ما الذي يعنيه أن تكون أسود اللون في أميركا؟

دوكس يرى كتابه الجديد تتويجاً لرحلة روحية

دوكس مع أيقوناته
دوكس مع أيقوناته
TT

ما الذي يعنيه أن تكون أسود اللون في أميركا؟

دوكس مع أيقوناته
دوكس مع أيقوناته

عندما دخل مارك دوكس ديراً للأرثوذكس الشرقيين في تكساس عام 1987، خالجه اعتقاد بأنه ربما يمتهن العمل راهباً. وبعد مرور عام، أدرك أن ذلك لن يحدث، لكنه وجد شيئاً آخر داخل كنيسة الدير: صوراً ليسوع المسيح ومريم العذراء مرسومة على الطراز البيزنطي، ووجهاهما الهادئان محاطان بهالات ذهبية كبيرة. وقال: «كان الأمر أشبه برؤية جسدية».

وعليه، قرر دوكس في ذلك الوقت أن يصبح رسام أيقونات، لكن بوصفه رجلاً أسود نشأ في الستينات، صارع دوكس العنصرية التي عاشها داخل المجتمع والكنيسة - والآن، دخل في صراع جديد مع احتمال تشييده أيقونات ليسوع أبيض البشرة.

وعن ذلك، قال: «قلت لنفسي: أليس من الرائع أن تكون قادراً على التعبير عن هذه الروحانية، لكن مع التعامل في الوقت ذاته مع المآزق الوجودية لما يعنيه أن تكون أسود اللون في أميركا؟».

بعد مغادرة الدير، واصل دوكس الاضطلاع بذلك، وتولى بناء أيقونات لدارين فريدين للعبادة في سان فرانسيسكو: كنيسة سانت جون كولترين، التي يُعدّ قديسها أسطورة بعالم موسيقى الجاز، وكنيسة القديس غريغوريوس أسقف نيصص القريبة، التي تضم مجموعة القديسين الخاصة بها 90 شخصاً و4 حيوانات، جميعهم يرقصون معاً.

وغطى دوكس جدران كنيسة القديس غريغوريوس أسقف نيصص في سان فرانسيسكو، بصور العشرات من القديسين يرقصون معاً.

بوجه عام، تميل أعمال دوكس الكنسية نحو التوقير، وغالباً ما يصور أشخاصاً ببشرة داكنة بوصفهم شخصيات مقدسة، أو يصوِّر شخصيات مقدسة في صورة أشخاص داكني البشرة. وفي خضمّ بنائه لهذه الأعمال المقدسة لحساب الآخرين، كان دوكس يصوغ قصته العبثية الخاصة التي أثمرت كتاباً فنياً مصوراً بعنوان «ذي إن وورد أوف غود» (كلمة «زنجي» من الله).

صدر الكتاب المؤلف من 366 صفحة عن دار «فانتاغرافيكس» في 27 فبراير (شباط). ويتمحور حول شخصية تدعى سانت سامبو، وهو رجل داكن البشرة يرتدي قبعة مرتفعة وسلاسل، بينما يحمل وجهه ابتسامة مبالغاً فيها محددة باللون الأبيض، ما أثار بالأذهان صورة الشاعر المنشد المرتبطة بالقرون الوسطى. وفي الكتاب، يتحول سانت سامبو من مادة للسخرية إلى المخلص الحقيقي للشعب.

تضمنت القصة لوحات للسيدة مريم، في دور العمة جيميما، وكذلك صور أخرى للعذراء وطفلها يسوع المسيح بوجهين أسودين؛ ما شكل استفزازاً لكثيرين.

في هذا الصدد، قال دبليو غابرييل سيلاسي، أستاذ الدراسات الأفريقية في جامعة ولاية كاليفورنيا، نورثريدج: «يصور مارك بشكل كاريكاتيري فكرة الشاعر المنشد التي فُرضت على السود، بل وتبنوها، إلى جانب فكرة المسيح الأبيض».

