شاشة الناقد - «ثورة فوق القماش»: فنان يبحث عن ماضيه

لقطة من «ما فوق الضريح» (ماد سوليوشن)
لقطة من «ما فوق الضريح» (ماد سوليوشن)
TT

شاشة الناقد - «ثورة فوق القماش»: فنان يبحث عن ماضيه

لقطة من «ما فوق الضريح» (ماد سوليوشن)
لقطة من «ما فوق الضريح» (ماد سوليوشن)

في أحد أفلام هذا الأسبوع حديث عن شاب يريد البقاء في بلد المهجر وفيلم آخر عن مهاجر يريد العودة إلى بلاده.

ما فوق الضريح ★★★

إخراج: كريم بن صالح | دراما | فرنسا | 2023‫ ‬

يوفر المخرج الجزائري كريم بن صالح في «ما فوق الضريح» فيلماً مغايراً عن المعتاد بالنسبة لتلك الأعمال التي تتناول موضوع المهاجرين العرب في باريس. بطله سفيان (حمزة مزياني) شاب يغرف، في مطلع الفيلم، مما هو متاح من لهو الشباب. حفلات ورقص ومخدرات. ثم تنسحب الكاميرا من مشهد البداية إلى الأجواء العائلية التي تحيط بذلك الشاب.

والد سفيان دبلوماسي جزائري سيتقاعد قريباً والسفارة ستقيم حفلاً لذلك. لكن سفيان نفسه غير سعيد لأنه مهدّد بالطرد من فرنسا كونه توقف عن متابعة الدراسة (فلم يعد يحمل إقامة طالب) وليس لديه عمل يربطه. حين يجد العمل مساعداً لحانوتي يرفض هذا توفير عقد عمل له ما يجعل التهديد بطرده من فرنسا أمراً محتملاً في أي لحظة.

يتابع الفيلم بطله بين تموّجات حالته. يتعرّف على فتاة فرنسية شابة تبدو مهتمّة به، لكنه لا يُجيد الحفاظ على هذه العلاقة بسهولة، وعندما يترك عمله عند الحانوتي الأول ويلتحق بحانوتي آخر يرشده هذا إلى ضرورة فهم الإسلام والتصرّف بأحكامه وشرائعه. في وسط هذه المتغيّرات لا يبدو أن سفيان آيل إلى تحديد مسيرته والفيلم ينتهي به وهو يغني لوالده (أو يحاول ذلك بكلمات غير متوازنة) في حفل السفارة المرتقب.

نال الفيلم جائزة أفضل سيناريو من مهرجان «البحر الأحمر» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. لكن كأي سيناريو لأي فيلم هناك مستويان، الأول مضمون السيناريو والثاني فعل كتابته، ويبدو أن المستوى الأول هو الذي دفع لجنة التحكيم لمنحه الجائزة، هذا لأن هناك بضع مشاكل في فعل الكتابة ووضع النقاط فوق حروفها. أهم تلك المشاكل أن الأب سيترك ابنه يعاني من احتمال طرده من فرنسا من دون السعي لاستخدام علاقاته الدبلوماسية لمنحه إقامة دائمة. لا يعرف هذا الناقد الكثير عن شروط الإقامة، لكنه كثيراً ما عدّ أن كل فرد من عائلة أي دبلوماسي سيمنح إقامة صالحة لفترة وجود الدبلوماسي فوق الأراضي الفرنسية. كذلك نجد التبرير الذي ساقه الأب عندما طلب منه ابنه المساعدة في هذا الشأن واهياً، إذ قال له إنه عندما كان في سنّه كان عليه أن يشق طريقه بالاعتماد على نفسه. تتوقع من أب يطلب من وحيده الاعتماد على نفسه في مواقف مختلفة ليس من بينها احتمال إعادته إلى الجزائر منقطعاً عن بيت العائلة.

الممثل مزياني يعكس الشخصية التي يؤديها على نحو مقبول، لكنه لا ينقل الشعور الذي يعايشه في مراحل شتّى جيداً إلى الجمهور. كذلك فإن موقف الحانوتي منه (متجهم، غير آبه وعدائي) غير مفهوم إلا من حيث أنه عايش الموتى كثيراً لدرجة أنه بات يفضلهم على الأحياء.

