كيف يقود الذكاء الاصطناعي مستقبل الأعمال في الشرق الأوسط؟

خبير في «ديلويت» يتحدث لـ«الشرق الأوسط»

«ديلويت»: نخطط للتعاون مع الجامعات الكبرى في السعودية لتوفير الدعم والتدريب والفرص التعليمية للشباب (شاترستوك)
«ديلويت»: نخطط للتعاون مع الجامعات الكبرى في السعودية لتوفير الدعم والتدريب والفرص التعليمية للشباب (شاترستوك)
TT

كيف يقود الذكاء الاصطناعي مستقبل الأعمال في الشرق الأوسط؟

«ديلويت»: نخطط للتعاون مع الجامعات الكبرى في السعودية لتوفير الدعم والتدريب والفرص التعليمية للشباب (شاترستوك)
«ديلويت»: نخطط للتعاون مع الجامعات الكبرى في السعودية لتوفير الدعم والتدريب والفرص التعليمية للشباب (شاترستوك)

يبرز الذكاء الاصطناعي (AI) بوصفه تقنيةً أساسيةً تدفع الابتكار والكفاءة التشغيلية. وبينما تتصارع الشركات مع الاقتصاد الرقمي سريع التطور، يقدم الذكاء الاصطناعي فرصةً تحويليةً ليس فقط لتبسيط العمليات ولكن أيضاً لفتح آفاق جديدة للنمو والتخصيص.

على هامش معرض «ليب 24»، الذي استضافته مدينة الرياض من الرابع وحتى السابع من شهر مارس (آذار) الحالي، التقت «الشرق الأوسط» يوسف البرقاوي، مسؤول الذكاء الاصطناعي والبيانات في شركة الاستشارات العالمية «ديلويت»؛ للحديث عن كيفية إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي طريقة عمل الشركات ووضع استراتيجياتها، لا سيما في الشرق الأوسط.

يوسف البرقاوي مسؤول الذكاء الاصطناعي والبيانات في «ديلويت» (ديلويت)

عوامل تمكين يقدمها للذكاء الاصطناعي

ترتكز رؤية «ديلويت» للذكاء الاصطناعي على عوامل تمكين أساسية عدة يجلبها الذكاء الاصطناعي إلى الأعمال، بدءاً من التعزيز والأتمتة. ويوضّح البرقاوي أنه يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل المعلومات بشكل أفضل والحصول على مزيد من الأفكار حول الأعمال التجارية، مما يتيح اتخاذ قرارات أفضل. ولا تقتصر هذه البراعة التحليلية للذكاء الاصطناعي على دعم القرار، بل تمتد إلى القدرات التنبؤية التي تسمح للشركات بـ«الأتمتة بشكل أفضل» على حد قوله.

ومع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، تطوّر مشهد الأتمتة من تنفيذ المهام البسيطة إلى إنشاء محتوى معقّد، مما يساعد على تحقيق الدخل من التطبيقات وتطوير التعليمات البرمجية. ويشير البرقاوي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «عندما نتحدث عن الزيادة، فإننا نتحدث عن مساعدة الأفراد، ولكن عندما نتحدث عن الأتمتة، فإننا نتحدث عن تحسين الإنتاجية بشكل كبير وتقليل الوقت والتكلفة».

استعرضت «ديلويت» خلال معرض «ليب» مجموعة من أحدث الحلول التقنية لتلبية احتياجات السوق المتزايدة (شاترستوك)

التخصيص في الذكاء الاصطناعي

يقوم الذكاء الاصطناعي بتخصيص المحتوى للأفراد، مما يزيد من الفرص في قطاعات مثل التعليم والترفيه. ويؤدي غزو الذكاء الاصطناعي في إنشاء مقاطع الفيديو والإعلانات والصور والتفاعلات الصوتية إلى قوة إبداعية للشركات يمكن الاستفادة منها. أما العامل التمكيني الآخر للذكاء الاصطناعي فهو «المحاكاة»، الذي يسمح للشركات باستخدام التقنيات للتنبؤ بالعمليات وتصميمها لتحقيق النتائج المثلى.

