الرواية بصفتها بحثاً

أحمد الشويخات في «الأميركي الذي قرأ جلجامش»

الرواية بصفتها بحثاً
TT

الرواية بصفتها بحثاً

الرواية بصفتها بحثاً

هناك أكثر من تفصيل في رواية أحمد الشويخات يستحق الانتباه، لولا أن بعض هذه يشل الرويّ ويمسك بأطراف الرحلة في الاحتلال الأميركي للعراق سنة 2003. التقط الشويخات تاريخاً معيناً أقدمت فيه المقاومة العراقية في الفلوجة على تعليق جثث ثلاثة (مقاولين)، بمعنى أنهم ليسوا أفراداً في الجيش النظامي. جاء ذلك في أعقاب إطلاق النار على مظاهرة سلمية تطلب من جيش الاحتلال عدم الإطلال من سطوح البنايات على البلدة وأهاليها. وكان ما كان من أمر الفلوجة.

لم يهتم الشويخات بأكثر من إشارة إلى ما تلاحق من تطورات: (العراق 2006 م ... في مساحة قرية اسمها «الباب»، عُلقت ثلاث جثث عالياً على أعمدة خشبية - ص 11). الروائي ليس صحافياً، ولا يريد أن يكون مؤرخاً، وعليه أن يأخذ أمراً ويزيد عليه، أو يعيد تكوينه ليقوده إلى ما يريد: محنة المترجم ديفيد بوكاشيو الذي دفعته ميوله للقراءة والمعرفة، واطلاعه الواسع على حضارة العراق القديمة، إلى ركوب هذه الرحلة الشاقة. ولئلا يلتبس الأمر على القارئ، يريد الروائي التعريف بديفيد بوكاشيو، المترجم الأميركي، ليأتي التعريف بمثابة بعض من يوميات بوكاشيو، وهو يكتب اسمه وسلالته التي تمتد إلى مؤلف (الأيام العشرة) أو الديكاميرون، الإيطالي جيوفاني بوكاشيو (ص 27).

ولم يأت الاختيار عبثاً؛ فبوكاشيو منح السلالة اسماً وانتماء إلى (الروي) والمرويّات، ولا بد من أن يظهر في السلالة من يليق بالإرث السردي: ويكون هذا ديفيد بوكاشيو. لكن هذا الإرث يأتي محملاً أيضاً بمشكلات المعرفة عندما يكون المأزق الذي يتعثر عنده طقس العبور. فضباط الفريق الذين ينشغلون في التحقيق مع الأهالي لمعرفة (فراس إبراهيم)، قائد المقاومة المفترض والمسؤول عما حدث، يستغربون برود ديفيد بوكاشيو، وتململه في أثناء التحقيق، فقراءاته تتيح له أن يتبين أن هؤلاء الأهالي لا علاقة لهم بفراس إبراهيم، والكهل المقيد اليدين يشبهه صورة، ولكنه محض فلاح.

كان رئيس التحقيق يستجوب المترجمين اللذين أجلسهما خارج غرفة التحقيق، ومن خلف حاجز شفاف يتيح سماع صوت التحقيق، لا لسبب غير التأكد من دقة ترجمة ديفيد بوكاشيو. هذه العقدة هي التي تستدعي الرويّ. فالمترجم المثقل بقراءاته واقتباساته من ملحمة جلجامش يتأمل كل ما يراه في العراق بعين أخرى تلتقي ما قرأت وعرفت، ولهذا ثمة دهشة وغرابة، وحب، تجعل المترجم يخرج من جبة الاحتراف.

ويكون مأزق ديفيد بوكاشيو مأزق المغامر والدارس والمتمعن في تآلف طبيعة البلد المحتل وأناسه مع تاريخ من الحضارة لم تزل سماتها ترتسم على ملامح الناس والخضرة والطبيعة والبساتين. وبقدر ما تكون هذه القراءة والمعرفة محركاً وفاعلاً في حيثيات السرد، فإن الإمعان فيها قد يعيق السرد ويتحول إلى استعراض لمعرفة المؤلف. هكذا نقرأ مثلاً: (الفن، كرؤية وسرد، هو الجذوة في صقيع الحياة، وهو الفعل الجميل ضد الخراب والخواء والوحدة، كما قال رجب سمعان ذات يوم - ص 69). ويكون ذلك باب المؤلف للاقتباس من الملحمة:

«اصعد إلى سور أوروك

نقّل خطاك عليه جيئة وذهاباً

وانظر من عليّ إلى بيوت المدينة

انظر إلى بساتين النخل

انظر إلى بئر الطين ومشغل الفخار

انظر إلى معبد عشتار - ص69»

هذه الاسترجاعات من الملحمة هي سبيل الروائي لمنح (مأزق) المترجم ديفيد بوكاشيو مصداقية ما تتيح للقارئ معرفة سبب شكوك المحقق هنري بيكر الذي يقدم الصورة الأخرى الكالحة للمحترف الذي لا يألف التكوين المعرفي للآخرين. وعلى الرغم من أن الاسترجاعات التي تشغل ذهن بوكاشيو وتسرح به بعيداً عند رؤية الأرض وأهلها التي حتمت ظهور الملحمة وحضارتها قد تؤدي بالسرد إلى مهاوي (الإفراط السردي)، لكنها ليست ثقيلة لمن يريد المزيد من الملحمة والإرث الحضاري القرين بها. كما أنها تقدم جانباً من (التعارض) و(التقابل) الذي ينهجه السرد: فهناك بابل وسومر وأشعار وأناس وأرض من جانب، وهجوم مسلح لقوى غريبة على البلاد جاهلة بعمقه الحضاري ومتسلحة بالجهل والإرهاب والشعور بالسيادة من جانب آخر. عند هذه النقطة من التقابل السردي يحضر ديفيد بوكاشيو موزعاً ما بين شراكة ملتبسة في العدوان وحب لبلاد أنتجت هذه الحضارة. ولهذا يكون مأزقه مختلفاً عن مأزق المترجمين المحليين التي غالباً ما تكون ذات علاقة برؤية السكان لهم متواطئين مع المحتل. ويشمل ذلك المترجم من أصول عراقية الذي يتوزع بين إرث عائلي وثقافي يتمثل بأجيال من الآباء والأجداد والمترجم المجند الذي جاء بصحبة الاحتلال. هل تتقاضين راتبك من كوفي عنان (أي الأمم المتحدة) أم من بوش؟ هذا هو السؤال الذي تثيره جدة المترجمة في رواية (الحفيدة الأميركية) لإنعام كجة جي.

