المجلات الثقافية العربية تصارع من أجل البقاء

تواجه مشكلات في النفقات والتوزيع

المجلات الثقافية إلى زوال
المجلات الثقافية إلى زوال
TT

المجلات الثقافية العربية تصارع من أجل البقاء

المجلات الثقافية إلى زوال
المجلات الثقافية إلى زوال

المطبوعات مثلها مثل بقية الكائنات التي إن لم تتطور وتتأقلم مع محيطها العصري فسوف تنقرض.. لذلك فإن الكثير من المجلات الثقافية التي ظهرت قوية منذ الستينات من القرن الماضي، تلاشت اليوم، ولم يعد لها وجود. مجلات كانت يومًا هي المرجع الأهم للمثقفين، ينتظرون صدورها بشغف، وفي البلاد البعيدة عن مصدر هذه المجلات كان القراء يحجزون نسخهم سلفًا في المكتبة، ولكن هذه المجلات تراجعت أمام هجمة التطور التي أصابت المطبوعات، وشيئًا فشيئًا توقفت عن الصدور أو بعضها لا يزال يصدر ولكن في نطاق ضيق.
دول الخليج مجتمعة، يصدر فيها أكثر عدد من المجلات الثقافية الشهرية والفصلية والمحكمة قياسًا إلى الوطن العربي، والغالبية العظمى - إن لم نقل كل - هذه المجلات تصدر إما عن اتحادات وروابط الكتاب والأدباء، وإما عن مؤسسات ثقافية رسمية أو عن الجامعات.
نتناول في السطور المقبلة المجلات الثقافية الشهرية ذات الطابع الأدبي ونظيرتها المحكمة التي أيضًا معنية بالدراسات الأدبية والنقدية، وما تواجهه من إشكاليات في أعباء الصدور وتباطؤ الانتشار عن السابق، وحاجة نوعين من الناس إليها، إما الأدباء والنقاد في ما يخص المجلات الثقافية، وإما طلبة الدراسات العليا في ما يخص المجلات المحكمة، وخصوصًا مجلات العلوم الإنسانية المعنية في موضوعنا، ثم أتطرق إلى شح العائد المادي لبعض هذه المجلات، ووفرة العائد المادي لبعضها الآخر، وما أسباب استمرار الأولى بالصدور رغم قلة المردود الذي لا يغطي أحيانًا تكاليف الطباعة وأجور المحررين والفنيين والطباعة فيها.
* التجربة الخليجية
نبدأ بالمجلات الأدبية المحكمة في الخليج، كنموذج، وندع رئيسة تحرير «المجلة العربية للعلوم الإنسانية» الصادرة عن مجلس النشر العلمي في جامعة الكويت الدكتورة نسيمة الغيث تتحدث عنها. تقول: «يصدر مجلس النشر العلمي 11 مجلة أحيانًا تتضمن دراسات تخصصية لا يقدر عليها الطلاب العاديون، لذلك فغالبًا ما ينشر فيها طلبة الماجستير والدكتوراه، كون الجامعة تشترط النشر في هذه المجلات الأدبية المحكمة لأجل الترقية والترفع».
وشروط النشر في هذه المجلة ليست سهلة، لذلك فالبحث الذي تتم الموافقة عليه يأخذ زمنًا طويلاً في النشر. وتصف الدكتورة نسيمة الغيث ذلك بقولها: «هناك طوابير بالدور على النشر». وتشرح ذلك بأن شروط المجلة في النشر تتمثل في أن تُسند الدراسات الأدبية المقدمة إلى لجنة تحكيم وتتكون اللجنة من شخصين، وفي حال تعارضا في الرأي، فيتم اللجوء إلى شخص ثالث هو الفيصل، ثم يعاد البحث إلى الراغب في النشر ليجري التعديلات التي طلبها المحكمون، ويعاد مرة أخرى إلى اللجنة.. وهكذا إلى أن يتم التوصل إلى الصيغة النهائية. وقد تستغرق هذه العملية مدة طويلة. وتستدرك الدكتورة نسيمة الغيث: «إلا في حالة واحدة إذا كان البحث آنيا وملحا يتعلق بقضية مطروحة فيسرع عندئذ في النشر».
* المجلات المحكمة
وعلى عكس المجلات الثقافية الشهرية، فإن المجلات المحكمة - حسب قول الدكتورة نسيمة الغيث - تباع في الوطن العربي وحتى في خارجه. وتشارك بالمعارض من خلال أجنحة خاصة، ولها مردود مادي كبير والأعداد المبيعة بالآلاف. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في كون هذه المجلات فصلية فهي تحتاج إلى تحكيم وهذا يؤخر عملية النشر.. وهذا الازدحام أدى إلى إلغاء مكافأة النشر التي كان يتقاضاها صاحب البحث في السابق، حيث أصبح النشر اليوم مجانًا، والمقابل يتمثل في منحه وثيقة نشر تفيده في الترقية: «في السابق كان الذي ينشر يتقاضى مكافأة أما اليوم فلا لأن الأعداد هائلة».
