الإعلام الروسي يكشف لقطات لأسلحة روسية سرية والكرملين يطلب «حذفها»

كارثة الطائرة فوق سيناء.. ارتباك في التغطية الإعلامية ومحاولة لتصفية الحسابات

المتحدث باسم وزارة الدفاع اللواء إيغور كوناشينكوف
المتحدث باسم وزارة الدفاع اللواء إيغور كوناشينكوف
TT

الإعلام الروسي يكشف لقطات لأسلحة روسية سرية والكرملين يطلب «حذفها»

المتحدث باسم وزارة الدفاع اللواء إيغور كوناشينكوف
المتحدث باسم وزارة الدفاع اللواء إيغور كوناشينكوف

لم تكد تختفي الطائرة الروسية «إيرباص 321» من على شاشات الرادار بعد إقلاعها من مطار شرم الشيخ قاصدة سان بطرسبرغ في صباح 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي حتى انخرط الإعلام الروسي بكل أشكاله، من مرئي إلى مسموع إلى إلكتروني، في جدل حول حقيقة الموقف، في نفس الوقت الذي تباينت فيه المواقف تجاه المقدمات والنتائج. ولم يكن أوار الحملات الإعلامية حول هذا الشأن قد خبا بعد، حتى انفجرت مشكلة الكرملين مع الإعلام الذي تورط في إذاعة لقطات عن منظومات أسلحة روسية سرية جديدة خلال اجتماع الرئيس بوتين مع كبار القيادات العسكرية، سارعت السلطات الروسية بالمطالبة بحذفها.
اتسمت تغطية أجهزة الإعلام الروسية لملابسات الحادث في الأيام الأولى التالية لوقوع الكارثة بارتباك شديد، نعزوه في أغلب الظن إلى شحة المعلومات وضبابية الرؤية، وغياب التنسيق مع المصادر الخارجية ومنها المصرية التي كانت أسبق بكثير في الإعلان عن دقائق الموقف بعيدا عن أية تفسيرات أو مبررات. وكانت أجهزة الإعلام الرسمية توخت أعلى درجات الحذر في الإعلان عن سقوط طائرة الركاب الروسية، حتى درجة الإعلان عن اختفاء الطائرة واحتمالات هبوطها اضطراريا، وإن حاول بعض المسؤولين أن يعزو ذلك إلى «محاولة تهدئة روع أهالي الضحايا». ولم يمض من الزمن الكثير حتى ظهر سيرغي باشكوف مدير مكتب القناة التلفزيونية الإخبارية الرسمية في تل أبيب ليعلن من شرم الشيخ أن طائرات الاستطلاع الإسرائيلية حددت موقع سقوط الطائرة، في الوقت الذي تعرض فيه السلطات الإسرائيلية استعدادها لتقديم يد العون إلى السلطات المصرية. وقد جرى كل ذلك في نفس الوقت الذي كانت السلطات المصرية تعلن فيه عما اتخذته من إجراءات بما في ذلك أنباء العثور على موقع سقوط الطائرة دون مساعدة خارجية. وخرجت الصحف الروسية في اليوم التالي للحادث «عامرة» بكل ألوان الطيف في تفسيراتها لمبررات الحادث ومنها ما أشار إليه مراسل التلفزيون من شرم الشيخ الذي أعلن عن فرضية إطلاق صاروخ محمول من جانب الإرهابيين في شبه جزيرة سيناء، في نفس الوقت الذي راحت فيه صحف أخرى تفند ما يقال بهذا الشأن، ومنها «كوميرسانت» التي قالت باستحالة بلوغ أي صاروخ محمول للارتفاع الذي كانت عليه الطائرة، أي قرابة العشرة آلاف متر. وفيما تحولت الصحف وأجهزة الإعلام الروسية في معظمها إلى تبنى فرضية سوء الحالة التقنية للطائرة «إيرباص 321» وقالت إن عمرها يزيد على 18 عاما تنقلت خلالها بين ملكية عدد من شركات الطيران العربية والتركية، حتى آلت إلى شركة طيران «كوغاليم افيا» المتواضعة القدرات والإمكانيات والتي تعمل فقط في خدمة الطيران العارض «الشارتر»، راح الكثيرون من أبرز نجوم الساحة السياسية والإعلامية يتحولون في حملة كاملة العدد، إلى الهجوم ضد الطائرات الغربية الصناعة، مطالبين بالعودة إلى إنجازات صناعة الطيران السوفياتية – الروسية. وقد ظل الأمر يتراوح بين التركيز على فداحة الكارثة ومتابعة تحركات وردود فعل أقارب وذوي الضحايا ممن ظلوا يكابدون جسامة الموقف وهول الكارثة، وبين نقل البيانات والتصريحات الرسمية الصادرة عن المسؤولين الروس والمصريين، إلى جانب متابعة ما تقوم به اللجنة الحكومية الروسية التي كلفتها الدولة لمتابعة الموقف من القاهرة وسيناء مع زملائهم المصريين الذين أجمعت كل السلطات الروسية بحسن تعاونهم وتقديمهم كل ما يلزم للزملاء الروس للقيام بمهمتهم على خير وجه. وما إن أعلن الكرملين عن مكالمة الرئيس بوتين مع ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني الذي قال إنه أطلعه على ما لديه من تسجيلات تقول إن الحادث نتيجة عمل إرهابي وإن الطائرة انفجرت على ارتفاع عشرة آلاف متر نتيجة تفجير لم يثبت بعد، وهو ما كان سببا في إعلان الرئيس بوتين عن قراره بوقف الطيران إلى مصر وسرعة إجلاء الرعايا الروس، حتى تحولت الصحف والأجهزة الروسية بنفس الحملة كاملة العدد صوب تبني هذه الفرضية. وهنا ظهر المحللون وخبراء الشؤون السياسية الذي راحوا يعكفون على استجلاء المبررات والأسباب، ويشرحون «ما وراء العناوين». ومن هذا المنظور تباينت الرؤى والمواقف.
