ماكرون: مستعدون لكل الاحتمالات في أوكرانيا

الرئيس الفرنسي قال إن حلفاء كييف هدفهم منع بوتين من الانتصار في الحرب

صورة مركبة لقادة «مثلث فيمار» الذين يعقدون قمة في برلين الجمعة لتعزيز الدعم العسكري لأوكرانيا (أ.ف.ب)
صورة مركبة لقادة «مثلث فيمار» الذين يعقدون قمة في برلين الجمعة لتعزيز الدعم العسكري لأوكرانيا (أ.ف.ب)
TT

ماكرون: مستعدون لكل الاحتمالات في أوكرانيا

صورة مركبة لقادة «مثلث فيمار» الذين يعقدون قمة في برلين الجمعة لتعزيز الدعم العسكري لأوكرانيا (أ.ف.ب)
صورة مركبة لقادة «مثلث فيمار» الذين يعقدون قمة في برلين الجمعة لتعزيز الدعم العسكري لأوكرانيا (أ.ف.ب)

استبق الرئيس الفرنسي قمة «مثلث فيمار» التي ستلتئم، الجمعة، في برلين بمشاركة قادة أطرافها الثلاثة (ألمانيا وبولندا وفرنسا)، والمخصصة لتعزيز الدعم لأوكرانيا في حربها مع روسيا التي تدخل، الأسبوع المقبل، عامها الثالث، بتكثيف الضغوط على شريكيه المستشار الألماني أولاف شولتس، ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، وعلى الاتحاد الأوروبي بشكل عام.

الرئيس الفرنسي خلال الحديث التلفزيوني المطول من قصر الإليزيه ليل الخميس ــ الجمعة (أ.ف.ب)

وفي مقابلة تلفزيونية مطولة، ليل الخميس ــ الجمعة، دافع إيمانويل ماكرون عن مواقفه السابقة التي أثارت جدلاً داخل فرنسا وخارجها والمتمثلة في عدم استبعاد إرسال قوات فرنسية وأوروبية إلى أوكرانيا لمواجهة روسيا، الأمر الذي أثار موجة من الانتقادات من غالبية الأحزاب الفرنسية خصوصاً من شركاء باريس الأميركيين والأوروبيين.

الرئيس الفرنسي مستقبلاً رئيس وزراء بولندا في قصر الإليزيه في 12 فبراير الماضي (رويترز)

وجاء أقوى رد من شولتس الذي أكد أن توافق الغربيين منذ بدء الحرب الأوكرانية على الامتناع عن نشر قوى على الأراضي الأوكرانية، والابتعاد عن عَدِّهِمْ شركاء في الحرب كان معمولاً به منذ عامين، وما زال قائماً. وتحدث ماكرون للقناتين الرئيسيتين في فرنسا (الأولى والثاني) عارضاً حججه، وساعياً لإقناع مواطنيه والآخرين بصواب مواقفه.

منع انتصار روسيا أو إلحاق الهزيمة بها؟

بداية، حدد ماكرون الهدف المشترك الذي يتعين على الجميع الالتزام به، وهو أنه «لا يتعين السماح لروسيا بأن تربح الحرب» القائمة حالياً، والطريق إلى ذلك تكمن في «جعل كل الخيارات مطروحة» بما فيها إرسال القوات إلى الأراضي الأوكرانية. وسارع ماكرون إلى التحذير من أنه «لو قررنا أن نكون ضعفاء بمواجهة شخص (الرئيس الروسي بوتين) لا حدود لما يمكن أن يقوم به، والذي نقض (في السابق) كل وعوده، ولو قلنا له بسذاجة إننا لن نذهب إلى هذا أو ذاك الخيار، فعندها لا نكون قد اخترنا السلام بل الهزيمة».

زيلينسكي يطالب برلين بأن تزوده بصواريخ «توروس» باستمرار (أ.ب)

من هنا، وفق مقاربته، لا يجب استبعاد أي خيار؛ لأن ذلك سيوفر خدمة لبوتين، وقال ما حرفيته: «بما أن روسيا لا تضع أي قيود على حربها العدوانية ضد أوكرانيا، فإن الغرب ليس مضطراً إلى فرض أي قيود على دعمه لأوكرانيا مسبقاً». بيد أن قراراً من هذا النوع يفترض التحلي «بالعزم والإرادة والشجاعة والتأكيد أننا مستعدون لاستخدام الوسائل الضرورية لتحقيق هدفنا المتمثل في ضمان عدم انتصار روسيا في الحرب».

