مفوضة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية تطالب مجلس الأمن بضمان وصول المساعدات للسوريين

آموس لـ«الشرق الأوسط»: علينا أن لا ننسى حجم الكارثة رغم الاتفاق على الأسلحة الكيماوية

مفوضة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية تطالب مجلس الأمن بضمان وصول المساعدات للسوريين
TT

مفوضة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية تطالب مجلس الأمن بضمان وصول المساعدات للسوريين

مفوضة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية تطالب مجلس الأمن بضمان وصول المساعدات للسوريين

تعتبر مفوضة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية فاليري آموس أن من أبرز التحديات في سوريا الآن «وصول المساعدات الإنسانية إلى السوريين»، منددة في حوار مع «الشرق الأوسط» بالعقبات التي تواجه المنظمات الإنسانية، التي تترك الملايين من السوريين من دون مواد أساسية ومساعدات طبية داخل سوريا.
وعلى الرغم من التوصل إلى اتفاق سياسي لوصول المفتشين الدوليين إلى مواقع الأسلحة الكيماوية، لم يقم المجتمع الدولي بخطوة مماثلة لضمان وصول المواد الإنسانية، مما أثار استياء كثير من العاملين في المجال الإنساني. وكانت هناك آمال بخروج مجلس الأمن ببيان رئاسي يطالب جميع الأطراف في سوريا بضمان سلامة موظفي المنظمات الإنسانية والسماح بوصول المساعدات من دون عرقلة وعبر جميع الحدود السورية. وعلى الرغم من المناقشات المطولة حول سوريا في نيويورك خلال الأيام الماضية، وتوصل واشنطن وموسكو إلى اتفاق حول الأسلحة الكيماوية السورية، سمح بإصدار قرار ملزم من مجلس الأمن، لم يتم الاتفاق على إصدار البيان الرئاسي حول المساعدات الإنسانية، ولم تحصل القضية على الاهتمام المرجو.
والتقت «الشرق الأوسط» بآموس في مكتبها في الطابق الـ33 من مبنى الأمم المتحدة، المطل على نهر «هادسون» الهادئ، والبعيد موقعا وشكلا عن الأزمات والصراعات التي تنشغل آموس بها، لتكون صوتا يتحدث باسم العالقين في النزاعات. وقالت آموس: «بالإضافة إلى تحدي ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى السوريين، هناك تحدّ آخر، هو إبقاء التركيز على هذه القضية. لقد طال النزاع السوري، والبعض بدأ ينشغل بقضايا أخرى.. علينا أن لا ننسى السوريين». وأضافت: «بالطبع، استخدام الأسلحة الكيماوية أمر مروع ولا يمكن السكوت عليه، ونحن مسرورون بالاتفاق على التخلص من أسلحة سوريا الكيماوية، ولكن يجب أن نكون حذرين من تصوّر البعض أن الاتفاق على الأسلحة الكيماوية يحل الأزمة»، موضحة: «هناك مناطق بأكملها تحت الحصار، هناك مناطق دمرت فيها جميع مواقع الرعاية الصحية. الوضع في سوريا لم يتغير مع التوصل إلى اتفاق الأسلحة الكيماوية».
وتابعت: «انعدام أي احترام للقانون الدولي ما زال مستمرا، وعلينا السعي لمواصلة اعتراف جميع الأطراف بحجم الكارثة، وضرورة العمل على معالجتها».
وعلى الرغم عن تعبيرها عن ارتياحها لتوصل مجلس الأمن لاتفاق حول أسلحة سوريا الكيماوية، قالت: «إنني قلقة من أن يكون التركيز فقط على الأسلحة الكيماوية، نحن معنيون بالعمل على مواصلة الاعتراف بحجم المأساة الإنسانية هناك». وعند سؤالها عن عدد السوريين المتضررين من الحرب في سوريا، ردت والقلق ظاهر عليها: «لقد طال الصراع والضرر على البنى التحتية والحياة العامة، مما يعني أن كل السوريين متأثرون.. لا أحد يسلم مما يحدث».
وبينما يعتبر الكثيرون أن مشكلة عدم وصول المساعدات الإنسانية للسوريين تكمن فقط في انعدام الأمان وعدم تعاون الحكومة السورية والجماعات المسلحة السورية، بضمان سلامة وصول مواكب المساعدات، القضية معقدة أكثر من ذلك. وشرحت آموس: «نريد من مجلس الأمن أن يتفق على ضرورة أن يسمح لنا توصيل المساعدات الإنسانية من أي منطقة أو نقطة حدود ممكنة، ففي الوقت الحالي غالبية المساعدات تدخل عبر لبنان والأردن، ولكن الأمر صعب من العراق، وليس ممكنا كليا من تركيا».
والسبب وراء ذلك أنه، بموجب القانون الدولي الحالي، يجب أن توافق الحكومة السورية على دخول أي مساعدات إلى بلادها، وترفض دمشق وصول مساعدات عبر نقاط حدود فقدت السيطرة عليها، وتتولاها المعارضة السورية، وترفض دمشق أيضا دخول المساعدات عبر تركيا مع سيطرة المعارضة على نقاط الحدود معها. وأضافت أن «هناك مشكلة في توصيل المساعدات للمناطق التي تسيطر عليها مجموعات المعارضة، فعلى سبيل المثال هناك مليونا سوري في حلب والمناطق المجاورة لا نستطيع الوصول إليهم».
