القادة الأوروبيون اعتمدوا قرارات استثنائية لدعم كييف وتعزيز حماية أوروبا

فرنسا تقول إن أوكرانيا تحولت إلى خط الدفاع الأول للقارة... وبوريل يرى ما سيحدث الصيف المقبل «مفصلياً»

مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (رويترز)
مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (رويترز)
TT

القادة الأوروبيون اعتمدوا قرارات استثنائية لدعم كييف وتعزيز حماية أوروبا

مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (رويترز)
مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (رويترز)

قطعاً، تعد قمة الاتحاد الأوروبي التي امتدت يومين في بروكسل استثنائية بكل المقاييس لجهة القرارات التي اتخذتها، والمشاريع التي قررت استكشافها من أجل توفير مزيد من الدعم لأوكرانيا في حربها ضد روسيا من جانب، ولتعزيز الدفاع الأوروبي من جانب آخر.

أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية تتوسط عدداً من قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

ولم يتردد مسؤولون عدة عن وصف القمة بأنها كانت أشبه بـ«مجلس حربي» وذلك على خلفية ازدياد المخاوف مما يجري ميدانياً على الأراضي الأوكرانية، وأن تتمكن القوات الروسية من إنزال الهزيمة بالجيش الأوكراني.

وما يزيد المشهد سوداوية، تواصل تخبط الإدارة الأميركية التي فشلت حتى اليوم في الحصول على تصويت مجلس النواب لصالح مشروع تقديم مساعدة كبيرة لأوكرانيا بقيمة 60 مليار دولار، والخوف من أن تفضي الانتخابات الرئاسية إلى عودة الرئيس السابق دونالد ترمب إلى البيت الأبيض مع ما يعنيه ذلك من الضبابية التي تحيط بالسياسة التي قد يسير على هديها إزاء أوكرانيا وروسيا. والخلاصة التي تحكم الأداء الأوروبي الجديد مردها الشعور بأن دعم أوكرانيا يقع على كاهله، ومن ثم عليه استخلاص النتائج المترتبة على ذلك.

إزاء ما سبق، يمكن فهم التحذيرات التي صدرت عن القادة الأوروبيين قبل القمة وخلالها؛ فرئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشال، نبه بأن التقصير «في توفير المساعدات الكافية لأوكرانيا من أجل وقف التقدم الروسي يعني أننا سنكون الهدف اللاحق»، وهو ما كان قد حذر منه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي رأى أنه «إذا تركنا أوكرانيا تخسر هذه الحرب، فعندها روسيا ستهدد وبشكل قاطع مولدوفا ورومانيا وبولندا».

ماكرون السباق في المطالبة بـ«الاستقلالية الاستراتيجية» (إ.ب.أ)

كذلك، فإن مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد جوزيب بوريل الذي رأى ما سيحدث الصيف المقبل «سيكون مفصلياً»، وأن أوروبا «ستكون في خطر». ولخص رئيس الوزراء الفنلندي بيتري أربو الموقف بقوله إن أجواء القادة الأوروبيين «تبدلت حيث إن مزيداً من الدول الأعضاء ترى أن التهديد الروسي يتناول كل أوروبا». وأوجز مصدر فرنسي الوضع بقوله إن أوكرانيا اليوم «تحولت إلى خط الدفاع الأول عن أوروبا، ومساعدتها على الوقوف بوجه الجيش الروسي تعني حماية أوروبا».

الرئيس الفرنسي مع رئيس الوزراء المجري في قمة بروكسل الخميس (أ.ف.ب)

الارتقاء إلى مستوى التحدي

لأن الوضع بهذه الخطورة، فقد سعى القادة الأوروبيون إلى أن يرتقوا إلى مستوى التحدي في القرارات التي اعتمدوها والهادفة لتوفير الدعم العسكري لأوكرانيا. فحتى اليوم، قدم الأوروبيون ما قيمته الإجمالية 31 مليار يورو لتسليحها مقرونة بوعود لمدها بعشرين مليار يورو إضافية حتى نهاية العام الحالي.

وسبق لهم أن أقروا بداية فبراير (شباط) تزويدها بـ50 مليار يورو على شكل مساعدات اقتصادية لسنوات 2024 ــ 2027. لكن يبدو أن هذه الأموال غير كافية مقارنة بما تكرسه روسيا لمجهودها الحربي البالغ 15 مليار يورو في الشهر، وهو ما يساوي 3 أضعاف ما تكرسه كييف.

