أحمد أبو الغيط يقدم شهادته من قلب الأحداث

مع مرور 40 عاما على حرب أكتوبر

أحمد أبو الغيط يقدم شهادته من قلب الأحداث
TT

أحمد أبو الغيط يقدم شهادته من قلب الأحداث

أحمد أبو الغيط يقدم شهادته من قلب الأحداث

يصدر قريبا لأحمد أبو الغيط كتابه الثاني «شاهد على الحرب والسلام» عن دار «نهضة مصر» ليتواكب توقيت ظهور الكتاب للقراء مع مناسبة مرور 40 عاما على اندلاع حرب أكتوبر (تشرين الأول) 73.
والكاتب، كما هو معروف، دبلوماسي مرموق كان مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة، ثم وزيرا للخارجية لمدة سبعة أعوام، وقد عرفناه كاتبا مدققا من خلال كتابه السابق «شهادتي: السياسة الخارجية المصرية 2004 - 2011» الذي سجل فيه حركة ومناخ ونجاح ومصاعب الدبلوماسية المصرية في سبع سنوات، ومدى ترابطها بالسياسات العربية والإقليمية والدولية. وها نحن مع كتابه الثاني عن حرب أكتوبر - رمضان 1973، ذلك الصراع العسكري العنيف شرق وغرب قناة السويس، الذي شارك فيه بطرق مباشرة وغير مباشرة كل أشقاء مصر والعرب، وتأثر بنتائجه الإقليم، وبلغت نتائجه المجتمع الدولي.
ولعل أول ما يطرأ على الذهن من تساؤلات هو توقيت إصدار هذا السجل الرائع لجزء مفصلي في تاريخ الأمة العربية وذاكرتها. وهل يكفي مرور أربعة عقود على اندلاع حرب أكتوبر أن نعيد الحديث عنها حتى لو قدمنا وثائق وكشفنا عن أسرار لأول مرة؟
تدفقت مياه غزيرة تحت كل الجسور في مصر والعالم العربي خلال الأشهر الثلاثين الماضية - وربما جعلت من أحداث أربعة عقود مضت تبدو وكأنها أربعة قرون أو أكثر! كيف نطالع أحداث تاريخ معاصر ونحن مشدوهون بما يجري يوميا من أحداث؟ وهل سيهتم جيل قادم يواجه تحديات حياتية جديدة بما جرى بالأمس حتى لو كان بالأمس القريب؟
إن ذاكرة الأمم يجب أن تتضمن أهم أحداثها، وقد تم تسجيلها بواسطة أبنائها وليس الأجانب فقط، ويزداد الأمر في خصوصيته عندما يكون تسجيل الوقائع والمناقشات ومتابعة صراع الحرب والسياسة قد تم بواسطة من حضر، وشاهد، وسمع، واطلع، وقام بالتسجيل في حينه قبل أن تسقط من ذاكرته تداعيات المواقف ومجريات الأحداث. ثم إن شاغلنا بحياة الأمة العربية ومستقبلها وما يجري اليوم من أحداث جسام لها تأثيرها البالغ على أجيالها الحالية والقادمة، أراه لا ينفصل كثيرا عما جرى قبل أربعة عقود، بل هو خط بياني تتنوع حوافه ولكنه يسير في النهاية في نفس الاتجاه.
كانت حرب 73 اتفاقا مصريا - سوريا لتحرير الممكن من سيناء والجولان واستعادة هيبة العرب وقدرتهم على القتال، وبالتالي الدخول في عملية سياسية تشمل مستقبل فلسطين. وما زالت أغلب هذه الأهداف صالحة حتى اليوم، والأوضاع في سوريا والمناطق المحتلة ومستقبل الدولة الفلسطينية وتزاحم حركات الجهاد التكفيري على سيناء تكاد تذكرنا باتجاه الخط البياني، وتبرر العودة لأحداث ماض قريب يعيد إفراز عناصره وتحديات يتحتم مواجهتها إذا ما أصرت هذه الأمة على البقاء، تراجع ما جرى بعقل هادئ ما تم وما لم يتم إنجازه لنتعلم من دروس التجربة ولا نكرر الأخطاء.