وفي مقابلة معه، قال دوكس، 65 عاماً، إن كتابه الجديد يُعدّ أول كتاب لرسوم الأيقونات، ويمثل تتويجاً لرحلة روحية خاضها لأكثر من ثلاثة عقود. وأضاف: «إنه تحقيق للرؤيا الأصلية التي رأيتها في الكنيسة الأرثوذكسية الصغيرة داخل الدير».

جدير بالذكر أن دوكس، الأصغر بين ثلاثة أشقاء، وُلِد ونشأ في كولومبوس بأوهايو في عائلة فقيرة للغاية. وكان والده يعمل في وظيفة ثابتة بشركة كهرباء، بينما عملت والدته خادمة.

وعندما أشاد أحد معلمي المدارس الابتدائية بقراءة دوكس ذات يوم، قال الفنان إن والدته فرحت كثيراً، لأنها كانت أمّية. وبمرور الوقت، أصبح دوكس قارئاً متحمساً للكتب المصورة وكتب الخيال (كان كورت فونيغت كاتبه المفضل). وانضم لاحقاً إلى فرق الشطرنج والتنس في مدرسته الثانوية. يقول: «لقد كنت الطالب الذي يذاكر كثيراً، لكنني رغم كوني طالباً مجتهداً، كان يُحسَب لغضبي ألف حساب».

بعد المدرسة الثانوية، التحق دوكس بكلية كولومبوس للفنون والتصميم. وأثناء وجوده هناك، دعت امرأة دوكس لحضور كنيستها، التي كانت رائعة، لذلك قرر الذهاب بالفعل. وهناك، سرعان ما وجد دوكس نفسه وجهاً لوجه أمام يسوع «هذا الكائن الغامض المحب»، كما قال. وبعد ذلك، قرر ترك مدرسة الفنون إلى الأبد.

يقول: «لقد خرجت في رحلة بحث»، واصفاً حالة من البحث الروحي المستمر عايشها، توقف خلالها عند محطات الهندوسية وحركة «هاري كريشنا»، من أجل أن يعاود معايشة هذا الشعور بالحب الشامل الذي اختبره للمرة الأولى داخل مدرسة الفنون.

وفي وقت لم يكن لديه سوى 12 دولاراً في جيبه، توجه دوكس إلى كاليفورنيا، واستقر في النهاية في سان فرانسيسكو، حيث وجد نفسه يعيش في الشوارع ويساعد في مطبخ للفقراء. رأى القس الذي يدير المكان أن دوكس ربما لديه مهمة أعلى من الحساء، وهذا السبب الذي جعل دوكس ينتهي به الأمر في دير تكساس، حيث تعلم كيفية نحت صور القديسين على سطح بيض الإوز.

عندما عاد إلى سان فرانسيسكو، زار دوكس، حاملاً البيضة في يده، كنيسة سانت جون كولترين. ولحسن الحظ، كان القس هناك يبحث عن شخص ليرسم أيقونات لعازف الساكسفون الشهير الذي تحمل الكنيسة اسمه.

وقال رئيس الأساقفة فرانزو كينغ، أحد مؤسسي الكنيسة: «في أحد أيام الأحد، ظهر هذا الشاب ومعه بيضة إوز عليها أيقونة. فقلت: أخي. لقد كنا في انتظارك». وأضاف كينغ أن دوكس بدا عليه التردد، وظهر أنه غير واثق ما إذا كان كولترين «يستحق التبجيل». وأضاف: «لم يكن مارك عازف جاز، ولم يكن يعرف شيئاً عن كولترين». في النهاية، جاء دوكس وربط بحثه عن إله الحب مع فكرة كولترين المثالية عن «الحب الأسمى»، عنوان ألبومه الموسيقي الشهير الصادر عام 1965.

في أيقوناته، عمد دوكس إلى تصوير كولترين في ثياب بيضاء متدلية، ورأسه محاط بهالة ذهبية، ولهيب إلهي مشتعل داخل ساكسفون عازف الجاز. وحتى الآن، تُعدّ هذه الصور من بين أعمال دوكس الأكثر شهرة، وظهرت على صفحات مجلة «ذي نيويوركر» و«تي: ذي نيويورك تايمز ستايل مغازين».

