الرئيس الفرنسي يحدد اختراق روسيا لـ«خطوط الجبهة» شرطاً لإرسال قوات غربية إلى أوكرانيا

إيمانويل ماكرون يريد استغلال مبدأ «الغموض الاستراتيجي»

ماكرون خلال إلقاء خطابه في جامعة السوربون التاريخية حيث دعا لبناء دفاع أوروبي قوي في 25 أبريل (إ.ب.أ)
ماكرون خلال إلقاء خطابه في جامعة السوربون التاريخية حيث دعا لبناء دفاع أوروبي قوي في 25 أبريل (إ.ب.أ)
TT

الرئيس الفرنسي يحدد اختراق روسيا لـ«خطوط الجبهة» شرطاً لإرسال قوات غربية إلى أوكرانيا

ماكرون خلال إلقاء خطابه في جامعة السوربون التاريخية حيث دعا لبناء دفاع أوروبي قوي في 25 أبريل (إ.ب.أ)
ماكرون خلال إلقاء خطابه في جامعة السوربون التاريخية حيث دعا لبناء دفاع أوروبي قوي في 25 أبريل (إ.ب.أ)

أسبوعاً بعد أسبوع، يطل الرئيس الفرنسي بتصريحات تثير سيلاً من الجدل، خصوصاً أنها تتناول ملفات بالغة الأهمية؛ كملف الدفاع الأوروبي، واستعداد باريس لجعل قوتها النووية جزءاً من ترسانة الردع الأوروبي، أو الحرب في أوكرانيا وما يتعين على الأوروبيين القيام به لوضع حد لطموحات روسيا في أوكرانيا.

إذ أكد إيمانويل ماكرون مجدداً استعداده لإرسال قوات إلى أوكرانيا، موضحاً في مقابلة نشرتها «ذي إيكونوميست»، الخميس، أنه ينبغي «طرح هذه القضية» في حال اختراق موسكو «خطوط الجبهة»، دون أن يحدد هذه الخطوط. وقال الرئيس الفرنسي للمجلة البريطانية: «في حال اخترق الروس خطوط الجبهة، وفي حال ورود طلب أوكراني بهذا الخصوص، وهو أمر لم يحصل بعد، يجب أن نطرح هذه القضية بشكل مشروع».

الرئيس الفرنسي مع مساعده العسكري متأهباً لمؤتمره الصحافي في 18 أبريل في بروكسل (أ.ف.ب)

وما يميز المقابلة المذكورة مع التصريحات السابقة أن ماكرون يحدد الظروف والشروط التي يفترض توافرها، والتي من شأنها أن تدفع الغربيين للقيام بخطوة كهذه.

ولعل ما يثير الحيرة أنه يواظب على طرحٍ رفضتْه غالبية الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا، فضلاً عن تلقٍّ متهيب داخل فرنسا نفسها.

ليس سراً أن الرئيس الفرنسي، إزاء الإرباك الأميركي بخصوص الحرب الأوكرانية الذي تمثل برفض مجلس النواب، طيلة شهور، إقرار مساعدة عسكرية من 61 مليار دولار لكييف، والغموض المسيطر على النتائج المحتملة للانتخابات الرئاسية الأميركية في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والقلق من عودة الرئيس السابق دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، يسعى لفرض نفسه «زعيماً» للمعسكر الأوروبي والغربي بشكل عام، بانتهاج السياسة الأكثر تشدداً و«هجومية» إزاء روسيا، بعد أن كان الأكثر «تساهلاً» مع الرئيس الروسي.

من هنا، تأتي تحذيراته ومواقفه الخلافية المواظب عليها والآخذة بالتحول إلى عقيدة عسكرية - دفاعية. وتجدر الإشارة إلى أنه سيطرح، خلال القمة الأوروبية المقررة يومي 27 و28 يونيو (حزيران) خطته لتعزيز الدفاع الأوروبي بكل مناحيه الكلاسيكية والنووية، وسيطالب الأوروبيين بطرح أفكارهم وخططهم.

