت تكلفته 2.5 مليار دولار.

لكن خلف كواليس الأرقام، يبدو أن الهدف الحقيقي ليس مراقبة الميزانية؛ فقد صرح باول بوضوح أن هذا التحقيق ما هو إلا «ذريعة» ووسيلة ضغط لابتزازه سياسياً لإجبار البنك على خفض معدلات الفائدة إلى مستويات تقترب من 1 في المائة. ويرى ترمب أن هذا الخفض هو «الوقود» اللازم لإنعاش الاقتصاد وخفض تكاليف الاقتراض الحكومي بمليارات الدولارات، متجاهلاً استقلالية القرار النقدي.

هذا الصدام العلني أثار قلقاً دولياً واسعاً؛ حيث يرى خبراء، مثل غيتا غوبيناث من جامعة هارفارد، أننا نعيش «لحظة تاريخية» قد تترك آثاراً باقية في هيبة الولايات المتحدة وقدرتها على قيادة النظام المالي العالمي.

أعمال البناء في مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

الانقسام داخل المعسكر الجمهوري

لم يمر تصعيد وزارة العدل دون «نيران صديقة»؛ فحتى حلفاء ترمب الأكثر إخلاصاً أبدوا قلقاً من تكتيكات المدعية العامة جينين بيرو. لاري كودلو، المستشار الاقتصادي السابق لترمب، ألمح إلى أن وزارة العدل ربما «تسرعت في إطلاق الزناد» ضد باول.

وفي كابيتول هيل، بدأت أصوات جمهورية وازنة، يقودها السيناتور ثوم تيليس، بالتمرد علناً، مهددين بعرقلة أي مرشح جديد يخلف باول ما لم تتوقف هذه الملاحقات. هذا الانقسام يضع ترمب في مأزق؛ فبدلاً من «تطهير» البنك من خصومه، قد ينتهي به الأمر بمواجهة تمرد داخل حزبه يعيق قدرته على تعيين خلف «موالٍ» بالكامل.

معركة ليزا كوك

بينما يتوجه ترمب إلى دافوس للدفاع عن أفكاره الاقتصادية أمام النخبة العالمية، تراقب الأوساط القانونية بترقب المحكمة العليا. القضية تتعلق بمحاولة ترمب إقالة محافظة «الاحتياطي الفيدرالي» ليزا كوك بتهم تتعلق باحتيال عقاري مزعوم. وهو ما نفته كوك جملة وتفصيلاً.

ووفقاً للمسؤول السابق في «الاحتياطي الفيدرالي» فريد ميسكين، فإن قرار المحكمة سيكون «نقطة تحول تاريخية»؛ فإذا أقر القضاة حق الرئيس في إقالة أعضاء البنك المركزي لأسباب سياسية، فإن ذلك سيمنح ترمب السلطة المطلقة لاستبدال مجلس المحافظين بأكمله وإحلال «أتباع» يأتمرون بأمره، مما يحول «الفيدرالي» من حارس للعملة إلى مجرد فرع تابع للبيت الأبيض.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول لدى دخوله مقر البنك المركزي في واشنطن (رويترز)

الأسواق تراقب بصمت

حتى الآن، تبدو أسواق الأسهم والسندات في «وول ستريت» هادئة، مراهنةً على قدرة «الفيدرالي» على الصمود. لكن خلف هذا الهدوء، ثمة تحركات «تحوطية» بدأت تظهر؛ فمؤسسات مالية كبرى مثل «بيمكو» بدأت بتنويع أصولها بعيداً عن الدولار، استشعاراً لمخاطر «التسييس الزاحف» للسياسة النقدية.

ويرى آدم بوسن، رئيس معهد بيترسون، أن دولاً وشركات بدأت بالفعل في «التأمين الذاتي» ضد تقلبات السياسة الأميركية، ليس عبر الهروب الجماعي، بل بوضع خطط بديلة لا تعتمد كلياً على العملة الخضراء.

