قفزات تقنية ثورية مقبلة في عالم الحوسبة الشخصية

وسائط تخزين بسعات ضخمة وبطاقات ذاكرة صغيرة الحجم لتخزين الفيديوهات

سعات تخزين ضخمة مقبلة عبر 290 و430 طبقة
سعات تخزين ضخمة مقبلة عبر 290 و430 طبقة
TT

قفزات تقنية ثورية مقبلة في عالم الحوسبة الشخصية

سعات تخزين ضخمة مقبلة عبر 290 و430 طبقة
سعات تخزين ضخمة مقبلة عبر 290 و430 طبقة

يستمر التطور التقني بإبهارنا بشكل مستمر، ولكن الفترة المقبلة ستقدم قفزة تقنية ثورية في عالم الحوسبة الشخصية؛ إذ يتم العمل على تطوير معايير ووحدات تقدم سرعات غير مسبوقة في نقل البيانات ومعالجتها وتخزينها وحملها. ونذكر في هذا الموضوع مجموعة من التقنيات التي سنشهدها ونستخدمها في أجهزتنا الشخصية والتي من شأنها فتح آفاق تقنيات الذكاء الاصطناعي على تلك الأجهزة بشكل لم يكن ممكناً في السابق.

يقدم معيار PCIe 7 سرعات نقل بيانات غير مسبوقة بين الملحقات والدارات في الكومبيوترات الشخصية

نقل بيانات فائق السرعة

يعد معيار تقنية «توصيل المكونات الطرفية السريع» Peripheral Component Interconnect Express PCIe، التي هي عبارة عن مجموعة من خطوط نقل البيانات بين الملحقات المختلفة والدارات الرئيسية في الكومبيوتر بشكل يشابه الطرق السريعة للمركبات؛ من المسائل التقنية المهمة في رفع مستويات أداء الكومبيوتر الشخصي؛ إذ إن زيادة سرعة نقل البيانات بين بطاقات الذاكرة فائقة الأداء ووحدات التخزين هي عملية أساسية في تسريع معالجة البيانات. ويتم حالياً انتشار وحدات التخزين التي تدعم الإصدار الخامس من هذا المعيار بسرعات تصل إلى 128 غيغابايت في الثانية. ولكن الإصدار السابع من هذا المعيار في طور التجهيز ويعد بتقديم سرعات تصل إلى 4 أضعاف الإصدار الخامس؛ أي 512 غيغابايت في الثانية، وضعف سرعات الإصدار السادس (تبلغ أقصى سرعة لهذا المعيار 256 غيغابايت في الثانية). ويدعم هذا المعيار استخدام الملحقات التي تعمل بجميع المعايير السابقة؛ أي إن المستخدم لن يخسر ملحقاته التي تدعم المعايير السابقة وستعمل بشكل طبيعي لدى استخدامها في لوحة رئيسية تدعم المعيار PCIe 7.

وتجدر الإشارة إلى أن سرعة نقل البيانات البالغة 512 غيغابايت في الثانية هي لجميع الملحقات المتصلة، ولا داعي لأن يستخدمها ملحق واحد فقط، بل يمكن دعم تشغيل عدة ملحقات عالية السرعة في آن واحد من خلال هذه الممرات الرقمية عوضاً عن تنافسها بين بعضها. وللاستفادة من هذا المعيار الجديد، يجب استخدام لوحة رئيسية ومعالج يدعمانها، ولذلك فإن تطوير جهازك المكتبي لها سيكون مكلفاً، في حين ستكون مدمجة داخل الكومبيوترات المحمولة الجديدة، وخصوصاً أنها ذات كفاءة طاقة أفضل من المعايير السابقة. ويعود السبب في ذلك إلى أن بعض مسارات المعيار تتصل مباشرة بالمعالج من دون الحاجة لوجود شريحة وسيطة Controller تحدد كيفية نقل البيانات، وهو ما يرفع من سرعة النقل بشكل كبير، ولكنه يتطلب تصميم اللوحة الرئيسية للكومبيوتر لتدعم وصل تلك المسارات مباشرة بالمعالج.