في الجزء الأخير من الفيلم يحصل سفيان على العقد الذي سيحميه من الطرد، وها هو يقف ليغني (لم يُعرف عنه ذلك) تمهيداً لإعادة المياه لمجاريها بينه وبين والده. «ما فوق الضريح» ما زال يقفز فوق المشاكل التي يتطرّق إليها من دون توفير مبرراتها.

في خانة الإخراج تتبدّى مهارة المخرج كريم بن صالح على نحو أفضل. يعمد إلى فيلم فرنسي المعالجة ضمن الأسلوب السردي السائد حيث تمر الأحداث بإيقاع متوال. لا تفوت المخرج تفاصيل يركز الكاميرا عليها (مثل مشاهد غسل الميّت). لا يرتفع الفيلم صوب مستوى فني يتمناه الناقد له لكن ما يوفره صياغة فنية سليمة كدراية وتنفيذ.

* عروض: مهرجان البحر الأحمر

‪A REVOLUTION ON CANVAS‬ ★★★

إخراج: سارا نجيمي، تل شودر | تسجيلي | الولايات المتحدة | 2023‫ ‬

في الثمانينات غادر رسام إيراني اسمه نكزاد نُجيمي بلاده بعدما أدرك أن حياته باتت في خطر مع الانقلاب على نظام شاه إيران وقيام نظام جديد.

كان ترك البلاد إلى نيويورك في الستينات متزوّجاً سيدة يهودية إيرانية ثم عاد إلى إيران في السبعينات متوسماً البقاء. هذا إلى حين غادرها حال قيام الجمهورية الإسلامية تاركاً وراءه رسوماته.

«ثورة فوق القماش» (HBO)

نرى نُجيمي في بعض الوثائقيات المستخدمة في حضرة الشاه خلال استقبال الأخير لمجموعة كبيرة من الناس. لا تحديد للمناسبة لكن النظام الجديد، يقول الفيلم، كان سيعد وجود الفنان بين هؤلاء دليلاً على تقرّبه من الشاه. يقول أيضاً إن نُجيمي لم يكن مؤيداً لنظام الشاه بل كان منتقداً له من خلال رسوماته.

الثابت أن نُجيمي لم يلتق مع الثورة الإسلامية في أفكارها ونظمها أو يشعر حيالها بأي تجاوب أو تقدير. رسوماته تُشير إلى نقد للآيديولوجيا التي حكمتها وهو يتحدّث في الفيلم عن أنه ينتقد كل شيء من منطلق ثابت يعادي الآيديولوجيات كافة. هو لم يكن موالياً للشاه لكنه لم يرغب في انتظار أن يسمع الحكم الجديد شهادته في هذا المجال فهرب من إيران إلى الولايات المتحدة تاركاً 100 لوحة مرسومة وراءه. الفيلم ينشد طرح السؤال عن مصير تلك اللوحات وعما إذا كان نُجيمي (الذي هو والد المخرجة) يستطيع العودة الآن لاستعادة رسوماته إذا ما كانت موجودة حيث تركها أو حيث تم نقلها.

الجواب يأتيه من صديق إيراني نصحه بألا يحاول: «لا شيء يستحق أكثر من الحياة نفسها»، كما يقول له. وأحد معارفه في إيران يخبره بأنه لا يعرف ما الذي حدث لرسوماته... يبدو كاذباً، وبالتأكيد هو خائف من أن يساعد الفنان في التقاط ماضيه حتى لا يخسر منصبه. رغم ذلك يؤكد الرسّام (الذي يعده الفيلم بنفحة ترويجية واضحة «أحد أهم فناني هذا العصر») أنه يريد استعادة رسوماته. المبادرة في هذا الشأن تأتي غريبة بعض الشيء من حيث توقيتها. هل تم ابتداع هذه الرغبة لأن هناك فيلماً عليه أن يتحقق، أم من بعد مداولات فعلية بين الفنان وعائلته تجسّد حب المرء لبعض ماضيه المسجون بعيداً عنه؟

يمزج الفيلم ما بين الخاص والعام. هناك جزء من قصّة حبّه لزوجته يحكي بعضها لكاميرا ابنته (المتزوّجة شريكها في الإخراج تل شودر) وتحكي الزوجة بعضها الآخر. لكن الانتقال من موضوع لآخر ليس دائماً سلساً ولو أن عدم سلاسته لا تؤثر كثيراً على متابعته.