من هنا، تأتي موافقة القادة الـ27 على المقترح الذي قدمته أورسولا فون دير لاين القاضي باستخدام عائدات الأصول الروسية المجمدة في أوروبا ومنها 190 مليار لدى مؤسسة «يوروكلير» لتبادل الأوراق المالية.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز عقب مؤتمر صحافي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية (أ.ف.ب)

وبشكل عام، فإن العائدات يمكن أن تبلغ 3 مليارات يورو في العام، 90 في المائة منها سيذهب لتسديد قيمة الأسلحة الأوروبية المعطاة لأوكرانيا، و10 في المائة لتعزيز صناعتها الدفاعية. وعملياً، فإن الأصول الروسية ستكون الممول لأسلحة أوكرانيا بعد أن اتُّفق سابقاً على تخصيصها لإعادة إعمار ما تهدم فيها بسب بالحرب. ووعدت فون دير لاين تحويل أول مليار يورو لكييف بداية يوليو (تموز) المقبل.

جوزيب بوريل لدى وصوله إلى بروكسل الخميس (أ.ف.ب)

وقبل ذلك يتعين الانتهاء من الترتيبات القانونية لتنفيذ القرار الذي احتجت عليه موسكو بقوة. وقبل ذلك ببضعة أيام، اتفق الأوروبيون على ضخ مبلغ 5 مليارات يورو إضافية لـ«مرفق السلام الأوروبي» المخصص هو أيضاً لمشتريات السلاح. ووفق مسؤولي الاتحاد، فإن خطتهم سليمة من الناحية القانونية؛ لأن الأرباح التي تحصل عليها الشركات المالية ليست مملوكة من روسيا. لكن يبدو أن الأوروبيين لن يتوقفوا عند هذا الحد؛ إذ اقترح رئيس الوزراء البلجيكي ألكسندر در كرو اللجوء إلى استخدام الهندسة المالية لزيادة الأرباح من الأصول السيادية الروسية المجمدة بهدف توليد مستوى أعلى كثيراً من التمويل لأوكرانيا. وخلال العام الماضي، حققت الأصول الروسية أرباحاً وصلت إلى 4.4 مليار يورو.

في بيان الـ27 الخاص بأوكرانيا، كانت لافتة العبارة التي وردت في البيان هي أنهم «ملتزمون بدعم أوكرانيا بالكثافة الضرورية ولطيلة الفترة الزمنية التي تحتاج إليها»؛ لذا من هذا المنطلق يمكن فهم المقترح الذي قدمته فون دير لاين والداعي إلى فرض رسوم مرتفعة على واردات الحبوب الروسية إلى الاتحاد الأوروبي التي تقلصت في العامين الأخيرين، وتراجعت العام الماضي إلى 15.3 مليون طن من الحبوب بقيمة 437.5 مليون يورو، وهي مستويات أقل بـ10 مرات على الأقل من الكميات المستوردة من أوكرانيا والتي تمثل حصة ضئيلة من استهلاك الاتحاد الأوروبي.

وقالت رئيسة المفوضية، في مؤتمر صحافي: «لقد أعددنا اقتراحا يهدف إلى زيادة التعريفات الجمركية على واردات الحبوب والبذور الزيتية والمنتجات ذات الصلة، الروسية منها والبيلاروسية. هذا سيمنع الحبوب الروسية من زعزعة استقرار السوق الأوروبية لهذه المنتجات». كما أن الإجراء «سيحرم روسيا من عائدات هذه الصادرات، وسيضمن عدم دخول الصادرات غير القانونية من الحبوب الأوكرانية التي سرقتها روسيا إلى سوق الاتحاد الأوروبي».

شارل ميشال وفون دير لاين يتحدثان معاً للصحافة الجمعة في مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (إ.ب.أ)

وحتى يصبح المقترح قابلاً للتطبيق، لا بد من التصديق عليه من جانب غالبية مؤهلة من الدول الأعضاء، أي ما لا يقل عن 15 دولة تمثل 65 في المائة من سكان الاتحاد الأوروبي. وتعد تشيكيا وبولندا ودول البلطيق الثلاث رأس الحربة الداعية لفرض حظر كامل على واردات الحبوب من روسيا وبيلاروسيا.

