كيف يُسهم الإعلام في تسوية النزاعات؟

بعضه قد يتسبب في تأجيج الصراعات بإغفاله مراعاة معايير المهنة والعمل على تغطية أحادية الجانب

 فانيسا باسيل (الشرق الأوسط)
فانيسا باسيل (الشرق الأوسط)
TT

كيف يُسهم الإعلام في تسوية النزاعات؟

 فانيسا باسيل (الشرق الأوسط)
فانيسا باسيل (الشرق الأوسط)

في ظل ما تشهده منطقة الشرق الأوسط والعالم من صراعات ونزاعات وحروب، برز مفهوم «صحافة السلام» على السطح، محملاً الإعلام مسؤولية في إدارة الأزمات الدولية والمساهمة في حلها، أو حتى الحيلولة دون وقوعها. واتفق خبراء ومسؤولون رسميون على «الدور الحيوي» الذي يمكن أن تلعبه وسائل الإعلام، بمختلف أشكالها، في «تسوية النزاعات»، بالتزامن مع خطورة التغطية الصحافية، التي قد تتسبب أحياناً في تأجيج الصراعات، إذا غفلت عن مراعاة معايير المهنة ومبادئ «صحافة السلام».

العالمان جيك لينش وآنابيل ماكغولدريك يعرّفان «صحافة السلام»، بأنها «تلك حيث وعندما ينتقي المحررون والمراسلون ما تجب الكتابة عنه، وكيفية ذلك، ما يخلق فرصاً للمجتمع ككل للنظر في الأمور وتقييمها، وتجنب اتخاذ ردود فعل عنيفة تجاه الصراعات، وذلك اعتماداً على تحليل النزاعات لتحديث مفاهيم التوازن والعدالة والدقة في إعداد التقارير».

تعريف «لينش - ماكغولدريك»

إلا أن مركز «صحافة السلام العالمي» في جامعة بارك بولاية ميزوري الأميركية عمل على توسيع تعريف «لينش - ماكغولدريك»، لـ«صحافة السلام»، فجعله «ممارسة يتخذ فيها المحررون والمراسلون خيارات تعمل على تحسين احتمالات السلام». وهذه الاختيارات، بما في ذلك كيفية صياغة القصص واختيار الكلمات المستخدمة بعناية، «تخلق جواً يفضي إلى السلام ويدعم مبادرات السلام وصانعيها، من دون المساس بالمبادئ الأساسية للصحافة الجيدة، حيث تمنح صحافة السلام صانعي السلام صوتاً، وتجعل مبادرات السلام وحلول اللاعنف أكثر وضوحاً وقابلية للتطبيق».

ستيفن يونغبلود (الشرق الأوسط)

بدوره، قال ستيفن يونغبلود، مدير ومؤسس «مركز صحافة السلام العالمي» وأستاذ الإعلام ودراسات السلام في جامعة بارك، لـ«الشرق الأوسط»، إن «وسائل الإعلام تلعب دوراً حيوياً في تسوية النزاعات، لكنها ليست الوحيدة المنوط بها هذا الدور... تسوية النزاعات وخلق سلام إيجابي يتطلبان تكاتف أطراف عدة، من حكومات وسياسيين وقادة أعمال ومنظمات غير حكومية ومواطنين عاديين ومجموعات الأقليات، وذلك كي يصبح السلام ممكناً ومستداماً». وأضاف أن «بعض وسائل الإعلام عمل تقليدياً على إثارة النزاعات من خلال تغطية أحادية الجانب للصراعات... في حين تقدّم صحافة السلام طريقاً أكثر مسؤولية للإعلام الذي يوازن التغطية، ويمنح دعاة وبناة السلام صوتاً، ويرفض اللغة المثيرة للعداء والضغائن».