الإيقاع الذي تختار المخرجة تفعيله هنا يجمع بين تسجيل الواقع اليوم والرجوع إلى وثائقياته معاً. هناك مادّة حافلة من المشاهد المستقاة من مصادر شتّى. من مشاهد وثائقية مصوّرة للفنان كما للمحطات التاريخية الإيرانية (خلال النظامين) جنباً إلى جنب الاستعانة بأفلام ريبورتاجية عرضتها محطة «سي إن إن» CNN وسواها حول أحداث تلك الفترة.

من كل هذا يتوسم الفيلم تقديم وضع إنساني لفنان ينشد إحياء ماضيه وحياة عائلية حافلة بالضغوط النفسية والعاطفية تبعاً لتلك الرغبة. الكاميرا كانت هناك في مشاهد قليلة، لكن معظم ما نراه من المشاهد الحيّة هو إعادة إحياء يدخل فيها التمثيل عنصراً واضحاً.

* عروض: منصّة «إتش بي أو» HBO

‪Damsel‬ ★★

إخراج: جوان كارلوس فرسناديلو | فانتازيا | الولايات المتحدة | 2024‫ ‬

مشاهدة هذا الفيلم القائم على حكاية فانتازية مكتوبة بروح المغامرات الخارقة للواقع توحي بأن الكاتب دان مازيو لا بد قضى معظم وقت الكتابة محاولاً تأليف ما هو مختلف عن كتابة سابقة له في ذات المضمار عنوانها «غضب التايتنز» (Wrath of the Titans) الذي تحوّل إلى فيلم فشل تجارياً شارك في بطولته اسمان كانا ظهرا في فيلم ستيفن سبيلبرغ «لائحة شندلر»، هما راف فاينس وليان نيسن.

لقطة من «آنسة» (نتفليكس)

الحكايتان، تلك التي وردت في الفيلم السابق وهذه الحالية، تبقيان في إطار المعارك التي يشنها «البطل» ضد الوحوش. لكن التفاصيل تختلف هنا، في «آنسة»، ليس فقط من حيث أن البطولة نسائية (تقوم بها ميلي بوبي براون) بل من حيث عناصر الخيال التي تؤلّفها.

إيلودي (براون) فتاة جميلة تعيش في قرية. هي من أسرة فقيرة والفقر كذلك سمة القرية بأسرها. تحاول إيلودي المساعدة حسب ما تستطيع. ذات يوم تتسلم خطاباً يعلمها أنه تم اختيارها لتكون زوجة ابن ملكة تحكم بلدة أخرى اسمها أروا. ترى إيلودي العرض فرصة لإنقاذ قريتها من الجوع وتقبل. الاحتفاء بوصولها مبهر لكنها سريعاً ما تدرك أن الملكة تريدها زوجة لابنها درءا لغضب التنين الساكن في كهف مخيف، وذلك تبعاً لتقاليد تعود إلى مئات السنين. إذا لم تضح الملكة بزوجة ابنها فإن التنين سيثور وقد يهاجم القصر ويدمر حياة الجميع.

إلى جانب الميثالوجيا التي يحملها الفيلم، هناك قدر غالب من المواقف التشويقية. ذلك الوحش ينفث النار ليحرق كل شيء. يذيب ثلوج البحيرات ويحرق ساقي إيلودي (ولو لبعض حين) ثم يستشيط غضباً عندما تفلت بطلة الفيلم من أنيابه. كل ذلك ضمن ما هو مطلوب من بصريات ومؤثرات مصنوعة على نحو لا بأس به تقنياً. ما كان يحتاجه الفيلم لكي يتميّز هو حكاية تعمد إلى تفاصيل مختلفة عن تلك الواردة فيه حول المرأة الضعيفة التي تتحوّل إلى مقاتلة تود الانتقام ممن كانت السبب في مصيرها والانتصار على تنين جامح في الوقت ذاته. لا ينفع التطرّق إلى الموضوع من باب محاولة إقناعنا أن البطلة قُضي عليها من قبل ولن تقوم لها قائمة. صرنا أذكى من أن نصدّق مثل هذه التوليفة.