ماكرون: لا يتعين استبعاد إرسال قوات أرضية

في حديثه إلى «الإيكونوميست»، يقول ماكرون: «أنا لا أستبعد أي شيء؛ لأننا نواجه شخصاً لا يستبعد أي شيء. ربما كنا مترددين أكثر من اللازم في وضع حدود لتحركنا أمام شخص لم يعد لديه أي شيء وهو المعتدي. إن قدرتنا هي أن نكون ذوي مصداقية، وأن نستمر في تقديم المساعدة، وأن نمنح أوكرانيا وسائل المقاومة. لكن مصداقيتنا تعتمد أيضاً على قدرة معينة على الردع من خلال عدم تقديم رؤية كاملة لما سنفعله أو لن نفعله؛ ولذا يجب علينا ألا نستبعد شيئاً؛ لأن هدفنا منع روسيا من تحقيق الانتصار في حربها على أوكرانيا».

ومن الحجج التي يسوقها ماكرون أن «روسيا أصبحت اليوم قوة مفرطة في التجهيز، وتواصل الاستثمار بكثافة في الأسلحة من جميع الأنواع، وتبنت موقف عدم الامتثال للقانون الدولي والعدوان الإقليمي والعدوان في جميع مناطق النزاع المعروفة، وهي اليوم أيضاً قوة لزعزعة الاستقرار الإقليمي حيثما استطاعت. وهكذا، نعم، لقد أصبحت روسيا، من خلال سلوكها وخياراتها، تشكل تهديداً لأمن الأوروبيين».

الرئيس إيمانويل ماكرون محاطاً بمساعديه خلال توجهه إلى المؤتمر الصحافي عقب انتهاء القمة الأوروبية الاستثنائية في بروكسل يوم 18 أبريل (أ.ف.ب)

واستطرد قائلاً: «لقد أضافت الحرب الهجينة وعملت على إثارة وتأجيج الصراعات التي كانت كامنة أحياناً في مناطق أخرى، وقد أضافت إليها عدواناً وتهديدات في الفضاء وفي البحر، وتهديدات وهجمات إلكترونية ومعلوماتية على نطاق غير مسبوق، وهو ما قررنا نحن وشركاؤنا الأوروبيون الكشف عنه للمرة الأولى».

ولا يهمل ماكرون التهديد النووي الروسي الصريح وأحياناً غير المباشر الذي «تلجأ إليه (موسكو) منذ عام 2022 بشكل متزايد من خلال صوت الرئيس بوتين، وقد فعلت ذلك بشكل منهجي».

يخلص ماكرون إلى القول: «لدي هدف استراتيجي واضح، وهو منع روسيا أبداً من تحقيق الانتصار على أوكرانيا؛ لأنها إذا انتصرت فإن أوروبا لن تنعم بعدها بالأمن. من يستطيع الادعاء أن روسيا ستتوقف (عند أوكرانيا)؟ وما سيكون عليه أمن الدول الجارة مثل مولدافيا ورومانيا وبولندا وليتوانيا ودول أخرى غيرها؟». وتساءل الرئيس الفرنسي: «ما ستكون عليه مصداقية الأوروبيين الذين يكونون قد صرفوا المليارات، وأكدوا أن مصير أوروبا تقرره حرب أوكرانيا، ولم يوفروا الوسائل لوقف (تقدم) روسيا؟ نعم علينا ألا نستثني شيئاً».

ولكن متى وكيف يتعين إرسال قوة غربية؟ يقول الرئيس الفرنسي، إنه «في حال اخترق الروس خطوط الجبهة، وفي حال ورود طلب أوكراني بهذا الخصوص، وهو أمر لم يحصل بعد، يجب أن نطرح هذه القضية بشكل مشروع».

وأضاف: «إن استبعاد ذلك من الآن يعني أننا لم نستخلص العبر من السنتين الماضيتين»؛ أي: عندما استبعدت دول حلف شمال الأطلسي في البداية إرسال دبابات وطائرات إلى أوكرانيا بعد بدء الغزو الروسي لها في فبراير (شباط) 2022 قبل أن تغير رأيها وتمد أوكرانيا بالأسلحة التي كانت ترفضها قطعاً تخوفاً من ردود الفعل الروسية.

