مصر: نقلة في الخطاب الديني تطول «مسلَّمات» وتُفجّر جدلاً

علماء ومعلقون انقسموا إزاء تصريحات علي جمعة «الجريئة»

علي جمعة (صفحته على «فيسبوك»)
علي جمعة (صفحته على «فيسبوك»)
TT

مصر: نقلة في الخطاب الديني تطول «مسلَّمات» وتُفجّر جدلاً

علي جمعة (صفحته على «فيسبوك»)
علي جمعة (صفحته على «فيسبوك»)

حالة من الجدل أثارها برنامج ديني يُذاع على التلفزيون المصري خلال شهر رمضان، يُجري خلاله مفتي مصر السابق د.علي جمعة حواراً مفتوحاً مع فئات متنوعة من الجمهور، بينهم أطفال ومراهقون، ويرد على أسئلتهم التي تتطرق غالباً إلى قضايا حياتية ذات حساسية اجتماعية مثل العلاقة بين الشباب والفتيات، أو متعلقة بموقف الإسلام من الأديان الأخرى.

البرنامج تسبب في انقسام واضح ما بين مؤيدين عدّوه أحد أشكال «تجديد الخطاب الديني»؛ إذ يقدم رؤية وُصفت بـ«التنويرية» لقضايا ومسلّمات عديدة ظلّت راسخة في أذهان قطاعات واسعة من الجمهور دون مراجعة جادة من جانب علماء ومتخصصين. فيما رأى منتقدون للبرنامج أن الطرح الذي يقدمه «يخالف المألوف» ويمثل «تبسيطاً مخلاً» لعديد من القضايا الخلافية التي سبق لكثير من العلماء أن أبدوا رأياً بشأنها.

إحدى حلقات برنامج «نور الدين» الذي يُعرض في رمضان على التلفزيون المصري

حالة من الجدل

وخلال بعض حلقات البرنامج الذي حمل عنوان «نور الدين» وبدأ عرضه أول أيام شهر رمضان على القناة الأولى (الرسمية) بالتلفزيون المصري، أكد جمعة في إجاباته عن أسئلة الحاضرين من الشباب والأطفال أن «الجنة ليست حكراً على المسلمين فقط»، وأن غيرهم من الأديان الأخرى أيضاً سيدخلون الجنة، وفسّر ذلك مستعيناً ببعض آيات القرآن الكريم.

كما سُئل عن العلاقة بين الجنسين في سن المراهقة وحكم الشرع حيال شاب أخبر فتاة بأنه يحبها، ليردّ الشيخ قائلاً: «لو أبوها عارف يبقى عادي»، مضيفاً أن خروج الولد والبنت معاً ضمن «شلة»، (جماعة)، ليس حراماً، وأن «الصداقة بين الجنسين مباحة ما دام فيها عفاف، أي خالية من المحرمات والسرّية».

كما سُئل المفتي السابق إن كان الاحتفال بالكريسماس حلالاً أم حراماً فأكد أنه «جائز لأنه احتفال بالأنبياء»، شارحاً أن «الاحتفال بالسنة بالميلادية الجديدة يعني الاحتفال بعيد ميلاد المسيح وهو ميلاد معجزة، والقرآن أقرّ بها، وجعلها عيد محبة وسلام».

وفي إحدى حلقات البرنامج، قال علي جمعة إن «الخطاب الذي ندعو به الناس لا بد أن تكون فيه دعوة إلى الرحمة والحب لا إلى الكراهية»، وأضاف: «يوم القيامة وارد ربنا يلغي النار ويدخل كل الناس الجنة (هو فعّال لما يريد)، وكثير من علماء المسلمين قالوا إنه وارد، فالعلاقة مع الله يجب أن تُبنى على الحب، والأمل، والتفاؤل، والرحمة».

هذه الإجابات التي بدت صادمة لكثير من المتابعين تسببت في حالة من الجدل، لم تقتصر فقط على رواد مواقع التواصل الاجتماعي، بل امتدت كذلك إلى المتخصصين الذين تباينت آراؤهم بشأن ما قدمه جمعة.

