ما مدى فائدة الأدوات المدعمة بالذكاء الاصطناعي في الهواتف الجديدة؟

تساعد في تحرير الصور وصياغة الرسائل وتفتقر إلى الدقة الكاملة

ما مدى فائدة الأدوات المدعمة بالذكاء الاصطناعي في الهواتف الجديدة؟
TT

ما مدى فائدة الأدوات المدعمة بالذكاء الاصطناعي في الهواتف الجديدة؟

ما مدى فائدة الأدوات المدعمة بالذكاء الاصطناعي في الهواتف الجديدة؟

كلّ عام، تطلق كبرى شركات التقنية في العالم هواتف جديدة؛ على أمل أن ينفق المستهلكون مئات الدولارات لشرائها. وتميل هذه الشركات، اليوم، أكثر فأكثر إلى توظيف عنصر جديد يحثّكم على التحديث: الذكاء الاصطناعي.

تضمّ الهواتف الذكية الجديدة من «غوغل» و«سامسونغ» مزايا تساعدكم على مراجعة عدد كبير من النصوص، وضبط نبرتكم في الرسائل النصية، والحصول على صور مبهرة. في سياق متصل، تزعم تقارير أنّ «آبل» تُسابق الوقت لتطوير أدوات ومزايا ذكاء اصطناعي تأمل بضمّها إلى الإصدار المرتقب من برنامجها التشغيلي، الذي سيبصر النور، إلى جانب النماذج الجديدة من الآيفون في وقتٍ لاحقٍ من هذا العام.

مزايا الذكاء الاصطناعي

لكن السؤال الحقيقي هنا هو: أيّ هذه الأدوات المدعمة بالذكاء الاصطناعي المزروعة في الهواتف الذكية مفيدٌ حقاً؟

الجواب صعب لأنّ الأمر يعتمد على استخداماتكم الهاتف وما تَعدّونه أنتم مفيداً. ولمساعدتكم في هذا المجال، وضع كريس غلازكو، المحلل التقني الأميركي، الدليل التالي الذي يتضمّن مزايا الذكاء الاصطناعي التي ستصادفونها في الهواتف، اليوم، حتّى تقرّروا أيّها المفيد لكم.

> تحرير الصور. يعمل صانعو الهواتف الذكية، منذ سنوات، لتحسين الصور التي تخرج من أجهزة الاستشعار الصغيرة في كاميرات أجهزتهم. واليوم، ها هم يزوّدون مستخدميهم بأدوات تسهّل عليهم مراجعة وتعديل صورهم.

تتيح لكم هواتف «غوغل» و«سامسونغ»، اليوم، تعديل مقاس صورتكم، وحذف الأشخاص والأشياء منها، ومن ثمّ يعمد الذكاء الاصطناعي التوليدي المزروع في هذه الهواتف إلى ملء الفجوات البصرية التي خلّفتها هذه التعديلات. الأمر أشبه بالفوتوشوب، باستثناء أنّ هناك ما يقوم بالعمل الصعب عنكم، ولو بقدرات محدودة. يمكنكم استخدام هذه الأدوات المدمجة لتوليد الأشخاص والأشياء، وإضافات متخيّلة أخرى لم تكن موجودة في الصورة الأصلية. وغالباً ما ينتهي الأمر بنتائج غير مُرضية، فإمّا أن تكون تعبئة الفجوات غير ناجحة، أو تبدو التعبئة أشبه بالتلطيخ، فتؤثر على نوعية الصورة.

لكنّ الأدوات المخيفة حقاً هي تلك التي تتيح للمستخدم اختيار تعابير محدّدة في وجوه الناس الظاهرين في واحدة من سلسلة صورٍ التقطها على التوالي.

بعض الناس قد لا يمانعون في هذا النوع من الأدوات، بينما يرى فيها البعض الآخر انفصالاً عن الواقع. في جميع الأحوال، يجب أن تتوقعوا اهتماماً بالغاً من الذكاء الاصطناعي بصوركم في هاتفكم المقبل.