فمن صحيفة «كوميرسانت» التي عزت «العملية الإرهابية» إلى خطط انتقامية دبرتها فصائل «داعش» والتنظيمات الموالية لها في سيناء مثل «أنصار بيت المقدس» أو «ولاية سيناء» نكاية في روسيا بسبب عملياتها العسكرية في سوريا، وكذلك ضد مصر التي تلاحقها في سيناء، إلى الداخل الروسي، معيدا إلى الأذهان ما سبق وقام به الإرهابيون الشيشانيون من عمليات إرهابية في موسكو وكبريات المدن الشيشانية بعد الحرب الشيشانية الثانية 1999 - 2001. وقال: «إن الطيران الروسي قام بكل ما كان يمكن أن يقوم به، ولن يكون هناك في المستقبل القريب ما يمكن قصفه. ومع ذلك فلم يحقق الجيش السوري انتصارات ملموسة بما قد يعني ضرورة بدء القوات الروسية لعملية برية». وسرعان ما ولج ميرسكي إلى المحظور، حيث قال «إن ذلك قد يكون سببا في تزايد أخطار الإرهاب. فقد نهض الإسلام من كبوته وراح يعمل على بناء الخلافة، بينما تطعنه روسيا في ظهره. وهو ما يمكن أن يكون أداة قوية سوف تستخدمها (داعش) لاستنهاض همم الراديكاليين في كل أنحاء العالم».
أكد الكرملين أن بعض القنوات التلفزيونية الروسية عرضت لقطات كشفت عن منظومة أسلحة روسية سرية مخصصة لنصبها على غواصات وتتميز بقدرات فائقة. وكانت القنوات التلفزيونية الإخبارية الرسمية بما فيها الناطقة بالعربية مضت إلى ما هو أبعد حين كشفت عن المستور، حيث تضمنت تقاريرها «لقطات تظهر صورة توضيحية مكرسة لمنظومة (ستاتوس – 6) البحرية متعددة الأغراض والتي يطورها مكتب تصميم (روبين)». وقالت إن هذا السلاح «جهاز بحري ذاتي الحركة» يحمل «وحدة قتالية»، يبلغ مداه 10 آلاف كيلومتر ويستطيع الغوص إلى عمق ألف متر. وأضافت «إن الجهاز محمول على متن غواصات ذرية من مشروعي (09852 - بيلغورود) و(09851 - خاباروفسك)، وتتلخص مهمته في ضرب منشآت اقتصادية مهمة للعدو في مناطق ساحلية وإلحاق أضرار يستحيل تحملها عن طريق إثارة تلوث إشعاعي واسع النطاق، تحول دون استخدام تلك المناطق لممارسة الأنشطة العسكرية والاقتصادية وأي أنشطة أخرى لفترة زمنية طويلة الأمد». إزاء ذلك لم يكن أمام الكرملين سوى أن يخرج الناطق الرسمي باسمه ديمتري بيسكوف ليعترف بأن «الحديث يدور عن تقارير مكرسة لاجتماع عقده الرئيس فلاديمير بوتين الثلاثاء 10 نوفمبر (تشرين الثاني)، مع القادة العسكريين حول تطوير القوات المسلحة الروسية»، مشيرا إلى أن «عدسة الكاميرا التقطت فعلا معلومات سرية معينة، وتم حذف تلك اللقطات لاحقا. ونحن نأمل في ألا يتكرر هذا الحادث». وأضاف قوله: «بلا شك سنتخذ إجراءات احترازية من أجل منع تكرار ذلك».
وكان كل ذلك قد جاء في أعقاب توسع الإعلام الروسي في تناول القضايا العسكرية بمختلف تفاصيلها في إطار خطة واضحة لرفع مستوى الوعي القومي وتجييش المشاعر والجهود من أجل مواجهة الحملات الغربية وتشديد العقوبات الاقتصادية والسياسية ضد روسيا منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية. ولطالما أكدت الصحف والأجهزة الإعلامية الروسية أن ما تفعله روسيا ليس سوى محاولة لتعويض ما فاتها خلال سنوات الركود التي أفقدتها الكثير من مواقعها وقدراتها العسكرية والاقتصادية بسبب السياسات التي اتبعها الأسلاف خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي التي شهد العالم فيها تغول الولايات المتحدة وقواتها الضاربة في الناتو. وأشارت إلى ما كان يسمى حرب النجوم في الثمانينات وخطة الدرع الصاروخية في أوروبا التي تعمل واشنطن الآن على نشرها في أوروبا وعلى مقربة مباشرة من الحدود الروسية. ولذا كان من الطبيعي أن تبرز وسائل الإعلام الروسية ما أعلنه الرئيس بوتين في اجتماعه الأخير مع قياداته العسكرية حول أن روسيا نجحت في تطوير أسلحة ضاربة قادرة على اختراق كل منظومات الدفاع الصاروخي على نطاق العالم، مؤكدا أنه قد بدأ تزويد القوات المسلحة بهذه الأسلحة.