ولا توجد حالياً أي ملحقات تدعم هذه السرعات الفائقة، ولكن من المتوقع أن تبدأ شركات صناعة بطاقات الرسومات ووحدات التخزين تطوير ملحقات تدعم هذه السرعات لفتح آفاق غير مسبوقة من الحوسبة، إلى جانب طرح ملحقات للشبكات السلكية فائقة السرعة وتقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة والحوسبة الكمية، وغيرها، تدعم هذا المعيار. ومن المتوقع إطلاق هذا المعيار في شهر يناير (كانون الثاني) 2025.

ترفع ذاكرة DDR6 سرعة معالجة ونقل البيانات لفتح آفاق الذكاء الاصطناعي المطور

ذاكرة خارقة

ويتم العمل حالياً على تطوير معيار «معدل البيانات المزدوج 6» Double Data Rate DDR6 الذي يدعم سرعات نقل بيانات فائقة للذاكرة RAM تصل إلى أكثر من 12800 مليون عملية نقل للبيانات في الثانية (أو 12.8 مليار عملية نقل للبيانات في الثانية)، مع القدرة على زيادة هذه السرعات لدى تسريعها بتقديم فولتية أعلى قليلاً Overclocking تسمح لها بالوصول إلى 16800 مليون عملية نقل للبيانات في الثانية (أو 16.8 مليار عملية نقل للبيانات في الثانية). ومن المتوقع أن تستطيع وحدات الذاكرة الجديدة التي تدعم هذا المعيار نقل 134.4 غيغابايت من البيانات في الثانية على الأقل.

وسيحتاج المستخدم إلى ترقية اللوحة الرئيسية لجهازه والمعالج لدعم هذا المعيار بسرعته القصوى، وخصوصاً أن تصميم وحدة الذاكرة قد لا يقبل التركيب في اللوحة الرئيسية بسبب استخدام تصميم مغاير عن تصميم معيار DDR5. وعلى الرغم من أن سرعات النقل العالية هذه ستكون غير مسبوقة، فإنها تتطلب فولتية أقل للعمل مما يخفض من درجات الحرارة المنبعثة منها، إلى جانب دعمها تصحيح البيانات المخزنة فيها بشكل آلي في حال تغير أي معلومة لأي سبب كان. ومن المتوقع إطلاق هذا المعيار قبل نهاية عام 2024 أو خلال عام 2025.

وحدات تخزين ضخمة جداً

وكشفت «سامسونغ» أنها تعمل على تطوير وسائط تخزين بتقنية الحالة الصلبة Solid State Drive SSD تقوم بتخزين البيانات في 290 طبقة فوق بعضها، و430 طبقة خلال عام 2025، مقارنة بـ236 طبقة في وحدات التخزين الحالية. ومن شأن هذا الأمر زيادة كثافة تخزين البيانات وزيادة سرعة وكفاءة قراءة وكتابة البيانات. ومن جهتها، تعمل شركة «إس كيه هانيكس» SK Hynix على تطوير وحدات ذاكرة بـ321 طبقة خلال عام 2025، في حين تعمل شركة «واي إم تي سي» YMTC على تصنيع وحدات تخزين بـ300 طبقة خلال النصف الثاني من العام الحالي. وتجدر الإشارة إلى العديد من الشركات، من بينها الشركات المذكورة، إلى جانب شركات «مايكرون تكنولوجي» Micron Technology و«كيوكسيا» Kioxia (قسم وحدات التخزين في «توشيبا» سابقاً) تتسابق للوصول إلى 1.000 طبقة بحلول عام 2030.

