مصر: المال السياسي يربك مخطط «الأوقاف» لإبعاد دور العبادة عن «الصراع الانتخابي»

صور المرشحين حاصرت المآذن.. ومسؤول حكومي حذر من استغلال «صناديق التبرعات»

مئذنة مسجد النور المحمدي بشبرا الخيمة («الشرق الأوسط»)
مئذنة مسجد النور المحمدي بشبرا الخيمة («الشرق الأوسط»)
TT

مصر: المال السياسي يربك مخطط «الأوقاف» لإبعاد دور العبادة عن «الصراع الانتخابي»

مئذنة مسجد النور المحمدي بشبرا الخيمة («الشرق الأوسط»)
مئذنة مسجد النور المحمدي بشبرا الخيمة («الشرق الأوسط»)

«شاركوا في الانتخابات ولا تقاطعوا.. واختاروا خير من يمثلكم»، «لا تمنعوا صوتكم عنهم فهم يستحقون دعمكم لأنهم أصحاب بر».. عبارات أطلقتها مكبرات الصوت داخل أحد المساجد في ضاحية عين شمس (شرق القاهرة)، لخصت المشهد ما بين سلطات رسمية تحاصر مساجدها وقوى سياسية ودينية تسعى لإدخال المنابر في الصراع الانتخابي، قبيل انطلاق المرحلة الثانية من الانتخابات المصرية التي شهدت إقبالا محدودا في مرحلتها الأولى الشهر الماضي.
وبينما دعا الشيخ أحمد (ع) إمام المسجد بشكل صريح لدعم المرشح الانتخابي محمد (ن) الذي زينت صوره مئذنة وجدران وحوائط المسجد، مؤكدا أنه «يقدم خدمات للمصلين ولا يبخل على المسجد بأي شيء».. الشيخ أحمد، المعين رسميا في الأوقاف، يأتي كلامه في وقت ما زالت وزارة الأوقاف، المسؤولة عن المساجد، تتوعد المخالفين من الأئمة والعاملين بالمساجد بالعقاب الشديد؛ وقال قيادي مسؤول في الأوقاف «دورنا يتوقف على تحرير محضر فقط للمرشح المخالف، والتنبيه على عمال المساجد بإزالة اللافتات». بينما قال مراقبون إن «المال السياسي أفشل محاولات الأوقاف لإبعاد المساجد عن السياسة، والمرشحون يستغلون حاجة الأئمة والمسؤولين عن المسجد لتوجيه الناخبين لدعمهم». لكنه تحدث عن حالة من «الربكة» داخل أروقة «الأوقاف» الآن، بعدما فقدت الوزارة سيطرتها على أغلب المساجد - بحسب المسؤول.
وتصدرت صور المرشحين المستقلين ورجال نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك جدران وحوائط المساجد، ووصل الأمر لتزيين اللافتات مئذنة المساجد، فيما دفع حزب النور «السلفي» بكل دعاته لتخصيص ندوات وخطب كاملة لدعم مرشحيه ضاربا بتوعدات الأوقاف عرض الحائط، وقال الشيخ نبيل نعيم، القيادي السابق في تنظيم الجهاد المصري، إن «ما تدعيه الأوقاف بسيطرتها على المساجد غير حقيقي، فالمال السياسي يلعب دورا في الانتخابات ليس فقط من قبل دعاة (النور) المتشددين؛ بل كذا من رجال نظام مبارك وجميع الأحزاب المصرية»، لافتا إلى أن «أغلب أئمة الأوقاف ينتمون إما لأحزاب أو تيار ديني آخر، لذلك فهو يروج له.. وأغلبهم تم منحه أموالا خارج النطاق القانوني» - على حد قوله، مضيفا لـ«الشرق الأوسط» أن «الأوقاف لن تستطيع أن تفرض سيطرتها على جميع المساجد، خاصة أن كل مرشح تربطه علاقة طيبة بأهل منطقته أو قريته التي يعيش فيها، ولذلك يتم مجاملته».
وجددت وزارة الأوقاف تحذيرها لجميع المرشحين للانتخابات البرلمانية من محاولة إقحام المساجد أو استخدامها بأي شكل من الأشكال في الدعاية الانتخابية، مؤكدة الوقوف بحسم ضد محاولة أي مرشح أو فصيل أو تيار لتوظيف المسجد لصالحه انتخابيا بأي شكل من الأشكال. وقال القيادي المسؤول بالأوقاف إن «الوزارة تقوم بدورها وهناك غرفة عمليات لمتابعة ضبط المساجد، وإحالة الأئمة المتسببين في ذلك إلى التحقيق الإداري»، لافتا إلى أن «مفتشي الوزارة بالمحافظات يقومون بالمرور بشكل دائم على المساجد لرصد أي تجاوزات»، مضيفا لـ«الشرق الأوسط» أن «الوزارة دفعت بالكثير من مسؤوليها لعودة الانضباط بالمساجد من جديد».