«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
TT

«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)

«قبل أكثر من 20 سنة، حاولنا الاستحواذ على صحيفة (التلغراف)، لكننا لم ننجح. الآن تحقق حلمنا»... هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي. وبعد مرور قرابة ثلاثة أشهر ما زالت المجموعة الألمانية العملاقة لم تنهِ بعدُ إجراءات شراء الدار، بل تنتظر الموافقات التنظيمية النهائية قبل أن تتسلمها رسمياً، وتبدأ بتطبيق رؤيتها التي ستركز على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي.

من ناحية أخرى، فمع أن «أكسل شبرينغر» سعت لسنوات بلا كلل لشراء «التلغراف» ودارها، جاءت الصفقة مفاجئة، لا سيما أن مجموعة «الديلي ميل» البريطانية - وهي يمينية أيضاً - كانت تقدّمت بعرض مُغرٍ وصل إلى 500 مليون جنيه إسترليني لشرائها، وكانت تنتظر قراراً من الحكومة البريطانية حول ما إذا كان الاستحواذ على «التلغراف» من قبل شركة تمتلك صحفاً بريطانية أخرى، قد يؤثر سلباً على صحة المنافسة في السوق. ويبدو أن المجموعة الألمانية اغتنمت فرصة الشكوك والتردّد هذه، لتقدّم عرضاً أكبر وصل إلى 575 مليون جنيه إسترليني، وتفوز بالصفقة.

ماتياس دوبفنر(أكسل شبرينغر)

سنوات مرتبكة

استحواذ «أكسل شبرينغر» أنهى 3 سنوات مرتبكة داخل «التلغراف» بدأت عام 2023 عندما قرر بنك «لويد سكوتلاند» أن يضع يده على الدار بهدف استرداد أموال استدانها المالكان، وهما الأخوان التوأمان الثريان فيليب وديفيد باركلي (الأخير تُوفي عام 2021). وكان الأخوان قد استدانا من المصرف مقابل رهن الصحيفة والدار، لكنهما توقفا عن سداد ديونهما، ما دفع بالمصرف إلى السيطرة على أسهمهما، وطرحها في المزاد العلني بعد وصول المفاوضات الطويلة مع العائلة لسداد الدين إلى طريق مسدود.

على الأثر، وفور طرح «التلغراف» للبيع في المزاد العلني، تقدّم «تحالف» أميركي - إماراتي لشرائها، إلا أن الصفقة تعثرت بعد اعتراض الحكومة البريطانية على بيعها للتحالف لأسباب تتعلق بمخاوف من نفوذ دولة أجنبية (الإمارات بالذات) على صحيفة بريطانية مؤثّرة سياسياً. وكانت الحكومة المحافظة - آنذاك - قد سنّت تعديلات على قوانين الإعلام وملكية الصحف لمنع سيطرة دول أجنبية على صحف بريطانية.

من ثم، عادت «التلغراف» إلى السوق مرة جديدة في العام التالي، لتتقدم الشركة المالكة لدار «الميل» بعرض لشرائها. ولكن الشركة المالكة للصحيفة الشعبية اليمينية - أي «الميل» - اصطدمت بتدقيق من وزارة الثقافة التي أبدت قلقاً من أن استحواذ الشركة على الصحيفة الوقورة قد يؤثر على التعدّدية الإعلامية في البلاد، وأرادت النظر في أثر الصفقة على المنافسة والمصلحة العامة. وهكذا، جاء عرض «أكسل شبرينغر» لينهي عملية التدقيق الطويلة، ويطوي صفحة بيع الصحيفة.

