يرتقب أن يكثف وفدا الخارجيتين الجزائرية والفرنسية، اللذان يشتغلان منذ عام على ترتيب زيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى باريس، من اجتماعاتهما لضبط الملفات التي سيتم تناولهما بعد الإعلان، أمس الاثنين، عن إجرائها بين نهاية سبتمبر وبداية أكتوبر 2024.
وأفادت الرئاسة الجزائرية بأن تحديد موعد الزيارة جرى بمناسبة مشاورات هاتفية بين الرئيسين عبد المجيد تبون وإيمانويل ماكرون، تناولت حسبها «الأوضاع في فلسطين المحتلة، لا سيما في غزة، والآفاق الاقتصادية المشتركة التي تعود بالمنفعة على البلدين، ولا سيما الزراعة والطاقة والأتربة النادرة، وصناعة السكك الحديدية».

ويراهن الجزائريون، وفق مصادر ذات صلة بالزيارة، على انتزاع تنازلات من الرئيس إيمانويل ماكرون في خمسة «ملفات - مطالب» يطرحونها؛ بعضها محل تحفظ من طرف فرنسا. وقد أكد وزير الخارجية أحمد عطاف في نهاية 2023، أن هذه الملفات التي وصفها بـ«الثقيلة»، عطلت تنفيذ مشروع الزيارة، التي كان يفترض أن تتم في مايو (أيار) من السنة الماضية، حسب اتفاق بين الرئيسين. وتحدث عطاف بالترتيب عن الذاكرة وحرية التنقل والتعاون الاقتصادي، ومشكلة الصحراء، وتبعات التجارب النووية الفرنسية في الصحراء، ومعها قضية أرشيف الثورة.
وتأمل الجزائر، حسب المصادر ذاتها، في الحصول على اعتذار صريح من الرئيس ماكرون عن جرائم الاستعمار، «أو على الأقل إظهار خطوات شجاعة» منه بهذا الخصوص، ترضي فئة مهمة في المجتمع، وتحظى بتقدير كبير لدى السلطات، هي فئة المجاهدين ممن بقوا أحياء، وأبناء الشهداء، وما يعرف بـ«الأسرة الثورية». لكن الجزائر تدرك جيداً أن «مسألة الاعتذار»، و«إعلان التوبة عن جرائم الاستعمار»، قضية لا يمكن لأي رئيس فرنسي أن يتصرف فيها بمفرده.

وكان ماكرون حسم هذا الجدل في بداية 2023 خلال مقابلة مع مجلة فرنسية، حينما أكد أن «أسوأ ما يمكن أن يحصل هو أن نقول: نحن نعتذر وكل منا يذهب في سبيله... إن عمل الذاكرة والتاريخ ليس جردة حساب».
وألقى هذا الموقف مزيداً من الفتور على العلاقات الثنائية، وبينما كان الجزائريون يأملون في أن تكلل زيارة تبون المرتقبة بتسلمه سيف وبرنس الأمير عبد القادر، الموجودَين في «قصر أمبواز» (وسط فرنسا)، حيث كان أسيراً في منتصف القرن الـ19، رفض الفرنسيون ذلك بحجة أن الخطوة تتطلب إصدار قانون، حسب الوزير عطاف. وأوضحت المصادر نفسها أن تبون كان يراهن على العودة من باريس بأغراض قائد المقاومة الشعبية ضد الاستعمار، سعياً لتحقيق مكاسب سياسية داخلية. كما أكد تبون نفسه في مناسبات عديدة أن «هناك طبقة سياسية في فرنسا تعمل على منع أي تقارب من البلدين». فيما ينظر جزائرياً إلى فئة من السياسيين في باريس بأن «الحنين إلى الاستعمار يتحكم في تعاملهم مع الجزائر».
* أزمة التأشيرات
يخص المطلب الجزائري الثاني «حرية التنقل»؛ إذ تبدي الجزائر تذمراً شديداً من استمرار تقليص حصتها من التأشيرات إلى النصف للعام الثالث، معتبرة ذلك «تصرفاً غير ودّي من فرنسا»، قياساً إلى حجم التبادل الإنساني الكبير بينهما.
وكان وزير الداخلية الفرنسية، جيرالد دارمانان، حاول ليّ ذراع الجزائريين في هذا الملف بأنْ وضع إعادة حصتهم من «الفيزا» في كفة، وموافقتهم على استقبالهم 9 آلاف مهاجر جزائري سري صدرت بحقهم قرارات إبعاد من التراب الفرنسي، في كفة ثانية. وقد شكك الرئيس تبون في هذا الرقم، رافضاً التجاوب مع الطلب الفرنسي. ولذلك ينتظر خلال زيارته المقبلة إلى فرنسا تسوية هذه المشكلة التي مست المغرب وتونس أيضاً.