جانب من إحدى حلقات برنامج «نور الدين» الذي يُعرض في رمضان على التلفزيون المصري

اجتزاء وترصُّد

الشيخ أحمد ترك، وهو داعية إسلامي ومن علماء الأزهر الشريف، رأى أن علي جمعة «لم يقدم في برنامجه جديداً»، مضيفاً أن ما قاله وعدّه البعض «صادماً» معلَن ومدوَّن في كتب المفتي السابق منذ سنوات طويلة، إلا أنه أشار إلى أن التعامل مع الوسائل الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي يتطلب أسلوباً خاصاً كي لا يُساء فهم ما يقدَّم من محتوى.

وأرجع ترك في حديثه لـ«الشرق الأوسط» حالة الجدل التي تسببت فيها آراء جمعة إلى ما وصفه بـ«الاجتزاء من السياق»، وهو ما يُخرج الحديث عن معناه المقصود، إضافةً إلى ما رأى أنها «حالة ترصد» بالمفتي السابق من جانب كثير ممّن يعترضون ليس فقط على آرائه وفتاواه، بل على مواقفه السياسية بالأساس.

وتعرض جمعة لمحاولة اغتيال في أغسطس (آب) عام 2016، وأدان القضاء المصري عدداً من عناصر تنظيم «حسم» التابع لـ«الإخوان» بتلك المحاولة، فقد كانت لجمعة مواقف سياسية عديدة مناوئة لـ«الإخوان».

ولطالما شن إعلاميون وصفحات معروفة بدعمها لتنظيم «الإخوان» هجوماً شرساً على المفتي السابق، وتجدد هذا الهجوم مع بث برنامج «نور الدين»، وظهر عدد من الإعلاميين الداعمين لتنظيم «الإخوان» في مقاطع مصورة وهم يوجهون انتقادات حادة إلى جمعة، لم تقتصر فقط على محتوى ما قدمه من آراء، بل ذهبت كذلك إلى «تسييس» القضية وعدّها «موقفاً رسمياً ضد الدين».

ضربة فقهية

في المقابل، رأى الكاتب والباحث المصري د.محمد الباز، البرنامج «ضربة فقهية راقية ومتحضرة كشف د.علي جمعة بها عورة جماعة الإخوان الإرهابية من جديد». وأضاف في تدوينة له على حسابه بموقع «فيسبوك» أن جمعة «لم يقل هذا الكلام من عنده بل استند إلى القرآن الكريم»، لافتاً إلى أن «جماعة الإخوان الإرهابية، دفعت لجانها الإلكترونية للهجوم على جمعة». ووصف الباز «الإخوان» بأنهم «جهلة يُدينون أنفسهم بما يقولون».

لكنَّ الخلاف مع ما طرحه مفتي مصر السابق لم يقتصر على «خصومه» السياسيين، بل امتد كذلك إلى بعض «مؤيديه» ممن رأوا أن البرنامج «يحتاج إلى إعادة نظر»، في كثير من الأسئلة التي تُطرح، وفي الجواب عنها، وفي كيفية إدارة الحوار، نظرا لمكانة الشيخ، ومفصلية الأسئلة وحساسيتها، وكون البرنامج مذاعاً على الفضائيات، ويشاهده الملايين.

وذهب إلى هذا الرأي أستاذ الحديث الشريف وعلومه بجامعة الأزهر د.محمد إبراهيم العشماوي، الذي عدَّ البرنامج «محاولة جادة لاقتحام هذا المجال الشائك الذي أحجم كثيرون عن اقتحامه»، لكنه أضاف: «نوافق الرجل في رؤيته ومنهجه إجمالاً، ونخالفه في كثير من مفرداته».

ورأى العشماوي أن الموقف مما طرحه جمعة يتزعمه فريقان: «فريق بالغ في التعصب له، وفريق بالغ في الإساءة إليه»، مضيفاً في تدوينة له على صفحته الشخصية، أنه «يبقى الرجل في نهاية المطاف بشراً من البشر، له صوابه، وعليه خطأه، ولا معصوم إلا الأنبياء».