مع هذا، ففور إعلان «أكسل شبرينغر» عن «تحقيقها حلمها» بالاستحواذ أخيراً على الصحيفة البريطانية، بدأت التساؤلات حول ما إذا كانت المجموعة الألمانية قد تسرّعت بشراء الصحيفة؛ إذ نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية، اليسارية التوجهات، الشهر الماضي عن مصادر لم تسمها القول إن «أكسل شبرينغر» لم تُجرِ إجراءات التدقيق اللازمة قبل الاستحواذ على «التلغراف»، وإنها قد تواجه، بالتالي، صعوبة في استرداد استثمارها مع تحوّل الصحف إلى نماذج أقل ربحية.

«الغارديان» نقلت عن عدة مصادر القول إن الرئيس التنفيذي لمجموعة «أكسل شبرينغر»، ماتياس دوبفنر، قرّر التخلي عن خطوات التدقيق المعتادة التي تُتبع عادة لتقييم قيمة الشركة وآفاقها المستقبلية، لكي ينهي الصفقة بسرعة. وبالفعل تقدّم بعرض أعلى من عرض مالك «الميل» الذي كان عرض الشراء بـ500 مليون جنيه إسترليني، وهو المبلغ نفسه الذي كان دفعه التحالف الأميركي - الإماراتي لشرائها عام 2023، لكنه أُجبر على بيعها من جديد.

شكوك حول جدوى الصفقة

وفق «الغارديان»، لا يتعدى تقييم الخبراء في السوق لقيمة «التلغراف» 450 مليون جنيه إسترليني. وهذا يعود إلى استمرار انخفاض نسبة المشتركين في الصحيفة الورقية. والواقع أن الاشتراكات في النسخة الورقية للصحيفة لا تزال تشكل المصدر الأول للدخل بنسبة 61 في المائة، وبقيمة تزيد على 255 مليون يورو، بحسب أرقام سنة 2024. غير أن هذه الأرقام تنخفض منذ سنوات، بحسب تحقيق «الغارديان». فقط عام 2024 سجّل ارتفاعاً بنسبة 5 في المائة في نسبة الاشتراكات، 78 في المائة منها كانت اشتراكات إلكترونية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الاشتراكات كان عروضاً مجانية أو بأسعار بخسة.

في أي حال، فعلى الرغم من المخاوف من تعذّر تحقيق مكاسب سريعة، فإن استحواذ المجموعة الألمانية على الدار الصحافية البريطانية يتماشى مع توسع المجموعة دولياً خلال السنوات الأخيرة؛ فهي استحوذت على مجلة «بوليتيكو» عام 2021، ما أعطاها قدماً في العالم الناطق بالإنجليزية، بالإضافة إلى «بيزنس إنسايدر». وراهناً تسعى المجموعة الألمانية إلى الاعتماد على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي عِوضاً عن المطبوعات الورقية، لكن خططها بالنسبة لـ«التلغراف» ما زالت قليلة الوضوح، ولا سيما أن قاعدة الصحيفة الأساسية ما زالت الاشتراكات الورقية.

وفي المحصّلة، ترى «أكسل شبرينغر» - التي تنتمي عناوينها إلى اليمين ويمين الوسط - في «التلغراف» منصة لها للنفاذ إلى النخب السياسية والاقتصادية البريطانية تزيدها تأثيراً، ولا تختلف كثيراً عن توجهاتها السياسية.

رفضت الحكومة البريطانية عرض مالكي «الميل» لشراء «التلغراف» حرصاً على التعدّدية الإعلامية في البلاد

هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي


الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية
TT

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

مع ازدياد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في استقاء المعلومات، يتصاعد القلق داخل منصات إعلامية ومواقع إلكترونية، إزاء ما قد يسببه ذلك من تراجع في حجم الزيارات، وما يستتبعه من تداعيات على عائدات الإعلانات.

ووفقاً لتقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة» أخيراً، فإن «نسبة الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للبحث عن المعلومات تفوق نسبة من يستخدمونه لإنتاج المحتوى».

وأردف التقرير أن «استخدام الذكاء الاصطناعي في استقاء المعلومات بات بديلاً لمحركات البحث التقليدية، وأن هناك ازدياداً في نسبة الذين يكتفون بمطالعة ملخصات الذكاء الاصطناعي، أو ما يقدمه من معلومات، دون النقر على المواقع التي نشرت تلك المعلومات».

تقرير «معهد رويترز» كشف أيضاً عن أن «ثلث المستخدمين فقط ينقرون باستمرار على روابط المصادر المرفقة بإجابات البحث المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، في حين أن 28 في المائة منهم نادراً ما يفعلون ذلك، أو لا يفعلونه على الإطلاق».