صفحات الكتاب تعالج بالوثائق ذلك التداخل والتوالي في استخدام السياسة، فالحرب، فالسياسة مرة أخرى في صراع الأمم في منطقة الشرق الأوسط، ويذهب بنا في عجالة لصورة المشهد في الخمسة أعوام السابقة على الحرب، وقد كانت في أغلبها واقعة تحت تأثير هزيمة عسكرية قاسية عام 1967 وحرب الاستنزاف وحرب المخابرات ضد الموساد الإسرائيلي. ثم يأخذنا الكتاب مباشرة إلى السادس من أكتوبر 73، حيث أتيح لأحمد أبو الغيط أن يكون في قلب الأحداث يعمل مع السيد حافظ إسماعيل مستشار الرئيس للأمن القومي، ويزامل صديقه السيد أحمد ماهر السيد الذي سبقه إلى منصب وزير الخارجية. ومن موقعه اطلع الكاتب على المحاضر اليومية للقاءات رئيس الجمهورية واتصالاته بالأطراف المعنية بالداخل والخارج، وشارك في اجتماعات مصرية ضمت عسكريين لمتابعة مسرح العمليات على مدار الساعة.
ولما كان أحمد أبو الغيط قد اطلع في مسيرة حياته على أكبر عدد من مراجع التاريخ، وخاصة الحروب عبر القرون وحتى الحربين العالميتين، ثم فيتنام، فقد سمح له وعيه بالتاريخ ودروسه أن يناقش من هم أكبر منه سنا وأعلى درجة في وقت لم يكن قد تجاوز بكثير العقد الثالث من عمره.
وبرشاقة سلسة يأخذنا الكتاب إلى أحداث العمليات العسكرية وينقلنا من آراء «كلاوز فتز» أحد أهم المعنيين بالاستراتيجية والحرب، إلى أساليب كيسنجر وزير خارجية أميركا وقت الحرب، في التفاوض، فتجد نفسك وكأنك تعيش هذه الأيام وتتابع الإدارة السياسية والدبلوماسية والعسكرية لهذه الحرب والدورين الأميركي والروسي وأدوار الدول العربية.
لقد كان العبور المصري لقناة السويس واحتلال شريط واسع شرق القناة، وقيام الطيران والدفاع الجوي بتحييد العدو، وبما أتاح للجيوش المصرية تجاوز التحصينات الإسرائيلية شرق القناة - عملا عسكريا رائعا بكل المقاييس الدولية يعرض لنا الكاتب تفاصيله، كما يعرض لأسرار وتوقيتات وظروف الرسائل المتبادلة خلال الحرب بين حافظ إسماعيل وكيسنجر، وهي اتصالات أسيء تفسيرها في كتب صدرت بالعربية عمن يفترض أنهم عالمون ببواطن الأمور ولهم قدرة على التحليل الدقيق.
هنا يتم وضع النقاط فوق وتحت الحروف، وبهذا يتصدى الكتاب من واقع السجلات الموثقة لإدارة الحرب والسياسة، موضحا أن غرور القوة أو الإحساس بالقدرة على التحليل قد يذهب بالبعض إلى إعادة كتابة التاريخ أو تغيير حقائقه وتجاهل واقعه.
ظني أن ما كتب بالعربية عن هذه الفترة لا يكتمل دون هذا الكتاب الذي يتابع أحداث الثغرة الإسرائيلية في غرب القناة وحصار مدينة السويس وأسرارها والتوازنات الإقليمية والدولية، وأهمها ما بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ستتابع يوميات الحرب ساعة بساعة، سواء مواقع القوات في الميدان أو التحركات السياسية المرافقة لها، إلى أن صمتت المدافع وبدأ العمل السياسي والدبلوماسي وقد تحررت مصر من مأساة هزيمة 1967.
والجزء الثاني من الكتاب يتناول الصراع السياسي بعد أن صمتت المدافع ويأخذنا في جولة ممتدة من زيارة السادات للقدس إلى مؤتمر مينا هاوس وقمة الإسماعيلية واللجنة السياسية والإخفاق بسبب الصلف الإسرائيلي، ثم كامب ديفيد الأولى واجتماع قلعة ليدز بالمملكة المتحدة، فقمة كامب ديفيد الشهيرة وما تلاها من أحداث ذات صلة قبل مؤتمر مدريد، التي أعقبت غزو العراق للكويت.. إلخ.
وهنا تجدر الإشارة لأمرين، أولهما: الشفافية فلم يعد مقبولا في هذا العصر أن تظل الاجتماعات والاتفاقات التي قد تؤثر على حياة الأمم ومستقبل أجيالها محصورة في ذاكرة القادة السياسيين والعسكريين، وربما يطلع عليها وبعد فترة وبشروط بعض الأكاديميين.. ذلك أمر لا يحدث في العالم المتقدم ولا ينبغي أن يحدث للعالم العربي. وثانيهما: ذلك الحوار الممتع بين أحمد أبو الغيط وكيسنجر بعد ثلاثة عقود من حرب أكتوبر، وقد تم على مرحلتين في لقاءين منفصلين. في الأول لمح أبو الغيط أن كيسنجر قد ساهم في قرار مصر بشن الحرب، وأن القيادة المصرية قد خلصت لذلك من خلال مباحثاته مع كبار المسؤولين المصريين عندما أدركت أنه لا أمل في التوصل إلى تسوية من دونها إذا كان على مصر أن تقبل بنتائج هزيمة 67 كمقدمة طبيعية يبنى عليها التفاوض.
