الرواية بصفتها بحثاً

أحمد الشويخات في «الأميركي الذي قرأ جلجامش»

الرواية بصفتها بحثاً
TT

الرواية بصفتها بحثاً

الرواية بصفتها بحثاً

هناك أكثر من تفصيل في رواية أحمد الشويخات يستحق الانتباه، لولا أن بعض هذه يشل الرويّ ويمسك بأطراف الرحلة في الاحتلال الأميركي للعراق سنة 2003. التقط الشويخات تاريخاً معيناً أقدمت فيه المقاومة العراقية في الفلوجة على تعليق جثث ثلاثة (مقاولين)، بمعنى أنهم ليسوا أفراداً في الجيش النظامي. جاء ذلك في أعقاب إطلاق النار على مظاهرة سلمية تطلب من جيش الاحتلال عدم الإطلال من سطوح البنايات على البلدة وأهاليها. وكان ما كان من أمر الفلوجة.

لم يهتم الشويخات بأكثر من إشارة إلى ما تلاحق من تطورات: (العراق 2006 م ... في مساحة قرية اسمها «الباب»، عُلقت ثلاث جثث عالياً على أعمدة خشبية - ص 11). الروائي ليس صحافياً، ولا يريد أن يكون مؤرخاً، وعليه أن يأخذ أمراً ويزيد عليه، أو يعيد تكوينه ليقوده إلى ما يريد: محنة المترجم ديفيد بوكاشيو الذي دفعته ميوله للقراءة والمعرفة، واطلاعه الواسع على حضارة العراق القديمة، إلى ركوب هذه الرحلة الشاقة. ولئلا يلتبس الأمر على القارئ، يريد الروائي التعريف بديفيد بوكاشيو، المترجم الأميركي، ليأتي التعريف بمثابة بعض من يوميات بوكاشيو، وهو يكتب اسمه وسلالته التي تمتد إلى مؤلف (الأيام العشرة) أو الديكاميرون، الإيطالي جيوفاني بوكاشيو (ص 27).

ولم يأت الاختيار عبثاً؛ فبوكاشيو منح السلالة اسماً وانتماء إلى (الروي) والمرويّات، ولا بد من أن يظهر في السلالة من يليق بالإرث السردي: ويكون هذا ديفيد بوكاشيو. لكن هذا الإرث يأتي محملاً أيضاً بمشكلات المعرفة عندما يكون المأزق الذي يتعثر عنده طقس العبور. فضباط الفريق الذين ينشغلون في التحقيق مع الأهالي لمعرفة (فراس إبراهيم)، قائد المقاومة المفترض والمسؤول عما حدث، يستغربون برود ديفيد بوكاشيو، وتململه في أثناء التحقيق، فقراءاته تتيح له أن يتبين أن هؤلاء الأهالي لا علاقة لهم بفراس إبراهيم، والكهل المقيد اليدين يشبهه صورة، ولكنه محض فلاح.

كان رئيس التحقيق يستجوب المترجمين اللذين أجلسهما خارج غرفة التحقيق، ومن خلف حاجز شفاف يتيح سماع صوت التحقيق، لا لسبب غير التأكد من دقة ترجمة ديفيد بوكاشيو. هذه العقدة هي التي تستدعي الرويّ. فالمترجم المثقل بقراءاته واقتباساته من ملحمة جلجامش يتأمل كل ما يراه في العراق بعين أخرى تلتقي ما قرأت وعرفت، ولهذا ثمة دهشة وغرابة، وحب، تجعل المترجم يخرج من جبة الاحتراف.