بيد أن ماكرون، الليلة الماضية، رغم تشدده، لم يستخدم المفردات والعبارات التي استخدمها في براغ في حديثه عن مصير الحرب؛ إذ إنه عاد لتعبير «منع انتصار» روسيا، بينما قال في العاصمة التشيكية إنه «يتعين إلحاق الهزيمة» بها وليس فقط منعها من تحقيق الانتصار. وثمة فروق مهمة بين التعبيرين.

أمن فرنسا وأوروبا مرتبط بمصير الحرب في أوكرانيا

ينطلق ماكرون الذي، كما يبدو، يريد أن يفرض نفسه، على الأقل أوروبياً، وفي ظل الغياب الأميركي الحالي بسبب حملة الانتخابات الرئاسية، «زعيماً» للتيار المتشدد الداعي لمقارعة بوتين بعد أن كان الأكثر «تفهماً» له، من الوضع الميداني ومن المخاطر المترتبة على هزيمة أوكرانيا. فمن جهة، وفق ما شرحه، أخفق الهجوم الأوكراني المضاد، الصيف الماضي، ومن جهة ثانية، تفتقر القوات الأوكرانية للذخائر والصواريخ والعنصر الإنساني ما يجعل الوضع الميداني اليوم «بالغ الصعوبة»؛ لذا يتعين أن يكون العام الحالي «عام الاستنهاض» الذي يفترض به أن يغير المعطيات الميدانية.

مظاهرة أوكرانية أمام بوابة براندنبورغ في برلين (أ.ف.ب)

يتوقف ماكرون طويلاً عند النتائج المترتبة على انتصار روسي في الحرب التي يعدها «وجودية بالنسبة لأوروبا ولفرنسا». ذلك أن انتصاراً كهذا «سيعني أن أوروبا فقدت أمنها، وأن حياة الفرنسيين سوف تتغير». ثم تساءل: «من يعتقد للحظة واحدة أن الرئيس الروسي الذي لا حدود لما يمكن أن يقوم به، سوف يتوقف (عند أوكرانيا)؟». ولكي يفهم الفرنسيون خطورة الوضع، ذكرهم بأن المسافة بين مدينة ستراسبورغ الفرنسية ومدينة لفيف الواقعة غرب أوكرانيا لا تزيد على 1500 كلم، وأن الحرب واقعة على التراب الأوروبي وليس في أصقاع بعيدة. وإذ كرر أن فرنسا متمسكة بأن تكون «قوة من أجل السلام»، حمَّل بوتين سلفاً أية مسؤولية في تصعيد الوضع مؤكداً أن بلاده «تتحضر» للسيناريوهات المقبلة.

وخلاصته أن «مصير أمن أوروبا وأمن الفرنسيين سيقرره مصير الحرب» الأوكرانية. ولتلافي نتائج كارثية كهذه، فإن ماكرون يجزم بالقول إن الغربيين «سيقومون بكل ما هو ضروري لتحقيق هذا الهدف»؛ أي منع بوتين من تحقيق الانتصار. وقال ماكرون: «يتعين إيقاف بوتين في أوكرانيا، وإن خيار السلام لا يعني قبول الهزيمة، بل يعني رفض سقوط أوكرانيا؛ ولذلك يتعين أن نكون أقوياء، ونتمتع بالصدقية وأن نكون جاهزين للتكيف مع ما ستختاره روسيا، وإذا تمددت الحرب باتجاه أوروبا (أي إلى ما بعد أوكرانيا)، فهذا سيكون من مسؤولية روسيا وحدها».