ورداً على سؤال حول ما إذا كان القادة الآخرون سيقتنعون بموقفه في نهاية المطاف، أجاب ماكرون: «ينبغي ألا نمارس السياسة التخيلية أبداً، لكنني مقتنع بشيء واحد، وهو أن هذا هو الشرط الأساسي للأمن الأوروبي والمصداقية العسكرية الأوروبية. لذلك إذا قررت روسيا الذهاب إلى أبعد من ذلك، فسيتعين علينا جميعاً أن نسأل أنفسنا هذا السؤال. لهذا السبب أردت هذا التنبيه الاستراتيجي لنظرائي، ولكن أيضاً لدولنا. ففرنسا بلد عمد إلى التدخل عسكرياً بما في ذلك في الآونة الأخيرة؛ إذ نشرنا عدة آلاف من القوات في منطقة الساحل لمكافحة الإرهاب الذي يمكن أن يهددنا. وقد فعلنا ذلك بناءً على طلب دول ذات سيادة».

الغموض الاستراتيجي

يريد الرئيس الفرنسي مبدأ «الغموض الاستراتيجي» المعروف في العلوم العسكرية؛ بمعنى جعل العدو في حيرة إزاء ما يمكن أن يقوم به الطرف المقابل. وسبق له أن أشار إلى هذا المبدأ في شهر فبراير الماضي. كذلك يراهن ماكرون على مبدأ آخر عنوانه «الحركية الديناميكية» في سعيه لحمل الرافضين لطروحاته على ملاقاته فيما يسعى إليه، وقد شرح ذلك سابقاً بقوله: «اليوم، ليس هناك إجماع على إرسال قوات أرضية إلى أوكرانيا بشكل رسمي، لكن الدينامية تعلمنا أن لا شيء مستبعداً».

وعلى أي حال، فإن الرئيس الفرنسي يرى أن «العدائية» التي وسمت ردة الفعل الروسية العنيفة على تصريحاته السابقة بشأن إرسال الجنود إلى أوكرانيا تبين أن الرسالة قد وصلت وعنوانها: «لن نتوقف عند حد في اتخاذ الإجراءات الميدانية إن لم تتوقفوا أنتم».

وكان نائب رئيس الدوما الروسي بيوتر تولستوي، المقرب من بوتين، قد حذر، في حديث للقناة الإخبارية الفرنسية «بي إف إم تي في» أُجري في 23 مارس (آذار)، فرنسا من التسبب بحرب عالمية ثالثة بقوله: «أنتم الفرنسيين، تريدون إرسال جنود إلى أوديسا، ولكنكم لا تدرون أنكم تدفعون نحو اندلاع حرب عالمية ثالثة». وأضاف تولستوي: «لو أرسلت فرنسا 300 أو 400 جندي، فإنهم سيقتلون، وسيقع ماكرون في الفخ، وعليه عندها، إما أن يرسل مزيداً من القوات، وإما أن يسحب من بقي منهم».

وأكد تولستوي وقتها أن 13 ألف مرتزق يقاتلون في أوكرانيا، بينهم 367 فرنسياً قُتل منهم 147 عنصراً». ودعا المسؤول الروسي باريس لأن «تعي العواقب» المترتبة على خطوة كالتي يدعو إليها ماكرون.

القادة الأوروبيون في صورة جماعية قبل بدء قمتهم الاستثنائية في بروكسل مساء الأربعاء (رويترز)

حقيقة الأمر أن ما يدعو إليه الرئيس الفرنسي لا يمكن أن تقوم به باريس بشكل منفرد، وهي بالتالي بحاجة لدعم أوروبي وأميركي وأطلسي حتى يكون العمل مؤثراً وجماعياً. والحال أن هذا الدعم غير متوفر اليوم، رغم أن ماكرون مصيب بقوله إن الغربيين دأبوا على التردد لأسابيع وأشهر، قبل أن يقرروا الاستجابة لكييف وتزويدها بالأسلحة الثقيلة والهجومية منها على وجه الخصوص.