> ضبط نبرة صياغة الرسائل. الرسائل الموجّهة إلى ربّ العمل يجب ألا تبدو كالرسائل الموجّهة للأصدقاء طبعاً، والعكس صحيح. لهذا السبب، تستخدم أداتا «تشات أسيست (Chat Assist)» من «سامسونغ»، و«ماجيك كومبوز (Magic Compose) من «غوغل»، الذكاء الاصطناعي التوليدي لتعديل اللغة في رسائلكم بطريقة تجعلها مقبولة أكثر.

تعمل «ماجيك كومبوز» في تطبيقات الرسائل التي تركّز على النصوص، ما يعني أنّها ليست سهلة الاستخدام في رسائل البريد الإلكتروني أو رسائل الواتساب. (يضمّ متصفّح «كروم» وخدمة «جي ميل» أداةً مشابهة اسمها «هيلب مي رايت (Help Me Write) ساعدني في الكتابة»، لكنّها ليست متوفرة على نطاقٍ واسعٍ بعد). يستطيع المستخدمون الذين يبتاعون هاتف «غالاكسي S4»، اليوم، استخدام نسخة «سامسونغ» من هذه الميزة في أيّ نص، والتنقّل بين المهني والعفوي والمهذّب، وحتّى الرسائل المليئة بالرسوم التعبيرية.

يمكننا القول إنّ الأداة فعالة، لكنّها لن تصبح من العادات المنتظمة، فضلاً عن أنّ أداة «سامسونغ» سجّلت إخفاقات في أصعب الأوضاع التي قد يحتاج إليها فيها المستخدم. وخلال بعض الاختبارات، عندما طلب مستخدمون مساعدة «تشات أسيست» لكتابة رسالة إلكترونية للحديث عن التوتر في مكان العمل، رفضت الأداة المساعدة، بحجّة أنّ الرسالة تحتوي على «لغة غير ملائمة».

نصوص صوتية وملخصات المقالات

> نصوص التسجيلات الصوتية. لا تقتصر وظيفة تطبيقات التسجيل الصوتية في هواتف «غوغل بيكسل» وأحدث هواتف «سامسونغ» على التسجيل الصوتي؛ لأنّها أيضاً تُحوّل التسجيلات إلى نصوص مفصّلة. بالمبدأ، تساعد هذه الميزة في تحريركم من وزر تسجيل الملاحظات خلال اجتماعٍ أو محاضرة، خصوصاً أنّها، وخلال ثوانٍ، ستزوّدكم بنصّ مكتوب بجودة مُرضية لما سمعتموه.

إذن، في حال كان هدفكم الحصول على مسوّدة موثوقة تُصاحب تسجيلاتكم، لا شكّ في أنّ هذه الأدوات ستساعدكم كثيراً، ولا سيّما أنّها قادرة على التمييز بين مختلف المتحدّثين، ما يساعدكم لاحقاً في قراءة وفهم أيّ محادثة، حتّى إنّ أداة «غوغل» تُزوّدكم بنص حيّ يظهر على شاشة الجهاز بالتزامن مع التسجيل.

لكن سواء أكنتم تستخدمون أجهزة «سامسونغ» أم «غوغل»، غالباً ما تحتاج النصوص النهائية لبعض المراجعة والتعديل قبل نسخها وإضافتها، إلى عملٍ مهمّ.

> تلخيص ما ترونه. مَن منّا لم ينقر على صفحة من «ويكيبيديا»، أو مقال، أو وصفة طهي تحتوي كثيراً من التفصيل قبل الوصول إلى النقطة الهدف؟ إذا كنتم من مستخدمي متصفّح «كروم»، فتساعدكم هواتف بيكسل بمسح هذه الصفحات الإلكترونية، وتزويدكم بالملخّص الذي تحتاجون إليه بشأنها.

للأسف، غالباً ما تتسم ملخصات «غوغل» بالسطحية والعجلة، ما يجعلها غير مُرضية.