ولفتت إلى أن في بعض المناطق هناك الحاجة إلى عبور خمس نقاط تفتيش قبل الوصول إلى المحتاجين، وأحيانا لا يسمح للمواكب بالدخول.
وهناك إجراء آخر يمكن لمجلس الأمن اتخاذه، لو كانت لدى أعضائه العزيمة والإرادة السياسية، لضمان وصول أبسط المعدات والمواد الأساسية للمدنيين، وهو إعلان ضرورة وقف القتال مؤقتا لوصول تلك المواد والمساعدات. وقالت آموس: «بإمكان مجلس الأمن المطالبة بوقف القتال، وذلك لا يعني أن جميع الجماعات ستلتزم بذلك القرار، ولكن على الأقل يوضع ليتبعه الغالبية، ولتقوم الدول ذات النفوذ بالضغط على الأطراف المختلفة من أجل توصيل المساعدات الإنسانية». ولكن هناك دوافع سياسية تضمن بقاء مناطق سوريا «تحت الحصار»، وخاصة تلك التي باتت تحت سيطرة قوات المعارضة، ولا يتدخل المجتمع الدولي لرفع ذلك الحصار. كما أن العقوبات المفروضة على سوريا بدأت تؤثر أيضا على المناطق تحت سيطرة الحكومة السورية. وكان اتفاق مجلس الأمن على قرار حول الأسلحة الكيماوية يوم الجمعة الماضي فرصة ليظهر مجلس الأمن عزيمة سياسية لدعم وصول المساعدات الإنسانية للسوريين، ولكن لم يحدث ذلك، وبقي التركيز على الأسلحة الكيماوية وجهود إطلاق عملية للخروج بحل سياسي للأزمة. وقالت آموس: «كان سيحدث خرق هائل لو اتفق مجلس الأمن على المطالبة بوقف إطلاق النار بقرار ملزم، وكان جعل البيئة المحيطة بسوريا أكثر قابلية لوصول المساعدات».
وآموس من المسؤولين الدوليين القلة الذين يتعاملون مباشرة مع الحكومة السورية من خلال زياراتها لتفقد الوضع الميداني، وتسعى للحصول على الموافقات الضرورية لتوصيل المساعدات للسوريين. وعلى الرغم من وضوح غضبها من فشل حماية المدنيين في سوريا، تحرص على عدم الإدلاء بتصريحات سياسية حول الوضع هناك، ملتزمة بمبدأ «الحياد»، الذي تسعى له وكالات الأمم المتحدة حول العالم. وآموس زارت سوريا مرات عدة منذ اندلاع الأزمة قبل عامين ونصف العام، وكانت زيارتها الأخيرة الشهر الماضي.
وعن تلك الزيارة والمطالب المقدمة للحكومة السورية، قالت آموس: «هناك عمليات بيروقراطية مطولة جدا، أحيانا يتم تعطيل توصيل مساعدات ضرورية إلى حين الحصول على التصريح المعين. إننا نثير هذه القضية دائما مع المسؤولين السوريين». وأضافت أنه خلال زيارتها الأخيرة التقت نائب وزير الخارجية السوري فيصل مقداد «وتعهد السيد مقداد شخصيا بأن يعمل على إزالة هذه العقبات».
ولفتت آموس إلى أن ضرورة التذكر بأن بعض المساعدات تصل إلى سوريا حاليا، وإلى بعض دول الجوار المستضيفة للاجئين، حتى وإن لم تكن بالمستوى المرجوّ. وقالت إن في الصيف الماضي وصلت مواد غذائية إلى 2.9 مليون سوري عبر برنامج الغذاء العالمي، بالإضافة إلى توصيل «يونيسيف» مواد لتحلية مياه صالحة للشرب لعشرة ملايين سوري داخل البلاد.
وردا على سؤال حول إذا كانت آموس على اتصال مع المعارضة السورية، وإذا كان بإمكان مكتبها الحصول على ضمانات من المعارضة المسلحة للسماح بتوزيع المساعدات الإنسانية، اكتفت آموس بالقول: «علينا التذكر بأن ما يحدث في سوريا ليس فقط بين طرفين، الأمر معقد جدا». وأضافت أن هناك اتصالات مع بعض فصائل المعارضة من خلال المبعوث الأممي - العربي الخاص الأخضر الإبراهيمي، بالإضافة إلى تواصل العاملين لدى الأمم المتحدة مع هيئات التنسيق المحلية السورية. ويذكر أن هناك 3500 موظف تابعين لـ«أونروا» (وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى) وألف موظف آخر تابعين لوكالات الأمم المتحدة المختلفة. وغالبية العاملين للأمم المتحدة في سوريا هم مواطنون سوريون.
وزارت آموس طهران، الشهر الماضي، سعيا للحصول على دعم إيران في قضية ضمان دخول المساعدات الإنسانية إلى سوريا. وقالت: «إننا نعمل مع الإيرانيين على إدارة الأزمات، وكنت قد دعيت من قبل المسؤولين الإيرانيين سابقا ولم أستطع الذهاب إلا مؤخرا». وأضافت: «إنني أتحدث مع أي طرف لديه نفوذ على أي جهة داخل سوريا».
ونظمت الأمم المتحدة أكبر حملة لجمع التبرعات من خلال وكالاتها المختلفة، مثل المفوضية السامية للاجئين و«اليونيسيف» وغيرها، ووصل المبلغ المطلوب إلى 4.4 مليار دولار من مساعدات لسوريا ولدول الجوار المضيفة للاجئين السوريين. وقالت آموس: «جرى تمويل 48 في المائة من الحملة وهذا أمر مهم وإيجابي، ولكن نطالب المانحين بمواصلة كرمهم وأن يساعدونا على تمويل جميع البرامج المطلوبة».



