لوران غباغبو... رئيس كوت ديفوار السابق الطامح للعودة إلى الأضواء

يسعى مجدداً للسلطة رغم «عدم أهليته» قانونياً

عام 2002 اتُّهم أنصار غباغبو بتنفيذ هجمات معادية للأجانب في المناطق التي يسيطرون عليها وكذلك ضد أولئك الذين يتحدرون من الشمال ذي الغالبية المسلمة
عام 2002 اتُّهم أنصار غباغبو بتنفيذ هجمات معادية للأجانب في المناطق التي يسيطرون عليها وكذلك ضد أولئك الذين يتحدرون من الشمال ذي الغالبية المسلمة
TT

لوران غباغبو... رئيس كوت ديفوار السابق الطامح للعودة إلى الأضواء

عام 2002 اتُّهم أنصار غباغبو بتنفيذ هجمات معادية للأجانب في المناطق التي يسيطرون عليها وكذلك ضد أولئك الذين يتحدرون من الشمال ذي الغالبية المسلمة
عام 2002 اتُّهم أنصار غباغبو بتنفيذ هجمات معادية للأجانب في المناطق التي يسيطرون عليها وكذلك ضد أولئك الذين يتحدرون من الشمال ذي الغالبية المسلمة

طامحاً في العودة إلى الأضواء بعد سنوات السجن، يسعى رئيس كوت ديفوار السابق لوران غباغبو إلى الترشح لرئاسة البلاد في الانتخابات المقرر عقدها العام المقبل، وهذا رغم «لا أهليته» كونه سبق الحكم عليه بالسجن في اتهامات بـ«السرقة». ويسعى الرئيس السابق (79 سنة) إلى الصعود مرة أخرى إلى قمة السلطة في البلد الواقع غرب أفريقيا، بعد مراحل هبوط وصعود وسمت حياته السياسية، وحولته من معارض إلى رئيس ومن ثم إلى سجين. وفي العاشر من مارس (آذار) الحالي، أعلن حزب «الشعوب الأفريقية - ساحل العاج» المعارض، موافقة غباغبو على الترشح في الانتخابات الرئاسية المتوقع إجراؤها في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، ما أثار تساؤلات حول إمكانية تحقيق ذلك قانونياً، وما إذا كان الرئيس السابق الذي لم يتمكن من الإدلاء بصوته في الانتخابات المحلية التي جرت في سبتمبر (أيلول) الماضي، قادراً بالفعل على المنافسة على كرسي الحكم، لا سيما أن حزبه فشل في الفوز في الانتخابات المحلية وطعن في نتائجها.

على الرغم من أن لوران غباغبو، الذي حكم كوت ديفوار في الفترة من عام 2000 وحتى عام 2011، برأته المحكمة الجنائية الدولية عام 2019، من اتهامات بارتكاب «جرائم ضد الإنسانية» إبان أحداث العنف الدموية التي أعقبت الانتخابات في 2010 و2011، فإنه أدين في بلده عام 2018، بتهمة «سرقة» البنك المركزي لدول غرب أفريقيا عام 2011، وحكم عليه بالسجن لمدة عشرين سنة.

بيد أن غباغبو لم ينفذ العقوبة، وذلك لكون الرئيس الحالي لكوت ديفوار الحسن واتارا أصدر عام 2022 قراراً بالصفح عنه، الأمر الذي جنبه السجن لكنه لم يلغ العقوبة.

جدير بالذكر، أنه بموجب القانون في كوت ديفوار «لا يحق لأي شخص محكوم أن يترشح للانتخابات». لكن على ما يبدو، فإن لدى حزب الرئيس السابق، «حزب الشعوب الأفريقية - ساحل العاج»، رأياً آخر؛ إذ أعلن عزمه عقد «مؤتمر استثنائي لتسمية غباغبو مرشحاً رسمياً». وعدّ الانتخابات الرئاسية والاستحقاقات الانتخابية الأخرى خلال عام 2025 «أولوية».

ليس هذا فحسب، بل أشار الحزب أيضاً إلى أنه «سيسعى إلى إعادة تسجيل اسم غباغبو على لائحة الانتخابات»، بعدما جرده الحكم الصادر في 2018 من حقوقه المدنية والسياسية، وبالتالي شطب اسمه من اللوائح الانتخابية.