تعزيز الصناعات الدفاعية الأوروبية

لا يرى الأوروبيون أن الدعم المتواصل لأوكرانيا لا يمكن أن يتحقق من غير تعزيز استراتيجيتهم الدفاعية وعلى رأسها الارتقاء بصناعاتهم العسكرية. ويعترف الاختصاصيون أن الطريق لتحقيق هذا الهدف طويلة وشاقة، إلا أنهم رفعوا جميعاً من مستوى جهودهم الدفاعية في العامين المنصرمين حيث بلغت، وفق فون دير لاين، 100 مليار يورو.

وبداية الشهر الحالي، اقترحت رئيسة المفوضية تخصيص مبلغ 1.5 مليار يورو للمشاريع الصناعية الدفاعية. لكن يبدو اليوم، أن الحاجة أكبر من ذلك كثيراً. من هنا تركز البحث على وسيلتين رئيسيتين: الأولى، إشراك بنك الاستثمار الأوروبي ومقره في لوكسمبورغ، والذي يعد أكبر مؤسسة تمويل متعددة الأطراف في العالم، في تمويل المشاريع الدفاعية المشتركة. وحتى اليوم، لم تكن النصوص المؤسسة للبنك المذكور إقراض أموال تستخدم لتمويل منظومات الأسلحة. وجل ما تتيحه قروض لتمويل منظومات مزدوجة الاستعمال (مدني وعسكري).

والمطلوب اليوم من البنك رفع القيود حتى يغرف منه الأوروبيون لدفع صناعاتهم الدفاعية إلى الأمام. وفي بيانهم المشترك، طلب القادة الـ27 من البنك أن «يعدل سياسة القروض لتشمل الصناعات الدفاعية». وقال رئيس المجلس الأوروبي: «قطعاً، نحن نعي تماماً أننا بحاجة لمصادر تمويلية للصناعات الدفاعية» وأن القادة الأوروبيين طلبوا من المفوضية «استكشاف كل الخيارات» التي من شأنها إتاحة الارتقاء بالقدرات التمويلية.

شارل ميشال رئيس المجلس الأوروبي متحدثاً للصحافة الخميس بمناسبة القمة الأوروبية (إ.ب.أ)

ويفترض أن ترفع المفوضية تقريراً بهذا الشأن في يونيو (حزيران) المقبل. وسبق لـ فون دير لاين أن أعربت عن دعمها هذا التوجه. كذلك، فإن فرنسا و13 دولة أوروبية بينها ألمانيا وإيطاليا، تدفع باتجاه توسيع نطاق تفويض البنك ليشمل الصناعات الدفاعية.

تبقى الوسيلة الثانية وعنوانها الاقتراض الجماعي الأوروبي من الأسواق الدولية على غرار ما حدث إبان جائحة «كوفيد ــ 19». والبادرة جاءت من رئيسة وزراء إستونيا كاجا كالاس التي اقترحت استدانة 100 مليار يورو.

ولاقت المبادرة دعماً سريعاً من باريس ووارسو. وبالتوازي، بعث وزراء خارجية فرنسا وليتوانيا ولاتفيا وإستونيا والبرتغال ورومانيا برسالة مشتركة إلى بوريل جاء فيها: «بمواجهة (كوفيد ــ 19)، سعينا متضامنين، ونجحنا في توفير وسائل مالية غير مسبوقة. وبمواجهة العدوان الروسي، فإننا سندخل التاريخ» في حال النجاح في مسعى الاستدانة الجماعية. وينقسم الأوروبيون إلى قسمين: الدافعين بشدة من جهة والمترددين من جهة أخرى. وكما في عام 2020، فإن دول الشمال تفرمل الاندفاعة بينما دول الجنوب الأوروبي متحمسة بشكل عام، وهو حال إيطاليا وإسبانيا واليونان... ويبرز، في هذا السياق، دور ألمانيا المؤثر الذي يحظى بدعم هولندا والدنمارك... وغيرهما. لكن المعلومات الواردة من بروكسل تفيد بأن المواقف متحركة والمرجح أن تتوصل العواصم الأوروبية إلى تفاهم في الأسابيع المقبلة.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة

«الشرق الأوسط» ( لندن)
أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

اثنان من المشتبه بهم في محاولة اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف «سيتم استجوابهما قريباً»، وفقاً لوسائل إعلام روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز) p-circle

مسيَّرات أوكرانية تهاجم مصنعاً روسياً لوقود الصواريخ

كشف مسؤول ​في جهاز الأمن الأوكراني، اليوم السبت، عن أن طائرات مسيَّرة أوكرانية هاجمت ‌مصنعاً لإنتاج مكونات ‌وقود ‌الصواريخ ⁠في ​منطقة ‌تفير غرب روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف - موسكو)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
TT

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة منذ قرابة 4 سنوات.