رواية (الأميركي الذي قرأ جلجامش) تجعل من التبئير الذي اختطته بمثابة (التعارض) الذي يولد توتراً وشداً قد يؤدي إلى جعل ديفيد بوكاشيو متهماً بالتواطؤ. لهذا ترى التبئير يتخذ جملة من الخيوط السردية التي تنقاد إلى (العقدة)، أي مأزق المترجم الذي يزاول الترجمة الفورية مزاولة هاوٍ غرضه الأول مطابقة ما قرأ من قبل مع واقع بلاد تتعرض للانتهاك. ولهذا يكون الضابط المحقق مع المعتقلين (هنري بيكر) بمثابة (الغريم)، أو مضاد البطل (بمفهوم النقد التقليدي). إنه (الرذيل) الذي ينساق وراء حرفته عسكرياً بغرور وصلف وعنف. ولهذا تراه يبحث عن سبب للاعتقال، هو نفسه السبب الذي يتيح للروائي التعريف بماهية الاحتلال: (نقل ديفيد بوكاشيو إلى الضابط هنري إجابة الرجل أن زوجته قضت في أثناء زيارة لأهلها. قصفوا البيت وماتت هي وأهلها في القصف الذي قالوا إنه حدث بالخطأ - ص 74).

وحملات التفتيش والاعتقال التي ينهض بها المحترف الرذيل تتيح للروائي التعريف بما جرى ويجري. وشأنها شأن الاستطرادات والاقتباسات من الملحمة تروم تعميق الوعي بخلفية هذا التناقض الصارخ الذي يعتمده ما بين محقق ومترجم مجيد، ولكنه عارف بما يجهله الآخر. ويضطر الروائي إلى الشروح للتعريف بالمأزق: (في أثناء حملة التفتيش طيلة المساء، لم يكن المترجم ديفيد بوكاشيو على وئام مع الضابط هنري بيكر. لم يكن المترجم يتعمد معارضة الضابط، لكن مقترحات وآراء الضابط الشاب ذي العينين الزرقاوين بدت أحياناً غير محلها في أثناء مداهماتهم للبيوت - ص 75).

لم يكن هذا التعريف بمجريات الاحتلال من جانب والمقاومة من جانب آخر محض تفعيل للتعارض ما بين مترجم يرى عبثية حملات القصف والهدم والقتل ومجانية الفعل العسكري؛ ذلك لأن الرواية تريد تعميق محنة المقروء والمعروف عند المترجم والضرر الخطير الذي يتحقق الآن: «ديفيد بوكاشيو يراقب المشاهد غارقة في الأضواء الصفراء الترابية. وقد لاحظ، وهو يسير مع فرقته وراء هنري بيكر، أن القرية بلا ماء ولا كهرباء، وأن كثيراً من البيوت الطينية بدت جوانب منها أطلالاً تضررت من قصف سابق» (ص 76).

المترجم المأخوذ بما قرأ من قبل وما يُشاهد الآن، ليرى تطابقاً ما كالذي تخيله من قبل الرحالة الذين تعوزهم القراءات الأوسع في الإرث السومري - البابلي، هو نقطة التوتر في «الأميركي الذي قرأ جلجامش» وبين انشداده إلى (عذوق النخيل المكتنزة التي ألقت منذ فترة ثمارها على الأرض، رطباً يانعاً يلتمع على العشب - ص78)، هذا المترجم يستفز بمعرفته هذا الضابط هنري بيكر الذي يود أن يسوق البشارة لرؤسائه أنه حصل على معلومات عن فراس إبراهيم. وكان أن (رمق ديفيد بوكاشيو بنظرة فيها لوم وعتاب مع كثير من الحنق، وكأنه يحمّل ديفيد بوكاشيو مسؤولية إخفاق مجموعتهم ... ص 82).

مثل هذه التقاطعات هي التي تبرر عنوان السرد، لكنها تتيح توتراً نفسياً معيناً لدى المترجم مرده لوم نفسه على ركوب هذه المغامرة بينما يترك وراءه زوجه لورا وأمه الراقدة في مستشفى المسنين بعد تعرضها لجلطة دماغية - ص 80).

وبينما كان المترجم يستحث معاملة تسريحه من عمله، كان بيكر يرى في شروده دليلاً على تواطئه مع الأهالي (ص 84، 85).

وتأتي استدراكات الرواية وكذلك الاتصالات المحدودة بزوجه لورا ورفقته السابقة لرجب سمعان، من أهالي المنطقة الشرقية، بمثابة مكملات سردية تزيينية لا تقدم كثيراً لذلك التوتر الذي يكاد يطيح بالسرد بوصفه محض واقعة أخرى في صفوف القوات الغازية. ولهذا يأتي الكولونيل ستيفن راشفيلد ليعرب عن إعجابه بترجمة ديفيد بوكاشيو، مع إشارة خفية إلى عدم رضاه عن قائد المجموعة، و(الظل الملازم) لديفيد، أي هنري بيكر. وبينما يجمع بيكر أدلته من الصمت والمواربة، يكون ذلك الأمر مبعث ارتياح الكولونيل الذي يراه منصرفاً إلى عمله باقتدار - ص 85، 87).