ومن شأن وحدات التخزين هذه تقديم سعات تخزين أضخم مما يوجد في الأسواق اليوم وبسرعات فائقة لنقل البيانات، وهي عوامل مهمة لتسريع استخدام الكومبيوترات الشخصية ووحدات التخزين بشكل كبير يفتح آفاق تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل غير مسبوق؛ إذ تحتاج تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى معالجة كميات كبيرة من البيانات بأسرع وقت ممكن لتقديم نتائج فورية. كما يمكن استخدامها في الكومبيوترات لتسريع تحرير الفيديوهات فائقة الدقة بشكل أكبر مما نجده اليوم في أحدث الأجهزة المتخصصة. ويمكن استخدام هذه الذاكرة كذلك في الهواتف الجوالة والأجهزة اللوحية لرفع مستويات أدائها وزيادة سعاتها وتسريع تشغيل والتنقل بين التطبيقات الكبيرة للحصول على تجربة استخدام أكثر سلاسة مما تقدمه تلك الأجهزة اليوم، إلى جانب تقديم وحدات تخزين محمولة ذات سعات ضخمة جداً يمكن وضعها في جيب المستخدم لنقل البيانات بين الأجهزة المختلفة أو للمصورين المحترفين الذين يريدون نقل بيانات الصور والفيديو الضخمة بسهولة. وستطلق «سامسونغ» أولى وحداتها التي تستخدم هذه الطبقات خلال شهر مايو (أيار) المقبل.

تقنية ثورية لتخزين 200 تيرابايت من البيانات على قرص ليزري واحد

أقراص ليزرية ثورية

ومع زيادة سرعات الإنترنت وسعات التخزين في وحدات «يو إس بي» المحمولة، زالت الحاجة لاستخدام الأقراص الليزرية لتخزين البيانات ونقلها؛ إذ إنها تتسع لـ8.5 غيغابايت في أقراص «دي في دي» DVD كحد أقصى (تدعم أقراص DVD-10 تخزين 9.4 غيغابايت ولكنها لم تنتشر تجارياً)، و100 غيغابايت في أقراص «بلوراي» كحد أقصى (تدعم أقراص BDXL 128 غيغابايت ولكنها لم تنتشر تجارياً أيضاً).

واستطاع باحثون في الصين تطوير أقراص ليزرية جديدة بحجم أقراص «دي في دي» ولكنها تتسع لنحو 200 تيرابايت (204.800 غيغابايت)؛ أي 24.094 ضعف سعة أقراص «دي في دي»، أو 2.048 ضعف سعة أقراص «بلوراي». وتستطيع هذه الأقراص الثورية تخزين السعات المهولة من البيانات بسبب استخدام آلية تسجيل مجسمة ثلاثية الأبعاد عوضاً عن تخزينها في بُعدين كما هو الحال في أقراص «دي في دي» و«بلوراي»، وعبر 100 طبقة في القرص الواحد.

ويتم استخدام ليزر بعرض يبلغ 54 نانومتر، وهي تقنية لم تكن ممكنة في السابق بسبب الحجم الكبير لوحدات الليزر اللازمة لتخزين البيانات بهذه الدقة، ولكن التقدم العلمي سمح بتصغير حجم تلك الوحدات وخفض تكلفتها لتكون معقولة. واستخدم المطورون وحدتَي ليزر للقراءة والكتابة بهدف رفع مستويات الأداء، إلى جانب استخدام طبقة خاصة حساسة للضوء على القرص اسمها Aggregation Induced Emission Dye-Doped Photoresist AIE-DDPR، وذلك بعد العمل على تطويرها لنحو 10 سنوات. ويستطيع المطورون حالياً إنتاج قرص في كل 6 دقائق؛ أي 240 قرصاً يومياً، أو 7.200 قرص شهرياً، أو 86.400 قرص في العام عبر كل خط واحد للإنتاج. هذا، ويعمل المطورون حالياً على رفع سرعة الكتابة والقراءة من خلال هذه التقنية لتقديم إصدارات جديدة أعلى أداء.

ومن شأن هذه التقنية رفع جودة عروض الفيديو التي يتم تقديمها سواء للأفلام والمسلسلات أو في الألعاب الإلكترونية المتقدمة بشكل مهول، وخفض المساحة اللازمة في مراكز البيانات لتخزين 122 ألف تيرابايت من مساحة تعادل ملعب كرة قدم إلى مساحة غرفة واحدة. ولم يذكر المطورون التاريخ المتوقع لإطلاق هذه الأقراص ومشغلاتها في الكومبيوترات، ولكن من المتوقع أن يكون خلال عام 2025.