* عروض: «نتفليكس».

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


مقالات ذات صلة

عرض 5 أفلام سعودية بدول إسكندنافية ضمن برنامج «ليالي عربية»

يوميات الشرق يعقوب الفرحان في أحد مشاهده في فيلم «القيد» (تلفاز 11)

عرض 5 أفلام سعودية بدول إسكندنافية ضمن برنامج «ليالي عربية»

تعرض 5 أفلام سعودية بدول إسكندنافية ضمن برنامج «ليالي عربية» الذي ينظمه مهرجان «مالمو السينمائي» برعاية «هيئة الأفلام السعودية».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)

جوائز «الأقصر السينمائي» تنحاز للقضايا الاجتماعية

انحازت جوائز المسابقة الرسمية للنسخة الخامسة عشرة من مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» للقضايا الاجتماعية في مجمل اختياراتها.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق «حفّار»... توم كروز كما يبدو في الفيلم (وورنر)

لقاء فريد بين نجمين لامعين... «حفّار» يجمع إيناريتو وتوم كروز

تفاصيل الحكاية في فيلمه الجديد «حفّار» غير واضحة بعد، لكنّ خيطها الأساسي يدور حول رجل عُرِف بأنه الأقوى في العالم...

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق عرض الفيلم في النسخة الماضية من «مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية» (الشركة المنتجة)

إليزابيث راسموسن: نشأتي قرب الدائرة القطبية جعلت السماء جزءاً من هويتي

قالت المخرجة النرويجية، إليزابيث راسموسن، إن الشرارة الأولى للفيلم الوثائقي «نحن غبار النجوم» جاءت من قصة بدت لها في البداية أقرب إلى الحكايات الخيالية.

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما «أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية»

محمد رُضا (لندن)

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).


شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)

FLIES

★★★1‪/‬2

إخراج: فرناندو أيمبك | المكسيك (2026)

دراما عن امرأة جميلة الصورة ومحدودة التأثير

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال. تستيقظ، في مطلع هذا الفيلم الذي عُرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان «برلين» الأخير، على طنين ذبابة. تفتح النافذة لتخرجها ثم تغلقها، لكن ذبابة أخرى تظهر في الغرفة. ترشها بالمبيد، فيتسبب لها بالسعال، فتعود إلى فتح النافذة طلباً للهواء.

يمكن قراءة هذه البداية بوصفها استعارة مجازية لحياة امرأة اعتادت أن تعزل نفسها عن العالم، تغلق عينيها وأذنيها عمَّا حولها. ومع اختيار المخرج التصوير بالأبيض والأسود، يغدو هذا العالم أقل بهجة.

لاحقاً، تضطر أولغا إلى تأجير غرفة إضافية في منزلها لتغطية نفقات المعيشة. المستأجر رجل يُدعى توليو (أوغو راميريز)، ترقد زوجته في المستشفى، فتوافق على استضافته بشروط صارمة (ألا يستخدم المطبخ، وألا يطيل البقاء في الحمّام). غير أنه يُخفي وجود ابنه الصغير كريستيان (بستيان إسكوبار)، إلى أن تكتشفه أولغا. تمنحهما أسبوعاً للمغادرة، لكن هذا الأسبوع يكفي لبدء تحوّل داخلي في نظرتها إلى الحياة، بفعل حضور ذلك الصبي.

التحولات العاطفية لا تأتي مقنعة تماماً، لكنها تخدم غاية الفيلم في استكشاف المشاعر المكبوتة التي تبدأ أولغا في استعادتها تدريجياً. الحوار مبتسر، والإخراج يعتمد على قوة الصورة ودلالاتها، ضمن معالجة هادئة وفعالة لموضوع بسيط.