لكن الشيخ أحمد (ع)، الذي فضل ذكر الحرف الأول من اسمه الثاني خوفا من المساءلة، أكد أن «مفتشي الأوقاف لا يمرون على المساجد من الأساس وجميع الرسميين من الأئمة في الوزارة يدعون لانتخاب مرشحين بعينهم، كما أنه يتم توزيع الدعاية من داخل المساجد عقب كل صلاة»، لافتا إلى أن أغلب المساجد معلق على حوائطها وداخلها وخارجها دعاية المرشحين، وأن «البانرات واللافتات تغرق المساجد حتى الكبيرة منها مثل مسجد النور الشهير في حي العباسية (شرق القاهرة)، ومسجد الفتح برمسيس بوسط القاهرة».
وكشف المسؤول في الأوقاف عن أنه «تم تحرير محضر لبعض المرشحين علقوا لافتات انتخابية في محيط مسجد النور بالعباسية، كما تم تحرير عشرات المحاضر في المحافظات أبرزها في مسجد الزهور بمدينة كفر الشيخ ضد مرشحين مستقلين ومرشح لـ(النور)»، لافتا إلى أنه «سوف يتم رفع كل هذه المحاضر إلى اللجنة العليا المشرفة على الانتخابات»، مؤكدا أن الوزارة مستمرة في كشف أي مخالفة لإبعاد المساجد وما حولها عن أي خلافات سياسية أو حزبية أو انتخابية حفاظا على وقارها كمكان للعبادة لله وحده.
وتؤكد الأوقاف أنها تسيطر على نحو 120 ألف مسجد في مصر؛ لكن هذا الرقم بعيد عن الزوايا التي تقدر بالآلاف ومعظمها خارج سيطرة الوزارة فضلا عن مساجد الجمعية الشرعية التي تقدر بنحو 6 آلاف مسجد وزاوية في مختلف قرى ونجوع مصر، التي يسيطر على أغلبها «الدعوة السلفية».
من جانبه، قال وزير الأوقاف المصري محمد مختار جمعة إن «وزارته سوف تتصدى بكل قوة لمحاولات بعض القوى أو التيارات السياسية استخدام الشعارات الدينية أو دور العبادة أو ملحقاتها في الدعاية الانتخابية»، مشيرا إلى تأكيد الوزارة بعدم استخدام المساجد وملحقاتها أو ساحاتها بأي شكل من أشكال للتوظيف السياسي أو الدعاية الانتخابية لأي شخص أو حزب أو قائمة.
وكانت وزارة الأوقاف، قد أصدرت قرارا بمنع أي شخص يترشح لانتخابات مجلس النواب من الخطابة أو أداء الدروس الدينية بالمساجد. وأرغمت الأوقاف أئمتها في التقدم بإجازة رسمية قبل التقدم بأوراق الترشيح، وحال ثبوت تقدم أي من العاملين بها للترشح دون الحصول على إجازة مسبقة سيتم إحالته للتحقيق ووقفه عن العمل لحين انتهاء التحقيق. لكن الشيخ أحمد يقول إن المرشحين «المستقلين» وأغلبهم يعملون في الأوقاف يعقدون مؤتمرات انتخابية في المساجد، ويقدمون دروسا يومية، بالإضافة لمرشحي «النور» الذين لا زلوا يصعدون المنابر رغم ترشحهم في الانتخابات.
فيما أكد نعيم، أن «الأوقاف تقدم دائما نماذج لبعض الأئمة والعاملين بالمساجد الذين تم إحالتهم للتحقيق سواء لدعمهم لمرشحين أو لسماحهم بتعليق لافتات على جدران دور العبادة أو للجميع بين الدعوة بالمسجد والترشح للبرلمان، لتؤكد فرض سيطرتها ولتخيف الآخرين.. وهذا غير حقيقي».
ويرى مراقبون أن الأوقاف قصدت من قرارها دعاة «التيار السلفي» الذين يخوض حزبهم «النور» المرحلة الثانية بقوة بعد خسارته في الأولى وحصوله على عدد قليل من المقاعد؛ لكن الوزارة فوجئت بأن أغلب الأحزاب المدنية دخلت في سباق مع «النور» للدعاية من داخل المساجد.
من جهته، قال القيادي المسؤول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأوقاف تتخوف من خروج المساجد من تحت سيطرتها بعدما خاضت معارك كبيرة لإحكام سيطرتها عليها منذ عزل جماعة الإخوان عن السلطة قبل عامين».
وتجري المرحلة الثانية والأخيرة من الانتخابات خارج مصر على مدى يومي 21 و22 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، وفي الداخل يومي 22 و23 نوفمبر.
وتخشى السلطات المصرية المسيطرة على المساجد من تكرار تجربة جماعة الإخوان المسلمين خلال انتخابات عام 2012 والتي حصلت على أغلبيتها، بعدما استغلت منابر المساجد والمناسبات الدينية للحصول على أصوات انتخابية، واستخدمت خطابا طائفيا يفرق ولا يجمع طوائف الشعب، فخلطت بين الدين والسياسة وأفسدت إمكانية قيام حياة نيابية، وقال القيادي المسؤول، إن «حزب «النور» يستخدم لغة طائفية في المساجد غير التابعة للأوقاف والزوايا، للتقليل من شأن بعض الأحزاب واللعب بأوراق المسلمين والمادة الثانية من الدستور والتي تخص هوية مصر، للتأثير على الناخبين ومنحهم أصواتهم.
وفي مسجد «نور الحق» بضاحية المطرية، وقف أحد دعاة التيار السلفي ويدعى الشيخ ياسر حسني على المنبر، ودعا عقب صلاة العصر لحل الأحزاب الليبرالية، معتبرا أنها تنادي بفصل الدين عن الدولة؛ محذرا من انتخاب مرشحيها، بقوله: إن «الصناديق سوف تغضب منكم يا مسلمين لو انتخبتم هؤلاء العلمانيين». وتابع بقوله: انتخبوا من يمثل الدين والعفة.. مرشح حزب «النور».
وسبق أن طالبت وزارة الأوقاف من أئمة محسوبين على «الدعوة السلفية» بتوقيع إقرارات رسمية موثقة بعدم دعم مرشحي الانتخابات قبيل انطلاق المرحلة الثانية.
ويقول سيد حسين، أحد المترددين على مسجد نور المحمدي بضاحية شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية بالقاهرة الكبرى إن «المسجد لديه خطيب رسمي من الأوقاف؛ لكنه لا يأتي أصلا للصلاة وإمامة المصلين، لذلك يصعد مشايخ (النور) وآخرون ممن يجيدون الخطابة من مختلف المستويات والتوجهات لتحفيز المصلين على انتخاب ذويهم»، لافتا إلى أن «هؤلاء الذين يخطبون يتميزون بكلامهم المعسول الذي يقتنع به البسطاء من رواد المسجد»، مشددا على أن «ذلك هو مكمن الخطر».
ووضعت السلطات المصرية شروطا وإجراءات عقابية تصل لحد السجن والغرامة لكل من يصعد للمنابر من غير الأزهريين؛ لكن عدم وجود رقيب – بحسب المراقبين - أتاح الفرصة لأي شخص يخطب ويمنح دروسا قد تكون يومية خاصة في مساجد الأحياء والزوايا المنتشرة في العاصمة ومحافظات مصر.
وقال المسؤول في الأوقاف إن «تقارير رسمية حذرت من انتشار الدعايات الانتخابية داخل المساجد وفي محيطها»، لافتا إلى أن «هذه التقارير أكدت وجود تقصير من قبل مسؤولي التفتيش بالوزارة»، مضيفا: أن «حاجة بعض الأئمة وتدني مستوى معيشتهم دفعهم لقبول أي تبرعات للمساجد عن طريق صناديق التبرعات، بالمخالفة للقانون».
وتعد صناديق «النذور والتبرعات» أبوابا خلفية لنشر الفكر المتشدد في المجتمع، وسبق أن وضعتها الأوقاف تحت سيطرتها بعدما تأكد لها استخدام أموالها في تمويل مظاهرات جماعة الإخوان؛ لكن الشيخ أحمد (ع) قال: إن «أغلب المرشحين يتبرعون للمساجد، لذلك لا يستطيع أحد منعهم من نشر صورهم ولافتاتهم في المساجد».
بدوره نفى الشيخ محمد عبد الرازق رئيس القطاع الديني بالأوقاف، المتحدث الرسمي للوزارة، وجود أي لافتات معلقة على جدران أو مآذن المساجد، مؤكدا لـ«الشرق الأوسط» أن «الوزارة لم ترصد حتى الآن أي خروج للمساجد عن الإطار القانوني وعن الضوابط المحددة، وأن غرفة العمليات بالوزارة لم تتلق أي شكاوى بوجود دعاية انتخابية داخل أو في محيط المساجد».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.