ويكون مأزق ديفيد بوكاشيو مأزق المغامر والدارس والمتمعن في تآلف طبيعة البلد المحتل وأناسه مع تاريخ من الحضارة لم تزل سماتها ترتسم على ملامح الناس والخضرة والطبيعة والبساتين. وبقدر ما تكون هذه القراءة والمعرفة محركاً وفاعلاً في حيثيات السرد، فإن الإمعان فيها قد يعيق السرد ويتحول إلى استعراض لمعرفة المؤلف. هكذا نقرأ مثلاً: (الفن، كرؤية وسرد، هو الجذوة في صقيع الحياة، وهو الفعل الجميل ضد الخراب والخواء والوحدة، كما قال رجب سمعان ذات يوم - ص 69). ويكون ذلك باب المؤلف للاقتباس من الملحمة:

«اصعد إلى سور أوروك

نقّل خطاك عليه جيئة وذهاباً

وانظر من عليّ إلى بيوت المدينة

انظر إلى بساتين النخل

انظر إلى بئر الطين ومشغل الفخار

انظر إلى معبد عشتار - ص69»

هذه الاسترجاعات من الملحمة هي سبيل الروائي لمنح (مأزق) المترجم ديفيد بوكاشيو مصداقية ما تتيح للقارئ معرفة سبب شكوك المحقق هنري بيكر الذي يقدم الصورة الأخرى الكالحة للمحترف الذي لا يألف التكوين المعرفي للآخرين. وعلى الرغم من أن الاسترجاعات التي تشغل ذهن بوكاشيو وتسرح به بعيداً عند رؤية الأرض وأهلها التي حتمت ظهور الملحمة وحضارتها قد تؤدي بالسرد إلى مهاوي (الإفراط السردي)، لكنها ليست ثقيلة لمن يريد المزيد من الملحمة والإرث الحضاري القرين بها. كما أنها تقدم جانباً من (التعارض) و(التقابل) الذي ينهجه السرد: فهناك بابل وسومر وأشعار وأناس وأرض من جانب، وهجوم مسلح لقوى غريبة على البلاد جاهلة بعمقه الحضاري ومتسلحة بالجهل والإرهاب والشعور بالسيادة من جانب آخر. عند هذه النقطة من التقابل السردي يحضر ديفيد بوكاشيو موزعاً ما بين شراكة ملتبسة في العدوان وحب لبلاد أنتجت هذه الحضارة. ولهذا يكون مأزقه مختلفاً عن مأزق المترجمين المحليين التي غالباً ما تكون ذات علاقة برؤية السكان لهم متواطئين مع المحتل. ويشمل ذلك المترجم من أصول عراقية الذي يتوزع بين إرث عائلي وثقافي يتمثل بأجيال من الآباء والأجداد والمترجم المجند الذي جاء بصحبة الاحتلال. هل تتقاضين راتبك من كوفي عنان (أي الأمم المتحدة) أم من بوش؟ هذا هو السؤال الذي تثيره جدة المترجمة في رواية (الحفيدة الأميركية) لإنعام كجة جي.

رواية (الأميركي الذي قرأ جلجامش) تجعل من التبئير الذي اختطته بمثابة (التعارض) الذي يولد توتراً وشداً قد يؤدي إلى جعل ديفيد بوكاشيو متهماً بالتواطؤ. لهذا ترى التبئير يتخذ جملة من الخيوط السردية التي تنقاد إلى (العقدة)، أي مأزق المترجم الذي يزاول الترجمة الفورية مزاولة هاوٍ غرضه الأول مطابقة ما قرأ من قبل مع واقع بلاد تتعرض للانتهاك. ولهذا يكون الضابط المحقق مع المعتقلين (هنري بيكر) بمثابة (الغريم)، أو مضاد البطل (بمفهوم النقد التقليدي). إنه (الرذيل) الذي ينساق وراء حرفته عسكرياً بغرور وصلف وعنف. ولهذا تراه يبحث عن سبب للاعتقال، هو نفسه السبب الذي يتيح للروائي التعريف بماهية الاحتلال: (نقل ديفيد بوكاشيو إلى الضابط هنري إجابة الرجل أن زوجته قضت في أثناء زيارة لأهلها. قصفوا البيت وماتت هي وأهلها في القصف الذي قالوا إنه حدث بالخطأ - ص 74).