وحول معاناة الراغبين بالنشر اطلعنا على تجربة شخصية من الدكتور مهنا الرشيد الذي يقول: «يشكّل النّشر في المجلّات والدّوريّات المحكّمة هاجسًا كبيرًا لدى معظم طلّاب الدّراسات العليا وكثير من الأكاديميّين والأساتذة الجامعيّين، وإن كان الأستاذ أو المدرّس الجامعي يعاني بعض الشّيء خلال مسيرة نشر البحث العلمي إلا أن معاناة طالب الدّراسات العليا أدهى وأمرّ؛ حيث تشكّل شروط النشر المنسدلة في قائمة طويلة في مستهلّ المجلّة المحكّمة صدمة كبيرة لطالب الدّراسات العليا، وقد يتحايل الطَّالِب على المجلّة، أو قد يستعين بأحد الأساتذة - ممّن يرضون ذلك - فيضع اسم الأستاذ أو الدّكتور مع اسمه بوصفه باحثًا مشاركًا معه، وقد يكون اسم الدّكتور شرفيًّا دون أن يكتب في البحث حرفًا واحدًا». ويضيف الدكتور مهنا الرشيد: «ليت هذه مشكلة النّشر الوحيدة في المجلّات المحكّمة، بل لهذه المشكلة أخواتها وصديقاتها من المشكلات الجمّة، التي تعترض الباحث قبل أن يرى بحثه النّور بين جانبي غلاف المجلّة الموقّرة؛ فللمجلّة مُمثّلة بمجلس التحرير أو رئاسته الصّلاحيّة المطلقة في تحديد قابليّة البحث للنّشر أو عدمها دون التزامها بتقديم أي تفسير للباحث عن سبب رفض البحث أو عدم صلاحيّته، وإذا ما وافق مجلس التحرير أو رئاسته على نشر البحث فهذا لا يعني أن البحث سينشر، بل يعني أن الباحث وبحثه قد بدآ مشوارهما الطّويل منذ هذه اللّحظة. لقد رفضت إحدى المجلّات المحكّمة أن تعرض لي بحثًا على المحكّمين بدعوى أنّها تطرّقت لهذا الموضوع في عدد سابق، وبدعوى أنّ هذا البحث وإن عُرض سيُرفض بعد أخذ وردّ، ومثل هذا حدث مع أحد أصدقائي ممن حصلوا على المركز الأول في دفعة الخرّيجين، وتعب كثيرًا في اختيار موضوع فريد، وتحديد مصطلح علمي والتّأصيل له، ثمّ تفاجأ برفض البحث بعد انتظار طويل. وقد تكون المأساة المريرة أن يأتيك ردّان متناقضان من محكّمين في مجلّة واحد: الأول يثني على بحثك، ويثمّنه، ويوافق على نشر البحث دون تعديل، في حين يوافق الثّاني على نشر البحث بعد إجراء قائمة التّعديلات المطلوبة».
* خدمة مجانية للمجتمع
أما عن المجلات الثقافية، فإن اللافت في الأمر أنه على الرغم من أن هذه المجلات الشهرية في الخليج أقل توزيعًا من الصحف وأطول في مدة الصدور، فإن الإقبال عليها من قبل الأدباء وخصوصًا الشعراء وكتاب القصة يكون بشغف أكبر، وهناك سببان رئيسيان لذلك، الأول أن الأديب يحظى بتقدير مادي عن جهده الإبداعي في المجلات، وهو ما لا تقوم به معظم الصحف اليومية اليوم، والتي تعتبر أن القصيدة أو القصة بمثابة إكسسوار لتزيين الصفحة، هذا إن لم تعتبرها تحصيل حاصل للمادة المنشورة في الصفحة كونها ذات طابع خبري.
أما السبب الثاني للإقبال على هذه المجلات، فيتمثل في أن المادة الأدبية المنشورة في المجلات هي أبقى وأكثر ديمومة كون القراء والمهتمين بشكل عام يحتفظون بهذه المجلات في مكتباتهم، إلى جانب أنه يتم الاحتفاظ فيها بالمكتبات العامة ومكتبات الجامعات ليستفيد منها الباحثون والطلبة والدارسون للإبداع. وهذا ما لا تتميز به الصحف اليومية عادة.
ولكن هذه الامتيازات التي يحصل عليها الأديب من المجلة أصبحت تشكل عبئًا على الجهات التي تصدر هذه المجلات، فالعوائد من التوزيع ليست بالقدر الذي تغطي تكاليف الأجور والطباعة، خصوصًا بعد أمرين، الأول ظهور الإنترنت، بحيث أصبح لمعظم هذه المجلات مواقع يتاح للقارئ قراءتها مجانًا، وإن كانت بعض المجلات تعمد إلى نشر العدد قبل الأخير، أي الذي تم توزيعه وانتهى، ولكن حتى هذه الطريقة ليست مجدية، وهذا مرهون بالأمر الثاني الذي أتحدث عنه في هذا الصدد، فمعظم شركات التوزيع لم يعد الأمر مغريًا لها لأنها في النهاية شركات ربحية تنظر إلى النسبة التي سوف تتقاضاها من التوزيع، وفي السابق كان العائد مجزيًا أكثر لكثرة الإقبال عليها، فكانت مجلات الخليج تصل إلى أبعد نقطة ممكنة من أقصى المشرق العربي لأنأى مغربه، بل وحتى إلى القرى البعيدة، أما اليوم فتحجم معظم شركات التوزيع عن القيام بذلك مما يحدد المساحة الجغرافية التي تنتشر فيها هذه المجلات، وحتى الشخص الذي نشر فيها قد لا يحصل عليها إن لم ترسل له الجهة المصدرة لهذه المجلة نسخة، أو يتبرع أحد أصدقائه المقيمين في الخليج لإرسال نسخة له، وفي أضعف الحالات يصور له الصفحات التي نشرت فيها مادته الإبداعية ويرسلها له على «الواتس» أو مواقع التواصل الاجتماعي.
ولكن مع ذلك فهذه المجلات عنيدة، ومستمرة في الصدور، فهي تعد «ماء الوجه» لاتحادات الكتاب والروابط الأدبية والجمعيات الثقافية، ومن الصعب على هذه الجهات أن تخسر ماء وجهها، كما أن معظم هذه الجهات في الخليج تتلقى دعمًا من الوزارات التابعة لها كونها جمعيات نفع عام، ومن ضمن أهدافها تقديم خدمات للمجتمع.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.