وعكف دوكس على الرسم في سقيفة تخزين غير مستخدَمة، على أرض ما أصبح فيما بعد كنيسة القديس غريغوريوس النيصي. وسمح دونالد شيل، المؤسس المشارك لكنيسة سانت غريغوري، لدوكس بالعمل هناك في الأوقات التي لم يكن الفنان فيها متطوعاً في مطبخ إعداد الحساء.

عام 1998، وبمجرد الانتهاء من بناء كنيسة القديس غريغوريوس، تواصل مسؤولون مع دوكس بشأن خطة لملء الكنيسة بأيقونات القديسين الراقصين. وقال أحدهم: «قال مارك، وأنا هنا أقتبس نص كلامه: (أعتقد أنني أحمل رسالة للاضطلاع بهذا العمل)».

ومنذ ذلك الحين وحتى عام 2008، رسم دوكس عدداً أكبر من الصور المستوحاة من واقع الحياة لـ«القديسين» المحبوبين، ومن بينهم سيزار شافيز، وسوجورنر تروث، وآن فرانك؛ وشكلت صورهم الراقصة دائرة حول القاعة المستديرة للكنيسة.

رؤية السود على أنهم بشر أمر مدمر للعقل الأميركي لأنه عليك أن تقول: «ماذا فعلنا؟ كيف تعاملنا معكم؟ ولا يوجد كثير من الأشخاص يريدون التحدث عن ذلك»

وفي الأوقات التي أوقفت فيها الكنيسة العمل لجمع الأموال لمرحلتها التالية، عمل دوكس بمجال توريد قطع غيار السيارات لشركات مختلفة.

عام 2009، التقى دوكس بكيري جيمس مارشال، الرسام والنحات الشهير، في أثناء محاضرة كان مارشال يلقيها داخل متحف سان فرانسيسكو للفن الحديث. وأثمر الاجتماع سلسلة من التوجيهات تلقاها دوكس على مدار 4 أشهر، وينسب إليها الفضل في مساعدته على تطوير النهج البصري الذي يطلق عليه «بيزادا»، وهو مزيج من الصور البيزنطية وعناصر ساخرة مستوحاة من حركة الدادية الفنية.

ومنذ ذلك الحين، ظهرت أعمال دوكس في فيلم وثائقي عام 2021 («سانت كولترين: الكنيسة المبنية على الحب الأسمى» على قناة «إن بي آر»). كما جرى تحليل أعماله في دراسات أكاديمية.

كما ظهرت أعمال دوكس الفنية على الملصقات واللافتات في الاحتجاجات ضد وحشية الشرطة. (لوحة «سيدة فيرغسون» التي تتخيل مريم العذراء السوداء في مرمى البندقية، ويداها مرفوعتان ليس في وضع الدعاء، وإنما الاستسلام) معروضة في الوقت الحاضر بكاتدرائية القديس يوحنا في نيويورك.

أما فيما يخص الكتاب الجديد: «كلمة (زنجي) من الله»، فإنه عبارة عن مجموعة من أعظم أعمال دوكس. ومع ذلك، فإن موضوعاتها وصورها الاستفزازية شكلت تحدياً حتى للأصدقاء والحلفاء.

من جهته، يعترف دوكس بأن عمله قد يكون صعباً. ويقول إن رؤية السود على أنهم «بشر أمر مدمر للعقل الأميركي، لأنه عليك أن تقول: ماذا فعلنا؟ كيف تعاملنا معكم؟ ولم أرَ كثيراً من الأشخاص يريدون التحدث عن ذلك».