في الواقع، تعتمد «صحافة السلام» - كما شرح يونغبلود - على الأفكار التي وضعها الأكاديمي النرويجي يوهان غالتونغ، حيث «يسعى صحافيو السلام إلى تسليط الضوء على الأفراد والمبادرات التي تسعى إلى خلق هذه الظروف المتناغمة، وقيادة حوارات عامة بناءة حول القضايا المتعلقة بالعدالة والإنصاف». ومن ثم أوضح: «هناك عدة تعريفات لصحافة السلام، ثم إن نهج صحافة السلام يمكن استخدامه لتوجيه التقارير حول أي نوع من النزاع، سواءً كان دينياً أو عرقياً أو على الموارد، وهو لا يهتم فقط بالحروب والعنف». واستطرد ليقول: «تقليدياً تم تعريف السلام باعتباره غياب الصراع أو العنف». لكن غالتونغ- الذي يعد «الأب المؤسس لدراسات السلام» - يفرّق بين نوعين منه؛ الأول إيجابي والثاني سلبي، حيث «يعني السلام السلبي غياب الصراع، في حين أن الإيجابي يتكون من الظروف التي يمكن أن تزدهر فيها العدالة والإنصاف والانسجام».

صحافة السلام تغطي كل الأخبار

من جانبها، قالت فانيسا باسيل، الخبيرة الدولية اللبنانية في صحافة السلام ومؤسسة ورئيسة «منظمة إعلام للسلام» (MAP)، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن «صحافة السلام لا تُعنى بالأخبار الإيجابية فقط، بل تغطي كل الأخبار، فهي عبارة عن نموذج لتحسين تغطية النزاعات من خلال مفهوم إصلاحي للعمل الصحافي يردّه إلى طريقه الحقيقي الذي يركز على الأخلاقيات والمبادئ».

وتُعدِّد باسيل 4 مبادئ لصحافة السلام:

«المبدأ الأول أنها حساسة للنزاع وقادرة على فهمه والتعريف بخطورته، والتنبؤ بإمكانية حدوثه. والثاني أنها موجّهة إلى الناس وتعبر عن هواجسهم ومشاكلهم والفئات المهمشة، فهي صوت من لا صوت له. أما المبدأ الثالث فهو أنها صحافة تعنى بالحقائق وتبتعد عن الأخبار الزائفة والأجندات السياسية والدعاية الحربية. ثم المبدأ الرابع الأخير الذي يتمثل باعتماد صحافة السلام مفهوم الحلول، وهي هنا لا تقدم حلولاً للنزاعات، بل تعرض آراء خبراء لديهم حلول حقيقية للصراعات».

وتشير فانيسا باسيل من ثم إلى أن مقابل صحافة السلام يبرز مفهوم صحافة الحرب، التي هي على النقيض من المبادئ الأربعة السابق ذكرها... فهي ليست حساسة للنزاع، وتخدم أجندات النخبة لا الناس العاديين، وتنقل دعاية حربية، موجهة نحو الانتصار وتتعامل مع النزاعات، كأنها مباراة كرة قدم بها خاسر وفائز.

وتتابع باسيل شرحها قائلةً إن «الصحافي مرآة للمجتمع، وعليه أن يخدم السلام ويغطي النزاع بطريقة بناءة». وتضرب مثلاً بالحرب في غزة، وكيف يمكن أن يكون للصحافة دور في نشر السلام «عبر تحاشي المساواة بين الظالم والمظلوم، وإظهار انتهاكات حقوق الإنسان، لأن السلام لا ينفصل عن حقوق الإنسان، إضافة إلى استعراض جذور الصراع ومسبباته». وتضيف أن «الإعلام يستطيع أن يؤجج النزاع أو يخفف من حدته، حسب الطريقة التي يتبعها في التغطية، والكلمات والصور المستخدمة، التي لا تحرض على العنف... واجب التغطية الصحافية أن تكون معمقة تحلل وتستعرض أسباب النزاع... لا أن تتابعه بسطحية».

نهج صحافة السلام يمكن استخدامه لتوجيه التقارير حول أي نوع من النزاع سواءً كان دينياً أو عرقياً أو على الموارد

القراءات الحكومية

والواقع أنه لا يقتصر إدراك أهمية «صحافة السلام» على العاملين في المجال الإعلامي، بل يمتد إلى السياسيين والمسؤولين الإعلاميين الرسميين. وفي هذا السياق، قال أحمد أبو زيد، الناطق باسم وزارة الخارجية المصرية، إن «منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تشهد انتشاراً غير مسبوق للنزاعات المسلحة، التي باتت تمس مصالح واهتمامات الشعوب، ما فرض مسؤولية إضافية على العاملين في مجال الإعلام، لا سيما في أسلوب تغطية النزاعات، ومدى استيعاب طبيعتها وأبعادها التاريخية والجيوسياسية والاجتماعية وتعقيداتها المتشابكة»، لافتاً إلى «حجم المخاطر التي تحيط بالصحافيين في مناطق النزاع».