وحملات التفتيش والاعتقال التي ينهض بها المحترف الرذيل تتيح للروائي التعريف بما جرى ويجري. وشأنها شأن الاستطرادات والاقتباسات من الملحمة تروم تعميق الوعي بخلفية هذا التناقض الصارخ الذي يعتمده ما بين محقق ومترجم مجيد، ولكنه عارف بما يجهله الآخر. ويضطر الروائي إلى الشروح للتعريف بالمأزق: (في أثناء حملة التفتيش طيلة المساء، لم يكن المترجم ديفيد بوكاشيو على وئام مع الضابط هنري بيكر. لم يكن المترجم يتعمد معارضة الضابط، لكن مقترحات وآراء الضابط الشاب ذي العينين الزرقاوين بدت أحياناً غير محلها في أثناء مداهماتهم للبيوت - ص 75).

لم يكن هذا التعريف بمجريات الاحتلال من جانب والمقاومة من جانب آخر محض تفعيل للتعارض ما بين مترجم يرى عبثية حملات القصف والهدم والقتل ومجانية الفعل العسكري؛ ذلك لأن الرواية تريد تعميق محنة المقروء والمعروف عند المترجم والضرر الخطير الذي يتحقق الآن: «ديفيد بوكاشيو يراقب المشاهد غارقة في الأضواء الصفراء الترابية. وقد لاحظ، وهو يسير مع فرقته وراء هنري بيكر، أن القرية بلا ماء ولا كهرباء، وأن كثيراً من البيوت الطينية بدت جوانب منها أطلالاً تضررت من قصف سابق» (ص 76).

المترجم المأخوذ بما قرأ من قبل وما يُشاهد الآن، ليرى تطابقاً ما كالذي تخيله من قبل الرحالة الذين تعوزهم القراءات الأوسع في الإرث السومري - البابلي، هو نقطة التوتر في «الأميركي الذي قرأ جلجامش» وبين انشداده إلى (عذوق النخيل المكتنزة التي ألقت منذ فترة ثمارها على الأرض، رطباً يانعاً يلتمع على العشب - ص78)، هذا المترجم يستفز بمعرفته هذا الضابط هنري بيكر الذي يود أن يسوق البشارة لرؤسائه أنه حصل على معلومات عن فراس إبراهيم. وكان أن (رمق ديفيد بوكاشيو بنظرة فيها لوم وعتاب مع كثير من الحنق، وكأنه يحمّل ديفيد بوكاشيو مسؤولية إخفاق مجموعتهم ... ص 82).

مثل هذه التقاطعات هي التي تبرر عنوان السرد، لكنها تتيح توتراً نفسياً معيناً لدى المترجم مرده لوم نفسه على ركوب هذه المغامرة بينما يترك وراءه زوجه لورا وأمه الراقدة في مستشفى المسنين بعد تعرضها لجلطة دماغية - ص 80).

وبينما كان المترجم يستحث معاملة تسريحه من عمله، كان بيكر يرى في شروده دليلاً على تواطئه مع الأهالي (ص 84، 85).

وتأتي استدراكات الرواية وكذلك الاتصالات المحدودة بزوجه لورا ورفقته السابقة لرجب سمعان، من أهالي المنطقة الشرقية، بمثابة مكملات سردية تزيينية لا تقدم كثيراً لذلك التوتر الذي يكاد يطيح بالسرد بوصفه محض واقعة أخرى في صفوف القوات الغازية. ولهذا يأتي الكولونيل ستيفن راشفيلد ليعرب عن إعجابه بترجمة ديفيد بوكاشيو، مع إشارة خفية إلى عدم رضاه عن قائد المجموعة، و(الظل الملازم) لديفيد، أي هنري بيكر. وبينما يجمع بيكر أدلته من الصمت والمواربة، يكون ذلك الأمر مبعث ارتياح الكولونيل الذي يراه منصرفاً إلى عمله باقتدار - ص 85، 87).

تأتي استدراكات الرواية بمثابة مكملات سردية تزيينية لا تقدم كثيراً

وشأن السرديات الموفقة، كان المؤلف أحمد الشويخات يأتي بين الفينة والأخرى بما يتيح حقن التعارض والتقابل، ومن ثم التوتر والتبئير، بزرقات تظهر (مضاد البطل)، أو رذيل السرد هنري بيكر، بمظهر الجاهل السفيه الذي يجمع أدلته من خلفية الجهل التي ميّزت أعداداً كبيرةً من القادمين، فإذا كان المترجم يسقط قراءاته في الملحمة وغيرها على ما يرى، وينظر إلى السكان بتعاطف ما، فإن بيكر ينكر عليه ما يجهله، وهكذا يشكو إلى الكولونيل رفض بيكر ترجمة الرسوم والأشكال والإشارات في كتابين؛ أحدهما نسخة مذهبة من القرآن الكريم، والأخرى من كتب عروض الشعر العربي، و(دوائر... الصوائت والصوامت في مقاطع الكلمات التي تكوّن إيقاعات الشعر - ص 96).