وحدات ذاكرة محمولة صغيرة الحجم بسعة 4 تيرابايت

بطاقات تخزين محمولة فائقة السعة

وبالحديث عن وحدات التخزين، استعرضت «سانديسك» SanDisk التابعة لشركة «ويسترن ديجيتال» Western Digital أول بطاقة ذاكرة Secure Digital SD صغيرة محمولة تستطيع تخزين 4 تيرابايت (4.096 غيغابايت) من البيانات. ويمكن لهذه البطاقة تسجيل البيانات بسرعة 30 ميغابايت في الثانية، وهي سرعة مناسبة لتسجيل الفيديوهات بالدقة الفائقة في الكاميرات المتقدمة. وستطلق الشركة هذه البطاقة خلال عام 2025.


مقالات ذات صلة

ترمب يهدد بنشر شرطة الهجرة في المطارات الأميركية

الولايات المتحدة​ الرئيس دونالد ترمب يلقي كلمةً خلال مأدبة عشاء مع رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بقاعة الطعام الرسمية بالبيت الأبيض يوم الخميس 19 مارس 2026 في واشنطن (أ.ب)

ترمب يهدد بنشر شرطة الهجرة في المطارات الأميركية

هدّد الرئيس دونالد ترمب السبت بنشر عناصر وكالة الهجرة والجمارك (ICE) لتولّي عمليات التفتيش الأمني في المطارات الأميركية، حيث يمكن أن تمتد فترات الانتظار لساعات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد طائرة تابعة لشركة «يونايتد إيرلاينز» الأميركية (رويترز)

«يونايتد إيرلاينز» الأميركية تستعد لوصول النفط إلى 175 دولاراً للبرميل

قالت شركة «يونايتد إيرلاينز» الأميركية للطيران، إنها تستعد لوصول سعر النفط إلى 175 دولاراً للبرميل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ساحة جامعة هارفارد (أ.ف.ب) p-circle

إدارة ترمب تقاضي جامعة هارفارد بدعوى تقصيرها في حماية طلاب يهود

صعدت إدارة الرئيس الأميركي حملتها على هارفارد، الجمعة، ورفعت دعوى قضائية على الجامعة المرموقة لاسترداد مليارات الدولارات بدعوى عدم حماية طلاب يهود وإسرائيليين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ فيديو نشره الجيش الأميركي لغارة استهدفت سفينة في شرق المحيط الهادئ (أ.ف.ب) p-circle

قتيلان بضربة أميركية على سفينة يشتبه في تهريبها مخدرات بالمحيط الهادئ

نفّذت القوات الأميركية ضربة جوية على سفينة يُشتبه بقيامها بتهريب مخدرات في المحيط الهادئ ما أسفر عن مقتل شخصين حسبما أعلن مسؤولون الجمعة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة بالأقمار الصناعية لجزيرة خرج الإيرانية (إ.ب.أ)

البيت الأبيض: الولايات المتحدة تستطيع «السيطرة» على جزيرة خرج الإيرانية متى شاءت

قال البيت الأبيض، الجمعة، إن الولايات المتحدة تستطيع «السيطرة» على جزيرة خرج الإيرانية متى شاءت.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
TT

دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)

مع ازدياد استخدام روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في المحادثة وتقديم النصائح وحتى الدعم العاطفي، بدأت أبحاث جديدة تدرس تأثير هذه الأنظمة على المستخدمين مع مرور الوقت. وتكشف دراسة حديثة لباحثين مرتبطين بجامعة ستانفورد الأميركية عن خطر أقل وضوحاً، يتمثل في ميل هذه الأنظمة إلى تعزيز بعض المعتقدات بدلاً من تحديها.

تعتمد الدراسة على تحليل واسع لتفاعلات حقيقية، بهدف فهم كيفية استجابة نماذج اللغة في المحادثات الممتدة، وما الذي قد تعنيه هذه الاستجابات على إدراك المستخدم وصحته النفسية.