تأتي استدراكات الرواية بمثابة مكملات سردية تزيينية لا تقدم كثيراً

وشأن السرديات الموفقة، كان المؤلف أحمد الشويخات يأتي بين الفينة والأخرى بما يتيح حقن التعارض والتقابل، ومن ثم التوتر والتبئير، بزرقات تظهر (مضاد البطل)، أو رذيل السرد هنري بيكر، بمظهر الجاهل السفيه الذي يجمع أدلته من خلفية الجهل التي ميّزت أعداداً كبيرةً من القادمين، فإذا كان المترجم يسقط قراءاته في الملحمة وغيرها على ما يرى، وينظر إلى السكان بتعاطف ما، فإن بيكر ينكر عليه ما يجهله، وهكذا يشكو إلى الكولونيل رفض بيكر ترجمة الرسوم والأشكال والإشارات في كتابين؛ أحدهما نسخة مذهبة من القرآن الكريم، والأخرى من كتب عروض الشعر العربي، و(دوائر... الصوائت والصوامت في مقاطع الكلمات التي تكوّن إيقاعات الشعر - ص 96).

ولتوسيع دائرة الاشتباك والتوتر، هناك الكولونيل ستيفن راشفيلد الذي يعترف بجودة تقارير بوكاشيو؛ بينما يقف رئيس التحقيق ريتشارد فلاير مع بيكر في رسم ما يتيح تجريماً ما للمترجم البارع. وشأن الروائي الحاذق لم يدع الشويخات هذا التكتل الرذيل من دون تصدع: (إذ إن ذهاب بيكر في شكواه إلى الكولونيل يحرج رئيس التحقيق فلاير ويدعوه إلى توبيخ بيكر - ص 97، 98).

مثل هذه التقاطعات تتيح للرويّ التمدد خارج بؤرة السرد؛ أي صراع المترجم مع رغباته وقراءاته من جانب، ومن الجانب الآخر انخراطه في احتلال يهدم الإرث الثقافي الذي يبصره في الطبيعة والناس. ولهذا يأتي تبريره لنفسه، وكذلك في رسالته لزوجه، أن هذا البعاد عنها وصبرها وعنايتها بأمه جعله يسأل نفسه عما إذا كان محقاً في الانخراط في الجيش: (كيف تصبرين عليّ؟)، كان يسألها في رسالته (ص 146). وهكذا يأتي الانفراج في طلب إنهاء عقده: كان (وجودي في العراق ضرورياً لأعود إليك - ص151). وثمة انفراجات أخرى، بعضها لتحميل صورة رئيس التحقيق فلاير وفك تكتله مع هنري بيكر. وكان التحقيق مع شاب سرياني اللغة اعتقل للاشتباه به شأن الموجودين في المنطقة: الشاب يرسم علامة الصليب، عند انتهاء التحقيق. وفلاير يسأل المترجم: أي لغة هذه؟ إنها السريانية لغة السيد المسيح (140). ورغم موزائيكية المجتمع العراقي لكن بعض المناطق لا يعرف عنها وجود السريان. ويبدو أن الشويخات يستعين بالضرورات (الشعرية) لاستكمال تصوير المحتل في علاقته بمجتمع تجرأ على اجتياحه بدوافع أخرى تتقصد تجاهل ثقله الثقافي والاجتماعي.

ويمكن أن يقال إنها رواية جريئة للخوض في الاحتلال وحماقاته؛ وإنها إضافة مسهبة لإشكالية (المترجم)، سواء أكان منتمياً مواطنةً أو سلالة للعراق، أو أنه انتمى إليه فكرياً وثقافياً... إنها رواية بحث أولاً.


مقالات ذات صلة

فوكوياما وتهافت «النهاية»

ثقافة وفنون فوكوياما

فوكوياما وتهافت «النهاية»

تحمل صورة «الإنسان الأخير» التي رسمها فوكوياما تعميماً طبقياً حين صاغ فرانسيس فوكوياما أطروحة «نهاية التاريخ»، منح الديمقراطية الليبرالية منزلة المحطة الأخيرة

ندى حطيط
ثقافة وفنون «عين جالوت»... رحلة الانحدار نحو الجنون

«عين جالوت»... رحلة الانحدار نحو الجنون

تدور أحداث رواية «عين جالوت»، وهي عمل أدبي يجمع بين الغموض والمشاهد المروعة والفكاهة السوداء، للكاتب الأرجنتيني دييغو موزيو، في أعقاب الحرب العالمية الأولى،

دكستر بالمر
ثقافة وفنون حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران

لزم فوكو الصمت وهو يتحسر ويتمزق بعدما شاهد مجزرة المعارضين على يد نظام الخميني إنه لشيء من أعجب العجائب وأغرب الغرائب: ميشيل فوكو فيلسوف الحداثة

هاشم صالح
ثقافة وفنون فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

تحمل فيروز معاني كثيرة داخل كل منا، فهي جمال الصوت المبهر وروعة الإحساس وذكريات الصبا ونسمة عذبة باردة تصفع وجوهنا برقة في صباحات رائقة ونحن نحتسي القهوة،

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون «على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

في المجموعة القصصية «على هامش الحياة» للكاتب مصعب البدور الصادرة عن «الآن ناشرون وموزّعون» بالأردن (2026)، نشهد استحضاراً للذاكرة الجمعية لجيلٍ أردني عاش حياةً

«الشرق الأوسط» (عمَّان)

فوكوياما وتهافت «النهاية»

فوكوياما
فوكوياما
TT

فوكوياما وتهافت «النهاية»

فوكوياما
فوكوياما

تحمل صورة «الإنسان الأخير» التي رسمها فوكوياما تعميماً طبقياً حين صاغ فرانسيس فوكوياما أطروحة «نهاية التاريخ»، منح الديمقراطية الليبرالية منزلة المحطة الأخيرة في تطوّر أنظمة الحكم، ووضع في نهاية هذا المسار «الإنسان الأخير» الذي أشبع حاجاته المادية وظلّ أسير القلق على مكانته ومعنى وجوده، لتجتمع في الفكرة ثقة بانتصار النظام وشكوك في قدرة الإنسان على الرضا بالحياة التي يتيحها.