جدل متكرر

هذا الجدل بشأن الآراء الدينية والفتاوى ليس جديداً على المجتمع المصري، فمن فترة إلى أخرى يبرز هذا الاختلاف إزاء آراء مغايرة لما اعتاده الجمهور من آراء باتت بمرور الزمن نوعاً من «المسلَّمات».

وعرفت الحياة المصرية على مدى عقود طويلة كثيراً من حالات الجدل التي تثيرها آراء دينية، فقد خاض الإمام محمد عبده (1849 – 1905)، الذي شغل منصب مفتي الديار المصرية في عام 1899 سجالات شهيرة مع كثير من رجال الأزهر بسبب فتاواه التي وُصفت حينها بـ«المتحررة»، كما اتُّخذ قراراً بسحب شهادة العالمية الأزهرية من الشيخ علي عبد الرازق (1888 - 1966) بعد تأليفه كتاب «الإسلام وأصول الحكم» الذي صدر عام 1925 يدعو إلى فصل الدين عن السياسة.

ويرى أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة القاهرة د.شريف عوض، أن الفكر المتطرف الذي تسلل إلى المجتمع المصري خلال السنوات الماضية وضع تفسيرات خاطئة لعديد من القضايا الدينية، كما أدت هيمنة ذلك الخطاب المتشدد لدى العديد من الفئات إلى بناء «عقلية انغلاقية» لا تستطيع مواجهة الفكر والرأي المختلف بانفتاح وحوار بنّاء.

وأضاف عوض لـ«الشرق الأوسط» أن إفساح المجال للخطاب الديني البعيد عن الوسطية أدى إلى أن يلجأ كثيرون إلى مواجهة أي أفكار مختلفة خصوصاً في المجال الديني بحالة من الرفض والمقاومة، في حين تلقى أفكار تقليدية مثل تعدد الزوجات وضرب الزوجة والعنف الأسري وتسلط الرجل... رواجاً كبيراً بوصفها ذات أصل ديني رغم عدم صحة ذلك.

وأشار أستاذ علم الاجتماع إلى أن طرح خطاب ديني معتدل ومنفتح «مسألة ضرورية، لكنها ليست سهلة»، مشيداً بفكرة أن يبدأ الحوار الديني مع الأطفال والمراهقين بانفتاح ودون تحجيم لأسئلتهم، بل عبر الرد بمنطق وأسلوب مقنع، عادّاً أن ذلك «إسهاماً جاداً في تفكيك العقلية المنغلقة التي تخشى طرح الأسئلة، أو تعتمد على تقديم إجابة تقليدية».


مقالات ذات صلة

لعنة الجزيرة الغامضة وأزمات غرفة الطوارئ... «ويدوز باي» و«ذا بِت» نجما حفل «إيمي»

يوميات الشرق «Widow's Bay» الفائز الأكبر بجوائز «إيمي» كتابةً وإخراجاً وتمثيلاً (إ.ب.أ)

لعنة الجزيرة الغامضة وأزمات غرفة الطوارئ... «ويدوز باي» و«ذا بِت» نجما حفل «إيمي»

حفل «إيمي» يتوّج أفضل مسلسلات العام والممثل ماثيو ريس يحقق إنجازاً تاريخياً بفوزه عن فئتَي الكوميديا والدراما القصيرة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق لا يستقبل ضيفاً لا يقتنع به مهما بلغت أهميته (فيسبوك)

رودولف هلال: مَن ينسحب من برنامجي أكون قد كشفتُ كذبه

مؤخراً، بدأ رودولف هلال إلى جانب عمله التلفزيوني، بإقامة حفلات لنجوم من الزمن الجميل...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق حصدت مؤخراً جائزة «موركس دور» لأفضل ممثلة لبنانية عن دور أول (إنستغرام)

كارمن بصيبص لـ«الشرق الأوسط»: سرتُ في طريقي ولم أتأثّر بما يدور حولي

ترى كارمن بصيبص أنّ الأعمال المعرّبة تبقى ظاهرة ناجحة ما دامت تحظى بإقبال كبير من المُشاهد العربي.