وأضاف أنه إذا لم يتم الوفاء بالموعد النهائي وهو يونيو (حزيران) المقبل، فمن المرجح أن تمارس إدارة ترمب ضغوطاً على كلا الجانبين.

وقال زيلينسكي إن واشنطن «عرضت لأول مرة أن يلتقي فريقا التفاوض في الولايات المتحدة، على الأرجح في ميامي، خلال أسبوع».

وتبادلت روسيا وأوكرانيا الاتهامات بقصف البنى التحتية في البلدين. وقالت كييف، أمس، إن قواتها قصفت مستودع نفط يُعرَف باسم «بالاشوفو» في منطقة ساراتوف الروسية. وبدورها شنَّت قوات موسكو هجوماً كبيراً على شبكة الطاقة الأوكرانية تسبب بانقطاع الكهرباء عن جزء كبير من البلاد، وأكدت أن صواريخها استهدفت مرافق البنية التحتية للطاقة والنقل في أوكرانيا.


تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

أعلن السفير الروسي لدى أرمينيا، سيرغي كوبيركين، أن روسيا تراقب من كثب مشروع «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين» الأرميني الأميركي، وأنها مستعدة لمناقشة إمكانية المشاركة في هذه المبادرة.

وحمل التصريح تطوراً في الموقف الروسي حيال النشاط الأميركي المتزايد في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت لقرون منطقة نفوذ حيوي لموسكو، والخاصرة الرخوة لروسيا التي شهدت مراراً تقلبات وتهديدات للنفوذ الروسي.

مصافحة ثلاثية بين دونالد ترمب وإلهام علييف ونيكول باشينيان في البيت الأبيض يوم 8 أغسطس 2025 بعد توقيع الاتفاق بين أرمينيا وأذربيجان (رويترز)

وفي إشارة إلى مشروع «ممر زنغزور» البري المثير للجدل الذي يربط أذربيجان بمنطقة نخجوان (ناخيتشيفان وفق التسمية الأرمينية) عبر جنوب أرمينيا، قال الدبلوماسي إن بلاده «تتابع التطورات المتعلقة بالمشروع، ونحن على استعداد للانخراط في مفاوضات ومناقشة إمكانية الانضمام إلى هذه المبادرة، مع الأخذ في الاعتبار -من بين أمور أخرى- التعاون الوثيق بين روسيا وأرمينيا في صيانة وتطوير قطاع سكك الحديد في جمهورية أرمينيا».

وكان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، قد أشار إلى هذا الموضوع بشكل مبهم في وقت سابق، عندما قال إن «التفاصيل العملية المحددة لهذا المشروع بدأت تتبلور للتو، وإن إطلاقه سيستغرق بعض الوقت».

من اليسار إلى اليمين: قادة أذربيجان وكازاخستان وروسيا وبيلاروسيا وأوزبكستان وطاجيكستان وأرمينيا يصلون إلى مقر قمة رابطة الدول المستقلة في دوشانباي يوم 10 أكتوبر (إ.ب.أ)

كما أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن روسيا مستعدة لاستكشاف الخيارات المتاحة لمشاركتها في المشروع، بما في ذلك الاستفادة من الخبرة الفريدة لشركة سكك الحديد الروسية.

وكانت موسكو قد أعربت عن تحفظ في وقت سابق على بعض تفاصيل الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن بين أرمينيا وأذربيجان في أغسطس (آب) من العام الماضي. وعلى الرغم من أنها رحبت بجهود السلام المبذولة بين باكو ويريفان فإن مسؤولين روساً أبدوا استياء واضحاً من التفاصيل المتعلقة بمنح الولايات المتحدة وجوداً مباشراً في المنطقة.