رائف الغوري، المدرب والباحث المتخصص في الذكاء الاصطناعي التوليدي، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» إنه «على الرغم مما توفره أدوات الذكاء الاصطناعي من سرعة وكفاءة في الحصول على المعلومات، فهي تمثل تحدياً جديداً أمام الناشرين وأصحاب المواقع الإلكترونية... وإن هذه التحديثات ستؤدي إلى تقليل النقر على الروابط والدخول المباشر إلى المواقع الإلكترونية».

ومن ثم أشار الغوري إلى ما فعله محرِّك البحث «غوغل» بتطويره مساعداً ذكياً قادراً على تنفيذ مهام محددة، وتقديم المعلومات بشكل تفاعلي ومستمر. وذكر أن هذا «يحتِّم على الناشرين وأصحاب المواقع الإلكترونية ابتكار طرائق أخرى للإعلان عن محتوياتهم من خدمات ومنتجات».

وبالتالي، اقترح خطوات لمساعدة الناشرين على التكيف مع الواقع الجديد، منها: «الارتقاء بجودة العمل الصحافي، وتفادي الاعتماد على مخرجات الذكاء الاصطناعي فقط، والرجوع إلى المصادر الأصلية والتحقق منها، وإنتاج محتوى أعمق قائم على التحقيق والإحصاءات واستطلاعات الرأي، واعتماد منهج هجين يجمع بين أدوات البحث التقليدية والذكاء الاصطناعي»؛ هذا إلى جانب «تطوير مهارات الصحافيين وزيادة وعيهم بطرق استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقليص الاعتماد على الزيارات المباشرة، مقابل ابتكار طرائق للوصول للجمهور من خارج محركات البحث، وأخيراً تطوير أساليب جديدة لترويج المحتوى، باستخدام قنوات بديلة، مثل التطبيقات والمنصات المباشرة والشراكات».

وخلص الغوري إلى أن «النجاح لن يكون في منافسة الذكاء الاصطناعي؛ بل في التكيُّف معه وتقديم محتوى أصيل موثوق لا يمكن تعويضه بسهولة».

جدير بالذكر أن «غوغل» كان قد أطلق عام 2024 خدمة ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما تسبب في تراجع حجم الزيارات للمواقع الإلكترونية، حسب دراسات عدة.

وفي هذا الإطار، تطرَّق محمد الصاوي، المتخصص في الرصد والتحليل الإعلامي، إلى «تحوُّلات متسارعة في المشهد الإعلامي العالمي في أنماط استهلاك المعلومات». وتابع في حوار مع «الشرق الأوسط» بأن اعتماد المستخدمين يزداد على أدوات الذكاء الاصطناعي كمصدر مباشر للإجابات، مقابل تراجع ملحوظ في الاعتماد على المواقع الإلكترونية ومحركات البحث التقليدية.

وأرجع الصاوي ذلك إلى «قدرة هذه الأدوات على تقديم إجابات مختصرة وفورية تقلل من الحاجة إلى تصفُّح عدة مصادر، في حين تشير الدراسات إلى أن ظهور الملخصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي يؤدي إلى انخفاض واضح في معدلات النقر على الروابط الإخبارية».

وتابع: «هذه الممارسة تعكس انتقالاً من البحث التقليدي إلى التقييم المقارن للمعرفة؛ حيث تُستخدم الأدوات؛ ليس فقط لاستخلاص المعلومات؛ بل لتحليل النبرة والمشاعر وتحديد مؤشرات السمعة الإعلامية، مع إدراك متنامٍ لضرورة التحقق بسبب احتمالات الأخطاء أو الهلوسة التي قد تنتج عن هذه الأنظمة».

واستطرد ليوضح أن هذا التغير «يفرض تحديات جوهرية على الناشرين وصناعة الأخبار، أبرزها تراجع الزيارات القادمة من محركات البحث التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لـ(الترافيك) والإيرادات الإعلانية. يضاف إلى ذلك إشكال آخر مرتبط بالإسناد وحقوق النشر؛ حيث تعتمد أنظمة ذكاء اصطناعي كثيرة على محتوى الناشرين، دون ضمان واضح لإعادة توجيه الزيارات أو إبراز المصدر بشكل كافٍ».

هذا قبل أن يلفت إلى أن «ضعف الإسناد في بعض الحالات قد يؤدي إلى تشويه المعلومات أو الإضرار بسمعة الوسائل الإعلامية... وعليه، في مواجهة هذه المتغيرات، يبرز اتجاه متنامٍ نحو إعادة تعريف استراتيجيات النشر والرصد الإعلامي، من خلال التركيز على إنتاج محتوى أصلي عالي الجودة، وتعزيز الحضور داخل إجابات الذكاء الاصطناعي، عبر ما يُعرف بتحسين الظهور في محركات الإجابة، إلى جانب بناء قنوات مباشرة مع الجمهور تقلل الاعتماد على المنصات الوسيطة».