وبالمقابل، تُلخّص هواتف «سامسونغ» ملاحظاتكم ونصوص تسجيلاتكم، ولكنّها تلخّص المواد الموجودة على شبكة الإنترنت فقط، في حال استخدمتم متصفّحها الخاص. وهذا الأمر يستحقّ؛ لأنّ ملخصاتها أفضل بكثير من ملخصات «غوغل». (بالإضافة إلى ذلك، تتيح لكم هواتف «سامسونغ» الوصول إلى نسخة أكثر تفصيلاً من التلخيص المدفوع بالذكاء الاصطناعي). في المقابل، يعاني هذان الإصداران من أدوات التلخيص عيباً كبيراً: فكلاهما لا يلخّصان مقالات من مواقع مدفوعة؛ أي معظم الصحف في الولايات المتّحدة.

> تكلفة الاستخدام. تتوفر أدوات «سامسونغ» المدعمة بالذكاء الاصطناعي مجاناً، اليوم، لكنّ ملاحظة صغيرة ظاهرة في أسفل صفحة الشركة الرسمية ترجّح أنّها ستصبح أخيراً مدفوعة الثمن.

وكان المتحدّث باسم الشركة قد قال، في تصريح: «نحن ملتزمون بتوفير مزايا غالاكسي المدعمة بالذكاء الاصطناعي لأكبر عددٍ من مستخدمينا، ولا نفكّر بإحداث أيّ تغيير في هذا الاتجاه قبل عام 2025».

من جهتها، عمدت «غوغل» إلى حصر بعض من أدواتها المدعمة بالذكاء الاصطناعي بأجهزة محدّدة (مثلاً، تتوفر أداة «فيديو بوست Video Boost» المصمّمة لتحسين مقاطع الفيديو على هواتف بيكسل 8 برو فقط). في الماضي، أصدرت «غوغل» نماذج من بعض أدوات الذكاء الاصطناعي لأهداف تجريبية، كميزة «ماجيك كومبوز»، المتوفرة اليوم لمشتركي الشركة في خدمة «غوغل وان». وبدأت الشركة أخيراً فرض رسوم لتتيح للمستخدمين الوصول إلى أحدث روبوت محادثة مدفوع بالذكاء الاصطناعي، إلّا أنّ الشركة لم تُدلِ بأي تصريحات حول فرض رسوم مستقبلية على مزايا الذكاء الاصطناعي في الهواتف.


مقالات ذات صلة

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

تكنولوجيا يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

«بيربليكسيتي» توسع طموحها من البحث إلى الحوسبة الشخصية، ساعية إلى دور أكبر للذكاء الاصطناعي في الاستخدام اليومي للحاسوب.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

دراسة جديدة تطور إطاراً يتيح للروبوتات نقل المهارات بأمان بين منصات مختلفة بما قد يقلل تكلفة الأتمتة والتحديث الصناعي.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)

خاص «سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الشبكات اللاسلكية في السعودية رغم التعقيد

التقرير يرصد تحول الشبكات اللاسلكية في السعودية إلى أداة للنمو وسط تصاعد التعقيد والمخاطر الأمنية وفجوة المهارات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الميزة لا تعني إزالة «شورتس» نهائياً من المنصة بل تقليص ظهوره والتحكم في استهلاكه (أدوبي)

هل تسعى «يوتيوب» إلى تقليص حضور «شورتس»؟

«يوتيوب» يضيف خيار «صفر دقيقة» لتقليص تصفح «شورتس» في خطوة تمنح المستخدم تحكماً أكبر دون إزالة الخدمة نهائياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا حوّل المهام الروتينية التقليدية إلى عمليات ذكية وسريعة لتسريع الإبداع

وحدات «إنفيديا» للرسومات المدمجة في الكومبيوترات المحمولة تطلق عنان الإبداع والذكاء الاصطناعي

تهدف وحدات «إنفيديا» لتوفير تجربة إنتاجية ذكية للأعمال الإبداعية بأداء مضاعف وموثوقية أعلى في تطبيقات التصميم والمونتاج.

خلدون غسان سعيد (جدة)

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
TT

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

توسّع «بيربليكسيتي» طموحاتها إلى ما هو أبعد من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ترى أن المرحلة المقبلة من الحوسبة الشخصية ستقوم على مساعد أكثر وعياً بسياق المستخدم، وقادر على الاقتراب من نشاطه الرقمي اليومي.