ومن هذا التوتر تكتسب مذكراته «في عالم الإنسان الأخير»، التي صدرت للتو، أهميتها، إذ تصل بين لحظة قدّم فيها الليبرالية بوصفها أفق البشرية النهائي، وأخرى يعود فيها إلى سيرته وسط صراع على شروط بقاء ذلك النظام، بعدما انتقل السؤال من فرص تعميم الديمقراطية إلى القوى التي تعمل على تفكيكها من داخل مؤسساتها، ومن وعد المستقبل المشترك إلى النزاع على الثروات والقدرة على تقرير المصير.

تتبع المذكرات تكوينه الفكري في محيط الفيلسوف ألان بلوم بجامعة كورنيل، والتحاقه بمؤسسة «راند» ودوائر السياسة الخارجية الأميركية، ولقاءاته مع شخصيات امتدت من معمر القذافي إلى النخب الصينية، فتمنح طروحاته سياقاً اجتماعياً ومهنياً يلحظ قرب إنتاج المعرفة من صناعة القرار في الولايات المتحدة. ويكتسب هذا المسار دلالته حين يقترن بتاريخ أسرته اليابانية الأميركية واعتقال أقارب له خلال الحرب العالمية الثانية، إذ تدخل التجربة الذاتية إلى قلب السؤال عن معنى الدولة التي تنظّر لحقوق الإنسان بينما تعيد ترتيب مواطنيها بحسب أصولهم ومنابتهم وفق الظرف السياسي.

يستعيد فوكوياما وصوله إلى كاليفورنيا عام 1978 للتدرّب في «راند»، حيث أعدّ دراسة عن علاقة العراق بالاتحاد السوفياتي، قبل أن يصبح العراق لاحقاً سبباً في قطيعته مع المحافظين الجدد. وهذا التجاور بين البدايات المهنية والمراجعات الفكرية اللاحقة يتيح قراءة سيرة مفكر تشكّلت أحكامه داخل المؤسسات، ثم دفعته نتائج السياسات التي ساندها عندئذ إلى إعادة فحص تصوّراته عن معنى القوة ونتائج التغيير، بما يجعل المذكرات مناسبة لمساءلة المسؤولية التي يتحمّلها الفكر حين يمنح المشاريع السياسية لغة الحتميّة التاريخية.

ويتصل تراجعه عن تأييد غزو العراق بمراجعته اقتصاد السوق المنفلت عقب أزمة 2008، فتلتقي حدود القوة العسكرية بحدود الثقة في التنظيم التلقائي للاقتصاد. وتتيح هذه المراجعات الفكريّة تحويل الاهتمام من افتراض سهولة انتشار النموذج الليبرالي إلى تعقيد الشروط التي تمنحه الاستقرار، وفي مقدمتها كفاءة الدولة ومحاسبة السلطة وتماسك المجتمع، وهي شروط تجعل الدفاع عن الديمقراطية مهمة مفتوحة على التعديل والجدل والتغيير.

وتتيح هذه المراجعات العودة إلى الأساس الفلسفي لأطروحة «نهاية التاريخ»، التي قدّمها فوكوياما في مقاله عام 1989 ووسّعها في كتابه عام 1992، مستنداً إلى قراءة هيغل عبر ألكسندر كوجيف، ورابطاً حركة التاريخ بالسعي إلى الاعتراف الذي رأى في المساواة القانونية والحكم برضا المحكومين استجابة له، فتتركّز المحاكمة النقدية على القفزة من جاذبية هذين المبدأين إلى اعتبار الديمقراطية الليبرالية صيغتهما المؤسسية المكتملة والنهائية.

لقد رفع فوكوياما أزمة النموذج السوفياتي وصعود الثقة بانتصار الغرب إلى منزلة تتيح الحكم على التاريخ بأسره، فتحوّلت الغلبة السياسية المرحليّة إلى برهان فلسفي، واكتسب المنتصر سلطة تعريف المستقبل وقياس المجتمعات بمقدار اقترابها منه. وتكمن مشكلة هكذا طرح في اختزال التجربة الإنسانية داخل معيار يستمد صورته من مجتمعات بعينها، ثم يرفع مؤسساتها إلى مرتبة الأفق العالمي، بينما تتشكّل الحرية الإنسانية عملياً من صراعات محلية على الأرض والعمل والتعليم والتمثيل، وتظلّ حصيلتها قابلة لإنتاج ترتيبات تتجاوز الأشكال التي استقرّت عليها الديمقراطيات الغربية بشكلها المعاصر. وتترتب على هذا التصوّر الفوكويامي القاصر تكلفة سياسية حين تعتبر مطالب التغيير الاقتصادي خروجاً عن العقلانية، ويصار إلى قصر الخلاف المشروع على إدارة النظام القائم، فتكتسب خيارات الخصخصة وتقليص الحماية الاجتماعية صفة الحقائق التقنية، بينما تُكنس الأسئلة المتعلقة بمن يستفيد ومن يدفع الثمن إلى هامش النقاش العام وخارج مجالات التأثير الانتخابي.

ويظهر التناقض الأشدّ عند فحص العلاقة بين المساواة السياسية وتراكم الملكية الخاصة، إذ يحصل المواطنون على أصوات متساوية في الاقتراع، فيما تتفاوت قدرتهم على تمويل الحملات وامتلاك وسائل الإعلام والتأثير في السرديات السائرة. وحين تستطيع الطبقة المتنفذة تحويل امتيازها الاقتصادي إلى واقع تشريعي، تصبح الإرادة العامة محكومة بميزان قوى يسبق الانتخابات ويرجّح كفّة مصالح بعينها في نتائجها.