وكان الطرفان الأذري والأرميني قد وقَّعا اتفاقاً أولياً للسلام وإنهاء عقود من النزاع، خلال اجتماع عُقد برعاية أميركية، ولم تُدعَ إليه موسكو التي كانت وسيطاً مباشراً بينهما لعقود. وتضمن الاتفاق بشأن إرساء السلام وتعزيز العلاقات بين البلدين بنداً يتعلق بإنشاء ممر يربط أذربيجان بمنطقة ناخيتشيفان ذات الحكم الذاتي عبر أرمينيا، وكان يشكل نقطة خلافية جوهرية بينهما.

نقطة تفتيش أذربيجانية في ناغورنو كاراباخ خلال أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

ووافقت يريفان على التعاون مع الولايات المتحدة وأطراف ثالثة، لإنشاء الممر الذي بات يحمل تسمية «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين». وشكل التطور تهديداً مباشراً لمصالح روسيا وإيران في المنطقة؛ خصوصاً مع ازدياد الحديث عن دعوة شركات أميركية لتنفيذ المشروع، ما يعني تثبيت حضور أميركي اقتصادي وتجاري وأمني لفترة طويلة. وفي مقابل تجنب موسكو توجيه انتقاد مباشر لواشنطن، واكتفاء بعض المسؤولين بالإعراب عن استياء ضمني، عارضت إيران بقوة إنشاء الممر، خشية أن يؤدي إلى عزلها عن القوقاز، وجلب وجود أجنبي إلى حدودها.

وقبل أيام، أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال لقاء مع وزير الخارجية الأرميني أرارات ميرزويان، أن يريفان ستمنح واشنطن حصة في الممر على أراضيها. وقالت وزارة الخارجية إنه سيتم إنشاء شركة تكون ملكيتها تابعة للولايات المتحدة بنسبة 74 في المائة، وستتكلَّف بناء البنية التحتية للسكك الحديد والطرق على هذه القطعة من الأرض.

ويفترض أن يسمح المشروع باستثمارات أميركية، ووصول «المعادن الحيوية والنادرة» إلى السوق الأميركية، كما يحدد النص الإطاري لوزارة الخارجية.

وقال روبيو خلال هذا الاجتماع، إن «الاتفاق سيصبح نموذجاً للعالم؛ إذ سيُظهر كيف يمكننا الانفتاح على النشاط الاقتصادي والازدهار، دون المساس بالسيادة وسلامة الأراضي».

وأضاف: «سيكون هذا أمراً جيداً لأرمينيا، وجيداً للولايات المتحدة، وجيداً لجميع المعنيين»، مؤكداً أن إدارة ترمب ستعمل الآن «على تنفيذ الاتفاق».

رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان (يمين) يتبادل الاتفاقيات الموقعة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال اجتماعهما في يريفان (إ.ب.أ)

من جهته، أكد رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان أن أمن الممر الذي يربط أذربيجان بناخيتشيفان سوف تضمنه «أرمينيا وليس دولة ثالثة».

وترافق التطور في موقف روسيا حيال المشروع والبدء في الحديث عن استعدادها للانضمام إليه، مع توجيه موسكو إشارات إلى أرمينيا التي كانت حليفاً وثيقاً لروسيا قبل أن تتجه لتعاون أوسع مع أوروبا. وقبل أيام، قال الوزير لافروف، خلال لقائه برئيس الجمعية الوطنية الأرمينية، ألين سيمونيان: «آمل بصدق أن تُدرك أرمينيا تماماً ما يكمن وراء هذا الوضع؛ حيث أعلن الاتحاد الأوروبي وأعضاء حلف شمال الأطلسي الأوروبي الحرب صراحة على روسيا، بهدف إلحاق هزيمة استراتيجية بها. أتمنى بشدة ألا تهيمن رواية زرعت الشكوك -بل والأكاذيب- على الرأي العام في بلدينا». وأكد الوزير أن روسيا «لا تعترض أبداً على أي شريك يُطوِّر علاقات خارجية في أي اتجاه. فإن نظراءهم من الاتحاد الأوروبي يُخيِّرون الدولة المعنية باستمرار بين خيارين: إما معنا وإما معهم».


زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز)
جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز)
TT

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز)
جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز)

كشف الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة منذ قرابة 4 سنوات، مضيفاً أنه إذا لم يتم الوفاء بالموعد النهائي وهو يونيو (حزيران) المقبل، فمن المرجح أن تمارس إدارة ترمب ضغوطاً على كلا الجانبين للوفاء به.