وفي منشور جديد عبر موقعها الإلكتروني بعنوان «The Personal Computer Is Here»، تعرض الشركة هذه الرؤية باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لجعل الذكاء الاصطناعي طبقة أكثر حضوراً في التصفح والبحث وتنفيذ المهام، بدلاً من بقائه أداة تُستخدم للإجابة عن الأسئلة المنفصلة فقط. ويتقاطع هذا الطرح مع الاهتمام المتزايد باستراتيجية «بيربليكسيتي» في مجال المتصفح، ومع مساعيها للانتقال من منتج بحث إلى واجهة أوسع للذكاء الاصطناعي الشخصي.

ولا تتمثل أهمية التطور هنا في أن الشركة نشرت بياناً جديداً عن منتجها فحسب، بل في أنها باتت تعرض تقنيتها بوصفها جزءاً من تحول أكبر في طريقة تفاعل المستخدمين مع الحواسيب. فبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي كإضافة إلى سير العمل القائم، تضعه «بيربليكسيتي» في موقع الطبقة التي يمكن أن يمر عبرها هذا السير نفسه. وهذا يضع الشركة في منافسة أكثر مباشرة ليس فقط مع منافسي البحث بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مع مطوري المتصفحات والشركات التي تحاول رسم واجهة الاستخدام المقبلة في عصر الذكاء الاصطناعي.

التحول الجديد يشير إلى أن «بيربليكسيتي» تريد أن تؤثر في طريقة استخدام الحاسوب لا في البحث فقط «بيربليكسيتي»

«توسيع دور بيربليكسيتي»

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ لأن «بيربليكسيتي» بنت حضورها الأول بوصفها منصة تعتمد على الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والبحث على الويب. أما الآن، فتشير اللغة الجديدة التي تستخدمها الشركة إلى أنها تريد أن تُعرَف بدرجة أقل كوجهة لطرح الأسئلة، وبدرجة أكبر كنظام يفهم سياق المستخدم ويساعده في إدارة أنشطته الرقمية الأوسع. وعملياً، يعني ذلك الاقتراب أكثر من طريقة تصفح الأفراد، ومقارنتهم للمعلومات، واتخاذهم القرارات، وتنفيذهم المهام. وهو ادعاء أكبر بكثير من مجرد تقديم نتائج بحث أفضل.

كما يساعد السياق الصناعي الأوسع في تفسير هذا التوجه؛ فشركات الذكاء الاصطناعي تحاول بشكل متزايد تجاوز واجهات الدردشة المستقلة إلى بيئات برمجية تلتقط قدراً أكبر من النشاط اليومي للمستخدم. وأصبحت المتصفحات ساحة مهمة لهذا التنافس؛ لأنها تحتل بالفعل موقعاً مركزياً في كيفية عمل كثير من الناس على الإنترنت. ومن خلال ربط رسالتها بالحوسبة الشخصية لا بالبحث فقط، تبدو «بيربليكسيتي»، وكأنها تقول إن المتصفح والمساعد الذكي يبدآن في الاندماج.

الانتقال إلى طبقة أكثر التصاقاً بالمستخدم يفرض تحديات تتعلق بالسياق والخصوصية والموثوقية «بيربليكسيتي»

الخصوصية والموثوقية أولاً

لا يعني هذا الانتقال أن الطريق سهل؛ فوجود طبقة ذكاء اصطناعي أكثر التصاقاً بالمستخدم يتطلب الوصول إلى السياق، والاستمرارية عبر المهام، وقدراً كافياً من الثقة حتى يسمح الأفراد للبرمجيات بالاقتراب أكثر من عادات عملهم. وهذه متطلبات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد الإجابة عن سؤال أو تلخيص صفحة. كما أنها ترفع سقف التحديات المرتبطة بتصميم المنتج، وتوقعات الخصوصية، والموثوقية. وتوحي الرسائل الأخيرة للشركة بأنها ترى أن هذا التحدي يستحق المخاطرة؛ لأن الميزة التنافسية المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي فقط من جودة الإجابة، بل من التغلغل في سير العمل اليومي للمستخدم.