خلفية شخصية

ولد لوران غباغبو يوم 31 مايو (أيار) 1945، لعائلة كاثوليكية كانت تعيش في قرية ماما، القريبة من بلدة غانيوا بوسط غرب كوت ديفوار. وهي منطقة اشتهرت بزراعة الكاكاو.

بعدها تلقى تعليماً كلاسيكياً واختار المجال الأكاديمي لا سيما، بحصوله على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة باريس - السوربون، حيث كان أقرانه يلقبونه بـ«شيشرون»، (الفيلسوف والخطيب الروماني)، بسبب حبه للغة اللاتينية إبان فترة دراسته. وبالفعل، بدأ حياته المهنية محاضراً جامعياً، وسُجن لمدة سنتين في عام 1971 بتهمة «التدريس الهدام». وكان اسمه الحركي، وقتها، «الأخ الأصغر». أما على الصعيد العائلي، فغباغبو أب لابنتين من زوجته سيمون، وابن من زواج أول بسيدة فرنسية، اسمه ميشال هو كاتب ونائب عن «الجبهة الشعبية لساحل العاج».

نقابات ويسار

عبر الحركة النقابيّة خطا غباغبو أولى خطواته السياسية، مكرّساً اسمه بوصفه معارضاً سياسياً يسارياً دخل في مواجهات مع السلطة أدت إلى سجنه.

وفي الثمانينات من القرن الماضي، شارك في النشاط النقابي بين الأكاديميين. وكان من أوائل الذين تحدّوا الرئيس المؤسس لساحل العاج «أبو الأمة» فيليكس هوفويت بوانيي، من خلال تأسيسه سراً حزب «الجبهة الشعبية» في نظام دولة الحزب الواحد التي يرأسها بوانيي، ما أدى إلى سجنه ثم نفيه إلى فرنسا عام 1982.

بعد ست سنوات عاد غباغبو إلى كوت ديفوار، وعام 1990 بدأ العمل السياسي علناً، مع ظهور نظام التعددية الحزبية الذي حارب من أجله، ودشن حزب «الجبهة الشعبية الإيفوارية». وفي حينه، واجه بوانيي في أول انتخابات تعدّدية عرفتها البلاد عام 1990، إلا أنه خسر.

المعارض رئيساً

ولكن، بعد 20 سنة أمضاها في مقعد المعارضة، وصل لوران غباغبو إلى السلطة، مع انتخابه رئيساً يوم 26 أكتوبر (تشرين الأول) 2000. ولقد جاء فوزه في ظل ظروف «كارثية» باعترافه؛ إذ ملأت الاحتجاجات شوارع أبيدجان، في أعقاب فوزه على الجنرال روبير غيي، الذي قاد انقلاباً عسكرياً في ديسمبر (كانون الأول) 1999، ورفض أن يعترف بهزيمته في الانتخابات الرئاسية.

وهكذا، دخلت كوت ديفوار في مرحلة من العنف السياسي عقبت تلك الانتخابات، التي استُبعد منها الرئيس الحالي (الذي كان وقتها رئيساً للوزراء) الحسن واتارا، كما استبعد الرئيس الأسبق للبلاد هنري كونان بيدييه، الذي أطاح به الجنرال غيي.

استمرّت أحداث العنف، وفي سبتمبر عام 2002، شهدت كوت ديفوار حركة «تمرد» للإطاحة بغباغبو، لكنها فشلت في تحقيق هدفها، وإن استطاعت فرض سيطرتها على شمال البلاد.

يومذاك، كان غباغبو يرى أن «واتارا يقف خلف ذلك التمرد». وفي مواجهة المتمردين، اعتمد غباغبو على جماعة «الوطنيين الشباب»، الذين أشعلوا النار في الشوارع.

ومن ثم، بعد انتخابه رئيساً، قال غباغبو إنه سيكسر تقليد «عبادة الحاكم»، مشدداً على أنه «لم يعد من الضروري وضع صور الرئيس في الأماكن العامة والمكاتب». وأضاف أن «وسائل الإعلام الوطنية لن تضطر بعد الآن إلى ذكر الرئيس في جميع البرامج الإخبارية».