ولتوسيع دائرة الاشتباك والتوتر، هناك الكولونيل ستيفن راشفيلد الذي يعترف بجودة تقارير بوكاشيو؛ بينما يقف رئيس التحقيق ريتشارد فلاير مع بيكر في رسم ما يتيح تجريماً ما للمترجم البارع. وشأن الروائي الحاذق لم يدع الشويخات هذا التكتل الرذيل من دون تصدع: (إذ إن ذهاب بيكر في شكواه إلى الكولونيل يحرج رئيس التحقيق فلاير ويدعوه إلى توبيخ بيكر - ص 97، 98).

مثل هذه التقاطعات تتيح للرويّ التمدد خارج بؤرة السرد؛ أي صراع المترجم مع رغباته وقراءاته من جانب، ومن الجانب الآخر انخراطه في احتلال يهدم الإرث الثقافي الذي يبصره في الطبيعة والناس. ولهذا يأتي تبريره لنفسه، وكذلك في رسالته لزوجه، أن هذا البعاد عنها وصبرها وعنايتها بأمه جعله يسأل نفسه عما إذا كان محقاً في الانخراط في الجيش: (كيف تصبرين عليّ؟)، كان يسألها في رسالته (ص 146). وهكذا يأتي الانفراج في طلب إنهاء عقده: كان (وجودي في العراق ضرورياً لأعود إليك - ص151). وثمة انفراجات أخرى، بعضها لتحميل صورة رئيس التحقيق فلاير وفك تكتله مع هنري بيكر. وكان التحقيق مع شاب سرياني اللغة اعتقل للاشتباه به شأن الموجودين في المنطقة: الشاب يرسم علامة الصليب، عند انتهاء التحقيق. وفلاير يسأل المترجم: أي لغة هذه؟ إنها السريانية لغة السيد المسيح (140). ورغم موزائيكية المجتمع العراقي لكن بعض المناطق لا يعرف عنها وجود السريان. ويبدو أن الشويخات يستعين بالضرورات (الشعرية) لاستكمال تصوير المحتل في علاقته بمجتمع تجرأ على اجتياحه بدوافع أخرى تتقصد تجاهل ثقله الثقافي والاجتماعي.

ويمكن أن يقال إنها رواية جريئة للخوض في الاحتلال وحماقاته؛ وإنها إضافة مسهبة لإشكالية (المترجم)، سواء أكان منتمياً مواطنةً أو سلالة للعراق، أو أنه انتمى إليه فكرياً وثقافياً... إنها رواية بحث أولاً.


مقالات ذات صلة

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

ثقافة وفنون تاريخ العالم الحديث في كبسولة

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

«تاريخ العالم الحديث من 1950 إلى يومنا هذا» عنوان كبير لكتاب صادر في هذا العام من تأليف جيرمي بلاك (الناشر: أركتوروس، لندن).

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد العلي... قرنٌ من الأسئلة وشاعر لم يتقاعد عن التنوير

محمد العلي... قرنٌ من الأسئلة وشاعر لم يتقاعد عن التنوير

​فقدت الساحة الشعرية والفكرية في السعودية والخليج، أحد أبرز رموز الشعرية والفكرية، الشاعر والكاتب محمد العلي، عن عمرٍ ناهز 94 عاماً

ميرزا الخويلدي (الدمام)

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس
TT

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس

«تاريخ العالم الحديث من 1950 إلى يومنا هذا» عنوان كبير لكتاب صادر في هذا العام من تأليف جيرمي بلاك (الناشر: أركتوروس، لندن).

(Jermy Black، A History of the Modern World: from 1950 to the Present Day (Arcturus Publishing Ltd، London، 2026

للوهلة الأولى يتساءل المرء: هل يمكن لكتاب واحد لا يتجاوز طوله 254 صفحة أن يلم بأحداث 76 عاماً كانت من أحفل الأعوام بأحداث جليلة شكلت تصوراتنا للحياة عقب الحرب العالمية الثانية؟ الإجابة أن مؤلف الكتاب - وهو أستاذ للتاريخ بجامعة إكستر البريطانية - ينجح في بلوغ هذا الهدف شبه المستحيل وذلك من خلال تركيزه على الانفجار السكاني العالمي، وتغيرات المناخ والاحتباس الحراري، وانتشار قيم ليبرالية جديدة بخصوص الأقليات، ودخول التلفزيون كل بيت تقريباً، وعصر الحاسوب والشبكة العنكبوتية الدولية، والاكتشافات في مجال الفضاء، والتقدم الطبي والتكنولوجي.

يقسم المؤلف كتابه إلى فصول تحمل هذه العناوين: البيئة، الإنسانية، المجتمع، التقنيات، الاقتصاد، الثقافة، السياسة العالمية، السياسة القومية - النظر إلى المستقبل. وأقتصر هنا، في ضوء الحيز المكاني المتاح، على عرض جانب واحد من هذه الجوانب هو الجانب الثقافي.

جان بول سارتر

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين معسكرين: المعسكر الشرقي ويمثله الاتحاد السوفياتي والدول الشيوعية الدائرة في فلكه، والمعسكر الغربي الرأسمالي وتمثله الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية. اعتنق المعسكر الأول مبدأ «الواقعية الاشتراكية» في الفن والأدب، بينما مال المعسكر الثاني إلى التجريب الحر شكلاً ومضموناً. وانعكس الصراع بين هذين القطبين المتقابلين على الكثير من بلدان أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية كما في الجدال الذي ثار في أكثر من قطر عربي حول عقيدة «الفن للفن» وعقيدة «الفن للمجتمع».

ومع بداية الألفية الثالثة جنحت الثقافة - مع الاقتصاد والاجتماع - إلى العولمة نتيجة لمحو الأمية (كما حدث في الصين) وارتفاع نسبة المتعلمين في العالم الثالث والدخول في عصر الرقمنة. وتجلى ذلك في عدة مجالات: الرياضة البدنية، والسينما، والتلفزيون، وفلسفات ما بعد الحداثة، والموسيقى الدارجة، والفن التشكيلي، والعمارة.

فالرياضة البدنية - خصوصاً كرة القدم - أصبحت وثيقة الارتباط بالسياسة. ومن الأمثلة على ذلك مقاطعة عديد من الدول لجنوب أفريقيا حين كانت تمارس نظام الفصل العنصري بين البيض والسود، ثم في فترة أحدث ما ثار من خلاف حول مشاركة روسيا في دورة 2024 الأولمبية بعد غزوها لأوكرانيا.

وفي مجال الفن السينمائي أكد النموذج الأميركي وجوده بافتتاح عدة مدن ترفيهية على نسق «ديزني لاند» في كاليفورنيا وفلوريدا ثم في طوكيو وباريس (استقبل هذا الأخير في عام 2022: 375 مليون زائر).

ولكن الفيلم الأميركي لم يكن الوحيد في الساحة فقد نافسته السينما الإيطالية بأفلام «الواقعية الجديدة» منذ أواخر الأربعينات، وفرنسا بأفلام «الموجة الجديدة» في أواخر الخمسينات، والسينما الألمانية الجديدة (من أعلامها فيرنر هرتزوج) في الفترة 1962- 1982، والسينما الهندية (بوليود) غزيرة الإنتاج، والسينما النيجيرية (المعروفة باسم نوليود)، أما السينما الصينية فظلت موثقة إلى عجلة النظام السياسي. وظهرت أفلام جريئة في نقدها للسياسات الأميركية، مثل فيلم «يوم القيامة الآن» (1979) وهو إدانة لحرب أميركا في فيتنام.