خطف ناقلة نفط قبالة اليمن واقتيادها نحو الصومال

ناقلة نفط (أرشيفية- رويترز)
ناقلة نفط (أرشيفية- رويترز)
TT

خطف ناقلة نفط قبالة اليمن واقتيادها نحو الصومال

ناقلة نفط (أرشيفية- رويترز)
ناقلة نفط (أرشيفية- رويترز)

أعلن خفر السواحل اليمنيون، السبت، أنّ أفراداً مجهولين سيطروا على ناقلة نفط قبالة سواحل شبوة في جنوب البلاد، واقتادوها في خليج عدن نحو الصومال.

وذكرت القوة التابعة للحكومة اليمنية على موقعها الإلكتروني أنها «تتابع حادثة اختطاف ناقلة النفط (M/T EUREKA) قبالة سواحل محافظة شبوة»، مضيفة: «تعرضت الناقلة لعملية سطو مسلح من قبل عناصر مجهولة؛ حيث تم الصعود إليها والسيطرة عليها، ومن ثم التوجه بها نحو خليج عدن باتجاه السواحل الصومالية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضحت أنه «تم تحديد موقع الناقلة، والعمل جارٍ على متابعتها واتخاذ الإجراءات اللازمة في محاولة لاستعادتها وضمان سلامة طاقمها» الذي لم يُحدد عدد أفراده ولا جنسياتهم.