هذا التوجه لا يعني انهيار الدولار غداً، بل يعني تآكلاً تدريجياً في الثقة بالولايات المتحدة كـ«ملاذ آمن». وكما يقول كلاس نوت، الرئيس السابق للبنك المركزي الهولندي: «كانت أميركا تقود العالم بالقدوة في بناء المؤسسات، والآن يبدو أنها اختارت تقديم مثال مختلف تماماً».

الضرر الذي لا يمكن إصلاحه

الخطر الحقيقي لهذه المواجهة يتجاوز شخص باول؛ فهو يتعلق بـ«التسييس الزاحف» الذي قد يستمر لعقود. لايل برينارد، المسؤولة السابقة في «الاحتياطي الفيدرالي»، تحذر من «الأثر الخفي»؛ حيث سيصبح مسؤولو السياسة النقدية في المستقبل يرتعدون خوفاً من الملاحقات الجنائية إذا اتخذوا قرارات لا تعجب الرئيس. في هذا السيناريو، لن تصبح الفائدة أداة لمحاربة التضخم، بل لخدمة الدورات الانتخابية، وهو ما يضع الاقتصاد العالمي برمته على «فوهة بركان» من عدم اليقين.


«لوسيد» في 2026... شعار «صُنع في السعودية» يطوف العالم

 مصنع «لوسيد» في السعودية (صندوق الاستثمارات العامة)
مصنع «لوسيد» في السعودية (صندوق الاستثمارات العامة)
TT

«لوسيد» في 2026... شعار «صُنع في السعودية» يطوف العالم

 مصنع «لوسيد» في السعودية (صندوق الاستثمارات العامة)
مصنع «لوسيد» في السعودية (صندوق الاستثمارات العامة)

في لحظة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الصناعة، تتحوَّل السعودية إلى نقطة انطلاق عالمية لشركة «لوسيد» لصناعة السيارات الكهربائية، ليس بوصفها سوقاً استهلاكية فحسب، بل قاعدة تصنيع وتصدير تخدم أسواقاً متعددة حول العالم.

ومن الرياض، حيث شارك في «منتدى مستقبل المعادن»، يضع مارك وينترهوف الرئيس التنفيذي المؤقت لـ«لوسيد» التي يعد صندوق الاستثمارات العامة أكبر مساهم فيها، ملامح المرحلة المقبلة لشركة تراهن على التوسع المدروس، وسلاسل الإمداد، والانتقال من الفخامة إلى الشريحة الأوسع. ووصف وينترهوف لـ«الشرق الأوسط»، المنتدى بأنه منصة محورية لصناعة السيارات الكهربائية، في ظل الاعتماد الكبير على المعادن والعناصر الأرضية النادرة، خصوصاً في المغناطيسات، معرباً عن تقديره للدور الذي تقوده السعودية في هذا الملف، لما له من أثر مباشر على صناعات متعددة.

يشرف وينترهوف على تطوير وتنفيذ استراتيجية الشركة، ويدير فريقاً من كبار المهندسين لضمان تنفيذ وتصميم المنتجات وهندستها بكفاءة.

الرئيس التنفيذي المؤقت لـ«لوسيد» مارك وينترهوف (الشركة)

السعودية... قاعدة تصدير

وأوضح وينترهوف أن مصنع «لوسيد» في السعودية، وهو أول منشأة تصنيع دولية للشركة خارج الولايات المتحدة، لم يُصمَّم لتلبية الطلب المحلي وحده، بل ليكون منصة تصدير رئيسية.

ووفق الخطط الموضوعة، فإن ما بين 13 و15 في المائة فقط من إنتاج المصنع مخصص لأسواق دول مجلس التعاون الخليجي، في حين يتم توجيه النسبة الأكبر إلى التصدير لأسواق أخرى. وأكد أن هذا التوجه كان جزءاً من استراتيجية الشركة منذ البداية.

وحول جاهزية المنشأة، أكد وينترهوف أن الشركة لا تزال ملتزمة ببدء الإنتاج في السعودية بنهاية العام الحالي، وتحديداً في ديسمبر (كانون الأول).

