عرف الناس السخرية منذ عرفوا التعبير. بل منذ عرفوا الحاجة للتنفيس عن احتقاناتهم النفسية. كان الضحك والفكاهة وسيلتهم للترويح عن النفس، وكلما زادت أوجاعها زاد منسوب التنكيت حتى نشأت الكوميديا السوداء.
والسخرية الشعبية هي تعبير عن قدرة المجتمع على تفتيت الجلطات داخل أوعيته، ومقاومة الانسداد، وتفريغ مخزون المعاناة داخله، وعلى رأي عالم النفس النمساوي، ألفريد إدلر (1870 - 1937) فإن السخرية هي «خليط من انفعالين هما الغضب والاشمئزاز»، لكنه يلاحظ أن السخرية تمنح الناس شعورًا بالرضا «لأننا ننزع إلى الرضا عن أنفسنا والاسترواح إلى شعورنا، عقب مطاوعة السخرية والانسياق معها».
لذلك هي ضرورية، لأنها تمنح المجتمع القدرة على التخلص من مشكلاته، وممارسة النقد بشكل غير مباشر، والمجتمع صاحب النكتة هو مجتمع حيوي متسامح متعافٍ من الأمراض والعقد، ويتصف بالبشاشة ولديه القدرة على النفوذ إلى الآخرين، فالطرفة سفير الثقافة الشعبية إلى العالم.
المصريون كانوا رواد النكتة والطرافة، وقد عرف العالم التعبير الساخر، منذ النشأة الأولى للحضارة الفرعونية، حيث تشير بعض الرسومات إلى طريقة مبتكرة للسخرية. وربما كانت روح الدعابة التي اتصف بها المصريون على مرّ العصور رغم المعاناة والأزمات، أبرز أسلحتهم في مواجهة القهر والاحتقان. وكان المنتج الساخر واحدًا من أفخر منتجاتهم المحببة للآخرين.
قديمًا كان أدباء عرب كأبي عثمان الجاحظ (775 - 868) صاحب كتاب «البخلاء»، أبرز من نقل روح الطرفة بمستواها الشعبي البسيط، التي تميل للتصوير والوصف والنقد الاجتماعي اللاذع. ومثله الفارسي، عبد الله بن المقفع (724 - 759) صاحب «كليلة ودمنة» المترجم عن اللغة الهندية، وكذلك الأديب المصري عبد الله ابن النديم (1842 - 1896) الذي أصدر في يونيو (حزيران) 1891 صحيفته «التنكيت والتبكيت» كأول صحيفة تمارس النقد بأسلوب ساخر.
لذلك ينبغي دراسة ظاهرة السخرية من الواقع، وتحويل المواقف المحرجة إلى وسائل للسخرية والدعابة، بمعزل عن الاستهداف الشخصي، فقد كانت النكتة يومًا وسيلة للهجاء والتسقيط ووشم الآخر، وهي اليوم تمارس بشكل مختلف، فهي تتجه للفكرة ذاتها وللموضوع مباشرة لكي تنال منه بأسلوب ساخر. فالسخرية تعبير عن احتجاج مهذب، الاحتجاج الساخر ناتج عن «الغضب والاشمئزاز»، كما قال ألفريد إدلر، أما التمادي في السخرية فيعني أن الموضوع لامس وترًا دقيقًا وحساسًا وأثار الشعور بالذات المجروحة، ولذلك يلجأ الناس للنكتة كلما كانوا أقرب إلى البساطة والطيبة، وعلى رأي الكاتب الروسي فيودور ديستوفيسكي (1821 - 1881) فـ«السخرية هي الملاذ الأخير لشعب متواضع وبسيط!».
9:11 دقيقه
السخرية كحاجة اجتماعية
https://aawsat.com/home/article/494036/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AE%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%83%D8%AD%D8%A7%D8%AC%D8%A9-%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A9
السخرية كحاجة اجتماعية
السخرية كحاجة اجتماعية
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