«بيربليكسيتي» توسع موقعها

ما يبرز أكثر من غيره هو اللغة التي باتت «بيربليكسيتي» تستخدمها في تعريف نفسها؛ فالشركة تبدو وكأنها تحاول تثبيت موطئ قدم في فئة تتجاوز البحث، بل حتى تتجاوز الدردشة. إنها تصف مستقبلاً لا يُستشار فيه الذكاء الاصطناعي من حين إلى آخر فحسب، بل يصبح طبقة تشغيل يومية في الحوسبة الشخصية. وهذا إطار استراتيجي أوسع بكثير من ذاك الذي عُرفت به حين ظهرت بدايةً بوصفها شركة ناشئة في البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى «بيربليكسيتي»، فإن دلالة هذا التحول واضحة؛ فالشركة لا تسعى فقط إلى تحسين الطريقة التي يعثر بها المستخدمون على المعلومات، بل تريد أيضاً أن تؤثر في الطريقة التي يتحركون بها داخل العمل الرقمي كله. وما إذا كانت قادرة على تنفيذ هذا الوعد يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن الاتجاه بات واضحاً: «بيربليكسيتي» تريد أن يكون لها دور ليس فقط فيما يسأله الناس للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في كيفية استخدامهم الحاسوب من الأساس.


دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
TT

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

طوّر باحثون من مختبر «كرييت» (CREATE) في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) في سويسرا إطاراً جديداً يهدف إلى معالجة واحدة من أكثر المشكلات إرباكاً في الروبوتات الصناعية تتعلق بكيفية تعليم مهارة واحدة لروبوتات مختلفة البنية من دون إعادة البرمجة من الصفر في كل مرة.

الدراسة المنشورة في دورية «Science Robotics» تقدم ما يسميه الباحثون «الذكاء الحركي»، وهو نهج يحوّل المهمة التي يعرضها الإنسان إلى استراتيجية حركة عامة، ثم يكيّفها تلقائياً مع التصميم الميكانيكي لكل روبوت على حدة.

تكمن المشكلة في أن الروبوتات، حتى عندما تُستخدم في أعمال متشابهة، لا تتحرك بالطريقة نفسها. اختلاف ترتيب المفاصل وحدود الحركة ومتطلبات الاتزان يجعل المهارة التي يتعلمها روبوت ما غير قابلة للنقل مباشرة إلى روبوت آخر. ولهذا؛ فإن تحديث أسطول الروبوتات في المصانع غالباً لا يعني استبدال العتاد فقط، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف المهام، وضبط حدود الأمان، وإعادة التحقق من السلوك الحركي لكل منصة جديدة. الدراسة الجديدة تحاول فصل «فكرة المهارة» عن خصائص الروبوت الفردي، بحيث يصبح بالإمكان نقلها بين منصات مختلفة بتكلفة أقل وزمن أقصر.

الباحثون حوّلوا المهام التي يعرضها الإنسان استراتيجيات حركة عامة يمكن تكييفها مع كل روبوت على حدة (EPFL)

نقل المهارة بأمان

ولبناء هذا الإطار؛ بدأ الباحثون من مهام تلاعب بالأجسام عرضها إنسان، مثل الوضع والدفع والرمي. استخدم الفريق تقنيات التقاط الحركة لتسجيل هذه المهام، ثم حوّلها رياضياً استراتيجيات حركة عامة لا ترتبط بروبوت واحد بعينه. بعد ذلك، وضعوا تصنيفاً منظماً للقيود الفيزيائية الخاصة بكل تصميم روبوتي، مثل مدى حركة المفاصل والمواضع التي يجب تجنبها للحفاظ على الاستقرار. وبهذا، لم يعد الروبوت ينسخ حركة بشرية أو حركة روبوت آخر كما هي، بل «يفسر» المهارة ضمن حدوده الميكانيكية الخاصة.