في سياق متصل، رأى الصاوي «ضرورة أن يعيد الناشرون صياغة استراتيجياتهم التحريرية بما يتوافق مع بيئة محركات الإجابة، عبر التركيز على إنتاج محتوى سهل الاقتباس، يتضمن حقائق واضحة، وسياقات مكتملة تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على استرجاعه بشكل صحيح». ثم شدَّد على أن «الاستثمار في المحتوى الحصري والتحليلي العميق يُعدُّ عاملاً حاسماً، نظراً لأن النماذج الذكية تعتمد في الأساس على هذا النوع من المواد لإنتاج إجاباتها، وهو ما يمنح الناشرين فرصة للحفاظ على حضورهم كمصادر موثوقة داخل هذه الأنظمة، بدلاً من الاكتفاء بدور المورِّد غير المرئي للمعرفة».


«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
TT

«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)

اثنتان من كبريات الصحف الأوروبية، «إلباييس» الإسبانية و«لا ريبوبليكا» الإيطالية، تحتفلان هذه الأيام بمرور خمسين سنة على انطلاقتيهما في ظروف متباينة في الظاهر، لكن متشابهة من حيث الدور الذي لعبته كل منهما على الصعيدين الإعلامي والصحافي. وبالتحديد، في إسبانيا بُعيد سقوط نظام الجنرال فرنشيسكو فرنكو وعودة الديمقراطية، وفي إيطاليا مع بداية انهيار المنظومة السياسية التقليدية التي حكمت البلاد منذ نهاية الحرب العالمية ونشوء التشكيلات السياسية الجديدة على أنقاض الحزبين الكبيرين؛ أي «الحزب الديمقراطي المسيحي» و«الحزب الشيوعي الإيطالي».

وهنا تجدر الإشارة إلى أنه بجانب «اللوموند» الفرنسية و«الغارديان» البريطانية، تشكل هاتان الصحيفتان ما اصطلحت الأوساط الإعلامية على تسميته بـ«المربّع الذهبي» للصحافة الأوروبية المكتوبة، والمعروفة برصانتها وتأثيرها العميق في النخب السياسية والفكرية.

«إلباييس»... ودورها في ترسيخ الديمقراطية

في الاحتفالات التي أطلقتها صحيفة «إلباييس» - ويعني اسمها بالإسبانية «البلد» - منذ مطالع الشهر الحالي بمناسبة يوبيلها الذهبي برعاية العاهل الإسباني، نوّه فيليبي السادس، بالدور الذي لعبته الصحافة المكتوبة في الدفاع عن المؤسسات وترسيخه إبان محاولة الانقلاب العسكري يوم 23 فبراير (شباط) 1981.

وحقاً، صدرت الصحيفة فجر اليوم التالي تحت عنوان «إلباييس مع الدستور»، بينما كان البرلمان مجتمعاً في جلسة محاسبة للحكومة، وهو لا يزال تحت سيطرة ضبّاط الحرس المدني الانقلابيين. وحينذاك، كانت الدلائل تشير إلى أن الانقلاب في طريقه إلى النجاح، قبل أن يدلي الملك (السابق) خوان كارلوس الأول بخطابه الشهير الذي دعا فيه القوات المسلحة إلى الالتزام بأحكام الدستور، ورفض السير وراء محاولة إجهاض النظام الديمقراطي اليانع.

يومذاك، لم تكن إسبانيا قد انضمت بعد إلى «السوق المشتركة» - «الاتحاد الأوروبي» حالياً، كونها أصبحت عضواً مطلع عام 1986 -. وكان رهان «إلباييس» الأساسي منذ صدورها الانخراط الكامل في المشروع الأوروبي الذي أصبحت اليوم أحد محركاته الرئيسة. وبالفعل، لعب موقف الصحيفة المتقدّم على الصحف الإسبانية الأخرى في معارضة الانقلاب دوراً أساسياً في نجاحها السريع. ومنذ ذلك الحين أصبحت مرجعاً لإسبانيا الديمقراطية، التي كانت تحاصرها وتتربص بها المكائد للعودة إلى النظام الديكتاتوري السابق. ولقد بيّنت معلومات كشفت لاحقاً عن أن الصحافي خوان لويس ثيبريبان، مدير «إلباييس» في تلك الحقبة، سعى إلى إقناع بعض زملائه بإصدار عدد مشترك يؤيد الدستور ويرفض المحاولة الانقلابية، لكنه لم يلق تجاوباً؛ لأن الصحف الأخرى كانت تفضّل التريّث للتأكد من نتيجة المحاولة.