ومع ذلك، تدرك شركة «ديلويت» الشرق الأوسط، أنه ليست كل الشركات مستعدة لتسخير إمكانات الذكاء الاصطناعي بشكل فعال. ويحذّر البرقاوي من أن «القفز بسرعة إلى العمق أمر خطير للغاية»، مسلطاً الضوء على ضرورة الاستعداد والتعليم. ولمعالجة هذه المشكلة، أنشأت شركة «ديلويت» معهد «ديلويت للذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط»، وهو مخصص لتعليم الشركات حول الذكاء الاصطناعي. وتهدف هذه المبادرة إلى رفع مستوى فهم الذكاء الاصطناعي على درجة رفيعة من خلال المنشورات والقيادة وبرامج التعليم رفيع المستوى.

 

استضافت مدينة الرياض الدورة الثالثة من معرض «ليب 2024» من 4 إلى 7 مارس بمركز الرياض للمعارض والمؤتمرات (ليب)

أهمية جودة البيانات وتأثيرها

تسير الفائدة الفعالة للذكاء الاصطناعي جنباً إلى جنب مع البيانات عالية الجودة. ويقول يوسف البرقاوي إنه «إذا كانت لديك بيانات سيئة، فستكون لديك نتائج سيئة»، مشدداً على الطبيعة الحاسمة لإدارة البيانات.

وتركز جهود «ديلويت» التعاونية مع العملاء في جميع أنحاء الشرق الأوسط على إنشاء هياكل قوية لإدارة البيانات لتعزيز جودة البيانات، وبالتالي نتائج مبادرات الذكاء الاصطناعي.

ويرى البرقاوي أن الذكاء الاصطناعي يمثل «فرصة هائلة للشرق الأوسط»، خصوصاً بالنظر إلى «التركيز غير الصناعي في المنطقة وحجم السكان الأصغر مقارنة بالأسواق العالمية الأخرى». ويؤكد أنه «كل ما تحتاجه مع الذكاء الاصطناعي، هو رجلان يتمتعان بالذكاء والخبرة الكافية لكتابة الرموز الصحيحة»، مما يضع أهمية التعليم في المقدمة، ويجعل المنطقة قادرة على رفع مستوى المنافسة العالمية لديها.

يمتد دور «ديلويت» إلى ما هو أبعد من التعليم ليشمل الابتكار من خلال لعب الشركة دوراً فعالاً في وضع أسس الذكاء الاصطناعي، وصياغة استراتيجياته الوطنية، وتنفيذ حوكمة البيانات والتحكم فيها. وقد كانت شركة «ديلويت- الشرق الأوسط» من بين أوائل الشركات التي نفّذت مسرّع تطوير الذكاء الاصطناعي التوليدي في مايو (أيار) 2023، مما ساعد العملاء على نشر الذكاء الاصطناعي في بيئات خاصة خاضعة للرقابة، وبالتالي الحماية من تسرّب المعلومات.

«ديلويت»: المعهد العالمي للذكاء الاصطناعي يلعب دوراً حاسماً في تعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي في المملكة (شاترستوك)

رعاية المواهب الشابة

يتجلى التزام «ديلويت» برعاية المواهب المستقبلية في «برايت ستارت» (The BrightStart Apprenticeship)، الذي يقدم التعليم والتدريب الكاملَين على الذكاء الاصطناعي للطلاب، ما يسمح لهم بالمشاركة في مشروعات الذكاء الاصطناعي الواقعية. ولا تعمل هذه المبادرة على تزويد الجيل القادم بالمهارات اللازمة فحسب، بل أيضاً على إثراء مجموعة المواهب المتاحة للشركات في المنطقة.