تحليل واسع النطاق

استندت الدراسة إلى تحليل أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة مع روبوتات الدردشة. ويتيح هذا الحجم الكبير من البيانات رصد أنماط متكررة، بدلاً من الاكتفاء بحالات فردية. وضمن هذه البيانات، حدد الباحثون نسبة من المحادثات التي تضمنت مؤشرات على تفكير وهمي. ووفقاً للدراسة، فإن نحو 15.5في المائة من رسائل المستخدمين أظهرت هذه الخصائص، ما أتاح فرصة لفهم كيفية استجابة الأنظمة لهذه الحالات.

التحدي يكمن في تحقيق توازن بين دعم المستخدم وتعزيز التفكير النقدي دون ترسيخ معلومات مضللة (أدوبي)

أنماط تأكيد متكررة

أحد أبرز النتائج يتمثل في تكرار ميل روبوتات الدردشة إلى تأكيد ما يقوله المستخدم. فقد أظهرت البيانات أن الأنظمة غالباً ما تستجيب بطريقة داعمة أو متوافقة مع طرح المستخدم، بدلاً من التشكيك فيه. ورغم أن هذا الأسلوب قد يكون مفيداً في سياقات الدعم، فإنه يصبح إشكالياً عندما يتعلق الأمر بمعتقدات غير دقيقة أو وهمية، حيث قد يؤدي إلى تعزيز هذه الأفكار بدلاً من تصحيحها.

دوامات وهمية متصاعدة

يصف الباحثون هذه الظاهرة بمصطلح «الدوامات الوهمية»، حيث تؤدي التفاعلات المتكررة بين المستخدم والنظام إلى ترسيخ المعتقدات الخاطئة تدريجياً. ولا يحدث التأثير نتيجة استجابة واحدة، بل يتشكل مع مرور الوقت. فكلما استمر النظام في تأكيد وجهة نظر المستخدم، زادت قوة هذا الاعتقاد. وتتيح طبيعة المحادثة المستمرة لهذا النمط أن يتطور بشكل تدريجي دون انقطاع واضح.

تشير الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يخلق هذه المعتقدات من الصفر، بل يتفاعل مع أفكار موجودة مسبقاً لدى المستخدم.

وتزداد المخاطر في المحادثات الطويلة، حيث تتراكم أنماط التأكيد عبر الزمن. وفي هذه الحالة، يتحول النظام من مجرد أداة استجابة إلى عنصر مؤثر في توجيه مسار الحوار.

نحو 15.5 % من رسائل المستخدمين أظهرت مؤشرات على تفكير وهمي أو معتقدات غير دقيقة (غيتي)

تحديات في التصميم

تعكس هذه النتائج تحدياً أساسياً في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي. إذ يتم تطوير كثير من روبوتات الدردشة لتكون مفيدة ومهذبة وداعمة، ما يدفعها إلى تبني أسلوب قائم على التوافق مع المستخدم. لكن هذه الخصائص نفسها قد تقلل من قدرتها على تصحيح الأخطاء أو تقديم وجهات نظر نقدية. ويظل تحقيق التوازن بين الدعم والتفكير النقدي تحدياً رئيسياً.

تتجاوز دلالات هذه الدراسة الجانب التقني لتصل إلى قضايا تتعلق بالسلامة. فمع استخدام هذه الأنظمة في مجالات تتضمن تقديم نصائح أو دعم شخصي، تصبح طريقة استجابتها أكثر حساسية.

وفي بعض الحالات، قد يؤدي تعزيز المعتقدات غير الدقيقة إلى تأثيرات فعلية على قرارات المستخدم أو حالته النفسية، ما يطرح تساؤلات حول كيفية تصميم هذه الأنظمة ومراقبتها.

نحو استخدام مسؤول

تشير الدراسة إلى ضرورة تطوير آليات أفضل للتقييم والضبط. فبدلاً من التركيز فقط على دقة الإجابات، ينبغي أيضاً فهم كيفية تصرف الأنظمة في المحادثات الطويلة والمعقدة.