ماكرون: لسنا في حالة حرب مع روسيا

ورغم ذلك كله، فإن الرئيس الفرنسي حرص على التأكيد أن الغربيين «ليسوا في حالة حرب مع روسيا»، وأنهم «ليسوا الجهة التي تصعد الحرب». بيد أن موسكو تتهمهم بأنهم «شركاء» فيها، وتنبههم من الذهاب إلى العمل بمخططات ماكرون التي عدُّوها «خطاً أحمر»، لا بل إن الرئيس الروسي السابق ميدفيديف حذرهم من اللجوء إلى السلاح النووي.

المستشار الألماني مرحّباً بالرئيس الفرنسي في برلين الجمعة: هل قلب الطرفان صفحة الخلافات حول مسار الحرب في أوكرانيا؟ (د.ب.أ)

ثمة غائب أساسي في شروح ماكرون عندما ينبه من أن مخططات روسيا تتجاوز أوكرانيا، وهو أنه لم يشر مرة واحدة إلى دور الحلف الأطلسي في الدفاع عن أوروبا. فإذا كانت طموحات بوتين تتجه إلى الغرب، فإن البلد الوحيد الذي قد يكون مهدداً فعلا هو مولدوفا التي لا تنتمي إلى الحلف الأطلسي بينما بقية الدول الأوروبية القريبة من روسيا (رومانيا، بولندا، دول بحر البلطيق} كلها أعضاء في الحلف الأطلسي، وكلها تستفيد من البند الخامس من شرعية الحلف الذي يوفر لها مظلة الحماية بما فيها المظلة النووية.

وعندما سئل ماكرون عما إذا كان بوتين «عدواً» لفرنسا، رفض التسمية، واستخدم مكانها كلمة «خصم». وعندما أكد أن نهاية الحرب يجب أن تكون من خلال انسحاب القوات الروسية، واستعادة الأوكرانيين أراضيهم المحتلة، سئل عما إذا كان ذلك يتضمن أيضا استعادة شبه جزيرة القرم. لكن الرئيس الفرنسي تجنب الإجابة المباشرة، مؤكدًا أنه «سيعود للأوكرانيين أن يقرروا لأنهم هم من سيفاوض» بشأن مستقبل بلادهم.

حرص الرئيس الفرنسي، في حديثه، على عدم كشف أوراقه متبنياً مبدأ «الغموض الاستراتيجي»، ومكتفياً بتأكيد أن «كل الخيارات مفتوحة». لكن ما تتعين متابعته هو مدى تجاوب الأوروبيين مع طروحاته التي عبروا عن رفضهم لها قبل 3 أسابيع. من هنا، فإن ما سيصدر عن قمة «مثلث فيمار» سيكون بالغ الأهمية خصوصاً أنه يضم ألمانيا، الداعم الأكبر بالسلاح لأوكرانيا، ولكن غير الراغب في الانخراط المباشر في النزاع.


مقالات ذات صلة

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

أوروبا الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية) p-circle

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

أعلنت روسيا، الأحد، أن الرجل الذي يشتبه في إطلاقه النار على مسؤول المخابرات العسكرية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف اعتقل في دبي وجرى تسليمه إلى موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة

«الشرق الأوسط» ( لندن)
أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

اثنان من المشتبه بهم في محاولة اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف «سيتم استجوابهما قريباً»، وفقاً لوسائل إعلام روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)
الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)
TT

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)
الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)

قال جهاز الأمن الاتحادي الروسي، اليوم الأحد، إن الرجل الذي يشتبه في إطلاقه النار على مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف اعتقل في دبي وجرى تسليمه إلى روسيا، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال محققون إن اللفتنانت جنرال أليكسييف، الذي يشغل منصب نائب رئيس المخابرات العسكرية، تعرض لعدة طلقات نارية في بناية سكنية في موسكو، يوم الجمعة. وذكرت وسائل إعلام روسية أنه خضع لعملية جراحية بعد الإصابة.

وأشار جهاز الأمن الاتحادي الروسي إلى أن روسياً يدعى ليوبومير كوربا اعتقل في دبي للاشتباه في تنفيذه الهجوم.

واتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أوكرانيا بالوقوف وراء محاولة الاغتيال التي قال إنها تهدف لإفساد محادثات السلام.

وقالت كييف إنه لا علاقة لها بإطلاق النار عليه.