THE GARDEN WE DREAMT

★★★

إخراج: خواكين دل باسو

المكسيك (2026)

عائلة مهاجرة تبحث عن ذلك الحلم الجميل

لفيلمه الثالث «الحديقة التي حلمنا بها»، اختار المخرج دل باسو مدير التصوير التركي غوخان تيرياكي لمنح فيلمه الجمال المستوحى من طبيعة المكان. ترياكي هو مدير التصوير الذي عمل أكثر من مرة مع مواطنه المخرج نوري بيلج جيلان، وإذا كان لا بد من المقارنة بين رسم الكاميرا لأماكن التصوير التركية وبين تلك التي تتبدى في هذا الفيلم، فإنه لزاماً الإشارة إلى أن البون شاسع، رغم أن القيمة الفنية لشغل مدير التصوير بديعة كالعادة. لكن المختلف بتميُّز مثير هو أن تصوير الغابات الداكنة والرغبة في متابعة الشخصيات من كثب (عوض تلك المشاهد البعيدة والمتوسطة في أفلام بيلج) مثيران للاهتمام والتقدير.

«الحديقة التي حلمنا بها» (مهرجان برلين)

يبدأ الفيلم بمشهد عند الفجر: غابة شاسعة ما زالت في الظلام، وأصوات الطيور تنتشر فوقها، قبل أن يعلو صوت شاحنتين تتقدمان صوب الكاميرا، مهاجمتين وداعة الغابة وجمالها وحتى وحشتها.

تتمحور الحكاية حول عائلة من 3 أفراد كانت قد نزحت من تاهيتي إلى المكسيك بحثاً عن حياة أفضل. المكان الذي وجد فيه رب العائلة عملاً، والكوخ الذي يأويهم، يؤكدان للعائلة صعوبة العيش في المحيط الاجتماعي الجديد لها، ليس فقط في ذلك الكوخ، بل أيضاً من حيث العيش مع عمال مكسيكيين يعانون من مشاق الحياة بدورهم. كون العائلة غريبة يفرض عليها عزلة أكبر.

إنه فيلم جيد آخر عن الهجرة، جديدةٌ تلك الغابة التي تعكس عالماً ضخماً وغامضاً، عصيّاً على الاستيطان.

FOREST UP IN THE MOUNTAIN

★★★

إخراج: صوفيا بوردناييڤ

الأرجنتين (2026)

تسجيلي عن العنف في الزمن الغابر واليوم

صوفيا بوردناييڤ ربما هي أول محامية تمارس مهنة الإخراج. أرجنتينية حققت فيلمها الأول سنة 2021، وذلك بعد نحو 30 عاماً من الاهتمام بحقوق الإنسان في مجال عملها الأول. ليست هناك طريقة متاحة لمشاهدة ذلك الفيلم، لكن فيلمها الجديد يبدو نابعاً من تلك الاهتمامات الإنسانية، وعرضه في مهرجان «برلين» هو خطوتها الأولى صوب حضور دولي كبير.

«غابة في أعلى الجبل» (ماليزا برودكشن).‬

يجمع الفيلم بين زمانين: حاضر قريب، وأمس بعيد، لكن ما يوحِّد بينهما هو العنف الممارس على البيئة الطبيعية المحيطة بقرية ڤيللا ماسكاردي، التي تنتمي إلى مقاطعة «ريو نيغرو» («النهر الأسود»)، والتي عاشت في جبالها وربوعها قبيلة مابوتشي. ينطلق الفيلم من حادثة ذهب ضحيتها شاب من القبيلة عندما فتح البوليس النار عليه. تهتم المخرجة بالقضية، لكنها تحفر في الزمن لتعرض أن هذه القبيلة كانت دوماً عرضة لأطماع الوافدين البيض. تمضي بعيداً صوب القرن الـ19 لتسرد أحداثاً أخرى مماثلة وتاريخاً مليئاً بالعنف والأطماع.

بوصلة اهتمام المخرجة موجهة صوب نبش الحقائق التي دائماً ما تمحورت حول ارتكاب البيض جرائم قتل للمواطنين. ليس لديها فيلم تستعين به لتناول مقتل الشاب رفائيل في العام 2017، لكنها تنتج فيلماً ناقداً للموضوع، استنتجت حيثياته من المحكمة التي نظرت في تلك القضية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً