حرب السودان... المسيّرات تهدد باتساع رقعتها

خبراء: غارات «الدرون» أهداف سياسية وليست عسكرية

حرب السودان دمرت كثيراً من المرافق العامة بما في ذلك المستشفيات (رويترز)
حرب السودان دمرت كثيراً من المرافق العامة بما في ذلك المستشفيات (رويترز)
TT

حرب السودان... المسيّرات تهدد باتساع رقعتها

حرب السودان دمرت كثيراً من المرافق العامة بما في ذلك المستشفيات (رويترز)
حرب السودان دمرت كثيراً من المرافق العامة بما في ذلك المستشفيات (رويترز)

أدى استخدام الطائرات المسيّرة من دون طيار إلى اتساع رقعة الحرب في السودان لتصل إلى أماكن كان يُعتقد حتى وقت قريب، أنها بمنأى عن ساحة الحرب. فخلال ثلاثة الأسابيع الماضية، أُعلن عن هجمات بالمسيّرات استهدفت مناطق تبعد عن العاصمة الخرطوم وعن مناطق أخرى تشهد قتالاً، بنحو 400 كيلومتر، لتصل إلى مدن مثل عطبرة وشندي ومروي، وكلها مدن في الشمال.

ومنذ بداية الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» قبل أكثر من عام، استُخدمت المسيّرات في المواجهات، ومعظمها كانت مسيّرات «بدائية» تنتجها هيئة التصنيع العسكري في السودان، ويملكها الجيش. غير أن «قوات الدعم السريع» حصلت على بعضها عندما استولت أثناء المعارك على منشآت تابعة للتصنيع العسكري، في حين تردد أيضاً أن دولاً خارجية زودت الطرفين بأنواع مختلفة من المسيّرات.

«المهاجر 6»

وتوسع الحديث عن المسيّرات إثر ذيوع معلومات عن حصول الجيش على مسيّرات إيرانية متطورة، أبرزها «المهاجر 6»، استطاعت تحويل سير المعارك لصالحه، وبرز ذلك في استرداده لحي أم درمان القديمة والهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون، بعد طرد «قوات الدعم السريع» منها، ثم راج أيضاً أن «قوات الدعم السريع» حصلت على مسيّرات «أكثر تطوراً» من جهات لم يُكشف النقاب عنها.

وبدأ القتال في العاصمة الخرطوم في 15 أبريل (نيسان) 2023، ثم اتسعت دائرته لتصل إلى ولايتي دارفور وكردفان في غرب البلاد، وولاية الجزيرة في الوسط، وتخوم ولايات النيل الأبيض وسنار والقضارف. وفي تطور لافت وصلت الحرب إلى شمال السودان وشرقه، وهي مناطق كان يُعتقد حتى وقت قريب أنها بعيدة عن مرمى نيران «قوات الدعم السريع»، وآليات قتالها الأساسية المتمثلة في سيارات الدفع الرباعي سريعة الحركة.

مسيّرات الشمال والشرق

وكان لافتاً أن نيران الحرب لم تصل إلى شمال وشرق البلاد عبر سيارات الدفع الرباعي المعهودة التي تستخدمها «قوات الدعم السريع» في جميع معاركها، بل كانت هذه المرة عبر الطائرات المسيّرة؛ إذ حدثت عدة هجمات شنتها المسيّرات على مناطق عسكرية تابعة للجيش في تلك المناطق.

وأعلن الجيش، يوم السبت 27 أبريل، تصدي أنظمته الدفاعية لثلاث مسيّرات انتحارية هاجمت المطار العسكري في مدينة مروي التي تبعد نحو 400 كيلومتر شمال الخرطوم، ونشر الجيش صوراً لحطام مسيّرات بمحرك احتراق داخلي صغير. وفي يوم الثلاثاء 24 من الشهر ذاته، كشف الجيش أيضاً عن إسقاط مسيّرتين قرب قيادة «الفرقة الثالثة مشاة» في مدينة شندي (190 كيلومتراً شمال العاصمة). وفي التاسع من نفس الشهر، قصفت مسيّرتان انتحاريتان مقر جهاز المخابرات العامة ومقر الجهاز القضائي في مدينة القضارف التي تقع على بعد 450 كيلومتراً شرق العاصمة.

وبدأت حرب المسيّرات في الثاني من أبريل بمقتل 12 شخصاً وإصابة 30، إثر هجوم بمسيّرة على حفل إفطار رمضاني نظمته «كتيبة البراء بن مالك» التابعة للحركة الإسلامية التي تقاتل بجانب الجيش، في مدينة عطبرة على بعد 300 كيلومتر شمال الخرطوم.

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (يسار) ومساعده ياسر العطا في أم درمان (الجيش السوداني)

نيران صديقة

لم يوجه الجيش اتهامات مباشرة لـ«قوات الدعم السريع»، لكنه قال في بيان إن المسيّرات التي استهدفت مدينة مروي أطلقها «العدو»، في حين ترددت أنباء أن مجموعة من داخل الجيش نفسه أو تقاتل معه هي التي قامت بالاعتداء. ومن جانبها، نفت «قوات الدعم السريع»، على لسان متحدثين باسمها، تبعية تلك المسيّرات لها.

وانتشرت على نطاق واسع معلومات أن المسيّرات ربما أُطلقت من «مواقع صديقة للجيش»، رداً على ما تردد أيضاً بأن قيادة الجيش انتقدت كتائب الإسلاميين الحليفة له بأن ظهورها المكثف أدى إلى تخلي بعض الدول عن دعم الجيش. واتجهت أصابع الاتهام، وفق المعلومات الشائعة، إلى «كتائب البراء».

وقال الخبير العسكري المتقاعد، الطيب مالكابي، لـ«الشرق الأوسط»، إن المسيّرات التي تُستخدم في الحرب السودانية «نوعية بدائية يغلب عليها الطابع الانتحاري، وإن قطعها لمسافات طويلة يطرح عدة أسئلة، مثل من أين أُطلقت، ومن يتحكم فيها».

ويؤكد مالكابي أن سهولة إسقاط تلك المسيّرات يفسر الهدف من إطلاقها، قائلاً: «الهدف من إطلاق هذه المسيّرات ليس هدفاً عسكرياً، بل هدف سياسي بغرض التأثير على معنويات الطرف الآخر».

مسلحون من أنصار المقاومة الشعبية الداعمة للجيش السوداني (أ.ف.ب)

رسائل سياسية

وأضاف مالكابي: «أما المسيّرات التي عادت أدراجها فهي في الغالب استطلاعية، خاصة تلك التي حلقت حول خزان مروي وحول مدينة عطبرة، فهذه أرسلت رسائل سياسية أكثر من كونها عمليات عسكرية». وأوضح أن المسيّرات الانتحارية المستخدمة في السودان قادرة على قطع مسافات طويلة بالفعل، لكنها بالمقابل تفقد القدرة على إصابة الهدف بدقة كلما طالت المسافة، أما التي أصابت أهدافها فمن المؤكد أنها أُطلقت من مسافات قريبة.

وأضاف: «بما أن القوات المسلحة لم تصدر بياناً تتهم فيه جهة محددة، و(قوات الدعم السريع) لم تتبنَّ تلك العمليات، فإن الاحتمالات تتعدد حول ماهية جهة الإطلاق ومكانها». وتفسيراً للمعلومات المتداولة عن احتمال أن تكون تلك المسيّرات نيراناً صديقة، قال مالكابي: «لهذا الاتهام حيثياته القائمة على التجاذبات بين القادة العسكريين الرافضين لاستقلال الكتائب عن الجيش، ومن يتبنون وجودها المستقل. كما أن هناك حيثيات أخرى للاتهام، وهي أن (كتائب البراء) تملك مسيّرات، بل إن الذين أشرفوا على شراء تلك المسيّرات وجلبوها هم ضباط إسلاميون في الجيش».

ولأن الجيش لم يتهم «قوات الدعم السريع» بتلك المسيّرات صراحة في بياناته، واكتفى ببيان حول عملية مروي باستخدام مفردة «العدو»؛ فإن السؤال يظل قائماً: من هو «العدو» المقصود؟ أهو «الدعم السريع» أم عدو آخر لم يحن الوقت لتسميته؟

أرشيفية لـ«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (رويترز)

ثغرة أمنية كبيرة

من جهته، أشار الخبير العسكري المتقاعد عمر أرباب، لراديو «دبنقا» السوداني الذي يبث من هولندا، إلى أن مجرد وصول مسيّرتين إلى مدينة شندي يعد ثغرة أمنية كبيرة في دفاعات الجيش، ومؤشراً خطيراً يجب تداركه.

ورجح أرباب احتمال أن تكون «قوات الدعم السريع» ضالعة في إطلاق تلك المسيّرات، وقلل من كون إطلاقها يعد تصفية حسابات بين الجيش وبعض الكتائب الإسلامية الموالية له، قائلاً: «صحيح أنه خلاف قائم، لكنه لا يرقى لمرحلة استهداف بعضهم بعضاً. واستخدمت (قوات الدعم السريع) هذا الخلاف لصالحها، عبر إرسال رسالة بأنها قادرة على ضرب أهداف في عمق مناطق سيطرة الجيش دون إثبات لتورطها في الأمر».

وتابع: «لا أحد يستطيع الجزم بمن هو المقصود بـ(العدو) المشار إليه في بيان الجيش عن عملية مروي، لكن تهديدات الإسلاميين العلانية لبعض قادة الجيش، بمن فيهم القائد العام ونائبه، لمنعهم من التفاوض مع (الدعم السريع)، تخلق وضعاً رمادياً عن الجهة التي قامت بالهجوم».

وفي كل الأحوال، فإن المسيّرات المستخدمة في حرب السودان، بغض النظر عن فاعليتها، فقد نقلت الحرب إلى أماكن بعيدة كان يُظن أنها آمنة ولن تصل إليها الحرب، مما يؤكد توسع نطاق الحرب يوماً بعد يوم.


مقالات ذات صلة

السعودية تدين بشدة هجمات «قوات الدعم السريع» في كردفان

الخليج عناصر من «قوات الدعم السريع» في شرق دارفور (لقطة من فيديو)

السعودية تدين بشدة هجمات «قوات الدعم السريع» في كردفان

أعربت السعودية عن ادانتها واستنكارها الشديدين للهجمات الإجرامية التي شنتها «قوات الدعم السريع» على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية وحافلة تقل نازحين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)

اشتباكات بين الجيش السوداني و«ميليشيا» موالية له في الجزيرة

قالت «حركة تحرير الجزيرة» إن تبادلاً لإطلاق النار جرى بين الجيش السوداني ومسلحين تابعين له (غير نظاميين) في مدينة رفاعة بشرق ولاية الجزيرة في وسط البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربة نقل كانت تقل نازحين من منطقة دبيكر.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا 
نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)

الخارجية السودانية تندد بهجوم «الدعم السريع» على قافلة برنامج الغذاء العالمي

نددت وزارة الخارجية السودانية، الجمعة، بالهجوم الذي قالت إن قوات الدعم السريع نفذته بطائرة مسيرة على شاحنات تابعة لبرنامج الغذاء العالمي بشمال كردفان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)

رئيس مجلس السيادة السوداني: نرحب بأي شخص يلقي السلاح

قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، اليوم الجمعة، إن الدولة لا ترفض السلام ولا الهدنة.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

24 قتيلاً بهجوم لـ«الدعم السريع»

الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

24 قتيلاً بهجوم لـ«الدعم السريع»

الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربة نقل كانت تُقلّ نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

جاء الهجوم على حافلة النازحين في سياق هجمات مختلفة لـ«الدعم السريع» طالت أيضاً مستشفى الكويك العسكري وقافلة إغاثية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي في شمال وجنوب إقليم كردفان. وأعربت السعودية عن إدانتها واستنكارها الشديدين لهجمات «قوات الدعم السريع»، وأكدت، في بيان لوزارة خارجيتها، أمس، أن هذه الأعمال لا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال.

وجددت السعودية تأكيد موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، ورفضها التدخلات الخارجية واستمرار بعض الأطراف في إدخال السلاح غير الشرعي والمرتزقة والمقاتلين الأجانب، موضحةً أن هذا التدخل يُطيل أمد الحرب.


ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
TT

ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)

رفع «المجلس الأعلى للقضاء» في ليبيا سقف التصعيد ضد قرارات الدائرة الدستورية في «المحكمة العليا» في طرابلس، بتحذير صارم من «محاولات تسييس الجهاز القضائي»، و«العبث به في هذه المرحلة حساسة»، في بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً مزمناً يكاد يقترب من ساحة القضاء.

جاء موقف «المجلس الأعلى للقضاء» على خلفية قرار الدائرة الدستورية إبطال قانونين أصدرهما مجلس النواب، وتضمنا تعديلات على قانون نظام القضاء، ما يعني سقوط الأساس الدستوري، الذي قام عليه تشكيل المجلس الأعلى للقضاء الحالي، وفقدانه صفته المستمدة من هذا القانون، بما يوجب إعادة تشكيله وفق النصوص السابقة.

ودون حديث مباشر عن «الدائرة الدستورية»، أعرب المجلس، في بيان، مساء الجمعة، عن أسفه لما يحدث على الساحة القضائية، وبخاصة «محاولات البعض للنيل من وحدة واستقلال السلطة القضائية، عبر استخدام أدوات تحسب نفسها على الشأن الدستوري للحلول محل المجلس بمجلس ضرار»، عادّاً أن هدفها «تحقيق غايات لا يمكن القول إلا أنها سياسية وشخصية ضيقة، على نحو يصادر كل ما عداها من سلطات».

وأضاف المجلس موضحاً أنه «حفاظاً على وحدة السلطة القضائية، والتحلي بالمسؤولية ولمصلحة الوطن الكبرى، مارس المجلس أعلى درجات الانضباط فترة من الزمن أمام تعنت مستمر ممن حملوا هذه الغايات لفرض أمر واقع لا نتيجة له»، مشيراً إلى محاولات «العبث بالجهاز في مرحلة حساسة وخطيرة من تاريخ الوطن، في الوقت الذي هو أحوج فيه ما يكون للوحدة دون غيرها».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المجلس)

وينظر إلى هذا التصعيد على أنه حلقة من صراع قانوني وسياسي بين مجلسي النواب والدولة، انتقل من أروقة السياسة إلى قلب السلطة القضائية، وبينما سعى مجلس النواب عبر حزمة تعديلات قانونية إلى إعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، بما يضمن له نفوذاً أكبر على الهيئة القضائية، اعتبر مجلس الدولة أن هذه الخطوة «تسييس» للقضاء.

وأكد «المجلس الأعلى للقضاء» أنه «سيظل الممثل الشرعي الوحيد للهيئات القضائية، ولن يتخلى عن التزامه بوحدة الجهاز وأعضائه تحت أي ضغوط، مع الالتفات عن أي قرارات تصدر عن غيره، وعدم الانصياع لمن عقدوا العزم على التفريط في وحدته بقرارات معدومة».

على صعيد آخر، اختتم مسار الحوكمة في الحوار المُهيكل، الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة، بمناقشة سبل استكمال مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتجاوز الجمود المتعلق بالإطار الانتخاب.

وبحث أعضاء المسار في ثاني جولة مداولات مباشرة، على مدى الخمسة أيام، القضايا المتعلقة بتأزم الطريق نحو الانتخابات، بما في ذلك استكمال مجلس المفوضية العليا للانتخابات، والجمود المتعلق بالإطار الانتخابي، مع تقديم توصيات عملية للعمل مع مجلسي النواب والدولة، أو خارجهما لضمان المضي قدماً في العملية السياسية.