وخلال مشاركتها في معرض «ليب 24»، أعلنت كل من «ديلويت» وشركة «ServiceNow» الشركة العالمية للخدمات الرقمية، عن خطتهما لتأسيس «مركز ServiceNow للابتكار» في القطاع العام ضمن مركز «ديلويت» الرقمي في مدينة الرياض. وسيعمل المركز بوصفه منصةً استراتيجيةً لقادة القطاع العام والأعمال الراغبين بدفع عجلة الابتكار وتعزيز الإنتاجية في مؤسساتهم. كما ستعزز الشركتان المركز بالذكاء الاصطناعي التوليدي، وتزويده بالخبرة المعرفية المشتركة التي يمتلكها المتخصصون في كلتا الشركتين في تنفيذ مشروعات التحول الرقمي في عديد من القطاعات. كما سيتعاون القائمون على المركز الجديد عن كثب مع مختلف المؤسسات في القطاعين العام والخاص؛ للوقوف على أهداف أعمالهم، وتبسيط عملياتهم التشغيلية، وردم الفجوات في مهاراتها الداخلية من خلال رفع مهارات العاملين فيها، وتعظيم العائد على الاستثمار.

يشكل دمج الذكاء الاصطناعي في الأعمال التجارية واقعا يعيد تشكيل المشهد التنافسي في الأعمال. وتقف منطقة الشرق الأوسط مستعدة لتسخير إمكانات الذكاء الاصطناعي لتعزيز النمو الاقتصادي والقدرة التنافسية العالمية.


مقالات ذات صلة

أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

الاقتصاد أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)

أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

شهدت «وول ستريت»، يوم الخميس، موجةً جديدةً من عمليات بيع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد اختصار «الذكاء الاصطناعي» خلال مؤتمر «فيفاتك» للتكنولوجيا في باريس 18 يونيو 2026 (رويترز)

ارتفاع تكلفة التأمين ضد التعثر يثير مخاوف بشأن استثمارات الذكاء الاصطناعي

بلغت تكلفة التأمين ضد مخاطر التخلف المحتمل عن سداد الديون لدى شركات التكنولوجيا الأميركية مستويات قياسية

«الشرق الأوسط» (لندن )
الاقتصاد ناطحات سحاب في الحي المالي «سيتي أوف لندن» بالعاصمة البريطانية (رويترز)

نمو بريطانيا في أغسطس يفوق التوقعات بدعم من الذكاء الاصطناعي

أظهرت بيانات رسمية، صدرت يوم الخميس، أن الاقتصاد البريطاني سجل أداءً أفضل من المتوقع في أغسطس (آب) الماضي، مدفوعاً بارتفاع جديد في نشاط برمجة الكومبيوتر...

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا 8 ولايات أميركية تتهم «تشات جي بي تي» بدفع الأطفال لإيذاء أنفسهم والآخرين

8 ولايات أميركية تتهم «تشات جي بي تي» بدفع الأطفال لإيذاء أنفسهم والآخرين

أعلنت ثماني ولايات أميركية، منها أيوا وكانساس، أمس (الأربعاء)، أنها رفعت دعاوى قضائية على شركة «أوبن إيه آي» أمام محاكم في أنحاء البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد حاويات شحن في ميناء تجاري بمدينة فلاديفوستوك الروسية (رويترز)

رئيسة منظمة التجارة العالمية: حروب الشرق الأوسط وأوكرانيا ستترك آثاراً طويلة الأمد

قالت نغوزي أوكونجو إيويالا، المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية، إن التحولات الجيوسياسية والحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط ستترك آثاراً طويلة الأمد.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)

8 ولايات أميركية تتهم «تشات جي بي تي» بدفع الأطفال لإيذاء أنفسهم والآخرين

TT

8 ولايات أميركية تتهم «تشات جي بي تي» بدفع الأطفال لإيذاء أنفسهم والآخرين

أعلنت ثماني ولايات أميركية، منها أيوا وكانساس، أمس (الأربعاء)، أنها رفعت دعاوى قضائية على شركة «أوبن إيه آي» أمام محاكم في أنحاء البلاد بسبب الأضرار التي قالت إن تطبيق «تشات جي بي تي» تسبب بها للأطفال.

وحسب وكالة «رويترز» للأنباء، فقد ذكرت الولايات أن روبوت الدردشة الآلي دفع أطفالاً إلى إيذاء أنفسهم أو آخرين.