وقال زيلينسكي في حديثه إلى الصحافيين: «يقترح الأميركيون أن ينهي الطرفان الحرب بحلول بداية هذا الصيف، ومن المحتمل أن يمارسوا ضغوطاً على الطرفين وفقاً لهذا الجدول الزمني تحديداً». وأضاف زيلينسكي أن واشنطن «عرضت لأول مرة أن يلتقي فريقا التفاوض في الولايات المتحدة، على الأرجح في ميامي، خلال أسبوع».

وتم حظر نشر تصريحات زيلينسكي حتى صباح السبت. وأضاف: «ويقولون إنهم يريدون القيام بكل شيء بحلول يونيو. وسيبذلون قصارى جهدهم لإنهاء الحرب. ويريدون جدولاً زمنياً واضحاً لجميع الأحداث».

الفريق الأميركي: المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاريد كوشنر (رويترز)

وتابع أن «الولايات المتحدة اقترحت عقد الجولة التالية من المحادثات الثلاثية، الأسبوع المقبل، بها للمرة الأولى. على الأرجح في ميامي. لقد أكدنا مشاركتنا».

يأتي الموعد النهائي في أعقاب محادثات ثلاثية بوساطة أميركية عقدت في أبوظبي ولم تسفر عن أي تقدم، حيث يتمسك الجانبان المتصارعان بمطالب حصرية. وتضغط روسيا على أوكرانيا للانسحاب من دونباس، حيث لا يزال القتال محتدماً، وهو شرط تقول كييف إنها لن تقبله على الإطلاق. وأقرَّ الطرفان بأن المحادثات كانت صعبة.

وأعرب زيلينسكي مراراً عن استيائه لمطالبة بلاده بتقديم تنازلات غير متناسبة بالمقارنة مع ما يُطلب من روسيا. واقترحت أوكرانيا تجميد النزاع على خطوط الجبهة الحالية، لكن روسيا رفضت ذلك.

قال زيلينسكي السبت، كما نقلت عنه وكالات دولية عدة، إن ممثلي الولايات المتحدة في أبوظبي اقترحوا مجدداً هدنة في مجال الطاقة، وافقت أوكرانيا عليها، لكن روسيا لم تقدم موافقتها بعد، حسبما أفادت وكالة الأنباء الوطنية الأوكرانية (يوكرينفورم). وأضاف زيلينسكي: «اقترحت الولايات المتحدة أن يدعم الجانبان مجدداً مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لخفض التصعيد فيما يتعلق بمجال الطاقة، حيث أكدت أوكرانيا دعمها للاقتراح، ولكن روسيا لم ترد بعد». وأشار زيلينسكي إلى أن الروس عادة ما يردون على مثل هذه المبادرات بعد العودة إلى روسيا. وأضاف عارضاً نتائج المحادثات التي جرت الأربعاء والخميس في أبوظبي أن «أوكرانيا أعطت موافقتها على هذا اللقاء الجديد».

كثَّفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في الأسابيع الأخيرة، مساعيها لوضع حد للحرب المستمرة منذ نحو 4 سنوات، غير أن هذه المساعي لا تزال تتعثر عند مسألة المناطق التي تطالب بها موسكو.

الوفد الأوكراني برئاسة رستم عمروف (رويترز)

وتطالب روسيا التي تحتل نحو 20 في المائة من الأراضي الأوكرانية بالسيطرة على كامل منطقة دونيتسك الشرقية ضمن أي اتفاق لإنهاء الحرب، ما يعني انسحاب القوات الأوكرانية من المساحات التي لا تزال تسيطر عليها في المنطقة. وتهدد موسكو باحتلالها بالقوة في حال فشل المفاوضات.

في المقابل، ترفض أوكرانيا هذا المطلب، وتطالب من أجل توقيع أي اتفاق أن ينصَّ على ضمانات أمنية بعدم التعرُّض لغزو روسي جديد في المستقبل.

مفاوضات أبوظبي الثلاثية أفضت إلى عملية تبادل أسرى وجثامين جنود قتلى من دون إحراز تقدم بشأن مسألة الأراضي الشائكة.