فيفيان حداد (بيروت)
أوروبا دخان يتصاعد في مدينة كييف الأوكرانية خلال غارة روسية بطائرة مسيّرة في خضم الهجوم الروسي على أوكرانيا... 8 سبتمبر 2026 (رويترز)

هجوم بمسيّرة روسية يلحق أضراراً بقناة تلفزيونية أوكرانية

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن ضربة روسية بطائرة مسيّرة ألحقت أضراراً بمبنى قناة «ماي أوكرانيا» التلفزيونية الأوكرانية في كييف اليوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)
يوميات الشرق ديناميّة جديدة في العلاقة بين «إدي» و«سوزي» في الموسم الثاني من «ذا جنتلمن» (نتفليكس)

«ذا جنتلمن»... لا بدّ من موسم ثالث لكن من دون ميغان ماركل

مسلسل الكوميديا السوداء والتشويق «ذا جنتلمن» يعود إلى «نتفليكس» في موسمٍ ثانٍ، والمافيا الإيطالية تدخل على خط تصنيع الحشيشة في دهاليز القصور التاريخية.

كريستين حبيب (بيروت)

باحثون ليبيون يسابقون الزمن لترميم حصون رومانية في ليبيا

 موقع «قصور الغليثة» الأثري  (رويترز)
موقع «قصور الغليثة» الأثري (رويترز)
TT

باحثون ليبيون يسابقون الزمن لترميم حصون رومانية في ليبيا

 موقع «قصور الغليثة» الأثري  (رويترز)
موقع «قصور الغليثة» الأثري (رويترز)

يسابق فريق من الباحثين والخبراء بهيئة آثار بنغازي الزمن لإنقاذ موقع «قصور الغليثة» الأثري غربي المدينة، عبر مبادرات ذاتية وجهود فردية، في ظل غياب للدعم المالي واللوجستي من الجهات الرسمية المعنية.

موقع «قصور الغليثة» الأثري (رويترز)

تقع قصور الغليثة في منطقة تيكا، على بُعد نحو 15 كيلومتراً غرب بنغازي، ويضم الموقع حصوناً عسكرية فريدة تعود أصولها التاريخية إلى الفترة الرومانية، في القرن الثاني الميلادي تقريباً، حيث شُيدت خطوط دفاع وحصون عسكرية لحماية الأطراف الغربية لمدينة بنغازي القديمة، التي كانت تسمى تاريخياً «برنيق»، والمدن المجاورة من الهجمات والغارات العسكرية.

وتشير الاكتشافات الميدانية في الموقع كذلك إلى وجود بقايا لمعاصر زيتون وصهاريج مياه، مما يبرز دور الموقع كمركز إداري وزراعي كبير في ذلك العصر إلى جانب وظيفته العسكرية.

وتتركز الأعمال الميدانية الحالية على رفع الأتربة والأعشاب الضارة التي تتسبب في تآكل الحجارة، وتدعيم الجدران والأقواس الأثرية لحمايتها من عوامل التعرية والتآكل، إلى جانب التوثيق العلمي المستمر لتسجيل التغيرات الهيكلية للموقع.

موقع «قصور الغليثة» الأثري (رويترز)

وقال جلال العبيدي، الباحث الأثري بمراقبة آثار بنغازي: «نوجد اليوم في الموقع لإعادة ترميم وتأهيل (العقد المنهار) في الطابق الثاني، وهو جزء تعرض للانهيار منذ سبعينات أو ثمانينات القرن الماضي. إن إعادة ترميم هذا الصرح كانت حلماً يراودنا منذ عشرات السنين، ورغم قلة الإمكانات وعدم تلقينا أي دعم مالي أو لوجستي من مصلحة الآثار أو وزارة السياحة، فإننا ماضون في عملنا».