ويقود الأميرال إيغور كوستيوكوف، رئيس المخابرات العسكرية ومدير أليكسييف، الوفد الروسي في مفاوضات مع أوكرانيا في أبوظبي بشأن الجوانب الأمنية في اتفاق سلام محتمل.


زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
TT

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة منذ قرابة 4 سنوات.

وأضاف أنه إذا لم يتم الوفاء بالموعد النهائي وهو يونيو (حزيران) المقبل، فمن المرجح أن تمارس إدارة ترمب ضغوطاً على كلا الجانبين.

وقال زيلينسكي إن واشنطن «عرضت لأول مرة أن يلتقي فريقا التفاوض في الولايات المتحدة، على الأرجح في ميامي، خلال أسبوع».

وتبادلت روسيا وأوكرانيا الاتهامات بقصف البنى التحتية في البلدين. وقالت كييف، أمس، إن قواتها قصفت مستودع نفط يُعرَف باسم «بالاشوفو» في منطقة ساراتوف الروسية. وبدورها شنَّت قوات موسكو هجوماً كبيراً على شبكة الطاقة الأوكرانية تسبب بانقطاع الكهرباء عن جزء كبير من البلاد، وأكدت أن صواريخها استهدفت مرافق البنية التحتية للطاقة والنقل في أوكرانيا.


تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

أعلن السفير الروسي لدى أرمينيا، سيرغي كوبيركين، أن روسيا تراقب من كثب مشروع «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين» الأرميني الأميركي، وأنها مستعدة لمناقشة إمكانية المشاركة في هذه المبادرة.

وحمل التصريح تطوراً في الموقف الروسي حيال النشاط الأميركي المتزايد في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت لقرون منطقة نفوذ حيوي لموسكو، والخاصرة الرخوة لروسيا التي شهدت مراراً تقلبات وتهديدات للنفوذ الروسي.

مصافحة ثلاثية بين دونالد ترمب وإلهام علييف ونيكول باشينيان في البيت الأبيض يوم 8 أغسطس 2025 بعد توقيع الاتفاق بين أرمينيا وأذربيجان (رويترز)

وفي إشارة إلى مشروع «ممر زنغزور» البري المثير للجدل الذي يربط أذربيجان بمنطقة نخجوان (ناخيتشيفان وفق التسمية الأرمينية) عبر جنوب أرمينيا، قال الدبلوماسي إن بلاده «تتابع التطورات المتعلقة بالمشروع، ونحن على استعداد للانخراط في مفاوضات ومناقشة إمكانية الانضمام إلى هذه المبادرة، مع الأخذ في الاعتبار -من بين أمور أخرى- التعاون الوثيق بين روسيا وأرمينيا في صيانة وتطوير قطاع سكك الحديد في جمهورية أرمينيا».

وكان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، قد أشار إلى هذا الموضوع بشكل مبهم في وقت سابق، عندما قال إن «التفاصيل العملية المحددة لهذا المشروع بدأت تتبلور للتو، وإن إطلاقه سيستغرق بعض الوقت».

من اليسار إلى اليمين: قادة أذربيجان وكازاخستان وروسيا وبيلاروسيا وأوزبكستان وطاجيكستان وأرمينيا يصلون إلى مقر قمة رابطة الدول المستقلة في دوشانباي يوم 10 أكتوبر (إ.ب.أ)

كما أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن روسيا مستعدة لاستكشاف الخيارات المتاحة لمشاركتها في المشروع، بما في ذلك الاستفادة من الخبرة الفريدة لشركة سكك الحديد الروسية.

وكانت موسكو قد أعربت عن تحفظ في وقت سابق على بعض تفاصيل الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن بين أرمينيا وأذربيجان في أغسطس (آب) من العام الماضي. وعلى الرغم من أنها رحبت بجهود السلام المبذولة بين باكو ويريفان فإن مسؤولين روساً أبدوا استياء واضحاً من التفاصيل المتعلقة بمنح الولايات المتحدة وجوداً مباشراً في المنطقة.