في التجربة الأساسية، عرض إنسان مهمة مركبة على خط تجميع كدفع كتلة خشبية من سير ناقل إلى منصة عمل، ثم وضعها على طاولة، ثم رميها في سلة. ووفق التقرير، تمكنت ثلاثة روبوتات تجارية مختلفة تماماً من إعادة تنفيذ التسلسل نفسه بأمان وموثوقية باستخدام إطار الذكاء الحركي. والأهم أن النظام ظل يعمل حتى عند تغيير توزيع الخطوات بين الروبوتات؛ ما يشير إلى أن الإطار لا يحفظ مساراً واحداً فحسب، بل ينقل منطق المهمة نفسه إلى أجسام مختلفة.

أهمية النظام لا تقتصر على إنجاز المهمة بل تشمل الحفاظ على السلوك الآمن والمتوقع داخل حدود كل روبوت (أ.ف.ب)

أتمتة أسرع وأبسط

يقول الباحثون إن القيمة الرئيسية هنا لا تتعلق فقط بإتمام المهمة، بل بضمان أن كل روبوت ينفذها ضمن حدوده الآمنة. رئيسة المختبر أود بيلار وصفت ذلك بأنه معالجة لتحدٍ قديم في الروبوتات متعلق بنقل المهارة المتعلمة بين روبوتات ذات هياكل ميكانيكية مختلفة مع الحفاظ على سلوك آمن ومتوقع. أما أحد الباحثين المشاركين، فأوضح أن كل روبوت «يفسر المهارة نفسها بطريقته، ولكن دائماً ضمن حدود آمنة وقابلة للتنفيذ». هذه النقطة أساسية لأن كثيراً من أنظمة التعلم الروبوتي تُظهر أداءً جيداً في المختبر، لكنها تصبح أقل موثوقية عندما تنتقل إلى منصات أخرى أو إلى بيئات تشغيلية فعلية.

أهمية هذا النهج تظهر بوضوح في التصنيع، حيث يمكن أن يؤدي تبديل الروبوتات أو تحديثها إلى تعطيل طويل ومكلف. فإذا أمكن نقل المهارات بين الروبوتات المختلفة من خلال تمثيل عام للمهمة بدلاً من إعادة البرمجة التفصيلية، فقد يصبح نشر الروبوتات الجديدة أسرع وأكثر استدامة. التقرير يشير أيضاً إلى أن هذا يمكن أن يقلل حجم الخبرة الفنية المطلوبة لتشغيل الأنظمة في البيئات الواقعية، وهي نقطة قد تكون مهمة للشركات التي تريد توسيع الأتمتة من دون الاعتماد الكامل على فرق برمجة متخصصة لكل منصة.

لا يقف طموح الباحثين عند خطوط الإنتاج. فهم يرون أن الإطار قد يمتد إلى التعاون بين الإنسان والروبوت، أو إلى التفاعل المعتمد على اللغة الطبيعية، حيث يمكن للمستخدم أن يوجه الروبوت بأوامر بسيطة من دون الخوض في برمجة تقنية معقدة. كما يبدو النهج مناسباً للمنصات الروبوتية الناشئة، حيث تتطور العتاد بسرعة وقد تُستبدل النماذج الحالية بأخرى أحدث خلال فترة قصيرة. في هذه البيئات، لا تكون المشكلة في تعليم الروبوت مهمة واحدة فحسب، بل في الحفاظ على تلك المهارة قابلة للنقل مع كل جيل جديد من الآلات.


فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)

في مشهدٍ بدا أقرب إلى لقطاتٍ من فيلمٍ خيالي، تحوّل روبوتٌ بشري إلى حديث الشارع في وارسو، بعدما ظهر في مقطعٍ مصوّر وهو يطارد خنازير برية بين أحيائها، في ظاهرةٍ جمعت بين الدهشة والطرافة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

الروبوت، الذي يحمل اسم «إدوارد وارتشوكي» ويُعرف اختصاراً بـ«إيدِك»، ليس مجرد تجربة تقنية عابرة، بل مشروعٌ طموحٌ وُلد من تعاونٍ بين تقنياتٍ صينية وبرمجياتٍ طُوّرت محلياً. وقد اشتراه رائدا أعمالٍ بولنديان مقابل نحو 25 ألف دولار، قبل أن يعملا على تطوير نظامه ليصبح وفق توصيفهما أول «مؤثر روبوتي» في بولندا. وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز».