ويشمل ذلك تحديد متى يجب على النظام التشكيك في بعض الطروحات أو تقديم توضيحات أو تجنب تأكيد معلومات غير موثوقة. ويعد تحقيق هذا التوازن خطوة أساسية في تطور الذكاء الاصطناعي.

الحاجة لمزيد من البحث

رغم أهمية النتائج، تؤكد الدراسة الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم تأثير هذه التفاعلات على المستخدمين على المدى الطويل.

فمع تحول الذكاء الاصطناعي من أداة تقدم معلومات إلى نظام يشارك في الحوار، يصبح من الضروري ضمان أن هذه التفاعلات تدعم الفهم ولا تعزز أنماطاً ضارة. وفي هذا السياق، لم يعد التحدي مقتصراً على تطوير أنظمة أكثر ذكاءً، بل يشمل أيضاً ضمان أن تكون أكثر وعياً بتأثيرها على الإنسان.


نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
TT

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)

مع تزايد اندماج أنظمة الذكاء الاصطناعي في قطاعات حساسة، مثل الرعاية الصحية والأنظمة ذاتية القيادة، يبرز سؤال أساسي: هل يمكن الوثوق بقراراتها؟

فعلى الرغم من أن النماذج الحديثة تحقق دقة عالية، فإن طريقة تفكيرها تظل في كثير من الأحيان غير واضحة. هذه «الصندوق الأسود» أصبحت واحدة من أبرز التحديات في هذا المجال. يقدّم باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) نهجاً جديداً يهدف إلى معالجة هذه المشكلة، من خلال تمكين أنظمة الذكاء الاصطناعي من تفسير قراراتها بطريقة مفهومة للبشر.

ما وراء الصندوق

في التطبيقات الواقعية، لا تكفي الدقة وحدها. فعندما يحدد نظام ذكاء اصطناعي مرضاً من صورة طبية أو يتخذ قراراً مرتبطاً بالسلامة، يحتاج المستخدم إلى فهم الأسباب التي قادت إلى هذا القرار. ومن دون هذه الشفافية، قد تفشل الأنظمة الدقيقة في كسب الثقة. وقد سعت تقنيات سابقة إلى فتح هذا «الصندوق الأسود»، لكنها غالباً ما قدّمت تفسيرات معقدة أو يصعب فهمها لغير المتخصصين. وهنا يكمن التحدي في تقديم تفسيرات دقيقة وفي الوقت نفسه واضحة.

الطريقة الجديدة تحسن التفسير دون التضحية بدقة الأداء بل قد تعززها (شاترستوك)

تفكير واعد

أحد الاتجاهات الواعدة يُعرف بنماذج «عنق الزجاجة المفاهيمي». في هذا النهج، يُجبر النظام على بناء قراراته على مفاهيم يمكن للبشر فهمها. فبدلاً من الانتقال مباشرة من البيانات الخام إلى النتيجة، يمرّ النموذج بمرحلة وسيطة يحدد فيها خصائص أو مفاهيم محددة قبل الوصول إلى القرار. لكن هذا الأسلوب واجه سابقاً بعض التحديات، إذ إن تحسين قابلية التفسير كان أحياناً يأتي على حساب الدقة، أو يؤدي إلى تفسيرات غير واضحة بما يكفي.

نهج جديد

طوّر فريق «MIT» طريقة محسّنة تهدف إلى تجاوز هذه القيود. يعتمد النظام على مكونين من التعلم الآلي يعملان معاً. الأول يستخرج المعرفة من نموذج موجود، والثاني يحول هذه المعرفة إلى مفاهيم مفهومة للبشر. يتيح هذا الإطار المزدوج «ترجمة آلية» لآلية عمل النماذج المعقدة إلى صيغة قابلة للفهم. والأهم أن هذه التقنية يمكن تطبيقها على نماذج رؤية حاسوبية مدرّبة مسبقاً، ما يجعلها قابلة للتعميم على نطاق واسع.