وأضاف أن الفريق أعد مقترح عمل دقيقاً يعتمد على الأسس العلمية لإعادة البناء، مشيراً إلى أن العمل «يتطلب دقة معمارية عالية في التعامل مع الحجارة الضخمة والأقواس المتداخلة، وهو ما يُعد تحدياً نادراً ما تجرؤ حتى البعثات الأجنبية على تنفيذ مثيله بمفردها، وفي ظل هذه الظروف».

وأكد العبيدي أن الخبراء مستمرون في تجميع الحجارة الأصلية وتنظيف الموقع للوصول إلى صيانة كاملة تُعيد للقصور رونقها، تمهيداً لتأهيلها لتكون واجهة سياحية ومقصداً لزوار مدينة بنغازي.

ويرى القائمون على المشروع أن استمرار أعمال الترميم يشكل «واجباً وطنياً» للحفاظ على الذاكرة التاريخية والإرث الحضاري لشرق ليبيا، داعين إلى تضافر الجهود وتسليط الضوء على هذه المواقع لتوفير الموارد اللازمة لاستكمال أعمال الحماية قبل فوات الأوان.


«للسيدات فقط»... يحاول الوصول إلى ما بعد المحطة النهائية

اعتمد العرض على ممثلات غير محترفات (إدارة مهرجان إيزيس المسرحي)
اعتمد العرض على ممثلات غير محترفات (إدارة مهرجان إيزيس المسرحي)
TT

«للسيدات فقط»... يحاول الوصول إلى ما بعد المحطة النهائية

اعتمد العرض على ممثلات غير محترفات (إدارة مهرجان إيزيس المسرحي)
اعتمد العرض على ممثلات غير محترفات (إدارة مهرجان إيزيس المسرحي)

يضع العرض المسرحي المصري «للسيدات فقط... حتى التاسعة مساءً» مجموعة من النساء في موقف استثنائي يبدأ بتوقف عربة مترو الأنفاق عند الثامنة وخمس وخمسين دقيقة، داخل المساحة المغلقة، لتجد 9 نساء ورجل وطفلان أنفسهم مضطرين إلى الانتظار معاً، وتتحول الرحلة اليومية إلى مساحة تتقاطع فيها الحكايات والاعترافات، مظهرة جوانب من حياة الشخصيات لم يكن من المفترض أن تخرج إلى العلن.

ومع استمرار الانتظار، تتغير طبيعة العلاقة بين النساء داخل العربة، فكل واحدة تصل إلى المكان وهي تحمل تجربتها الخاصة، لكن الموقف يجبرهن على الاقتراب من بعضهن البعض، والاستماع إلى ما تمر به الأخريات، ومن هنا يبدأ العرض في طرح فكرة الدعم بين النساء باعتبارها علاقة تتشكل من الاحتياج الإنساني، وليس من مجرد موقف معلن أو شعار.

وينتمي العرض إلى مساحة الواقعية السحرية، إذ تنطلق أحداثه من واقعية عربة المترو بكل ما تحمله من تفاصيل يومية، قبل أن تنفتح تدريجياً على عوالم الشخصيات الداخلية، تظهر «منال»، التي تعاني أحلام اليقظة، في استعراض يكشف علاقتها بوالدها ومراحل رعايتها له، قبل أن يتسع المشهد ليستحضر علاقات الرعاية التي تربط مختلف الشخصيات، أما «حنان»، بائعة المترو، فتحول شغفها بحكايات النساء اللواتي يعبرن العربة إلى استعراض آخر تتخيل فيه مصائرهن خارج المترو، حيث يعدن إلى حياتهن وهن أكثر سعادة وطمأنينة، فيتحول الحلم إلى مساحة تمنح الشخصيات حياة أخرى تتجاوز واقعها المأزوم.

جانب من حضور العرض المسرحي (إدارة مهرجان إيزيس المسرحي)

ويكشف العرض الذي قُدم ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس الدولي لمسرح المرأة» في القاهرة، أن التضامن لا يعني بالضرورة تشابه النساء أو اتفاقهن في كل شيء، على العكس، تظهر الاختلافات بين الشخصيات، وتخرج معها مشاعر القلق والخوف والتوتر، لكن هذه المساحة المشتركة تتيح لهن اكتشاف أن التجارب الفردية يمكن أن تجد صدى لدى أخريات.