وكانت «لوسيد» انضمت في يناير (كانون الثاني) 2025 إلى برنامج «صُنع في السعودية»، في إطار حضورها الصناعي بالمملكة، وهو ما يتيح لها استخدام شعار «صناعة سعودية» على منتجاتها المصنعة محلياً.

وتُعد «لوسيد» أول شركة تصنيع معدات أصلية في قطاع السيارات تحصل على هذا الشعار، في خطوة تعكس توجه المملكة نحو توطين الصناعات المتقدمة، وتعزيز الشراكات مع شركات عالمية، وجعل البلاد منصةً لتصنيع وتصدير السيارات الكهربائية إلى العالم.

سيارة «لوسيد إير» الكهربائية (موقع الشركة الإلكتروني)

أرقام النمو

وأوضح وينترهوف أن «لوسيد» حقَّقت نمواً واضحاً في جانب الإنتاج والتسليم. فخلال عام 2025، لم يتضاعف الإنتاج فحسب، بل ارتفعت التسليمات بنسبة 55 في المائة مقارنة بالعام السابق، مع تسجيل نتائج قياسية في الرُّبع الرابع، لا سيما في السوقين الأميركية والشرق الأوسط، وبالأخص في السعودية.

وأشار إلى أن «لوسيد» كانت خلال الرُّبع الرابع من 2025 الشركة الوحيدة في الولايات المتحدة التي سجَّلت زيادةً في تسليمات السيارات الكهربائية، في وقت شهد فيه المنافسون تراجعات كبيرة.

وأعلنت «لوسيد» أنها أنتجت خلال عام 2025 نحو 18378 مركبة، بزيادة 104 في المائة مقارنة بعام 2024، بينما بلغت التسليمات 15841 مركبة، بارتفاع 55 في المائة على أساس سنوي. أما في الرُّبع الرابع من العام نفسه، فقد ارتفع الإنتاج إلى 8412 مركبة، بزيادة 116 في المائة مقارنة بالرُّبع الثالث، بينما وصلت التسليمات إلى 5345 مركبة، بنمو بلغ 31 في المائة.

وتعمل «لوسيد» حالياً في شريحة السيارات الفاخرة، غير أن التحول الاستراتيجي الأبرز يتمثَّل في تطوير سيارات متوسطة الحجم بسعر أقل، تقدر قيمتها بنحو 50 ألف دولار. وأكد وينترهوف أن هذا الطراز، الذي يستهدف الشريحة الأكبر من المستهلكين، سيكون «العمود الفقري» لإنتاج المصنع السعودي، مما يمهد الطريق للوصول إلى الطاقة الإنتاجية القصوى المستهدفة.

سلاسل الإمداد

وعن أبرز التحديات، أشار وينترهوف إلى أن سلاسل الإمداد، خصوصاً المعادن والعناصر الأرضية النادرة، إضافة إلى أشباه الموصلات، لا تزال تُشكِّل مصدر قلق للقطاع.

وكشف عن أن الشركة واجهت خلال العام الماضي صعوبات متكررة في الحصول على المغناطيسات اللازمة للمركبات الكهربائية، إلى جانب اضطرابات في توريد أشباه الموصلات. ويرى أن مبادرات مثل «منتدى مستقبل المعادن» تمثل جزءاً من الحل، عبر بناء منظومة أكثر استقراراً واستدامة لتأمين هذه الموارد.

وبالنظر إلى آفاق السوق خلال السنوات الـ5 المقبلة، عبّر وينترهوف عن ثقته بمسار الشركة، مشيراً إلى أن «لوسيد» تتصدر مبيعات السيارات الكهربائية ضمن فئة السيدان الفاخرة في الولايات المتحدة، وتحتل المرتبة الثالثة في الفئة نفسها عند احتساب سيارات الاحتراق الداخلي.

وفي استشراف للمستقبل، تتوقَّع الشركة الانتقال إلى أحجام إنتاج أعلى مع إطلاق السيارة متوسطة السعر. وأشار وينترهوف أخيراً إلى دخول «لوسيد» مجال سيارات الأجرة ذاتية القيادة (Robotaxi) في 2026، وهو قطاع ناشئ ترى فيه الشركة إمكانات نمو مستقبلية.