الفكرة وراء التأسيس

صاحب فكرة تأسيس «إلباييس» هو الناشر والكاتب الإسباني خوسيه أورتيغا سبوتورنو، نجل الفيلسوف والمفكر الليبرالي الشهير خوسيه أورتيغا غاسيت، الذي جمع حوله عدداً من كبار الموظفين في الدولة، والمهنيين الأحرار، والأساتذة الجامعيين، الذين كانوا ينتمون جميعاً إلى المعارضة المعتدلة لنظام الجنرال فرنكو، أو الجناح المؤيد للتغيير في النظام. ولقد تقدّم في مطلع عام 1972 بطلب إلى وزارة الإعلام لإصدار جريدة يومية تحمل الاسم نفسه الذي حملته صحيفة أخرى ليبرالية مغارب القرن التاسع عشر ومطالع القرن التالي.

غير أن الحكومة الإسبانية ماطلت في منح الترخيص المطلوب حتى ربيع عام 1976، ليصدر يوم 4 مايو (أيار) العدد الأول من الصحيفة، التي سرعان ما تحولت إلى رائد للصحافة الإسبانية المكتوبة، وإحدى أهم الصحف الناطقة بالإسبانية في العالم.

لصحيفة «إلباييس» مكاتب تحرير منتشرة عالمياً في مكسيكو سيتي وبوغوتا وواشنطن وسانتياغو وبوينوس آيريس، فضلاً عن مكاتب العواصم الإقليمية الإسبانية التي تصدر عنها طبعات محلية في مدن برشلونة وبلنسية وإشبيلية ولا كورونيا ولاس بالماس وبورغوس ومايوركا. كذلك تصدر عنها طبعتان مختصرتان باللغتين الإنجليزية والبرتغالية، إلى جانب ملحق أسبوعي في شكل مجلة يتجاوز مبيعها المليون نسخة أسبوعياً.

من جهة ثانية، يبلغ عدد قراء النسخة الورقية من «إلباييس» حالياً 758 ألفاً، بينما يبلغ عدد قراء النسخة الإلكترونية 14.5 مليون وفق الإحصاءات الأخيرة. ثم إن الصحيفة هي عماد شركة قابضة تملك أوسع شبكة إذاعية في إسبانيا، وصحيفة اقتصادية يومية، وصحيفة رياضية، وداراً للنشر.

الصفحة الأولى من أحد أعداد "إلباييس" (إلباييس)

أقلام لامعة

ولجهة كبار الكتّاب، تتناوب على صفحات «إلباييس» نخبة من كبار الكتّاب والمفكّرين الإسبان والأميركيين اللاتينيين، كان أبرزهم غابرييل غارسيا ماركيز، الحائز جائزة نوبل للآداب، والذي بدأ ينشر مقالات دورية فيها منذ صدورها حتى قبيل وفاته عام 2014. وأيضاً ماريو فارغاس يوسا، الحائز الآخر على نوبل للآداب، الذي نشر فيها مقالات أسبوعية طيلة 33 سنة، واستضافته «الشرق الأوسط» على صفحاتها حتى وفاته ربيع العام الفائت.

على صعيد آخر، تعزَّز موقع «إلباييس» في المشهد الإعلامي الإسباني بعد الفوز الساحق الذي حقّقه الحزب الاشتراكي بزعامة فيليبي غونزاليس (تولى الحكم بين عامي 1982 و1996) في الانتخابات العامة، وكانت الصحيفة قد دعمته بقوة، بالتعاون مع عدد من الصحف والحكومات «التقدمية» في أوروبا. بل كانت «إلباييس» أول صحيفة إسبانية تستحدث شخصية «المدافع عن القارئ» التي يلجأ إليها القراء لطرح تظلّماتهم، كما وضعت مجموعة من القواعد والمعايير لضمان جودة وصدقية المعلومات التي تنشرها، وأصدرت «كتاب الأسلوب» الذي غدا مرجعاً للصحافيين الناطقين بالإسبانية.

في المقابل، خلال السنوات الأخيرة بدأ يتردد في أوساط قراء الصحيفة أنها «لم تعد كما عرفوها في الماضي»؛ إذ باتوا يفتقدون موقعها المتقدم في الدفاع عن العديد من القضايا السياسية والاجتماعية، ويأخذون عليها ترجيح الكفة الليبرالية على الهوية «التقدمية» التي كانت علامتها الفارقة.