ويأخذ المكان أهمية خاصة في بناء فكرة المسرحية، فعربة المترو التي صُممت أساساً للعبور تتحول إلى مكان لا يستطع أحد مغادرته، ومع توقفها، تتوقف الحياة اليومية مؤقتاً، وتضطر الشخصيات إلى التعامل مع بعضها البعض بدل الاستمرار في طريقهن، فيما يستخدم العرض الذي قدمته فرقة «شخلعة» التمثيل والحكي والحركة الراقصة لبناء عالمه داخل العربة.

العرض بطولة أحمد جمال، شيماء محمد، نجوى أحمد، أليكس هاني، حنين طارق، مارينا شنودة، آية زهير، أميرة محمد عزو، لولا طارق، آسيا علي وروان هيثم، فيما يحل الفنان عزت زين ضيف شرف في الأحداث وتولت آسيا علي مسؤولية التصميم الحركي، وهو من كتابة وإخراج مي عامر وقدم للمرة الأولى مساء الأحد في القاهرة.

تقول المخرجة مي عامر لـ«الشرق الأوسط»، إن «تجربة فرقة (شخلعة) مبنية في الأساس على منح النساء غير المحترفات مساحة لاكتشاف قدراتهن الفنية وتقديم عروض مسرحية»، موضحة أن «الفرقة تعمل منذ فترة مع سيدات لديهن رغبة في اكتشاف الجانب الفني لديهن، وخضعن لتدريبات متعددة، بالتوازي مع اهتمام المشروع بقضايا النساء وما يتعرضن له في حياتهن اليومية».

العرض يناقش المشكلات التي تواجه النساء في المترو (إدارة مهرجان إيزيس المسرحي)

وأضافت أن فكرة العرض بدأت قبل نحو عام، من تساؤل حول طبيعة ما يحدث في الأماكن التي تجتمع فيها النساء وحدهن، ومنها جاءت فكرة عربة السيدات في المترو. ومع البحث في هذه المساحة، اكتشفت الفرقة أن توقف المترو أو تأخره مرّ به عدد من النساء، وأن هذه اللحظات غير المخطط لها يمكن أن تفتح باباً لحكايات وتجارب كثيرة، وهو ما دفع الفريق إلى تحويلها إلى مادة درامية تستكشف حياة النساء وما يختبئ خلف تفاصيل الرحلات اليومية.

وأوضحت عامر أن إعلان مهرجان «إيزيس» عن «حاضنة نهاد صليحة»، واختيار الرعاية محوراً لها، شجع الفرقة على التقدم بالمشروع، لأن الفكرة ترتبط بالعلاقات والرعاية والتضامن بين النساء، وبعد لقاءات مع فريق المهرجان والمسؤولين عن الحاضنة، بدأ العمل على تطوير الفكرة مع الكاتبة والناقدة رشا عبد المنعم من خلال الاعتماد على سيدات شاهدن بعض القصص التي يتناولها المشروع أو مررن بتجارب مشابهة، وهو ما جعل الفريق حريصاً على أن تكون الدراما أقرب إلى الواقع، وأن تظل الشخصيات متصلة بأصحاب تجارب حقيقية.

قًدّم العرض ضمن فعاليات مهرجان إيزيس (إدارة مهرجان إيزيس المسرحي)

وأشارت إلى أن بناء الشخصيات تم من خلال كتابة جماعية وجلسات مطولة، جرى خلالها جمع القصص التي يمكن أن تتقاطع داخل العرض وربطها درامياً. وكان التصور يقوم على مجموعة نساء ورجل يتحدثون عن الأشياء التي يرونها أو مروا بها، قبل أن تتحول الحكايات إلى شخصيات ومواقف مترابطة، لافتة إلى أن 8 شخصيات اعتمدن على قصص حقيقية لبطلات العرض أنفسهن، بينما جاءت الشخصية التاسعة من قصة أخرى وجد الفريق أنها تصلح لأن تصبح جزءاً من هذا العالم.