ولذلك تحمل صورة «الإنسان الأخير» التي رسمها فوكوياما تعميماً طبقياً يستحق المساءلة، لأنها تتخيّل إنساناً أشبع حاجاته المادية ثم أصابه الضجر وفقدان الغاية، بينما ينشغل القطاع الأوسع من سكان المجتمعات الغنية بتكاليف السكن والعلاج والعمل المتقلّب. وتختلف أزمة العامل القلق على أجره عن أزمة المستهلك المرفه الباحث عن الإثارة حتى حين يلتقي الاثنان في التصويت الاحتجاجي، ولذلك يصبح ردّ الغضب الشعبي إلى الحاجة للاعتراف أقرب إلى تفسير جزئي يفتقد ربطاً موضوعياً بمواقع الناس داخل الاقتصاد وبقدرتهم على السيطرة على زمنهم وحياتهم.

يمنح فوكوياما هذا الجوع للاعتراف مكانة مركزية، مستعيداً مفهوم «الثيموس» بوصفه طلباً للكرامة والتقدير، كما وضع داخل تصوّره للإنسان الأخير احتمال التمرّد على الرضا المادي نفسه. وتكشف هذه الفكرة عن توتر آخر في بناء أطروحة «نهاية التاريخ»، إذ يحمل النظام المفترض اكتماله دوافع الاعتراض عليه في تكوين الإنسان الذي يسكنه، وتصبح النهاية عندئذ تسوية تحتاج إلى تجديد متتابع، بينما يستمر المجتمع في إنتاج تفاوتات تغذّي المطالبة بالمساواة أو الرغبة في التفوّق والسيطرة على الآخرين. وتستثمر الشعبوية هذا التوتر حين تمنح الإحباط الاجتماعي غلافاً قومياً وتختار لتوجيه الغضب عدواً قريباً، لتتحوّل مسائل مثل فقدان الوظيفة أو تراجع المكانة، أو تضخم الأسعار إلى رواية عن أمة تهددت عظمتها، والمهاجر أو الأقلية بوصفهما تفسيراً جاهزاً معلباً لتلك الخسارات.

على المستوى العالمي، تطرح التجربة الصينية، لا سيما في الفترة ما بعد تدبيج مقال الـ1989 سؤالاً عن اقتران التحديث الاقتصادي بالحريات السياسية، بعدما جمع مسارها بين الاندماج في الأسواق الدولية واستمرار سلطة الحزب الواحد، مقدّماً مادة لا يمكن تجاهلها لاختبار الصلة المفترضة بين الرأسمالية والديمقراطية. ويكفي هذا النموذج المغاير لإعادة فتح النقاش حول تعدّد الأشكال التي يستوعبها الاقتصاد الحديث، بغض النظر عن قيم الحقوق والمحاسبة والحريات الفردية وحدود مشاركة المواطنين في الحكم.

وتضيف أزمتا المناخ والتقنية المعاصرة أسئلة تتجاوز قضية ترتيب الانتخابات إلى تحديد أصحاب القرار الحقيقيين بشأن شروط الحياة والعمل، إذ تتوزّع تكاليف التحوّل البيئي ومكاسب الأتمتة وفق علاقات الملكية والقدرة على فرض الأولويات. فحين تمتلك شركات قليلة حق احتكار المرور إلى التواصل والمعرفة، يصبح المجال العام نفسه خاضعاً لقواعد تجارية خاصة، دون أن تمتد الرّقابة الشعبية إلى تلك البنية، ما يعزل الديمقراطية عن الاقتصاد والتقنية، ويحتجز إمكان تطورهما في اتجاه الاستجابة لمطالب نشأت من تطوّر المجتمع ذاته.

ربما يتبقى من فكرة «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» قوة السؤال عن الاعتراف ورضا المحكومين، لكن ادعاء اكتمال التجربة الإنسانية حَوّلها عبئاً على فهم السياسة وإمكاناتها، لتصبح مذكرات فوكوياما شاهداً على ضرورة مراجعة الأحكام القاطعة التي نتجت تحت ضغط التجربة.

فالمستقبل الذي يستحق الدفاع عنه يتحدّد بقدرة البشر على تغيير الشروط التي تحكمهم، وبإمكان العامل والناخب والمهمّش المشاركة في صياغة المؤسسات وتوزيع الموارد، وعند هذا الحدّ تستعيد الديمقراطية معناها بوصفها صراعاً على توسيع نطاقات الحرية والمساواة، ويأخذ الإنسان مكانه فاعلاً جدلياً في تاريخ تتجدّد وجهاته مع كل مطالبة بحق، وكل محاولة لتنظيم الحياة المشتركة.


«عين جالوت»... رحلة الانحدار نحو الجنون

«عين جالوت»... رحلة الانحدار نحو الجنون
TT

«عين جالوت»... رحلة الانحدار نحو الجنون

«عين جالوت»... رحلة الانحدار نحو الجنون

تدور أحداث رواية «عين جالوت»، وهي عمل أدبي يجمع بين الغموض والمشاهد المروعة والفكاهة السوداء، للكاتب الأرجنتيني دييغو موزيو، في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وتحديداً داخل مصحة في إدنبرة، كانت «تؤوي نخبة مختارة من أعداد كبيرة من المرضى النفسيين العائدين من الحرب». يجري الطبيب النفسي في المصحة، إدوارد بيرس، أبحاثاً مثيرة للجدل حول التنويم المغناطيسي كوسيلة لعلاج الأمراض العقلية؛ وفي حين يرى زملاؤه أن تجاربه «محكوم عليها بالفشل عاجلاً أم آجلاً»، يعتبر بيرس أن أساليبهم - القائمة على العقاقير والكهرباء - «غير فعالة وبالية».