حراك دولي لدعم التعافي الاقتصادي في اليمن

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي يتفقد أعمال التوسعة السعودية لمطار عدن (إكس)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي يتفقد أعمال التوسعة السعودية لمطار عدن (إكس)
TT

حراك دولي لدعم التعافي الاقتصادي في اليمن

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي يتفقد أعمال التوسعة السعودية لمطار عدن (إكس)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي يتفقد أعمال التوسعة السعودية لمطار عدن (إكس)

في وقت تتفاقم فيه الضغوط الاقتصادية والخدمية والإنسانية في اليمن، تشهد المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية حراكاً سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً عنوانه الأبرز حشد الدعم الدولي لبرامج التعافي، وتعزيز قدرة مؤسسات الدولة على الصمود، وتهيئة الأرضية اللازمة لاستعادة النشاط الاقتصادي والخدمي.

ويعكس تعدد اللقاءات التي جمعت مسؤولين يمنيين بشركاء دوليين، من السعودية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، اتجاهاً حكومياً نحو تحويل الدعم الخارجي من إطار الإغاثة التقليدية إلى مسار أوسع يجمع بين التعافي الاقتصادي، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتحسين الخدمات الأساسية، ودعم الإصلاحات المؤسسية والنقدية.

في هذا السياق، ركزت وزيرة التخطيط في الحكومة اليمنية أفراح الزوبة خلال مباحثاتها مع مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع (اليونيبس) على تعزيز التدخلات التنموية في القطاعات الأكثر إلحاحاً، وفي مقدمتها الصحة والمياه والكهرباء والتعليم، وهي القطاعات التي تمثل خطوط الحياة الأساسية لملايين اليمنيين، وتواجه تحديات مزمنة بفعل تراجع التمويل، وتآكل البنية التحتية.

كما برزت قضية المياه بوصفها من أكثر الملفات إلحاحاً، مع تحركات لتوسيع الشراكات مع ألمانيا والجهات الداعمة في مجالات الإدارة المتكاملة للموارد المائية، وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وبناء قدرات المؤسسات المحلية للتعامل مع شح الموارد والتغيرات المناخية، وهي تحديات باتت تضغط بقوة على المدن المستقبِلة للنزوح وعلى المناطق الريفية على السواء.

وفي عدن، ظل قطاع الكهرباء وإعادة تشغيل مصفاة عدن في صدارة النقاشات مع الجانب السعودي، بوصفهما عنصرين حاسمين في استقرار الخدمات، ودعامة أساسية لتحريك عجلة الاقتصاد المحلي، وتقليص الضغوط المالية الناتجة عن استيراد الوقود وتكلفة الطاقة.

الاقتصاد تحت ضغط

اقتصادياً، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، فالحكومة تواجه أزمة مركبة يتداخل فيها تراجع الإيرادات العامة، وتوقف صادرات النفط والغاز، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتقلب أسعار الطاقة والسلع الأساسية بفعل التوترات الإقليمية، وهو ما يضع المالية العامة والقطاع المصرفي أمام اختبارات شديدة الحساسية.

وفي مواجهة هذه الضغوط، يواصل البنك المركزي في عدن تبنِّي سياسات نقدية احترازية للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المالي، وضمان استمرار تمويل استيراد السلع الأساسية، وصون وظائف الدولة الحيوية، بالتوازي مع مساعٍ لحشد برامج دعم أكثر مرونة وفاعلية من الشركاء الدوليين، بما يخفف من هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية.

غير أن المسؤولين اليمنيين يربطون أي انفراجة اقتصادية حقيقية بملف بالغ الأهمية، هو استئناف صادرات النفط والغاز، بوصفها المورد السيادي الأهم القادر على إعادة ضخ الإيرادات العامة، وتمويل النفقات الأساسية، وتعزيز الاستقرار النقدي، ودعم خطط الإصلاح المالي والإداري.

وفي هذا الإطار، تتواصل التحركات الحكومية لإعادة تنشيط قطاع الطاقة، بما يشمل إعادة تشغيل المنشآت، ومراجعة الاتفاقيات التجارية، ورفع كفاءة الإنتاج، وزيادة الاستفادة من موارد الغاز، إلى جانب تشديد الإجراءات الهادفة لحماية الموارد الوطنية من الاستنزاف والتهريب.