لكن إرسال السلاح شيء وإرسال قوات ميدانية شيء آخر؛ لأن أمراً كهذا يعني المواجهة المباشرة بين الحلف الأطلسي النووي وروسيا النووية. ثم إن تذكير ماكرون بأن باريس أرسلت قوات إلى بلدان الساحل لمواجهة الإرهاب والقيام ربما بالشيء نفسه في أوكرانيا لا يقوم، وليس حجة كافية؛ إذ لا يمكن مقارنة الجيش الروسي، وهو أحد أكبر الجيوش في العالم، وله إمكانيات لا حدود لها بمجموعات إرهابية. وكما الخارج الأوروبي لا يبدو متحمساً لطروحات ماكرون فيما الجانب الأميركي لن يقدم على خطوة كهذه قبل أشهر قليلة على استحقاق انتخابي رئيسي، فإن دعوة ماكرون تبقى محدودة الأثر في الوقت الراهن. ولعل ما تعكسه هو الخوف الغربي من هزيمة تلحق بكييف في الحرب التي انطلقت قبل أكثر من عامين.


مقالات ذات صلة

روبيو يتهم أوكرانيا بضرب سفن تحمل شحنات نفط لأميركا

الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أ.ب)

روبيو يتهم أوكرانيا بضرب سفن تحمل شحنات نفط لأميركا

اتهم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اليوم الثلاثاء أوكرانيا بضرب سفن وشحنات نفط لها علاقات بالولايات المتحدة خلال هجمات كييف الانتقامية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا دميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين (د.ب.أ)

الكرملين منفتح على محادثات مع «البديل من أجل ألمانيا»

أعربت روسيا اليوم الثلاثاء عن استعدادها لإجراء محادثات مع «حزب البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف، في أعقاب النجاح الكبير الذي حققه الحزب الموالي للكرملين.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يحضر فعالية في منطقة إيفانو فرانكيفسك بأوكرانيا 18 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
p-circle

هجمات روسية أوكرانية تسبق لقاء نيويورك... هدنة الطاقة و«باتريوت» على الطاولة

هجمات متبادلة تسبق لقاء نيويورك... هدنة الطاقة و«باتريوت» على الطاولة خبراء لـ«الشرق الاوسط»: ضربات تمنح كييف أوراق ضغط دون أفضلية حاسمة.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي خطاباً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها اﻟ81 بمقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ترمب يعلن عن لقاء «مثمر» بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين في نيويورك

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن محادثات «مثمرة جداً» جرت الثلاثاء بين مسؤولين إيرانيين وأميركيين على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يحضر فعالية في منطقة إيفانو فرانكيفسك بأوكرانيا 18 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

زيلينسكي يرد على منشور ترمب بشأن الهجمات على صناعة النفط الروسي

رفض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي انتقادات نظيره الأميركي دونالد ترمب للهجمات الأوكرانية على صناعة النفط الروسية قبل الاجتماع المزمع بين الرئيسين.

«الشرق الأوسط» (كييف)

ماكرون: المشهد في غزة «يُخجلنا جميعاً»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة في نيويورك 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة في نيويورك 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

ماكرون: المشهد في غزة «يُخجلنا جميعاً»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة في نيويورك 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة في نيويورك 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

دافع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الثلاثاء، من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة عن حلّ الدولتين للفلسطينيين والإسرائيليين، معتبراً أنه من غير المقبول «التفرّج على هذا المشهد الذي يخجلنا جميعاً» في غزة والضفة الغربية المحتلة «مكتوفي الأيدي».