وتسعى الدعاوى القضائية المرفوعة أمام محاكم الولايات إلى الحصول على أمر يجبر «أوبن إيه آي» على إجراء تغييرات في طريقة عمل «تشات جي بي تي» مع الأطفال.

وتسعى الولايات أيضاً إلى الحصول على أمر يجبر الشركة على التنازل عن الأرباح التي حققتها من المستخدمين الأطفال.

وكان وزير العدل بولاية فلوريدا أول من رفع دعوى قضائية على الشركة باتهامات مماثلة في يونيو (حزيران).

وتواجه الشركة أيضاً عشرات الدعاوى القضائية التي تتهم «تشات جي بي تي» بالمساعدة في وقائع إطلاق نار عشوائي أو أعمال عنف أخرى.


السعودية ترسل أول عينات بيولوجية من نوعها بالمنطقة إلى الفضاء

برنامج بحثي لدعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد (وكالة الفضاء السعودية)
برنامج بحثي لدعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد (وكالة الفضاء السعودية)
TT

السعودية ترسل أول عينات بيولوجية من نوعها بالمنطقة إلى الفضاء

برنامج بحثي لدعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد (وكالة الفضاء السعودية)
برنامج بحثي لدعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد (وكالة الفضاء السعودية)

أرسلت السعودية أول عينات بيولوجية من نوعها بمنطقة الشرق الأوسط إلى محطة الفضاء الدولية، في إطار مهمة الجاذبية الحيوية 1 ضمن «SpaceX CRS - 35»، بدعم من الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء «ناسا».

وجاء الإطلاق من وكالة الفضاء السعودية وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية «كاوست» ضمن برنامج بحثي طويل المدى يستهدف دعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد، عبر سلسلة من 3 مهمات متتابعة.

ويُعزِّز هذا الإنجاز العلمي حضور السعودية في أبحاث الجاذبية الصغرى، ويوسع توظيف علوم وتقنيات الفضاء في خدمة الأبحاث الصحية والحيوية.

وتمثل المهمة أولى مراحل البرنامج بإرسال عينات بشرية مرجعية من متبرعين أصحاء إلى الفضاء؛ لتأسيس قاعدة علمية للمقارنة في المراحل اللاحقة، والاستفادة من الخصائص الفريدة لبيئة الجاذبية الصغرى في دراسة التغيرات الخلوية المرتبطة بالتقدم في العمر والأمراض العصبية التنكسية.

وتشمل تجربتين بيولوجيتين طوّرتها «كاوست» تحملان الاسمين SSA - 1 وSSA - 2. وينفذ البرنامج ضمن شراكة علمية دولية تجمع المؤسسة الوطنية الأميركية للخلايا الجذعية (NSCF) وبدعم من «ناسا»، وشركة «أكسيوم سبيس»، إلى جانب مشاركة علمية وطنية من الوكالة و«كاوست»، بما يعزز تكامل القدرات المحلية مع المنظومة البحثية العالمية.

من جانبها، قالت رائدة الفضاء السعودية ريانة برناوي، المشرفة العامة على أبحاث الجاذبية الصغرى في الوكالة، إن إطلاق هذه العينات «يمثل خطوة علمية مهمة في مسار توظيف بيئة الفضاء لخدمة صحة الإنسان، ويعكس تطور القدرات الوطنية وجاهزيتها للمشاركة في أبحاث متقدمة وعبر برنامج الجاذبية الحيوية».

وأضافت برناوي: «نسعى لتحويل المعرفة المكتسبة في المدار إلى فرص بحثية تسهم في تعميق فهم الأمراض ودعم تطوير حلول علاجية مستقبلية».

وبدوره، أكد أستاذ العلوم الحيوية في «كاوست» البروفسور عماد غلوزي، العالم الرئيس للمشروع، أن المهمة تتيح للباحثين اختبار نماذج الأمراض في بيئة لا يمكن محاكاتها على الأرض، وتعزز إسهام الجامعة في اكتشافات تخدم المرضى في المملكة والعالم.

إلى ذلك، أبدت الدكتورة بينار ميسي، المستشارة العلمية للمؤسسة والرئيسة العالمية للتصنيع الحيوي والتقنية الحيوية في «أكسيوم سبيس»، حماسها لهذه المهمة التي شملت عينات من السعودية.