يصل مريض جديد يُدعى ديفيد برادلي - وهو مهندس - إلى المصحة بعد أن تقطعت به السبل على جزيرة تضم منارة مهجورة كان قد أُرسل لتقييم حالتها بتكليف من جهة عمله. ويرى بيرس في هذه الحالة فرصة لإثبات جدوى إجراءاته النفسية المبتكرة.

يعاني برادلي من صدمة نفسية أفقدته القدرة على الكلام، وتتملكه رغبة ملحة في السباحة طوال الوقت. وقد دوّن تفاصيل فترته التي قضاها في الجزيرة في مذكرات تشكل الجزء الثاني من الكتاب، حيث يسرد رحلة انحداره نحو الجنون والرعب المستمر. بعد ذلك، يعود موزيو بالقصة إلى بيرس ومسار علاج مريضه المحيّر.

تتميز هذه الرواية بحبكة معقدة، وتزخر بالتناص الأدبي؛ إذ يوظف موزيو ثيمات ومواضيع لكُتّاب آخرين بأسلوب يشبه طريقة منتجي موسيقى «الهيب هوب» في استخدام المقاطع الصوتية الجاهزة (samples)، حيث يصيغ ألحاناً جديدة عبر اقتباس شذرات من ألحان مألوفة وإعادة ترتيبها وصياغتها بقوالب مبتكرة. وتزخر الرواية بإشارات إلى أعمال أدبية متنوعة، مثل: «مغامرات أليس في بلاد العجائب» للويس كارول، و«الجحيم» لدانتي، وسفر صموئيل الأول، وكتابات عالم الطبيعة والكاتب ويليام هنري هدسون، وقصيدة «أنشودة البحار العجوز» لكولريدج.

غير أن التأثير الأبرز يأتي من الرواية القصيرة القوطية «قضية الدكتور جيكل والسيد هايد الغريبة» لروبرت لويس ستيفنسون. فبينما تبرز بعض الإشارات بوضوح صارخ كلوحات النيون الوامضة (مثل وجود نسخة من الكتاب في غرفة نوم «بيرس»، وظهور مهندس المنارات ديفيد آلان ستيفنسون، وهو ابن عم روبرت في الواقع)، تظهر أيضاً جوانب أكثر دقة وتعمقاً في استلهام تلك الرواية. إذ تتم السيطرة على ألم الأعصاب الذي يعاني منه «بيرس» - وهي حالة تسبب صداعاً مبرحاً ناجماً عن شظايا مستقرة في رأسه - عبر جرعات متزايدة التواتر من المورفين؛ وتعكس عادته هذه اعتماد الدكتور جيكل على إكسيره السري، الذي كان يتجرعه أولاً ليُخرج إلى العالم قرينه الشرير «هايد» (ثم يعود ليتناوله لاحقاً لكبح جماح «هايد» ومنعه من الظهور من تلقاء نفسه).

وهناك واقعة تتعلق بجثتين تُرى من منظورين مختلفين: أحدهما يعتبرها تدنيساً للحرمة، والآخر يراها تعبيراً عن الندم؛ ففي حين قد يرى شخص ما «هايد» في هذا الموقف، قد يرى آخر «جيكل». كما تتكرر ثيمات التوائم والنسخ المتطابقة طوال أحداث الرواية، بما في ذلك لحظة بارعة يتضاعف فيها الكتاب نفسه.

*خدمة «نيويورك تايمز» ومن خلال أسلوبها النثري الأنيق - الذي يتسم أحياناً بطابع طريف وغريب ومحبب (وقد نُقل ببراعة من الإسبانية على يد راهول بيري) - وعبر بنيتها السردية، ولا سيما الوثائق التي تشكل قسم «برادلي»، تلمح الرواية إلى الطابع القوطي، دون أن تتحول كلياً إلى مجرد محاكاة ساخرة أو تقليد للأسلوب القديم.

وتكمن خلف مساري أحداث «بيرس» و«برادلي» ذكريات الحرب التي وضعت أوزارها مؤخراً، وهي ذكريات يفضل الرجلان نسيانها؛ إذ تُعد مشاهد الاسترجاع (الفلاش باك) التي تصور أجواء السريالية الكابوسية لحرب الخنادق - التي وُصفت بأنها «محفز مذهل للجنون» - أكثر فقرات الرواية إثارة للقلق والاضطراب. يرى بيرس في تجسيد الحرب تشويهاً بشعاً لشخصية «أليس» التي أبدعها كارول، تلك الفتاة ذات «العينين المتلألئتين التي كانت تتجول حاملةً حلقة مفاتيح تصدر رنيناً، لتفتح بها كل حجرات العقل التي حُبست فيها جحافل من الشياطين الثرثارة».

فالخنادق هي المكان الذي تضطر فيه الظروفُ كلَّ رجلٍ إلى إخراج «هايد» الكامن في داخله؛ لا طلباً للمتعة التي كان يجدها «هايد» - شخصية ستيفنسون - في العنف، بل لمجرد البقاء على قيد الحياة. وفي هذه الرواية الآسرة، يوحي مصير كل من بيرس وبرادلي بأنه مهما كانت المبررات التي قد تدفع المرء لإطلاق العنان لـ«هايد» ليعيث فساداً في المرة الأولى، فإن كبح جماحه مجدداً يُعد أمراً بالغ الصعوبة.


حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران
TT

حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران

لزم فوكو الصمت وهو يتحسر ويتمزق بعدما شاهد مجزرة المعارضين على يد نظام الخميني إنه لشيء من أعجب العجائب وأغرب الغرائب: ميشيل فوكو فيلسوف الحداثة وما بعد الحداثة راح يصفق بكلتا يديه لثورة الخميني الظلامية المندلعة عام 1978. كان فوكو في ذلك الوقت أشهر مثقف فرنسي على الإطلاق. وذلك لأن سارتر كان على وشك الرحيل بعد أن عمي تماماً، ولم تبقَ له سنتان أو أقل لكي يموت. علاوة على ذلك، فقد كان فوكو أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس (أعلى من السوربون) ، ومعلوم أنه كان قد اتفق مع صديقه جان دانييل رئيس تحرير أهم مجلة أسبوعية فرنسية وأكثرها استنارة «النوفيل أوبسرفاتور» على الذهاب إلى طهران لتغطية الأحداث المشتعلة هناك. وهكذا ركب فيلسوفنا الكبير الطائرة وذهب إلى طهران لكتابة تقارير صحافية عن الأحداث في وقت كان فيه الخميني ذاته لا يزال في ضواحي باريس. وهي تقارير نشرتها المجلة المذكورة، بالإضافة إلى الجريدة الإيطالية الشهيرة «كوريير ديلا سيرا». وقد سافر مرتين إلى طهران من 16 إلى 24 سبتمبر (أيلول) 1978، ومن 9 إلى 15 نوفمبر (تشرين الثاني): أي أقام ثمانية أيام وستة أيام في العاصمة الإيرانية. وقد قابل في كلتا الرحلتين ضباط الشاه الكبار، وقادة المعارضة العلمانيين. ثم قابل بشكل خاص كبار رجال الدين، ومن بينهم آية الله شريعة مداري. هذا ناهيك عن ممثلي المتظاهرين المليونيين، إلخ. يقول عنه أحد العارفين ما يلي:

كان فوكو شخصياً معجباً جداً بالعنف، ومبهوراً به. وكان يكره كل مجتمع مستقر. وكان معجباً جداً أيضاً بالجماهير الهائجة المائجة، وبالزلازل، والبراكين. وكانت عدميته النيتشوية قد وجدت إشباعاً لها في هذه الثورة العارمة التدميرية المدمرة. ولذلك رأى في هذه الثورة المتفجرة بالملايين نوعاً من الإنعاش الروحي في عالم دنيوي إلحادي فقد كلياً معنى القداسة الدينية، والتعالي الرباني. المقصود بذلك عالم الغرب الذي ينتمي إليه، لأنه هو شخصياً كان ملحداً عدمياً نيتشوياً.

لاحظوا المفارقة الكبرى هنا: هذا الرجل الملحد الذي يحارب الدين المسيحي بكل ضراوة في بلده إذا به يركع وينحني أمام متدينين آخرين، وفي بلد آخر. كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ الله أعلم. وهنا يحق لنا أن نطرح هذا السؤال: ماذا فعل فوكو في إيران؟ لقد انتصر للقدامة ضد الحداثة، وللثيوقراطية ضد الديمقراطية، وللنزعة اللاهوتية الكهنوتية ضد الفلسفة العلمانية التنويرية. لقد أبدى إعجابه الشديد بكيفية سيطرة رجل واحد على الملايين رغم أنه رجل دين قروسطي ظلامي. كان يسحرهم سحراً. فالخميني بشريط تسجيل واحد كان قادراً على تهييج إيران كلها عن بكرة أبيها. هذا ما أذهل فوكو، وأعجبه كل الإعجاب، وأخرجه عن طوره، بل وأفقده كل ملكاته العقلية، والنقلية. ثم أبدى إعجابه الشديد باستعداد هؤلاء المتظاهرين المليونيين للتضحية بأرواحهم ودمائهم من أجله. واعتقد فوكو أن ذلك أفضل من كل برلمانات العالم، وكل ديمقراطيات الغرب. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة.

لقد نشر فوكو مقالة بعنوان: «الشاه متأخر عن عصره مائة عام». لا حظوا المفارقة: الشاه الذي حدث إيران هو المتأخر عن عصر الحداثة، وليس الخميني. وراح فوكو يستخدم كل براعته السفسطائية لإقناعنا بأن حداثة الغرب العلمانية الديمقراطية هي المشكلة، وهي المتخلفة عقلياً، وسياسياً، وليس الخميني الذي يعيش كلياً في غياهب العصور الوسطى، وظلماتها. الشاه الذي أراد تحديث بلاده وتطويرها هو الرجعي، والخميني الذي أراد إعادتها إلى القرون الوسطى هو التقدمي.

لا ريب في أن فوكو كان على حق في إدانة الفساد الذي كان ينخر في نظام الشاه البائد، ومعلوم أن جماعته -بل وعائلته- كانت تسيطر على الصناعة الإيرانية، والموارد البترولية، ومعلوم أن فقر الشعب المدقع في عهده كان قد أصبح مقلقاً. والمقلق أكثر ميل الشاه إلى البذخ في الصرف على الأمجاد الساسانية الغابرة السابقة على الإسلام. وكل هذا استفز الشعب الإيراني المسلم المتدين أيما استفزاز. هذا ناهيك عن القمع السياسي للسافاك، إلخ. كل هذا صحيح. ولكن لماذا لا ترى نواقص الطرف الآخر المتمثل في الخميني؟ في الواقع أن فوكو كان يكره الغرب، ويكره الحداثة الرأسمالية. وبما أن الأصوليين الإيرانيين كانوا يكرهون الغرب، ويكرهون الحداثة الرأسمالية أيضاً، فإنهم نالوا إعجاب فوكو الشديد. لقد نالوا إعجابه إلى درجة أنه راح يقيم التضاد بين ملك طاغية مستبد من جهة وإنسان «قديس» ومنفي فقير من جهة أخرى. لاحظوا الأمر: الخميني تحول إلى قديس، أو ولي من أولياء الله الصالحين في نظر فوكو الملحد! وراح أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس يمجد الخميني ويقول: ما أروع هذا الرجل الروحاني المؤمن الذي يقود شعباً بأسره، ويتصدى بيدٍ عارية للطغيان المدجج بالسلاح... كلام فارغ سوف يدفع ثمنه غالياً لاحقاً. هكذا نلاحظ أنه في نظر هذا الفيلسوف العتيد فإن الشر أصبح كله في جهة، والخير كله في جهة أخرى. ثم بلغ العمى الفكري بميشيل فوكو مبلغه عندما راح يقول: هناك حقيقة ينبغي أن تكون واضحة للجميع هي: إن مفهوم الحكومة الإسلامية الذي ينادي به الخميني لا يعني أن رجال الدين هم الذين سيحكمون إيران. عندما كتب فوكو هذا الكلام كان الخميني لا يزال في ضواحي باريس، وفوكو يسرح ويمرح في طهران. ولكن كيف يمكن أن تصدق أن رجال الدين لن يلعبوا أي دور في النظام اللاهوتي الكهنوتي المقبل؟ فوكو يعتقد أنه يمكن للإيرانيين في ظل الخميني أن يصنعوا مستقبلهم الزاهر عن طريق العودة ألف سنة إلى الوراء...