* خدمة «نيويورك تايمز»



أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار
TT

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

لطالما حظيت شجرة الأرز بمكانة مرموقة لم تتح لأي شجرة مماثلة عبر التاريخ، سواء تعلق الأمر بالملاحم والأساطير أم بالكتب المقدسة وقصائد الشعراء. ففي ملحمة غلغامش الشهيرة، لم يجد البطل السومري أفضل من أرز لبنان، لكي يبني من أخشابه بيوت أوروك، حتى ولو اضطره الأمر إلى مصارعة «خومبابا»، الكائن المرعب الذي عيّنه الإله «إنليل» حارساً للغابة. والأرزة هي الشجرة التي حرص الفينيقيون على الاستعانة بخشبها لصناعة سفنهم التجارية العابرة للبحار، والتي استعان بها الفراعنة للإفادة من زيوتها في تحنيط الموتى، واستعان بها العبريون لبناء الدور والقصور والمعابد.

كما ورد اسم الأرز أكثر من سبعين مرة في العهد القديم، بوصفه أحد أكثر الأشجار صلابةً وجمالاً وتحدياً لغضب الطبيعة وثباتاً في وجه الزمن. ففي سفْر الأخبار الثاني يكتب الملك سليمان لحيرام ملك صور، أثناء بناء الهيكل، رسالة جاء فيها «أرسل لي خشب أرزٍ وسروٍ وصندلٍ من لبنان، فأنا أعرف أن رجالك ماهرون في قطع خشب الأرز». وجاء في سفْر عزرا «أعطوا فضة للنحاتين والنجارين ومأكلاً ومشرباً للصيدونيين والصوريين كي يأتوا بخشب الأرز من لبنان إلى بحر يافا، حسب إذن قورش ملك فارس». أما في «نشيد الأناشيد»، فيرد شجر الأرز في موقعي الجمال والصلابة في آن واحد، فالعريس في النشيد «طلعته كلبنان رائع كالأرز»، فيما الحبيبان يأنسان إلى مسكن راسخ الأركان، يصفانه بالقول «جوائز بيتنا أرز وروافدنا سرو».

أمين الريحاني

ولعل الصفات الاستثنائية التي جعلت من الأرز موضع إعجاب الأنبياء والملوك في العهد القديم هي نفسها التي جعلته يظهر من جهة أخرى بمظهر الصلف والتشاوف الجالبين للشرور، بحيث جاء في المزمور السابع والثلاثين «رأيت الشرير متعالياً مثل أرز لبنان». كما جاء في سفر حزقيال «يا ابن آدم، قل لفرعون ملك مصر إني أشبّهك بشجرة أرز في لبنان، بهية الأغصان، وارفة الظل، شامخة تُطاول قمتها الغيوم. ولأن فرعون تشامخ وتكبّر، فإن الرب يكسره ويحطم فروعه، لئلا تشمخ شجرةٌ ما، مغروسة على المياه».

إلا أن التهديد بأوخم العواقب، لن يظل في دائرة البشر المستكبرين والشبيهين بالشجرة فحسب، بل سيتعدى ذلك ليطال الشجرة نفسها، وقد طفح بغرورها الكيل. وهو ما بدا واضحاً في المزمور التاسع والعشرين، حيث نقرأ ما حرفيته «صوت الرب عظيم القوة. صوت الرب يكسر الأرز. يكسر الرب أرز لبنان. يجعل لبنان يقفز كالعجل، وحرمون كولد الثور الوحشي». والأرجح أن يسرائيل كاتس، وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي، كان يستند إلى الوعيد التوراتي نفسه، حين عمد قبل أيام إلى التهديد بإحراق لبنان وأرزه، على حد سواء.

سعيد عقل

أما اللبنانيون من جهتهم، فلم يكفوا عن التغني بالشجرة المعمرة، التي رأوا في مواصفاتها النادرة دليلاً آخر على فرادة لبنان، ورأوا في شموخها بعضاً من شموخه. ولأن الشجرة واحدة من الرموز القليلة التي اتفقوا عبر الزمن على الالتفاف حولها، فهم لم يترددوا في جعلها تتوسط علم الكيان الناشئ، ليصبح لونها الأخضر، بما يحمله من دلالات الخصب والنماء، اللون الثالث المضاف إلى بياض الثلوج والقلوب، وإلى احمرار الدماء المراقة على مذبح التحقق.