ومن أبرز ما يميز هذا النهج أنه لا يضحي بالأداء من أجل الشفافية. بل تشير النتائج إلى أنه يمكن أن يحسن دقة التنبؤ وجودة التفسير في الوقت نفسه. وهذا يتحدى افتراضاً شائعاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو أن التفسير يأتي دائماً على حساب الأداء. يمثل الجمع بين الاثنين خطوة مهمة نحو تطبيقات عملية موثوقة.

باحثو جامعة «MIT» يطورون نهجاً جديداً يمكّن النماذج من تفسير تنبؤاتها بطريقة مفهومة (شاترستوك)

تفسيرات أوضح

يتميز النظام بجودة التفسيرات التي يقدمها. فبدلاً من مخرجات تقنية معقدة، ينتج أوصافاً مبنية على مفاهيم واضحة يمكن للمستخدم فهمها بسهولة. وتكتسب هذه الميزة أهمية خاصة في البيئات الحساسة، حيث تحتاج القرارات إلى مراجعة وتقييم. فالتفسير الواضح يتيح للمستخدم التأكد من منطق القرار.

الهدف الأوسع لهذا البحث هو تعزيز الثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فعندما يتمكن المستخدم من فهم كيفية اتخاذ القرار، يصبح أكثر قدرة على تقييم دقته واكتشاف الأخطاء المحتملة. ويبرز هذا الأمر بشكل خاص في مجالات، مثل الرعاية الصحية، حيث قد تكون لأي خطأ عواقب كبيرة. فالتفسير لا يعزز الفهم فقط، بل يدعم الاستخدام المسؤول للتقنية.

أثر عملي واسع

تمتد آثار هذا التطور إلى ما هو أبعد من تطبيق واحد. مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، تتزايد الحاجة إلى الشفافية من قبل المستخدمين والجهات التنظيمية على حد سواء. وقد تلعب هذه التقنيات دوراً محورياً في تلبية هذه المتطلبات، من خلال جعل قرارات الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحاً وقابلية للمساءلة.

يعكس هذا النهج خطوة ضمن اتجاه أوسع في أبحاث الذكاء الاصطناعي. فلم يعد التركيز مقتصراً على بناء نماذج عالية الأداء، بل يتجه نحو تطوير أنظمة قادرة على تفسير قراراتها. هذا التحول يعكس فهماً أعمق لدور الذكاء الاصطناعي في الواقع. فالأداء وحده لم يعد كافياً، بل يجب أن تكون الأنظمة مفهومة وموثوقة ومتوافقة مع التوقعات البشرية. وفي هذا السياق، تصبح القدرة على تفسير القرارات ليست مجرد ميزة إضافية، بل شرطاً أساسياً للجيل القادم من أنظمة الذكاء الاصطناعي.


«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
TT

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

أعلنت شركة «غوغل» عن توسع جديد في قدرات الذكاء الاصطناعي لديها تحت مفهوم أطلقت عليه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence) في خطوة تهدف إلى جعل أنظمة البحث والمساعدات الرقمية أكثر فهماً للسياق الفردي لكل مستخدم، بدلاً من الاكتفاء بإجابات عامة. هذا التوجه الذي جاء في مدونة رسمية عبر موقع الشركة يمثل تحولاً في طريقة عمل الذكاء الاصطناعي، من تقديم معلومات موحدة إلى تقديم استجابات مخصصة تستند إلى بيانات المستخدم ونشاطه عبر خدمات «غوغل» المختلفة.

تحول في البحث

لطالما اعتمدت محركات البحث على مطابقة الكلمات المفتاحية لتقديم نتائج ذات صلة. إلا أن «غوغل» ترى أن هذا النموذج لم يعد كافياً في ظل تنوع احتياجات المستخدمين. وبحسب ما أوضحته الشركة، فإن «الذكاء الشخصي» يهدف إلى تقديم إجابات تأخذ في الاعتبار السياق الفردي، بحيث يحصل كل مستخدم على نتائج تتناسب مع اهتماماته وتاريخه الرقمي.