تعز نموذج للتعافي المحلي

على المستوى الميداني، برزت محافظة تعز بوصفها نموذجاً محلياً يحظى باهتمام دولي متزايد، بعد زيارات ميدانية أجراها سفير الاتحاد الأوروبي شملت السلطة المحلية، ومنظمات المجتمع المدني، والمجتمعات المضيفة والنازحين، إضافة إلى جولات في مخيمات النزوح ومواقع تنفيذ مشاريع التعافي المبكر.

ويبدو أن الاهتمام الأوروبي بتعز لا يرتبط فقط بحجم الاحتياجات الإنسانية، بل أيضاً بما تمثله المحافظة من حيوية مجتمعية، وتنوع سياسي وثقافي، وفاعلية محلية في إدارة ملفات التنمية والاحتواء المجتمعي، وهي عوامل تجعلها بيئة مناسبة لتوسيع برامج التعافي الاقتصادي، ودعم سبل العيش، وتعزيز مشاريع المياه والزراعة والسدود الصغيرة وأنظمة الري.

كما سلطت الزيارات الضوء على الضغوط الكبيرة التي تتحملها المديريات المستضيفة للنازحين، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، في ظل أعداد متزايدة من الأسر النازحة، وموارد محلية محدودة؛ ما يجعل استمرار الدعم الدولي عاملاً حاسماً في منع تفاقم الأوضاع الإنسانية.

وتؤكد المواقف الأوروبية والبريطانية والألمانية والفرنسية استمرار الالتزام بدعم اليمن، سواء عبر برامج التنمية والتعافي، أو عبر مساندة الإصلاحات الاقتصادية، أو من خلال دعم مؤسسات الدولة في إدارة المرحلة الصعبة، بينما تبقى السعودية الشريك الأكثر حضوراً في دعم القطاعات الحيوية والإسناد الاقتصادي والخدمي.


اتساع تفشي الملاريا يُفاقم الأزمة الصحية في اليمن

ثلثا سكان اليمن يعيشون في مناطق موبوءة بالملاريا (الأمم المتحدة)
ثلثا سكان اليمن يعيشون في مناطق موبوءة بالملاريا (الأمم المتحدة)
TT

اتساع تفشي الملاريا يُفاقم الأزمة الصحية في اليمن

ثلثا سكان اليمن يعيشون في مناطق موبوءة بالملاريا (الأمم المتحدة)
ثلثا سكان اليمن يعيشون في مناطق موبوءة بالملاريا (الأمم المتحدة)

اتّسع نطاق تفشي مرض «الملاريا» في مناطق يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، في تطور يُسلط الضوء على هشاشة الوضع الصحي والبيئي في البلاد، وسط تحذيرات أممية من أن استمرار تدهور الخدمات الأساسية قد يُحوّل المرض إلى تهديد وبائي واسع، في وقت يعيش فيه ملايين السكان ضمن بيئات مواتية لانتقال العدوى، مع ضعف شديد في قدرات الوقاية والعلاج والاستجابة الصحية.

وسجلت 4 محافظات يمنية، هي الحديدة وحجة وإب والمحويت، خلال الربع الأول من العام الحالي ارتفاعاً لافتاً في حالات الإصابة المشتبه بها بالملاريا، وفق مصادر طبية تحدّثت لـ«الشرق الأوسط»، مؤكدة أن مرافق صحية عدة استقبلت أعداداً متزايدة من المصابين، خصوصاً في المناطق الزراعية والساحلية التي تُمثل بيئة خصبة لتكاثر البعوض الناقل للمرض، مع اتساع رقعة المياه الراكدة، وغياب أنظمة صرف صحي فعالة.

عاملون يمنيون يقومون بحملات رش لمكافحة البعوض الناقل للملاريا (إعلام محلي)

وتُعد محافظتا الحديدة وحجة من أكثر المناطق تعرضاً لهذا المرض بحكم طبيعتهما المناخية الرطبة وارتفاع درجات الحرارة فيهما، غير أن اللافت، وفق مختصين، هو انتقال العدوى بوتيرة متصاعدة إلى محافظات مرتفعة نسبياً، مثل إب والمحويت، وهو ما يعكس تغيراً في خريطة انتشار المرض، ويوحي بأن العوامل البيئية والصحية المساعدة على تفشيه باتت أكثر اتساعاً من السابق.