أما الملف الثالث فيتعلق بالتعاون الاقتصادي. فأمام منافسة شديدة للاستثمارات الصينية والتركية، ترغب فرنسا في توسعة نشاط مؤسساتها العاملة بالجزائر، وتطالب بمعاملة مختلفة عن بقية الشركات الأجنبية بذريعة «خصوصية المنتوج الفرنسي في شمال أفريقيا». وفي المقابل، تريد الجزائر من الفرنسيين انخراطاً قوياً فيما تسميه «مناخ الاستثمار الجديد»، على خلفية قانون سنّته العام الماضي يقدم، حسبها، تسهيلات كبيرة للأجانب، بشرط أن يحقق ذلك مناصب شغل كثيرة للجزائريين. وقد أعدّت «اللجنة الاقتصادية الجزائرية - الفرنسية المشتركة»، التي تم إطلاقها إثر زيارة ماكرون للجزائر في 2022، مقترحات بخصوص الاستثمار والشراكة التجارية، سترفع للرئيسين لبحثها بمناسبة زيارة تبون لفرنسا في سبتمبر المقبل.
أما عن «ملف نزاع الصحراء»، فتقول المصادر ذاتها إن الجزائر «لا يعجبها التأييد الذي تقدمه فرنسا لمقترح الحكم الذاتي المغربي». وتؤكد أنها ترى أن «التزامها الحياد في هذا النزاع يضعها على مسافة واحدة من جميع الأطراف، خصوصاً أن القضية تتكفل بها الأمم المتحدة».
وكانت الجزائر سحبت سفيرها من إسبانيا، وقطعت علاقاتها التجارية معها في 2022، بسبب إعلانها دعمها الطرح المغربي في الصحراء. وما زالت العلاقات متوترة على الرغم من انفراجة بسيطة، حيث تطلب الجزائر من مدريد العودة إلى حيادها من المشكلة الصحراوية، نظير تطبيع كامل للعلاقات.

وبخصوص ملف أرشيف الثورة وتجارب الذرة، الذي يرتبط بشكل وثيق، بـ«آلام الذاكرة»، تطالب الجزائر بتسلّم كميات كبيرة من الأرشيف الفرنسي المكتوب والمصور، عن فترة الثورة (1954 - 1962)، والذي يحكم طابع السرية والدفاع جانباً كبيراً منه. وكانت فرنسا قد سلمت أجزاء منه في السنوات الأخيرة، لكن الجزائر تريد المزيد؛ لأنها تعدّ الأوراق والمستندات والشهادات الموثقة التي تمت في أرضها، حقاً لها، لا سيما ما ارتبط بالأدلة حول التعذيب والانتهاكات.
وفيما يخص التجارب النووية التي أجرتها فرنسا بصحراء الجزائر، في بداية ستينات القرن الماضي، فإن المطلب الجزائري يطرح على مستويين: تنظيف مناطق التجارب من الإشعاعات التي ما زالت تخلف أضراراً بالبشر والبيئة، وفق خبراء، وصرف تعويضات مادية للضحايا ممن بقوا أحياء أو لذويهم، وهي مسألة «لا تتعامل فرنسا معها بالجدية اللازمة»، حسب جل الجزائريين.