ولم يكن مستغرباً بالطبع، أن يجعل رشيد نخلة من الشجرة المعمّرة جزءاً من النشيد الوطني اللبناني، وهو الذي يسند ظهره وشعره إلى غابة أرز الباروك، الأمر الذي عكسه قوله في النشيد «إسمهُ عزّهُ، منذ كان الجدودْ، مجدهُ أرزهُ، رمزه للخلودْ». على أن نخلة لم يكتف من الأرز بهذه الإشارة المهمة التي يرددها ملايين اللبنانيين منذ أجيال، بل أفرد له قصائد ومنظومات عدة، كان من أكثرها حرارة وصدقاً قوله أثناء إبعاده القسري إلى فلسطين، عند نهايات الحقبة العثمانية:

تلفَّتُ من عليا فلسطين أبتغي

سواحلَ أرض الأرز والهضباتِ

فقلتُ لنفسي تلكُمُ الدار دارهم

رفاقي، وأهلي عنها ولِداتي

فهل حفروا قبري بمنْبت أرزها

ولفُّوا بخضراء الغصون رفاتي

إذا طاب موتي بعد يأسٍ وغربةٍ

وإن رقصتْ فوق الضريح عِدَاتي

اللافت أن رغبة الشاعر في أن يتحول خشب الأرز إلى نعش له، وترابه إلى مثوى، قد سرت لدى الكثير من شعراء لبنان مسرى النار في الهشيم، وتكررت عند غير مشتغل بالأدب والفن، وبينها قول داود عمون، البرلماني والحقوقي والشاعر اللبناني المعروف، وقد اضطرته الظروف القاهرة للابتعاد طويلاً عن وطنه الأم:

يا بني أمي إذا حضرتْ ساعتي

والطبُّ أسلَمَني

فاجعلوا في الأرز مقبرتي

وخذوا من ثلجه كفني

والواقع أن كل من يتابع نتاج الشعراء والكتاب اللبنانيين في القرنين السابقين، بخاصة في الفترة التي أعقبت ولادة دولة لبنان الكبير، لا بد له أن يلاحظ مدى ما خص به هؤلاء شجر الأرز من عناية واهتمام. لا بل إن التغزل بالأرز وصفاته ودلالاته الموحية، بات جزءاً لا يتجزأ من الصورة الزاهية التي رسمها للبنان، عشرات الشعراء والكتاب الذين اصطلح على وضعهم في خانة «المدرسة اللبنانية في الأدب». وإذا كان قد أطلق على شبلي الملاط لقب «شاعر الأرز»، فإن سعيد عقل رغم ذلك، هو الذي يستحق تلك التسمية، باعتباره أحد أكثر الشعراء الذين خصوا لبنان وجباله وأرزه بعشرات القصائد والمقطوعات، وبينها بيتاه الشهيران:

أهلي، ويغلون، يغدو الموت لعبتهم إذا تطلّع صوب السفح عقْبانُ

من حفنةٍ وشذى أرزٍ كفايتهمْ زنودهم، إن تَقلَّ الأرضُ، أوطانُ

وبصرف النظر عن القيمة الإبداعية للقصائد والنصوص المكتوبة في تمجيد الأرز، وقد اتسم بعضها بالوصف السطحي والإنشاء الركيك، فيما حفل بعضها الآخر بالبلاغة العالية والأسلوب المتقن، فقد انفرد المفكر والأديب اللبناني أمين الريحاني بتقديم مقاربة مغايرة لواقع الحال، تختلف تماماً عن المألوف البلاغي أو المدرسي.

كل من يتابع نتاج الشعراء والكتاب اللبنانيين في القرنين السابقين لا بد له أن يلاحظ مدى ما خص به هؤلاء شجر الأرز من عناية واهتمام

ففي مقالة له بعنوان «الأرز»، كتبها إثر زيارة قام بها إلى غابة بشرّي المعروفة، يستهل صاحب «قلب لبنان» المقالة بالقول: «وصلنا إليك يا أرز لبنان سالمين. ولكن الأمل تدهور من علياه، والخيال طاح عن سماه، والقلب نُكب في إيمانه وهواه، عندما أطللتُ على مجدك المكوّم تحت جفن الجبل»، وصولاً إلى قوله القاسي: «كنت أتخيل الزمان مجسماً في غابات الأرز، فرأيت الأرز مصغراً في كف الزمان».