وتساءل الرئيس الفرنسي: «أين هي مصداقيتنا إذا بقينا مكتوفي الأيدي أمام غزة؟»، مشيراً إلى أن قيام حلّ الدولتين هو ضمانة «الأمن اليوم وغداً لإسرائيل دولةً وشعباً»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وانتقد ماكرون أيضاً تصاعد ⁠عنف ⁠المستوطنين في الضفة الغربية قائلاً إنه يسلب الشعب الفلسطيني حقه المشروع في الوجود.


انطلاق محاكمة حادثة تحطّم طائرة شرم الشيخ سنة 2004 أبريل المقبل في فرنسا

عُثر على حطام الطائرة قبالة سواحل منتجع شرم الشيخ المصري على البحر الأحمر (أ.ف.ب - أرشيفية)
عُثر على حطام الطائرة قبالة سواحل منتجع شرم الشيخ المصري على البحر الأحمر (أ.ف.ب - أرشيفية)
TT

انطلاق محاكمة حادثة تحطّم طائرة شرم الشيخ سنة 2004 أبريل المقبل في فرنسا

عُثر على حطام الطائرة قبالة سواحل منتجع شرم الشيخ المصري على البحر الأحمر (أ.ف.ب - أرشيفية)
عُثر على حطام الطائرة قبالة سواحل منتجع شرم الشيخ المصري على البحر الأحمر (أ.ف.ب - أرشيفية)

تنطلق محاكمة كارثة تحطّم طائرة شرم الشيخ في مصر أمام القضاء الفرنسي في 26 أبريل (نيسان)، وفق ما أفاد مصدر قضائي، الثلاثاء، بعد 23 عاماً على الحادث الذي أودى بـ148 شخصاً، بينهم 135 فرنسياً، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان محمد نور، المصري البالغ 72 عاماً والرئيس السابق لمجلس إدارة شركة الطيران المنخفض التكلفة «فلاش إيرلاينز» التي صُفّيت لاحقاً، أُحيل في مارس (آذار) 2025 إلى محكمة الجنح في باريس بتهمة القتل غير العمد.

ومن المقرر أن تُعقد محاكمته بين 26 أبريل و11 يونيو (حزيران) 2027 أمام الدائرة المختصة بالحوادث الجماعية والصحة العامة.

وبحسب قرار الإحالة الصادر عن قضاة التحقيق، الذي اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية»، سيُحاكم نور خصوصاً للاشتباه في أنه، بصفته رئيساً لشركة «فلاش إيرلاينز»، «أنشأ أو أسهم في إنشاء» الظروف التي أتاحت وقوع الحادث، و/أو لم يتخذ التدابير اللازمة لتفاديه.

وفي الثالث من يناير (كانون الثاني) 2004، سقطت طائرة تابعة لـ«فلاش إيرلاينز» في البحر الأحمر بعد ثلاث دقائق من إقلاعها من مدينة شرم الشيخ الساحلية، ما أسفر عن مقتل ركابها الفرنسيين الـ135 وأفراد طاقمها الـ13، في واحدة من أكثر كوارث الطيران دموية التي راح ضحيتها فرنسيون.

وبعد قرار بحفظ القضية عام 2017، أمرت محكمة استئناف باريس عام 2019، بناء على طلب عائلات الضحايا، باستئناف التحقيق على يد قضاة مختصين بالحوادث الجماعية، معتبرة أن المحاولات المبذولة خلال التحقيق للحصول على إفادات الرئيس السابق لمجلس إدارة «فلاش إيرلاينز» كانت «غير كافية».

ووُجّهت إلى نور رسمياً تهمة القتل غير العمد في منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2021.

ويأخذ عليه قضاة التحقيق قصوراً في تدريب الطيارين، ومنح قائد الطائرة صفة قبطان بسرعة مفرطة، وعدم ضمان حصول الطيارين على فترات راحة كافية بين الرحلات.

ويواجه رجل الأعمال المصري عقوبة تصل إلى السجن ثلاث سنوات وغرامة مقدارها 450 ألف يورو.