وشهدت الجولة تأكيداً من الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، على أن هذا الحوار يمثل عملية «ليبية - ليبية»، تهدف لوضع حلول عملية صاغها الليبيون بأنفسهم لمستقبل بلادهم، بعيداً عن كونه هيئة لاختيار حكومة جديدة. كما استندت المداولات بشأن الإطار الانتخابي إلى قوانين لجنة «6+6»، وتوصيات اللجنة الاستشارية، مع التركيز على فهم الضمانات، والمخاوف السياسية الكامنة وراء الخلافات الحالية.

من جانبهم، أشار الأعضاء المشاركون إلى أن الجولة انتقلت من المبادئ العامة إلى التفاصيل الإجرائية، مؤكدين أن حل أزمة الشواغر في مجلس إدارة المفوضية يعد ركيزة أساسية لتعزيز الثقة في أي انتخابات مستقبلية، ومنع تعرضها للطعن أو التعطيل.

من حملة الانتخابات البلدية السابقة (المفوضية)

وفي ختام الجولة، عرض الأعضاء توصياتهم الرئيسية على سفراء وممثلي مجموعة العمل السياسية لعملية برلين، الذين أكدوا دعمهم لخريطة الطريق التي تيسرها البعثة الأممية، على أن يستأنف المسار أعماله في مارس (آذار) المقبل، لمواصلة بناء التوافق حول رؤية وطنية تحقق الاستقرار طويل الأمد.

وجددت البعثة الأممية التأكيد على أن الحوار المُهيكل ليس هيئةً لاتخاذ القرار بشأن اختيار حكومة جديدة، مشيرة إلى أنه يُعنى فقط ببحث توصيات عملية لخلق بيئة مواتية للانتخابات، ومعالجة التحديات الأكثر إلحاحاً في مجالات الحوكمة والاقتصاد والأمن، بهدف تعزيز مؤسسات الدولة. وذلك من خلال دراسة وتطوير مقترحات السياسات والتشريعات لمعالجة محركات الصراع طويلة الأمد، كما أشارت إلى أن عمل الحوار المُهيكل سيهدف إلى بناء توافق في الآراء حول رؤية وطنية، من شأنها أن تعبد الطريق نحو الاستقرار.

وتزامن هذا التطور مع انطلاق عملية الاقتراع، السبت، لانتخابات المجالس البلدية في بلديات تاجوراء، صياد، والحشان، إضافة إلى مركز اقتراع في طبرق، وسط أجواء منظمة وهادئة. وقالت غرفة العمليات الرئيسية بالمفوضية إن عملية الاقتراع تسير وفق الخطة المعتمدة، ودون تسجيل أي عراقيل تُذكر، وفي أجواء تتسم بالانضباط والتنظيم.

وأكدت المفوضية فتح جميع المراكز، وعددها 43 مركزاً تضم 93 مكتب اقتراع، وتميزت هذه الجولة باستخدام تقنية التحقق الإلكتروني (البصمة) في بلدية تاجوراء، في خطوة تستهدف تعزيز الشفافية، ومنع أي محاولات للتزوير.

خوري خلال تفقدها مركزاً للاقتراع في الانتخابات البلدية السبت (البعثة الأممية)

ودعت بعثة الأمم المتحدة جميع الناخبين المسجلين للإدلاء بأصواتهم بهدف المساهمة في بناء حوكمة محلية مسؤولة، فيما زارت نائبة رئيسة البعثة، ستيفاني خوري، مراكز الاقتراع في تاجوراء للاطلاع على عملية التصويت، واستخدام نظام التحقق الإلكتروني من الناخبين.

وتستكمل هذه الانتخابات خطة المفوضية لانتخاب المجالس البلدية على مستوى البلاد، بعد تجاوز بعض العوائق الفنية والقانونية، التي أخرت الاقتراع فيها، كامتداد لنجاح المراحل السابقة، التي نُفذت خلال العامين الماضيين، وأسفرت عن اعتماد نتائج نهائية وتشكيل مجالس منتخبة.


مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
TT

مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)

أعربت مصر عن تقديرها للدور المهم والبنّاء الذي تضطلع به سلطنة عُمان، واستضافتها المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، مشددة على أنها «سوف تواصل بذل جهودها الحثيثة لخفض التصعيد، ودعم التوصل إلى تسويات تعزّز منظومة الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي».

جاءت التأكيدات المصرية خلال اتصالَين هاتفيين لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، السبت، مع كل من وزير خارجية سلطنة عُمان بدر البوسعيدي، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة العُمانية مسقط، وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إن المحادثات «شهدت أجواء إيجابية للغاية»، مضيفاً أن الجانبين «اتفقا على مواصلة المفاوضات».

وأطلع وزير الخارجية العماني، نظيره المصري، السبت، على مجريات المفاوضات التي تمت في عمان بين الولايات المتحدة وإيران، مثمناً الجهود المصرية الدؤوبة والاتصالات المكثفة التي أجرتها مصر بين الأطراف المعنية على مدار الأسابيع الأخيرة، والتي أسهمت في تقريب وجهات النظر والتمهيد للمفاوضات، مشيداً بـ«التحركات الدبلوماسية المصرية الرامية إلى نزع فتيل الأزمات في المنطقة».

وقال عبد العاطي، خلال الاتصال مع البوسعيدي، إن مصر «ستواصل دعمها الجهود كافّة الرامية إلى خفض التصعيد، والتوصل إلى تسوية توافقية للملف النووي الإيراني تراعي شواغل جميع الأطراف»، مشدداً على «أهمية البناء على ما تحقق في هذه المفاوضات، بغية تحقيق الأمن والاستقرار الإقليميين، وتجنّب المنطقة مخاطر الانزلاق إلى موجات جديدة من عدم الاستقرار».

وزيرا خارجية مصر وإيران خلال لقاء غروسي بالقاهرة في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

وأكدت مصر، الجمعة، دعمها الكامل لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، «بوساطة الأشقاء في سلطنة عمان». وشددت على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، والسبيل الوحيد للتعامل معه يتمثّل في الحوار والتفاوض، بما يراعي مصالح الأطراف المعنية كافّة».

كما ثمّنت الجهود البنّاءة التي بذلتها كل من المملكة العربية السعودية، وقطر، وتركيا، وسلطنة عمان، وباكستان في هذا الإطار، معربة عن أملها في أن «تُفضي هذه المساعي الصادقة إلى تحقيق اختراق إيجابي، يُسهم في تعزيز فرص الاستقرار والسلام في المنطقة».

كما أشار وزير الخارجية المصري، خلال اتصاله الهاتفي مع غروسي، السبت، إلى استمرار الجهود المصرية الرامية إلى خفض التصعيد في المنطقة، مشدداً على «أهمية مواصلة بذل الجهود الإقليمية والدولية، لخفض حدة التوتر والتصعيد بالمنطقة، والدفع بالحلول الدبلوماسية».

وقادت مصر العام الماضي وساطة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، انتهت بتوقيع وزير الخارجية الإيراني، ومدير عام الوكالة الدولية، على اتفاق بالقاهرة في التاسع من سبتمبر (أيلول) الماضي، يقضي بـ«استئناف التعاون بين الجانبَين، بما يشمل إعادة إطلاق عمليات التفتيش على المنشآت النووية الإيرانية»، قبل أن تعلن طهران تجميد الاتفاق في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وكان عبد العاطي قد أكد، خلال حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» في العاصمة السلوفينية ليوبليانا، مساء الجمعة، «أهمية خفض التصعيد في الإقليم، وتجنّب توسيع دائرة الصراع، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لمعالجة الملفات الخلافية، بما يُسهم في الحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها، ومنع انزلاقها إلى مواجهات أوسع».