وخلال أسابيع قليلة، خرج «إيدِك» من إطار التجربة المحدودة إلى فضاء الشهرة الواسعة، إذ حقّقت مقاطعه على وسائل التواصل أكثر من 1.5 مليار مشاهدة خلال 45 يوماً، ما جعله ظاهرةً رقميةً لافتةً، تتجاوز حدود الترفيه إلى التأثير الاجتماعي.

لا يقتصر حضور الروبوت على الشاشات؛ فقد بات جزءاً من الحياة اليومية في المدينة، يتنقّل بين الحافلات والمتاجر، ويشارك في فعالياتٍ عامة، بل ويتحوّل أحياناً إلى أداةٍ تسويقية تستعين بها شركاتٌ محلية في حملاتها. ويضيف إلى صورته اللافتة ارتداؤه ساعة «رولكس» مرصّعة بالألماس، في إطار اتفاقية رعاية، ما يعكس تداخلاً غير مألوف بين التكنولوجيا وعالم العلامات الفاخرة.

وبحسب مطوّريه، فإن «إيدِك» يتميّز بقدرةٍ متقدمة على التفاعل الإنساني، إذ جرى تزويده بنموذجٍ لغويٍّ متطور يمكّنه من التحدّث والاستماع بشكلٍ مستقل، فضلاً عن نظام تحديد مواقع (GPS) وقاعدة بيانات تُنشئ ما يشبه «ذاكرةً» رقمية، تمنحه إدراكاً للزمان والمكان.

ويقول أحد القائمين على المشروع إن سلوك الروبوت لم يعد قابلاً للتوقّع دائماً، مضيفاً: «لا نعرف بدقةٍ ما الذي سيقوله، وهذا ما يفاجئنا. كما أنه يتفاعل مع مشاعر من يحدّثهم؛ فإذا واجه شخصاً غاضباً أو محبطاً، يتأثر بذلك ويستجيب بطريقةٍ أقرب إلى التعاطف».

الحضور اللافت للروبوت امتدّ أيضاً إلى المجال العام، حيث التقى بمسؤولين حكوميين، وعقد مؤتمراً صحافياً داخل البرلمان، بل وشارك في نقاشاتٍ مع نواب حول قضايا اجتماعية، في مشهدٍ يعكس تحوّلاً غير مسبوقٍ في دور التكنولوجيا داخل الحياة السياسية.

وفي إحدى المباريات الجماهيرية التي حضرها نحو 20 ألف مشجّع، سرق «إيدِك» الأضواء عند ظهوره على الشاشة الكبيرة، إذ توقّف كثيرون عن متابعة اللقاء، وارتفعت هتافات الأطفال باسمه، في لحظةٍ بدت أقرب إلى احتفاءٍ بنجمٍ رياضي.

ورغم الطابع الترفيهي الذي يحيط بالمشروع، يؤكد مطوّروه أن الهدف يتجاوز ذلك، ليشمل تعريف المجتمع بعالم الروبوتات، والدفع نحو تشريعاتٍ تستقطب الاستثمارات في هذا القطاع سريع النمو، خصوصاً في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة، حيث تتقدّم الشركات الصينية، إلى جانب شركاتٍ أميركية مثل «تسلا».

في المحصلة، لا يبدو «إيدِك» مجرد روبوتٍ يرتدي ساعةً فاخرة أو يطارد خنازير برية، بل تجربة إنسانية مفتوحة على أسئلة المستقبل: كيف سيتعايش البشر مع هذه الكيانات الذكية؟ وهل تصبح جزءاً مألوفاً من تفاصيل الحياة اليومية خلال سنواتٍ قليلة؟ الإجابة، كما يبدو، بدأت تتشكّل... خطوةً بعد أخرى.