في هذا السياق، يقول جوزيف أوغورليان، الرئيس التنفيذي للشركة القابضة المالكة للصحيفة: «(إلباييس) صحيفة تقدمية، تلتزم بعمق أحكام الدستور الإسباني والنظام الملكي البرلماني. وأميركا اللاتينية جوهرية بالنسبة إلينا، إعلامياً وعاطفياً وثقافياً وسياسياً». ويضيف: «صحيح أن إلباييس قد تغيّرت... ولكن لأن إسبانيا تغيّرت، والعالم تغيّر، ولأن الصحافة لم تعد كما عرفناها. هاجسنا الأول، كان ولا يزال، هو القارئ. ونحن نراهن على ذكائه وفطنته، ونؤمن بحقه في الحصول على معلومات موثوقة، وبقدرته على استخلاص العبر منها». بقي أن نشير إلى أن «إلباييس» تمنح جوائز سنوية للصحافيين والمدافعين عن حرية الرأي تحمل اسم خوسيه أورتيغا غاسيت «البوصلة الفكرية» للصحيفة. وكانت جائزة هذه السنة من نصيب الكاتبة والصحافية سفيتلانا ألكسيفيتش من بيلاروسيا، الحائزة جائزة نوبل للآداب.

«لا ريبوبليكا» الإيطالية

أما عن «لا ريبوبليكا» - أي «الجمهورية» - فإنها أُسست عام 1976 على يد الصحافي والكاتب المعروف أوجينيو سكالفاري، بدعم من الناشر أرنولدو موندادوري، بوصفها صحيفة يسارية أطلقت على نفسها مسمى «الصحيفة الحزب»، وكانت في بداياتها منبراً لمجموعة واسعة من الكتاب والصحافيين والمفكّرين الذين تتراوح مواقفهم بين اليسار الإصلاحي واليسار المتطرف. ولكن على مغارب القرن الماضي ومطالع هذا القرن، بدأت تجنح نحو معسكر «وسط اليسار» السياسي، وهي اشتهرت بمواقفها المعارضة لرئيس الوزراء الإيطالي الأسبق اليميني الملياردير سيلفيو برلوسكوني، الذي كان يعرف عنه أيضاً تذمّره منها، ومحاولاته العديدة الفاشلة لامتلاكها وضمّها إلى إمبراطوريته الإعلامية التي كانت المنصة الأساسية لنشاطه السياسي، والتي تضمّ ثلاث قنوات تلفزيونية وعدة صحف يومية ومجلات أسبوعية وداراً كبرى للنشر ومؤسسة للتسويق الإعلاني.

وفي هذا المجال، يذكر رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق جوليو أندريوتي في مذكراته أنه أجهض «في اللحظات الأخيرة» صفقة كان وراءها برلوسكوني للاستحواذ على الصحيفة، التي كانت قد تحوّلت إلى خصمه السياسي الألدّ. وبالتالي، حال أندريوتي - وهو يميني أيضاً - دون سيطرة برلوسكوني شبه الكاملة على المشهد الإعلامي الإيطالي. مع هذا، خاض برلوسكوني عدة معارك قضائية ضد الصحيفة، مطالباً بتعويضات مليونية لكنها باءت جميعاً بالفشل.

فضيحة دي بيلّا... وملكية عائلة آنييلي

عام 1981، عصفت بـ«لا ريبوبليكا» فضيحة كبيرة عندما تبيّن أن رئيس تحريرها فرنكو دي بيلّا كان عضواً في تنظيم ماسوني سرّي محاط بفضائح كبرى. وهو ما أدى إلى إقالته من منصبه، واتجاه الإدارة إلى التعاقد مع كتّاب مشهورين ومستقلين لاستعادة ثقة القراء.

وعام 2020، انتقلت ملكية «لا ريبوبليكا» إلى عائلة آنييلي الثرية المعروفة، صاحبة مجموعة «فيات» والمؤسّسات المتفرّعة عنها، ومالكة صحيفة «لا ستامبا» الصادرة في ميلانو. وقررت العائلة تعيين الصحافي ماوريزيو موليناري مديراً لها، وهو المعروف بعلاقاته الوطيدة مع إسرائيل ورئيس وزرائها الحالي بنيامين نتنياهو.

تعيين موليناري أثار احتجاجات في أوساط المحرّرين الذين استقال بعضهم من الصحيفة. ومع موليناري جنحت الصحيفة نحو الوسط، خارج المعسكرين اليساري واليميني. لكنها ركّزت أيضاً على معارضة التيْار الشعبوي الذي كان يتمدد بقوة في إيطاليا مع حزب «النجوم الخمس». وفي عام 2024، أقيل موليناري من منصبه الذي تولاه المدير الحالي ماريو أورفيو.

أخيراً، مع أن سياسة عائلة آنييلي، التي رسمها المؤسس جياني آنييلي، والتي تقوم على دعم الخط الحاكم بغض النظر عن ميوله واتجاهاته السياسية، تشكّل «لا ريبوبليكا» حالياً رأس حربة الوسائل الإعلامية المناهضة لحكومة جورجيا ميلوني، وبخاصة، حليفها الشعبوي ماتّيو سالفيني زعيم حزب «الرابطة»، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.