غير أن العكس حدث، ففي أثناء وجود غباغبو في السلطة، سلطت معظم نشرات الأخبار الضوء على الأنشطة اليومية التي يمارسها الرئيس.

من جهة ثانية، خلال تاريخه السياسي اتخذ غباغبو موقفاً قومياً معادياً للأجانب، حتى اتُّهم بـ«ركوب موجة كراهية الأجانب» التي اجتاحت البلاد إبان حكم الرئيس الأسبق كونان بيدي، الذي أعلى من مفهوم «الإيفواريين»، لمنع واتارا - وهو مسلم له روابط عائلية وإثنية مع بوركينا فاسو المجاورة - من الترشح للانتخابات الرئاسية في التسعينات من القرن الماضي.

الحرب الأهلية الثانية

وعندما اندلعت أحداث العنف في كوت ديفوار، أو ما يعرف بـ«الحرب الأهلية الثانية»، عام 2002، اتُّهم أنصار غباغبو بتنفيذ هجمات معادية للأجانب في المناطق التي يسيطرون عليها، وكذلك ضد أولئك الذين يتحدرون من الشمال ذي الغالبية المسلمة، والمهاجرين من الدول الأفريقية المجاورة والغربيين.

في حينه قسم التمرد كوت ديفوار إلى نصفين مع سيطرة المتمردين على شمال البلاد، مع العلم أن قوات غباغبو لم تتمكن قط من استعادة السيطرة على الشمال. وهكذا، عام 2007، وقّع غباغبو اتفاق سلام مع المتمردين.

من الرئاسة إلى السجن

وكما رفض الجنرال غيي من قبل الاعتراف بخسارته الانتخابات أمام غباغبو، فعل الأخير الشيء نفسه، عندما رفض الاعتراف بفوز الحسن واتارا في الانتخابات الرئاسية عام 2010. غير أن واتارا، الذي كان يُنظر إليه دولياً على أنه الفائز في الانتخابات التي أجريت قبل خمسة أشهر، استطاع بدعم حلفائه المتمردين وبمساندة فرنسا، إجبار غباغبو في أبريل (نيسان) 2011، على التنحي عن منصبه، بل أُلقى القبض عليه في مخبأ بالقصر الرئاسي عبر قوات الأمم المتحدة والقوات المدعومة من فرنسا.

أدى الصراع على السلطة في ذلك الوقت إلى مقتل نحو 3000 شخص. وللعلم، كان غباغبو يزعم أن «النزاع حول رئاسة البلاد هو في الأصل صراع من أجل السيادة الإيفوارية والأفريقية». ومن ثم اتهم فرنسا والولايات المتحدة بالوقوف ضده. وكان يقول إن «كوت ديفوار أمة باركها الله، وإن المستعمرين الجدد يريدون السيطرة عليها بسبب حقول الكاكاو والنفط».

في أي حال، سجن غباغبو في كورهوغو (شمال كوت ديفوار) أولاً، ثم نقل إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بهولندا، حيث أصبح أول رئيس دولة سابق يحاكم هناك.

وخلال المحاكمة سعى إلى التأكيد على «نزاهته»، دافعاً بـ«مؤامرة» أدت إلى اعتقاله من قصر الرئاسة، تقف خلفها فرنسا، الدولة التي استعمرت كوت ديفوار سنوات حتى استقلالها عام 1960.

لكن حجة المؤامرة لم تفلح، وأيّد الاتحاد الأفريقي النتيجة التي توصلت إليها الأمم المتحدة بأن غباغبو خسر الانتخابات وعليه أن يتنحى.

وعام 2013، في أول تصريحات له عقب تنحيه عن السلطة، ادعى غباغبو، أمام المحكمة الجنائية الدولية أنه كان دائماً «يناضل من أجل الديمقراطية». ووفق الـ«بي بي سي» تكلم الرئيس السابق لنحو 15 دقيقة، وبدا «سياسياً واثقاً من نفسه، وليس شخصاً يواجه تهماً خطيرة». وكان أنصاره يتابعونه وينظرون إليه بإعجاب شديد خلال حديثه مع القضاة.

ومما قاله غباغبو للمحكمة إنه لم يكن الشخص الأكثر ثراء أو الأكثر موهبة، وإنه دخل عالم السياسة «لتكريس حياته للدفاع عن الديمقراطية».