وفي الختام أكدت أن العمل مع غير المحترفات يمثل تحدياً من نوع مختلف، فالصعوبة الأساسية ليست في الأداء، بقدر ما تتعلق بالالتزام بمواعيد التدريبات، بسبب ارتباط المشاركات بأعمالهن وحياتهن الخاصة. لكنها ترى في المقابل أن قرب المؤديات من الشخصيات التي يجسدونها يمثل عنصراً أساسياً في التجربة، لأنها تفضل أن تظل الشخصية المسرحية قريبة من طبيعتها الحقيقية، بدل تقديم أداء منفصل تماماً عن تجارب صاحباتها.

يشار إلى أن العرض من بطولة أحمد جمال، شيماء محمد، نجوى أحمد، أليكس هاني، حنين طارق، مارينا شنودة، آية زهير، أميرة محمد عزو، لولا طارق، آسيا علي وروان هيثم، فيما يحل الفنان عزت زين ضيف شرف في الأحداث، وتولت آسيا علي مسؤولية التصميم الحركي، ومن كتابة وإخراج مي عامر وقدم للمرة الأولى مساء الأحد في القاهرة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«ألِف» أبي سعد يحيي أمسية موسيقية في الرياض

عازف البيانو «ألِف» في إحدى حفلاته الموسيقية (شركة الفنان)
عازف البيانو «ألِف» في إحدى حفلاته الموسيقية (شركة الفنان)
TT

«ألِف» أبي سعد يحيي أمسية موسيقية في الرياض

عازف البيانو «ألِف» في إحدى حفلاته الموسيقية (شركة الفنان)
عازف البيانو «ألِف» في إحدى حفلاته الموسيقية (شركة الفنان)

يستعد عازف البيانو والملحن اللبناني فادي أبي سعد، المعروف فنياً باسم «ألِف»، لإحياء أمسية موسيقية على مسرح بكر الشدي في العاصمة الرياض، في 2 أكتوبر (تشرين الأول)، برفقة فرقته الموسيقية. ويقدِّم خلال الحفل مجموعة من أعماله في عرض يجمع بين العزف والارتجال والتفاعل مع الجمهور.

تمزج موسيقى «ألِف» بين تأثيرات شرقية وغربية. فقد انطلق من تكوين كلاسيكي، ومن ثَمَّ اتسعت اهتماماته لتشمل «التانغو» و«الفلامنكو» و«الجاز الغجري» و«الموسيقى الكوبية»، ليصبح الانتقال بين هذه الأنماط سمة في مؤلفاته وتوزيعاته وعروضه الحية.

هوية موسيقية عابرة للأنماط

بدأت علاقة «ألِف» بالبيانو في طفولته بلبنان، ودرس لاحقاً نظرية الموسيقى والهارموني. وإلى جانب عمله عازفاً وملحناً وموزعاً وقائد فرقة، يتولى الإدارة الفنية لشركة «8e Art Entertainment»، التي أسَّسها مع شقيقه بيار أبي سعد عام 2003. وتذكر سيرته المنشورة على موقعه أنه أصبح من فناني «Steinway» في العام نفسه.

وعرفه الجمهور اللبناني أيضاً عازفاً للبيانو مع فرقته في البرنامج الموسيقي «هيك منغني» على شاشة «إم تي في» اللبنانية.

من الشاشة إلى المسارح الدولية

شارك «ألِف» في عروض على مسارح وفي مهرجانات داخل لبنان وخارجه، من بينها «أولمبيا» في باريس، وقاعة «بيار بوليز» في برلين، ومهرجان بيبلوس الدولي في لبنان.

وشملت مسيرته مشاركات في مهرجانات بيت الدين في لبنان، والحمامات في تونس، و«Lent» في سلوفينيا، و«WOMEX» في نيوكاسل، و«Jazz Meets World» في براغ، إضافة إلى عروض في أمستردام ومونتريال. وتأتي أمسية الرياض محطة جديدة في مسيرته الموسيقية.