وأوضحت ميسي أن فريق المؤسسة «سيختبر ولأول مرة في بيئة الجاذبية الصغرى، مفهوم (قرية الخلايا)، ويتيح مفهوم دمج عدة خطوط خلوية فردية ضمن عضية واحدة، إجراء دراسات على مستوى المجموعات السكانية، مع إمكانية تنفيذ ما يمكن وصفه بـ(التجارب السريرية في طبق مخبري)».

ويمتد البرنامج عبر ثلاث مهمات بحثية مترابطة تبدأ بدراسة العينات المرجعية السليمة، ثم دراسة نماذج مشتقة من مرضى ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد، وصولاً إلى دراسة الاستجابة العلاجية واستكشاف أهداف دوائية محتملة في بيئة الجاذبية الصغرى.

ويأتي برنامج «الجاذبية الحيوية» ضمن جهود الوكالة لبناء القدرات الوطنية في أبحاث الجاذبية الصغرى وعلوم الحياة، وتوسيع الشراكات العلمية الدولية، وتوظيف علوم وتقنيات الفضاء لخدمة صحة الإنسان، بما يسهم في تعزيز الاقتصاد المعرفي والابتكار وجودة الحياة، انسجاماً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030».


«الذكاء الاصطناعي الخفي»... موظفون يستعينون بالتقنية سراً بعيداً عن أعين مديريهم

يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)
يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)
TT

«الذكاء الاصطناعي الخفي»... موظفون يستعينون بالتقنية سراً بعيداً عن أعين مديريهم

يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)
يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)

على غرار كاميل، المهندسة المعمارية التي يوفّر عليها الذكاء الاصطناعي «وقتاً هائلاً»، يلجأ عدد كبير من الموظفين الفرنسيين إلى هذه الأداة من دون موافقة أصحاب عملهم، في إطار ابتكارهم حلولهم الخاصة رداً على الأساليب القديمة والبطيئة التي لا تزال شركاتهم تعتمدها، وتقصيرها في تبنّي التقنيات الحديثة.

وتدير صوفي (اسم مستعار) وهي مديرة عقارات تبلغ 38 عاماً، 500 عقار وتضطر للتعامل مع الحالات الطارئة، فضلاً عن «مئات رسائل البريد الإلكتروني المتراكمة». وتصف كمية العمل بـ«الهائلة»، مشيرة إلى أن ضغوط المسؤولين عنها تزيد الوضع سوءاً.

وتعد صوفي أن الأدوات المستخدمة داخل شركتها باتت «متقادمة»، وأن مديريها يفشلون في مواكبة التطور. وتتابع: «لا توفر الشركات الأدوات اللازمة لتسهيل العمل، مما يسبب إحباطاً كبيراً للموظفين».

ودفع ذلك بالموظفة الثلاثينية إلى الاشتراك على نفقتها الخاصة بخدمات نموذج الذكاء الاصطناعي «كلود» من «أنثروبيك»، واستخدامه لصوغ الردود على المالكين والمستأجرين.

وتقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «يتعين علي التحقق من النقاط القانونية للتأكد من عدم وجود أخطاء، إلا أنه يوفر علي مع ذلك وقتاً هائلاً. إنه أشبه بتكليف شخص آخر إنجاز عمل يتطلب وقتاً طويلاً».

ويعرف هذا النوع من الاستخدام بـ«الذكاء الاصطناعي الخفي» (Shadow AI)، أي عندما يلجأ الموظفون إلى هذه الأداة من دون إشراف من الشركة.

ويؤكد جيروم بيلوا، الخبير في أمن المعلوماتية في شركة الاستشارات «وايفستون»، أن هذه الظاهرة باتت «منتشرة إلى حد كبير» في جميع القطاعات العامة والخاصة على حد سواء.

ويوضح بيلوا أن «الأدوات التي تقترح المؤسسات البدء باستخدامها تخضع لقيود تنظيمية وميزانيات محددة، ولا تكون دائماً بكفاءة تلك المتاحة في الخارج مقابل بعض عشرات اليوروهات».