وتعزو مصادر صحية هذا التصاعد إلى زيادة هطول الأمطار خلال الأشهر الأخيرة، وما نتج عنه من تجمعات مائية راكدة، إلى جانب تراكم النفايات وتدهور خدمات النظافة العامة، في ظل غياب برامج مكافحة البعوض وانعدام حملات الرش الوقائي، وهي إجراءات كانت تُسهم في الحد من الانتشار خلال المواسم الممطرة.

نظام صحي منهار

ويتزامن هذا التفشي للملاريا مع استمرار انهيار القطاع الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين؛ حيث تعاني المستشفيات والمراكز الطبية نقصاً حاداً في الكوادر والأدوية والمستلزمات التشخيصية، في حين خرج عدد من المرافق عن الخدمة بسبب الحرب أو انعدام التمويل، ما يجعل القدرة على احتواء موجة الإصابات محدودة إلى حد بعيد.

ويؤكد عاملون في القطاع الصحي أن الاستجابة الحالية لا توازي حجم التحدي، خصوصاً مع تراجع توزيع الناموسيات الواقية، وضعف برامج التوعية المجتمعية، وغياب خطط استباقية لمواجهة موسم الأمطار الذي غالباً ما يشهد ارتفاعاً في معدلات الإصابة بالأمراض المنقولة عبر الحشرات.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

ويزيد من خطورة الوضع تزامن انتشار الملاريا مع أعباء صحية أخرى، بينها سوء التغذية والأمراض المعدية الموسمية، ما يضع شرائح واسعة من السكان، خصوصاً الأطفال والنساء الحوامل، أمام مخاطر مضاعفة، في ظل محدودية الوصول إلى الرعاية الطبية المناسبة.

وتتزايد التحذيرات الدولية من هذا الخطر في ظل اتساع رقعة المناطق الموبوءة؛ حيث أكدت منظمة الصحة العالمية، في بيان بمناسبة اليوم العالمي للملاريا، أن أكثر من ثلثي سكان اليمن يعيشون في مناطق معرضة لانتقال المرض، ما يجعل البلاد من أكثر البيئات هشاشة أمام هذا الوباء على مستوى الإقليم.

ووفق المنظمة، فإن نحو 64 في المائة من السكان يقيمون في مناطق تتوفر فيها ظروف انتقال الملاريا، فيما تُعد النساء الحوامل والأطفال دون الخامسة الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية الخطيرة، بسبب ضعف المناعة وسوء التغذية وتراجع خدمات الرعاية الأولية.

وأشارت المنظمة إلى أن المرض لم يعد محصوراً في المناطق التي عُرفت تاريخياً بارتفاع مستوى الخطورة، بل بدأ يمتد إلى مناطق كانت تُعد منخفضة الخطورة، نتيجة النزوح الداخلي، وتراجع الخدمات الصحية، والتغيرات المناخية التي أدت إلى ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات الأمطار، ما أوجد بيئات جديدة ملائمة لتكاثر البعوض الناقل للعدوى.

اتهامات للحوثيين

في المقابل، تتكرر الاتهامات للجماعة الحوثية بإهمال ملفات الصحة العامة والخدمات البيئية، وتحويل المدن الواقعة تحت سيطرتها إلى بيئات مفتوحة لتفشي الأوبئة نتيجة ضعف شبكات الصرف، وتراكم المخلفات، وغياب برامج المكافحة الوقائية، مقابل توجيه الموارد نحو أولويات أخرى لا تمس الاحتياجات المعيشية والصحية للسكان.

عاملة صحية تقوم بإعطاء طفل يمني لقاحاً (الأمم المتحدة)

ويرى خبراء أن احتواء موجة التفشي لا يتطلب فقط توفير الأدوية والعلاجات، بل يستدعي خطة تدخل واسعة تشمل إعادة تفعيل برامج مكافحة النواقل، وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتنفيذ حملات توعية مجتمعية، إلى جانب دعم عاجل للقطاع الصحي الذي يواجه خطر الانهيار الكامل.

وفي ظل تسجيل أكثر من مليون حالة اشتباه بالملاريا خلال العام الماضي، وفق تقديرات أممية، يبدو اليمن أمام تحدٍّ صحي متفاقم، قد يتحول إلى كارثة إنسانية أشد وطأة إذا استمر التدهور الحالي دون تدخل سريع ومنسق لاحتواء المرض والحد من انتشاره.