وفى اللقاء الثاني كان كيسنجر يشعر بضيق شديد من ملاحظة أحمد أبو الغيط وأكد الأميركي أنه ليس له أي دور في إشعال هذه الحرب «علينا أن نتذكر أنه يهودي الأصل» وأنه على غير استعداد لأن يتحمل أمام إسرائيل ويهود العالم مسؤولية قتلى وجرحى إسرائيل في هذا القتال.
ومن الجدير بالنظر في القسم السياسي التفاوضي من الكتاب الدور الأميركي الذي تمكن من تهميش الدور السوفياتي وضبط إيقاع التفاوض المصري - الإسرائيلي وفقا لتوقيتات ومصالح أميركية، وحقق بذلك هدفا استراتيجيا وهو التواجد لعدة عقود في هذه المنطقة دون تحد يذكر.
وأخيرا وكما سيحدث مع جيل قادم عندما يهدأ الغبار عما يجري الآن في مصر والعالم العربي من تطورات هائلة، ويتم تنقيح ما حدث وتقييمه، فإن من حق وواجب الجيل الحالي أن يتأمل فيما جرى قبل أربعة عقود ليقدم خلاصة تجاربها لجيل بدأ تحمل المسؤولية.
هناك العشرات من الأسئلة عما حدث قبل وأثناء وبعد أكتوبر 73 وما إذا كان الإعداد الاستراتيجي للعمل العسكري كان كافيا من عدمه، وعما إذا كانت إدارة القتال قد استفادت من أقصى إمكاناتها وتجنبت نقاط ضعفها، وهل أدت نتائج الحرب إلى تحسين الموقف المصري بما يسمح بالدخول في مفاوضات مرفوع الرأس ماحيا مشاعر وحقائق هزيمة يونيو (حزيران) 67 من عدمه؟ وهل تم استعادة سيناء عسكريا ثم سياسيا ثم منطقة طابا بالتحكيم الدولي وأعدنا حدودها الشرقية إلى ما كانت عليه يوم 4-6-67؟ وإلى أي مدى يعتبر تحديد حجم القوات المصرية في سيناء بمثابة اجتراء على سيادة الدولة المصرية؟
هل أجاد الأداء السياسي بعد الحرب بتحقيق أقصى المكاسب أم تهاون؟ وما إذا كان ما يحدث في سيناء الآن من تجميع لقوى التكفير والإرهاب هو نتيجة لاتفاق السلام أم أن مصر قد تراجعت في قدراتها عن حماية سيناء وازداد الضغط على شمالها من قطاع غزة لأسباب فلسطينية وإسرائيلية، فأصبحت بحكم طبوغرافيتها في بعض مناطقها مأوى للإرهاب؟ وأخيرا هل دفعت مصالح وأهداف إسرائيلية وغربية وأيضا لقوى إسلامية عربية إلى فكرة تحويل سيناء إلى أرض خصبة جديدة للإرهاب تنقله من الحدود الغربية الشمالية للباكستان وأراضي أفغانستان وتأتي به إلى سيناء لأهداف في نفسها وللمزيد من إضعاف مصر في السنوات القادمة؟
ويستطيع القارئ أن يخرج لنفسه وبنفسه عن إجابات لهذه التساؤلات وأكثر إذا ما طالع بعناية وثائق هذا الكتاب وما كشف عنه من أسرار وحدد العلاقات بين الأفكار والمبادئ وصراعات القوى ومفاوضات السياسة واتفاق السلام، وبالتالي نتائجه ومدى صلاحيته.
أخيرا.. نعرف جميعا أن مياها غزيرة قد غمرت مصر والمنطقة وجرفت معها الكثير، ولكن لا أظن أن بمقدار أمة وشعب بحجمنا أن يسمح بتجريف ذاكرته ونضاله، أو يسمح لدروس ماضيه القريب بالتسرب إلى جانب ما يحرق الآن من رموز الحضارة المصرية.. ذلك أمر لا يمكن السماح به حفاظا على حقوق أجيال قادمة.
أحمد أبو الغيط أمتعنا بتقديمه أكثر المسائل جدية وعمق بأسلوب سهل ممتع، وعرض الحقائق، وترك للقارئ أن يختار موقفه.
* سفير مصر السابق لدى كل من: إثيوبيا، كينيا، السودان، إسرائيل



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.