ويتابع: «بحلول الوقت الذي تجد في هذه الشركات النماذج التي تتماشى مع سياساتها الداخلية»، تكون تلك الأدوات أصبحت «قديمة» بالفعل مقارنة بتلك المتوافرة في الخارج للجميع، لا سيما بالنظر إلى «السرعة الجنونية» التي يتطور بها الذكاء الاصطناعي.

ووفقا لمؤشر «وورك تريند إندكس» (Work Trend Index) الصادر عن «مايكروسوفت لينكد إن»، فإن 75 في المائة من الموظفين حول العالم كانوا يستخدمون الذكاء الاصطناعي في العمل عام 2024، و78 في المائة منهم يستخدمون أدواتهم الخاصة.

وتقول كاميل إنه على الرغم من أنها تقوم بمراجعة النتائج والتحقق منها وتعديلها، فإن الذكاء الاصطناعي يكون قد أتم بالفعل بين 80 إلى 90 في المائة من العمل. وتتابع: «لم يكن رؤسائي يريدون الالتفات إلى هذه المسألة. لذا فعلت ما بوسعي» باستخدام الأدوات العامة المتاحة للجميع.

«في الخفاء»

وتوضح سيسيل دوجو، مديرة مرصد التحولات الإدارية والموارد البشرية في المعهد الوطني للفنون والمهن، أن «غياب الأدوات أو التوجيهات من جانب الشركات يشجع على هذه الممارسات».

وتشير إلى أن بعض الشركات تحظر على موظفيها استخدام الذكاء الاصطناعي، إلا أنهم يلجأون مع ذلك إليه لتسريع العمل وكسب مزيد من الوقت.

وبينما تكون شركات أخرى منهمكة في «صوغ» إطار معين لاستخدام هذه التقنية يشمل المعايير الأخلاقية والأدوات اللازمة ومجالات الاستخدام المحددة، يكون الموظفون قد بدأوا بالفعل باستخدام نماذجهم الخاصة «في الخفاء»، مما يكشف الفجوة بين تحديد القواعد والتجربة على الأرض.

وتتابع دوجو أنه بمجرد أن يلحظ الموظفون فوائد هذه الأدوات، يصبحون «نوعاً ما مدمنين عليها»، وتصبح الأدوات التي توفرها الشركات لاحقاً غير قادرة على منافسة تلك التي يستخدمونها بالفعل.

على أن الظاهرة المشار إليها تثير مخاوف تتعلق بالخصوصية، وسط إمكان تسرب بيانات سرية خاصة بالشركات، حسب جيروم بيلوا.

وتؤكد شهرزاد عبوب، المحامية المتخصصة في قانون البيانات، أنه فيما يتعلق بإرسال بيانات إلى الذكاء الاصطناعي يجب «أن نتعامل معها كما لو كنا على أرض الواقع».

وتضيف: «لا يمكننا مشاركة البيانات التي تتضمن أسرار الشركة أو طريقة عملها أو معلومات شخصية».

إلا أن كاميل تقلل من هذه المخاوف، إذ تعد أن الأدوات المستخدمة يومياً لا تضمن أصلاً الحفاظ على سرية المعلومات، بدءاً من «رسائل البريد الإلكتروني وصولاً إلى منصة تيمز».

وتضيف أن أصحاب العمل يقللون من أهمية إدخال الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي، ومن «العبء الزائد في العمل» الذي يعانيه الموظفون.

ولمنع استمرار الموظفين في استخدامه سراً، ترى سيسيل دوجو أن على المسؤولين في الشركات «وضع خريطة طريق»، يحددون بموجبها الحاجات والأدوات اللازمة والإطار الذي يمكن استخدامها به في كنف الشركة.

ويقول أحد مسؤولي الاتصالات البالغ 41 عاماً، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته: «لا أحد في المكتب يقر بذلك علناً، إلا أن الجميع يفعل! من منا لا يستخدم (تشات جي بي تي؟) مجرد التفكير في حظره أمر عبثي».