ترمب يوقع اتفاقاً يبقي غرينلاند تحت السيادة الدنماركية

الرئيس الأميركي مصافحاً رئيسة وزراء الدنمارك في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي مصافحاً رئيسة وزراء الدنمارك في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

ترمب يوقع اتفاقاً يبقي غرينلاند تحت السيادة الدنماركية

الرئيس الأميركي مصافحاً رئيسة وزراء الدنمارك في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي مصافحاً رئيسة وزراء الدنمارك في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب اتفاقاً مع الدنمارك وغرينلاند يهدف إلى تعزيز أمن القطب الشمالي وشمال المحيط الأطلسي، ليخفف التوترات بشأن دعواته المتكررة لأن تصبح غرينلاند جزءاً من الولايات المتحدة. وإلى جانب ترمب، وقّعت الاتفاقية رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، ورئيس وزراء غرينلاند ينس - فريدريك نيلسن. وقال ترمب، قبل توقيع الاتفاق مباشرة: «هذا أمر هائل بالنسبة لأوروبا والولايات المتحدة وللجميع. وبالنسبة لغرينلاند، سيكون الأمر مذهلاً».

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع نظرائه من دول وأقاليم القطب الشمالي (رويترز)

ويأتي توقيع الاتفاق الثلاثاء، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بعد أيام من إعلان ترمب عن الاتفاق الذي يستهدف تعزيز الوجود العسكري الأميركي في الجزيرة الجليدية الشاسعة، مع إبقائها تحت السيطرة الدنماركية. ولم تقدم الحكومات سوى تفاصيل قليلة عن الاتفاق قبل التوقيع.

وفي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، صباح الثلاثاء، قدّم ترمب تفاصيل محدودة عن الاتفاق. وقال: «سنبدأ على الفور عملية تطوير وجود عسكري كبير في المواقع المناسبة»، بما في ذلك «بناء قاعدتين عسكريتين كبيرتين للغاية». وكان ترمب أصرّ في السابق على أن الولايات المتحدة بحاجة إلى «الاستيلاء على غرينلاند» لمنع روسيا أو الصين من فعل الشيء نفسه. وعلى الرغم من أن ترمب قال إنه يفضل «عقد صفقة» بشأن الجزيرة، فإنه أضاف: «بطريقة أو بأخرى، سنحصل على غرينلاند»، التي تتمتع بحكم شبه ذاتي.

وكان قد جرى التوصل إلى الاتفاق الأسبوع الماضي، وهي أرض تابعة للدنمارك، الدولة العضو في حلف شمال الأطلسي «الناتو».

وعندما رفض ترمب استبعاد استخدام القوة العسكرية أو الاقتصادية للاستحواذ على الجزيرة، أدّى ذلك إلى نشوب أزمة دبلوماسية داخل حلف شمال الأطلسي في يناير (كانون الثاني)، وأجبر الدنمارك وحكومة الجزيرة على الدخول في مفاوضات مكثفة.

ورحّب رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، الثلاثاء، بالاتفاق الأمني، ووصفه بأنه «خطوة إيجابية للتعاون عبر (الأطلسي) و(الأمن) في القطب الشمالي». وكتب عبر منصة «إكس»: «الاتحاد الأوروبي مستعد لمواصلة العمل بشكل وثيق مع غرينلاند والدنمارك وشركائنا عبر (الأطلسي) من أجل منطقة قطبية شمالية سلمية وآمنة ومزدهرة»، قائلاً إن الاتفاق «يرتكز على احترام السيادة والسلامة الإقليمية وحق شعب غرينلاند في تقرير المصير».

منظر عام لمدينة نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

ووصف وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، الاتفاق بأنه ضمان في مواجهة النفوذ الصيني في الجزيرة القطبية ذات الأهمية الاستراتيجية في القطب الشمالي. ونقلت شبكة «فوكس نيوز»، الثلاثاء، عن روبيو وصفه الاتفاق بأنه «رائع» و«لا تاريخ انتهاء له». وأضاف: «إنه يسمح لنا ببناء العدد اللازم من القواعد العسكرية». ويتيح الاتفاق للولايات المتحدة والدنمارك فحص الاستثمارات الأجنبية المستقبلية بشكل مشترك.