ومع أن الريحاني ما يلبث لدى توغله في عمق الغابة، أن يصحح الصورة على نحو ما، ليوضح مستدركاً بأن ما يصح على الجبال والسهول والبحار، لا يصح على المعابد والآثار واللوحات، لأن هذه الأخيرة ينبغي معاينتها عن كثب، لكي يمكننا الوقوف على قيمتها الحقيقية، إلا أن ذلك لم يمنعه بالمقابل من الانتقاد الجريء لأسلافه الأقدمين، باعتبار أنهم أسهموا جميعاً في تقزيم غابة الأرز، لتنكمش على نفسها في ركن منعزل من الجبل، فكتب قائلاً «سمعتُ أصوات الفؤوس والمناجل في الغابات، وسمعتُ أصوات المطارق والمناشير في مصانع جبيل، ورأيت خشب الأرز في السفن الحربية التي غزا بها الفرس بلاد الإغريق».

وإذ يغفر الريحاني لأسلافه الفينيقيين قطعهم أشجار الأرز لبناء سفن متينة يمخرون بواسطتها أعالي البحار، بحثاً عن حياة أفضل وتبادلات تجارية رابحة، فإنه لم يغفر لهم تنازلهم عن تلك الأشجار العظيمة لغيرهم من الأمم والشعوب، ممن بنوا بواسطتها هياكل ومعابد وقصوراً باذخة، مقابل حفنات متفاوتة من الأموال. لا بل إن ما أصابه بالذهول، هو أن الأسلاف أنفسهم، هم الذين قدموا للإسكندر المقدوني، الخشب اللازم لبناء الأسطول الضخم، الذي تمكن بواسطته من إسقاط مدنهم الساحلية، واحدة تلو الأخرى. ولم يكن بالأمر المفاجئ تبعاً لذلك، أن يختتم الريحاني نصه المؤثر بالقول «ولكنها التجارة يا بني، التجارة على الدوام، في كل زمان ومكان».


عُمّال في لوحة من الميراث الفني الأموي

عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
TT

عُمّال في لوحة من الميراث الفني الأموي

عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن

حلّ «يوم العمال العالمي» في مطلع هذا الشهر، كما جرت العادة منذ عقود، وأعادت هذه المناسبة إلى الواجهة أعمالاً فنية متنوّعة تحتفي بشكل أو بآخر بالعمال، وجلّها يعود إلى الأزمنة الحديثة. في الواقع، يحضر العمال بشكل هامشي أو ثانوي في أعمال فنية متعدّدة المصادر تعود إلى الحقبة التي سبقت هذه الأزمنة، وقلّما نجد أثراً فنياً كلاسيكياً خُصّص بشكل أساسي لهم. تبرز في هذا الميدان لوحة من الميراث الفني الأموي، تبدو استثنائية في موضوعها كما في تأليفها المتقن، وتشكّل جزءاً من جداريات قُصير عمرة في بادية الأردن، ويجمع أهل الاختصاص على القول بأنّها تُمثّل العمّال الذين بنوا هذا القصير.

يجمع قُصير عمرة بين حمّام كبير مؤلّف من ثلاث غرف، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة. تزيّن هذه القاعات جداريّات تجمع بين مواضيع إنشائية متعدّدة، تشكّل أكبر برنامج تصويري مدني معروف من الألفية الأولى في مجمل العالم المتوسطي، بأقاليمه الوثنية والمسيحية والإسلامية. يلفّ هذا البرنامج الاستثنائي جدران هذه القاعات، ويمتدّ إلى سقوفها. في هذا السياق، تزين سقف الإيوان الغربي المقوّس شبكة من اثنين وثلاثين مكعباً، رُتّبت في أربعة صفوف متساوية الأبعاد، اشتمل كل صف منها على ثماني لوحات، وفيها يظهر أشخاص في أوضاع مختلفة، تختزل متاع الدنيا بصنوفها المتعدّدة. في المقابل، يتكرّر هذا التأليف على سقف الإيوان الشرقي؛ إذ نقع كذلك على أربعة صفوف متساوية، اشتمل كلّ منها على ثماني لوحات، تمثّل كلّها عمّالاً من أصحاب الحرف المتنوّعة.