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي

وأدى انتشار التلفزيون إلى تراجع نسبي في عدد متابعي الإذاعة والسينما، وارتفاع ممثلي الشاشة الصغيرة إلى شهرة لا تقل عن شهرة أبطال الأفلام السينمائية. وكثرت المسلسلات التي تتناول الحياة الاجتماعية فضلاً عن الحلقات الفكاهية والبوليسية. وتزايدت ساعات الإرسال وظهرت قنوات فضائية جديدة. ومن المسلسلات التي حظيت بنسبة مشاهدة عالية مسلسلات تركية وبعض مسلسلات عربية.

فإذا جئنا إلى مجال الفلسفة والأفكار وجدنا أن الوجودية التي أرسى قواعدها كيركغارد الدنماركي وهايدغر الألماني وسارتر الفرنسي كانت قوية التأثير في العقدين التاليين للحرب العالمية الثانية، وتزامن ذلك مع مسرح العبث الذي كتبه صمويل بكيت ويوجين يونسكو وأرتور أداموف. ولكن ظل الوجودية بدأ ينحسر مع ظهور البنيوية على أيدي فرنان دى سوسير وكلود ليفي ستراوس ورولان بارت. وأعقبتها مذاهب ما بعد الحداثة مثل التفكيكية (جاك دريدا) وفلسفات ميشيل فوكو وجاك لاكان ولوي ألتوسير وهي ترتوي من الأنظمة الفكرية للماركسية والتحليل النفسي الفرويدي.

على أن هذه ظلت في الأغلب الأعم فلسفات أوروبية وغربية لم تترك أثراً يذكر في العالم الإسلامي وفي الصين. وفي العالم العربي كان الجدل يدور أساساً بين النظرة إلى العالم من منظور ديني والنظرة من منظور علماني.

وفي مجال الرواية أفسحت روايات الحداثة عميقة المحتوى (مثل روايات جيمس جويس وأندريه جيد وتوماس مان وفرانز كافكا) الطريق لأعمال أكثر مبيعاً وأعظم رواجاً مثل روايات أجاثا كريستي التي ترجمت إلى أكثر من مائة لغة، وحظيت الأفلام المأخوذة عن رواياتها مثل «جريمة في قطار الشرق السريع» (1974) و«موت على النيل» (1984) بملايين المشاهدين.

وتتكامل الصورة مع الكلمة في كتاب جيرمي بلاك فنجد فيه، إلى جانب الخرائط والرسوم البيانية، عدداً كبيراً من الصور الفوتوغرافية لشخصيات وأحداث وأماكن شتى تجتمع على رسم صورة حية لأجواء العصر الحديث في عقل القارئ ومخيلته.


هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟
TT

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم. والكتاب مرافعة متعددة المداخل ضد الغباء، ضد أبرز أشكاله وتجلياته منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، وضد من يقف وراء تعميمه من أجل تحويل الناس إلى أغبياء بكل الطرق الممكنة، وحتى عبر القراءة.

يتكون الكتاب من 15 فصلاً، تعالج موضوع القراءة من منظور ثقافي، وتطرح العديد من التساؤلات حولها، بوصفها أساساً للمعرفة، وبوصفها قد تكون أحياناً موضوعاً لإنتاج الغباء، فهي ليست دائماً وسيلة للتقدم، بل قد تصبح إحدى وسائل إعادة إنتاج التخلف، الذاتي والجمعي، ليست القراءة فقط، بل الكتابة أيضاً. وهو ما يتبدّى في عناوين بعض الفصول، مثل «الكتابة من أجل المال لا تنتج غير الهراء»، و«الكاتب النجم، والكاتب النيزك»، في إشارة إلى أن بعض الكتّاب يُضيئون سريعاً وينطفئون سريعاً. كما يناقش في فصول أخرى موضوعات ثقافية ملحة في الواقع الثقافي والأدبي العربي، مثل «صناعة الثقافة والخداع الجماهيري»، و«هل أصبحت الرواية أفيون الشعوب؟».

ولنادر كاظم، الذي يعمل حالياً أستاذاً للدراسات الثقافية في جامعة البحرين، العديد من الإصدارات، منها «تمثيلات الآخر»، و«الهوية والسرد»، و«استعمالات الذاكرة»، و«خارج الجماعة»، و«الشيخ والتنوير»، و«كراهيات منفلتة»، وغيرها من الكتب المعنية بالنظرية النقدية والدراسات الثقافية.

من أجواء الكتاب نقرأ:

«يُروى أن بليني الأكبر (23م - 79م)، عالم الطبيعة الروماني، كان مهووساً بالقراءة، وأنه كان يقرأ باستمرار، وفي كل مكان؛ على المائدة، وفي الرحلات والسفر، وفي الحمام عندما يدلك الخدم بدنه ويجففونه، بل كان الرجل يُحمل في أرجاء روما على كرسي من أجل أن يتفرّغ للقراءة، حتى إنه وبّخ، مرة، ابن أخيه، بليني الأصغر، لأنه كان يمشي على قدميه ويُهدِر وقته بلا فائدة. كان الرجل يقرأ كل ما يقع بين يديه من كتب جيدة أو رديئة. على الضد من هذا، كان آرثر شوبنهاور يشمئز من هوس بليني الأكبر الغريب بالقراءة، بل اعتبر هذا الهوس علامةً على الغباء، وكأنّ الرجل كان (يفتقر بشدة إلى أفكاره الخاصة، لدرجة أنه كان لا بد من نقل أفكار الآخرين إليه باستمرار، تماماً كما يُعطى الحساء الصافي لمريض السل لإبقائه على قيد الحياة). كان بليني الأكبر، بحسب شوبنهاور، عاجزاً عن التفكير الذاتي، فعوّض هذا العجز بكثرة القراءة. وماذا تفعل كثرة القراءة؟ إنها تشل تفكيرنا، وتجعلنا أغبياء أكثر مما كنا، فهل هذا صحيح؟».


36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
TT

36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)

أعلن منظمو مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن)، الأربعاء، أن كندا ستشارك لأول مرة في المسابقة إلى جانب 35 دولة أخرى على الأقل في نسخة العام المقبل، فيما ستغيب آيرلندا وهولندا عن الحدث بسبب مشاركة إسرائيل، مع ترقب قرار إسبانيا وسلوفينيا وآيسلندا، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن 36 هيئة بثّ سترسل ممثليها الوطنيين إلى الدورة 71 من المسابقة التي ستقام بمدينة بورغاس في بلغاريا في مايو (أيار)، بزيادة مشارك واحد عن عام 2026.

وقاطعت كل من إسبانيا وهولندا وآيرلندا وأيسلندا وسلوفينيا المسابقة هذا العام، التي جذبت جمهوراً عالمياً بلغ 130 مليون مشاهد، بعد أن دعت إلى طرد إسرائيل بسبب حملتها العسكرية على غزة في أعقاب الهجوم الذي شنّته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وذكرت إسرائيل حينها أن هناك حملة تشويه عالمية ضدها.

وأكدت هيئة البثّ العامة الإسرائيلية (راديو كان) مشاركتها، بينما أكدت آيرلندا وهولندا أنهما ستتغيبان مرة أخرى عن مسابقة عام 2027.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن هيئة الإذاعة العامة الإسبانية (آر تي في إي) وهيئة البث الوطنية السلوفينية (آر تي في إس إل أو) أمامهما مهلة حتى ديسمبر (كانون الأول) لتأكيد مشاركتهما. وألمح مجلس إدارة هيئة البثّ العامة في آيسلندا (آر يو في) في سبتمبر (أيلول) إلى احتمال عدم المشاركة، مع عدم اتخاذ قرار نهائي بعد.

كتب مارتن غرين، مدير مسابقة «يوروفيجن»، في بيان: «في عالم يتزايد فيه الشعور بالانقسام، تجمع المسابقة الجماهير عبر الموسيقى، متجاوزة الحدود واللغات والثقافات، وهذا أمر مهم الآن أكثر من أي وقت مضى».

وإلى جانب مشاركة كندا لأول مرة، تضم قائمة المشاركين في المسابقة مقدونيا الشمالية، التي تعود إلى المسابقة للمرة الأولى منذ عام 2022، وبلغاريا المضيفة، بالإضافة إلى فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا وأستراليا.