يعتمد هذا النهج على ربط المعلومات بين عدد من تطبيقات «غوغل»، مثل «جيميل» و«صور غوغل» و«يوتيوب» وسجل البحث، وذلك في حال موافقة المستخدم على تفعيل هذه الميزة. ويتيح هذا التكامل لأنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل (جيميناي) «Gemini» ووضع الذكاء الاصطناعي في البحث، الاستفادة من هذا السياق لتقديم إجابات أكثر دقة وارتباطاً باحتياجات المستخدم.

«غوغل» تطلق مفهوم «الذكاء الشخصي» لتقديم استجابات تعتمد على السياق الفردي لكل مستخدم (أ.ف.ب)

تجربة أكثر تخصيصاً

وفقاً لـ«غوغل»، يمكن للنظام الجديد «ربط النقاط» بين بيانات المستخدم المختلفة، ما يسمح بتقديم توصيات وملخصات واقتراحات أكثر تخصيصاً. فعلى سبيل المثال، بدلاً من تقديم اقتراحات عامة للسفر، يمكن للنظام الاستناد إلى اهتمامات المستخدم السابقة أو نشاطه الرقمي لتقديم خيارات أكثر ملاءمة. ويمثل ذلك انتقالاً من الذكاء الاصطناعي كأداة عامة إلى ما يشبه المساعد الشخصي الذي يتكيف مع المستخدم بمرور الوقت.

التحكم بيد المستخدم

أكدت «غوغل» أن استخدام هذه الميزة يعتمد على موافقة المستخدم، حيث يمكنه اختيار التطبيقات التي يرغب في ربطها، أو إيقاف الميزة بالكامل. وأوضحت الشركة أن البيانات الشخصية من خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل» لا تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تُستعمل لتوفير سياق ضمن التفاعل مع المستخدم فقط.

توازن مع الخصوصية

يبرز هذا التوجه تحدياً معروفاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو تحقيق التوازن بين التخصيص والخصوصية. فكلما زادت قدرة النظام على الوصول إلى البيانات، زادت دقة التوصيات، لكن ذلك يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول حدود استخدام البيانات الشخصية. وتحاول «غوغل» معالجة هذا التحدي من خلال نموذج يعتمد على الشفافية ومنح المستخدم تحكماً أكبر في بياناته.

التحدي الرئيسي يتمثل في تحقيق توازن بين التخصيص العميق وحماية الخصوصية (شاترستوك)

ما بعد الإجابات

يعكس إطلاق «الذكاء الشخصي» توجهاً أوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الهدف مجرد الإجابة عن الأسئلة، بل فهم نية المستخدم والسياق المحيط به. ومن خلال دمج البيانات الشخصية، يمكن للأنظمة الانتقال من تقديم إجابات ثابتة إلى تفاعلات أكثر ديناميكية. من المتوقع أن ينعكس هذا التطور على الاستخدام اليومي للتكنولوجيا، حيث يمكن للأنظمة المخصصة أن تسهم في تسريع إنجاز المهام مثل التخطيط للسفر، أو العثور على معلومات سابقة، أو اتخاذ قرارات مبنية على بيانات شخصية. كما قد تقل الحاجة إلى إدخال نفس المعلومات بشكل متكرر، إذ يصبح النظام قادراً على استنتاج السياق من التفاعلات السابقة.

اتجاه مستقبلي

يمثل «الذكاء الشخصي» خطوة أولى نحو جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجمع بين البحث والمساعدة الرقمية والتخصيص العميق. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا النهج مرتبطاً بمدى ثقة المستخدمين، إذ ستلعب الشفافية والتحكم في البيانات دوراً حاسماً في تبني هذه التقنيات. في المحصلة، لا يتعلق هذا التوجه بجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً فحسب، بل بجعله أكثر ارتباطاً بالمستخدم نفسه، في تحول قد يعيد تعريف كيفية تفاعل الأفراد مع التكنولوجيا في حياتهم اليومية.