الوفد الروسي برئاسة مدير الاستخبارات العسكرية إيغور كوستيوكوف (رويترز)

وتضغط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على موسكو وكييف لوضع حد للحرب المستمرة بينهما منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، والذي سيدخل عامه الخامس مع نهاية الشهر الحالي. وأكد زيلينسكي مرة جديدة أن بلاده لن تقبل باتفاقات تبرمها الولايات المتحدة مع روسيا ولا تشارك كييف في المحادثات بشأنها. وقال زيلينسكي: «إن أي اتفاق بشأن أوكرانيا لا يمكن أن يتعارض مع الدستور والقوانين الأوكرانية».

شنَّت روسيا هجوماً كبيراً على شبكة الطاقة الأوكرانية تسبب بانقطاع الكهرباء عن جزء كبير من البلاد، بحسب ما أفادت شركة تشغيل الكهرباء، السبت. وبدورها أكدت وزارة الدفاع الروسية استهداف صواريخها مرافق البنية التحتية للطاقة والنقل في أوكرانيا.

وحدة أوكرانية تطلق قذيفة مدفعية باتجاه مواقع روسية في منطقة خاركيف 2 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

وتبادلت روسيا وأوكرانيا الاتهامات وقصف البنية التحتية، خصوصاً مرافق الطاقة. وقالت هيئة الأركان العامة للجيش الأوكراني، السبت، إن القوات الأوكرانية قصفت مستودع نفط يُعرَف باسم «بالاشوفو» في منطقة ساراتوف الروسية. وأضافت، في بيان على تطبيق «تلغرام»، أن القوات قصفت أيضاً مراكز عدة للتحكم في الطائرات المسيّرة موجودة في الأراضي التي تحتلها روسيا.

وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في منشور على «إكس»، السبت، إن محطات الطاقة النووية الأوكرانية خفَّضت إنتاجها؛ بسبب تأثير تجدد الأنشطة العسكرية على محطات الكهرباء الفرعية، وفصل بعض خطوط الكهرباء.

وقال الرئيس الأوكراني إن روسيا استهدفت أوكرانيا ليلاً بأكثر من 400 طائرة مسيّرة، ونحو 40 صاروخاً من أنواع مختلفة. وأكد زيلينسكي، في منشور عبر منصة «إكس»، أن الغارات الليلية الروسية استهدفت بشكل رئيسي شبكة الطاقة ومحطات التوليد والتوزيع، وتم الإبلاغ عن وقوع أضرار في مناطق كثيرة من البلاد.

وانتقد الرئيس الأوكراني روسيا قائلاً إنها تختار شن مزيد من الهجمات كل يوم عن الدبلوماسية الحقيقية. وطالب دول العالم التي تدعم المفاوضات الثلاثية بين بلاده والولايات المتحدة وروسيا بالرد على تلك الهجمات. وأردف: «يجب حرمان موسكو من قدرتها على استخدام الطقس البارد سلاحاً ضد أوكرانيا».

وقال وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها إن الهجمات الروسية أدت إلى انقطاع التيار الكهربائي والتدفئة عن المدن والمجتمعات، خصوصاً في غرب أوكرانيا، وطالب بمحاسبة المسؤولين عنها. وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الجمعة، فرض حظر كامل على الخدمات البحرية المتعلقة بالنفط الخام الروسي ضمن الحزمة العشرين من العقوبات على روسيا.

موظف بشركة طاقة يتفقد محولاً كهربائياً بعد أن ألحقت غارات جوية روسية بطائرات مسيّرة وصواريخ أضراراً بالغة بالبنية التحتية المدنية الحيوية في كييف (رويترز)

من جانب آخر أعادت السلطات البولندية فتح مطارَي لوبلين وجيشوف، اليوم (السبت)، بعد إعلانها انتهاء عمليات ​جوية عسكرية شملت تحليق طائرات لحلف شمال الأطلسي في المجال الجوي للبلاد، وذلك بسبب القصف الروسي في أوكرانيا. وذكرت قيادة العمليات بالقوات المسلحة البولندية أنه لم تقع أي انتهاكات للمجال الجوي للبلاد. وفي منشور على منصة ‌«إكس»، شكرت القيادة ‌حلف شمال الأطلسي ‌والقوات ⁠الجوية ​الألمانية «التي ‌ساعدت طائراتُها في ضمان السلامة في الأجواء البولندية اليوم». وقالت: «انتهت عمليات الطيران العسكري في مجالنا الجوي، المتعلقة بالضربات التي شنتها روسيا الاتحادية على أوكرانيا».