وكان الطرفان الأذري والأرميني قد وقَّعا اتفاقاً أولياً للسلام وإنهاء عقود من النزاع، خلال اجتماع عُقد برعاية أميركية، ولم تُدعَ إليه موسكو التي كانت وسيطاً مباشراً بينهما لعقود. وتضمن الاتفاق بشأن إرساء السلام وتعزيز العلاقات بين البلدين بنداً يتعلق بإنشاء ممر يربط أذربيجان بمنطقة ناخيتشيفان ذات الحكم الذاتي عبر أرمينيا، وكان يشكل نقطة خلافية جوهرية بينهما.

نقطة تفتيش أذربيجانية في ناغورنو كاراباخ خلال أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

ووافقت يريفان على التعاون مع الولايات المتحدة وأطراف ثالثة، لإنشاء الممر الذي بات يحمل تسمية «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين». وشكل التطور تهديداً مباشراً لمصالح روسيا وإيران في المنطقة؛ خصوصاً مع ازدياد الحديث عن دعوة شركات أميركية لتنفيذ المشروع، ما يعني تثبيت حضور أميركي اقتصادي وتجاري وأمني لفترة طويلة. وفي مقابل تجنب موسكو توجيه انتقاد مباشر لواشنطن، واكتفاء بعض المسؤولين بالإعراب عن استياء ضمني، عارضت إيران بقوة إنشاء الممر، خشية أن يؤدي إلى عزلها عن القوقاز، وجلب وجود أجنبي إلى حدودها.

وقبل أيام، أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال لقاء مع وزير الخارجية الأرميني أرارات ميرزويان، أن يريفان ستمنح واشنطن حصة في الممر على أراضيها. وقالت وزارة الخارجية إنه سيتم إنشاء شركة تكون ملكيتها تابعة للولايات المتحدة بنسبة 74 في المائة، وستتكلَّف بناء البنية التحتية للسكك الحديد والطرق على هذه القطعة من الأرض.

ويفترض أن يسمح المشروع باستثمارات أميركية، ووصول «المعادن الحيوية والنادرة» إلى السوق الأميركية، كما يحدد النص الإطاري لوزارة الخارجية.

وقال روبيو خلال هذا الاجتماع، إن «الاتفاق سيصبح نموذجاً للعالم؛ إذ سيُظهر كيف يمكننا الانفتاح على النشاط الاقتصادي والازدهار، دون المساس بالسيادة وسلامة الأراضي».

وأضاف: «سيكون هذا أمراً جيداً لأرمينيا، وجيداً للولايات المتحدة، وجيداً لجميع المعنيين»، مؤكداً أن إدارة ترمب ستعمل الآن «على تنفيذ الاتفاق».

رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان (يمين) يتبادل الاتفاقيات الموقعة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال اجتماعهما في يريفان (إ.ب.أ)

من جهته، أكد رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان أن أمن الممر الذي يربط أذربيجان بناخيتشيفان سوف تضمنه «أرمينيا وليس دولة ثالثة».

وترافق التطور في موقف روسيا حيال المشروع والبدء في الحديث عن استعدادها للانضمام إليه، مع توجيه موسكو إشارات إلى أرمينيا التي كانت حليفاً وثيقاً لروسيا قبل أن تتجه لتعاون أوسع مع أوروبا. وقبل أيام، قال الوزير لافروف، خلال لقائه برئيس الجمعية الوطنية الأرمينية، ألين سيمونيان: «آمل بصدق أن تُدرك أرمينيا تماماً ما يكمن وراء هذا الوضع؛ حيث أعلن الاتحاد الأوروبي وأعضاء حلف شمال الأطلسي الأوروبي الحرب صراحة على روسيا، بهدف إلحاق هزيمة استراتيجية بها. أتمنى بشدة ألا تهيمن رواية زرعت الشكوك -بل والأكاذيب- على الرأي العام في بلدينا». وأكد الوزير أن روسيا «لا تعترض أبداً على أي شريك يُطوِّر علاقات خارجية في أي اتجاه. فإن نظراءهم من الاتحاد الأوروبي يُخيِّرون الدولة المعنية باستمرار بين خيارين: إما معنا وإما معهم».