يقول أحد العارفين أيضاً معلقاً:

الشيء الذي كان يسحر ميشيل فوكو في الثورة الإيرانية هو تشكيل مجتمع مستلهم من قبل التعالي الرباني، والقداسة الدينية. الشيء الذي كان يسحره هو الروحانية السياسية التي نسيناها نحن في الغرب منذ عصر النهضة، والأزمات الكبرى للمسيحية. ثم يردف فوكو قائلاً: أكاد أسمع الفرنسيين يقهقهون إذ يسمعون مني هذا الكلام. ولكنهم مخطئون. وراح يتوهم أن الحكومة الإسلامية سوف تجسد في السياسة شيئاً جديداً نسيه الغرب كلياً: ألا وهو الطابع الروحاني -بل والرباني- العالي المتعالي للسياسة. ما هذا الهراء؟ فوكو يريد العودة إلى ما قبل عصر النهضة، بل إلى ما قبل عصر التنوير. إنه يريد العودة إلى عصر الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية السابقة على النهضة، والأنوار. باختصار شديد، إنه يريد العودة إلى القرون الوسطى الثيوقراطية الكهنوتية. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة في الكوليج دو فرانس... أين نحن؟

ثم بلغ الضلال بفوكو مبلغه عندما كتب قائلاً:

الخميني ليس رجل سياسة. إنه رجل دين فقط. لن يوجد حزب سياسي خميني بعد سقوط الشاه، ولا حكومة خمينية في إيران بعد الانتصار عليه. ولكن الأحداث اللاحقة كذبته كلياً. ففي الأول من فبراير (شباط) 1979 عاد الخميني إلى طهران، وشكل نظاماً ثيوقراطياً يتحكم رجال الدين بكل مفاصله. وراحوا يقطعون الرؤوس بالآلاف... والنتيجة معروفة للجميع.

هكذا نلاحظ أن فوكو أخطأ على طول الخط في تقييمه للثورة الإيرانية. ولهذا السبب، فإن صديقه جان دانييل الذي أرسله إلى هناك راح يعتذر بشدة عن الخطأ الذي ارتكبه كلا الاثنين معاً. وهو خطأ لا يغتفر في رأيه. وأما فوكو الذي شاهد مجزرة المعارضين على يد آية الله الخلخالي، وسواه، فقد لزم الصمت وهو يتحسر، ويتمزق. وربما بصق على كل ما كتب، وفعل. ويقال إنه لزم بيته بضعة أسابيع قبل أن يتجرأ على الخروج في شوارع باريس خجلاً من نفسه، ومن الناس... كيف يمكن أن تخطئ إلى مثل هذا الحد يا رجل وأنت الفيلسوف الشهير؟ لقد عض على أصابعه ندماً، ولكن بعد فوات الأوان. وهذا درس لكل المثقفين الذين يناصرون قضية أخرى غير قضيتهم، بل ومضادة لقضيتهم: نقصد قضية الأصولية الظلامية. نقول ذلك ونحن نعلم أن المثقفين اليساريين والشيوعيين -بل وحتى الليبراليين الإيرانيين- انضموا كلهم إلى صف الخميني، وساهموا في إنجاح حركته. ثم سرعان ما قطع رؤوسهم بعد أن وصل إلى السلطة، واستتب له الأمر. لا يريد مثقفين تقدميين متنورين في إيران الجديدة. يريد فقط مثقفين أصوليين من أشكاله.

أخيراً ابتدأ الشعب الإيراني يدفع الثمن الباهظ لهذه الثورة المتخلفة التي تحمس لها بالملايين قبل نصف قرن تقريباً. كل الثورات الكبرى التي صنعت الحداثة والازدهار والتقدم كانت مضادة للأصولية، ما عدا الثورة الخمينية... كلها من الثورة الإنجليزية المجيدة عام 1688 إلى الثورة الأميركية عام 1776 إلى الثورة الفرنسية عام 1789 كانت ضد الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية. وحدها الثورة الإيرانية كانت الاستثناء. لقد كانت مضادة لحركة التاريخ. ولذلك لم ينتج عنها أي شيء مفيد، ولم تتقدم إلى الأمام، وإنما أعادتنا قروناً إلى الوراء. إنها ثورة معكوسة بالمقلوب كما قال المجدد الأكبر للفكر الإسلامي محمد أركون يوماً ما. والأنكى من ذلك أن أصحابها يريدون تصديرها إلى الشعوب المجاورة؟ ماذا يصدرون؟ هل يصدرون فكر العصور الوسطى وظلامياتها؟ هل يصدرون التخلف الفكري؟ هنا يكمن مقتل الثورة الإيرانية.