بعد ذلك، عانى غباغبو من اضطرابات ما بعد الصدمة في السجن، لكن القضاة رفضوا في عام 2015 طلبه بالحصول على إفراج مؤقت لأسباب صحية. وظل في السجن إلى أن برأته المحكمة عام 2019. وهنا نشير إلى زوجة غباغبو، سيمون، سياسية أيضاً، ورآها كثيرون القوة المتشددة الحقيقية وراء زوجها، والسبب المباشر وراء منع زوجها من التخلي عن منصبه.

وحقاً، كانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت مذكرة اعتقال بحق سيمون أيضاً، لكن حكومة كوت ديفوار رفضت تنفيذها، مكتفية بإصدار حكم محلي عليها بالسجن 20 سنة؛ لدورها في أعمال العنف التي أعقبت انتخابات 2010.

ولاحقاً، في أغسطس (آب) 2018، أصدر الرئيس واتارا عفواً رئاسياً عن سيمون، في خطوة قيل إنها استهدفت «تعزيز المصالحة».

عودة لملعب السياسة

إبان فترة السجن خسر لوران غباغبو قيادة حزب «الجبهة الشعبية الإيفوارية» الذي أسسه سابقاً أمام حليف سابق له، لكنه «ظل يحتفظ بقاعدة كبيرة من المؤيدين». وحسب معلقين، «يجسد غباغبو القطيعة مع الإرث الاستعماري الفرنسي»، ما يجعله «يحظى بشعبية لدى الأجيال الشابة». كذلك ارتبطت شعبيته بمواقفه الصاخبة وشخصيته الخطابية.

وهذه الشعبية بدت واضحة في الاستقبال الحافل الذي حظي به عقب عودته إلى البلاد عام 2021، بعد غياب استمرّ عشر سنوات، لا سيما في قريته ماما، وفي أحياء الطبقة العاملة في أبيدجان، كبرى مدن البلاد وقاعدتها الكبرى، بما فيها معقله يوبوغون.

وإثر العودة دشن السياسي المخضرم، فور عودته إلى كوت ديفوار، «حزب الشعوب الأفريقية - ساحل العاج». وأبدى رغبته في المشاركة في الحياة السياسية، ما عُدّ إشارة إلى أنه «لا يرغب في الانتقام»، بل بالعكس يسعى لـ«المصالحة الوطنية» في بلد لا يزال يمزقه العنف السياسي العرقي الذي صبغ تاريخه في السنوات الـ20 الماضية.

على المستوى الشخصي عرف غباغبو بأنه «سريع الغضب»، ولا سيما ضد من كان يصفهم بـ«الصحافيين المتغطرسين»، لكنه في المقابل اشتهر بابتسامة عريضة وضحكة سهلة عفوية، وقدرة على التواصل الفطريّ مع الناس، كما عرف بمصافحاته القوية. ومن جوانب شخصيته أنه يعشق الموسيقى والطعام الجيد. ما لقب في قريته بـ«أسد أفريقيا»، و«وودي ماما»، وهي عبارة تعني «رجلاً حقيقياً» بلغة مجموعته العرقية «البيتي».

اليوم، يعود غباغبو، الذي خاض من قبل حملته الانتخابية تحت شعار «إما ننتصر وإما ننتصر»، إلى الساحة السياسية لاعباً عنيداً، يطرح نفسه «مدافعاً عن المظلومين»، و«اشتراكياً مسالماً»، لكن خصومه يتهمونه بأن له «صلات بجماعات عنف مسلح»، وأنه زعيم كان مستعداً لتدمير بلاده من خلال رفض قبول الهزيمة في صناديق الاقتراع.


مقالات ذات صلة

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

حصاد الأسبوع «تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات

ميشال أبونجم (باريس)
حصاد الأسبوع ميلونشون (رويترز)

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
حصاد الأسبوع قناة السويس (رويترز)

مصر والصين بعد زيارة شي جينبينغ... من شراكة المشاريع إلى صناعة المستقبل

قبل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة، انشغل معظم القراءات بالسؤال عمّا يمكن أن تضيفه الزيارة إلى العلاقات المصرية - الصينية. أما بعد اختتامها،

وارف قميحة
حصاد الأسبوع تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة


«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.