وذكر روبيو أن الهدف هو تجنب الاستيقاظ في يوم، وإدراك أنه «حسناً، أجل، الجيش الصيني ليس هنا، لكن شركاتهم تملك جميع الموانئ، وشركاتهم تملك الأرض».

ومن المقرر أن يصل الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى واشنطن الأربعاء في زيارة تستمر عدة أيام، يلتقي خلالها ترمب. ويمكن أن يلقي اتفاق غرينلاند بظلاله على الاجتماع. قال الكرملين، الثلاثاء، إن الاتفاقية بين ​الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند شأن يخص الأطراف المعنية، مضيفاً أن التعاون ‌بين روسيا ‌وواشنطن ​في ‌منطقة القطب ⁠الشمالي ​ليس أمراً مدرجاً ⁠حالياً على جدول الأعمال.

وردّاً على سؤال عما إذا كان ‌التعاون في القطب الشمالي مطروحاً للنقاش بين ⁠موسكو ⁠وواشنطن؟ قال المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، للصحافيين: «في الوقت الراهن، مسألة التعاون في القطب الشمالي ليست على جدول الأعمال. فالأميركيون والدول الأخرى بالقطب الشمالي يرفضون التعاون ​مع ​روسيا».

قالت 3 مصادر مطلعة لـ«رويترز» إن الولايات المتحدة تعتزم إعادة فتح قاعدة عسكرية سابقة تعود إلى حقبة الحرب الباردة في جنوب غرينلاند، إلى جانب الوجود عسكرياً في قاعدة على الساحل الشرقي، تستخدمها حالياً دوريات الزلاجات الدنماركية، وذلك بموجب الاتفاق الذي تم توقيعه بين الأطراف الثلاثة؛ الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند.

وذكر مصدران أن الموقعين هما نارسارسواك، التي تقلص عدد سكانها إلى بضع عشرات، منذ أن أغلقت الولايات المتحدة قاعدة «بلوي ويست وان» العسكرية في خمسينات القرن الماضي، إلى جانب ميسترسفيج، وهي نقطة عسكرية نائية تستخدمها حالياً دورية سيريوس للزلاجات التي تجرها الكلاب، وهي وحدة من القوات الخاصة الدنماركية.

رئيسة الوزراء الدنماركية ورئيسة المفوضية الأوروبية ورئيس حكومة غرينلاند في نوك عاصمة غرينلاند (إ.ب.أ)

ولم يُنشر نص الاتفاق علناً، وقالت المصادر، التي طلبت عدم كشف هوياتها، إن تفاصيله لن تصبح نهائية قبل توقيعه. ولم ترد حكومتا الدنمارك وغرينلاند ولا البيت الأبيض بعدُ على طلبات للتعليق.

وتقول الدنمارك إن الاتفاق يضع أمن منطقة القطب الشمالي تحت إشراف حلف شمال الأطلسي بدلاً من أن يبقى محصوراً بين الولايات المتحدة والدنمارك وحدهما.

وقالت رئيسة الوزراء الدنماركية، مته فريدريكسن، إن الاتفاق سيبقي غرينلاند تحت السيادة الدنماركية، واصفة إياه بأنه «اتفاق جيد» يصبّ في مصلحة جميع الأطراف، بحسب ما ذكرته وكالة «بلومبرغ» للأنباء.

وقالت فريدريكسن، لوسائل إعلام محلية: «لن نتنازل عن السيادة، وأستطيع أن أضمن أنني لن أفعل ذلك أبداً بصفتي رئيسة وزراء الدنمارك». وأضافت فريدريكسن أنه «من الممكن تماماً الحفاظ على السيادة مع تعزيز التعاون في مجالي الأمن والدفاع».

وتقع غرينلاند بين القطب الشمالي وأميركا الشمالية، وتحتوي على موارد هائلة من الطاقة. وكانت مستعمرة في السابق قبل أن تصبح أراضي شبه مستقلة تابعة لمملكة الدنمارك.