أحمد أبو زيد (الشرق الاوسط)

وأضاف أبو زيد، خلال حلقة نقاشية نظمها «مركز القاهرة الدولي لتسوية النزاعات وحفظ وبناء السلام» أخيراً في القاهرة، أن «حجم النزاعات المحيطة بمصر جعل من كل صحافي مراسل حرب»، وأن «الإعلام الرسمي في مأزق بالنظر إلى كم المعلومات المتداولة من مصادر معلومة أو مجهولة، ما يضيف عبئاً على المتحدثين الرسميين في تحديد متى وكيف يعلق ومن سيتلقى رسالته». وأوضح الناطق باسم «الخارجية» المصرية، أنه «ينبغي على المسؤول الإعلامي الرسمي في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي أن يصيغ كلماته بميزان من ذهب»، مشيراً إلى أن «السعي لصياغة رسالة إعلامية رسمية لا تؤثر على إدارة الأزمة، قد يجعل ردود الفعل الرسمية تبدو متأخرة، أو تتسم بالبطء في ظل سيولة معلوماتية على جميع الوسائط».

أيضاً شدد الناطق باسم «الخارجية» المصرية على «أهمية الإعلام في تسوية وحسم النزاعات والحيلولة دون وقوعها من الأساس». فقال إن «الإعلام قد يدفع إلى تسوية النزاع أو تعقيده وتأخير حله، ما يلقي مسؤولية كبيرة على العاملين في الإعلام في توضيح جذور الصراع وفهم تحولاته، وعدم ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، ودعم وجهة نظر، وإغفال أخرى».

من جانبه، أكد أحمد عبد اللطيف، مدير «مركز القاهرة الدولي لتسوية النزاعات وحفظ وبناء السلام»، أن «التحديات المُتشابكة التي تشهدها المنطقة والعالم تلقي بظلالها على جهود بناء السلام، وكذلك على طبيعة العمل الإعلامي، ما يتطلب توفير أعلى درجات التأهيل والتدريب، من خلال تسليط الضوء على طبيعة النزاع وأسبابه ومراحله وأطرافه، بالإضافة إلى سُبل توظيف الأدوات المُتاحة لتسويته». وتطرق في كلمة له خلال دورة تدريبية نظمها المركز حول «دور الإعلام في تغطية وتسوية النزاعات»، بالقاهرة، أخيراً، إلى «المخاطر التي يتعرض لها العاملون في المجال الإعلامي أثناء تغطية النزاعات»، مدللاً على ذلك «بضحايا الحرب في غزة من صحافيين وإعلاميين». وقال إن «تغطية النزاعات بدقة يواجه تحديات ومخاطر عدة».

وبالفعل، وثقت لجنة «حماية الصحافيين» ومقرها نيويورك، مقتل 94 صحافياً وإعلامياً على الأقل، بينهم 89 فلسطينياً، وإسرائيليان، و3 لبنانيين، وورد أن 16 صحافياً أصيبوا خلال حرب غزة، كما أبلغ عن اختفاء 4 صحافيين واعتقال 25 صحافياً، بحسب إحصائية نشرتها اللجنة مطلع مارس (آذار) الحالي.


مقالات ذات صلة

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

إعلام شعار "فيسبوك" (د ب أ)

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة.

إيمان مبروك (القاهرة)
يوميات الشرق «المنتدى السعودي للإعلام» يختتم نسخته الـ5 في الرياض

«المنتدى السعودي للإعلام» يختتم نسخته الـ5 في الرياض

اختتم «المنتدى السعودي للإعلام» أعمال نسخته الخامسة في الرياض، أمس، بعد عقد أكثر من 60 جلسة حوارية وورشة عمل، ناقش فيها 300 متحدث من مختلف دول العالم، محاور.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
رياضة سعودية علاء شاهين خلال حديثه عن المحتوى الرقمي في منتدى الإعلام (الشرق الأوسط)

منتدى الإعلام السعودي يناقش صناعة محتوى رياضي رقمي يستهدف «جيل زد»

ناقش المنتدى السعودي للإعلام، اليوم، التحولات المتسارعة التي يشهدها المحتوى الرياضي الرقمي في ظل تطور أدوات الإعلام وتغيّر أنماط التلقي.

شوق الغامدي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.