تحتلّ هذه الشبكة مساحة السقف المقوّسة، وتتكوّن من جزأين متساويين متعاكسين، يتكوّن كلّ منهما من شريطين من الخانات المكعّبة، يُشكّل كلّ منها لوحة يحدّها إطار خاص بها، كما في الشرائط المصوّرة المعاصرة. تحتاج قراءة هذه الصور بشكل دقيق إلى الرسوم التوثيقية التي تُظهر عناصرها بشكل جليّ، وتتمثّل برسم شامل يعود إلى مطلع القرن الماضي، نُشر في أول بحث علمي كشف عن قصير عمرة، وسلّط الضوء على جدارياته. إلى جانب هذا الرسم، يحضر رسم معاصر نُشر في مجلّد صدر عام 2007، وفيه تحضر تفاصيل كشفت عنها أعمال البحث التي سبقت هذا الإصدار. تواصل استكشاف الموقع في السنوات التالية، وشهد حملة ترميم جديدة شملت هذه الجدارية، وأعادت إليها بريقها الأوّل، كما كشفت عن تفاصيل جديدة ظهرت في لوحاتها بعدما كانت ممحوة.

في الخلاصة، تتكوّن هذه اللوحة من صفين متوازنين من جهة، يقابلهما صفان متوازنان من الجهة الأخرى. خُصّص الصفّ الأسفل من القسم الأول لأعمال البناء، من قطع الحجارة ونقلها على ظهور الجمال، ثم حملها إلى معلّم البناء. وخُصّص الصف الثاني للأعمال المعدنية، من الصهر والطرق، إلى التشذيب والتبريد. في الجهة المعاكسة، خُصّص الصف الأسفل لأعمال القصارة، كما توحي العناصر التصويرية القليلة التي بقيت من هذا الصف الذي تلف وانمحى بشكل كبير. وخُصّص الصف الأعلى لأعمال النجارة، كما يتّضح عند قراءة صوره التي حافظت على أغلب مكوّناتها. يتألّف كل صف من ثماني خانات متساوية. الإطار واحد وجامع، وقوامه خلفيّة تتألف من ثلاثة أقسام أفقية. يحتل القسم الأسفل مساحة كبرى من كل خانة، وهو باللون الأبيض العاجي، وتعلوه مساحة زرقاء، تحدّها مساحة بيضاء. يتشابه العمال من حيث الشكل الخارجي، ويبدو لباسهم واحداً، ويتألف من رداء أبيض بسيط ينسدل حتى الركبتين، مع حزام مجرّد يلتف حول الخصر.

في الصف المكرّس لقطع الحجارة، من اليسار إلى اليمين، يحضر أوّلاً عامل يقف في وضعية نصف جانبية، حاملاً أداة طويلة تبدو أشبه بمسطرة للقياس. ثم يحضر في الخانة الثانية عامل يحمل أداة مغايرة، تبدو أشبه بمطرقة ثاقبة طويلة. ويحضر في الخانة الثالثة عامل يحمل ما يُعرف بأداة الكُوس التي تُستخدم لتحديد الزوايا. في الخانات الثلاث التالية، يظهر عامل يرفع حجارة فوق ظهر جمل، ثم يظهر هذا الجمل وهو يجر هذه الحمولة، ويظهر العامل وهو يقود هذا الجمل في خانة مستقلّة. في الخانة السابعة، يحلّ عاملان ينقلان حجراً ثُبّت على رافعة، وفي الثامنة، يظهر عامل بين واجهتين صغيرتين متوازيتين.

في الصف المكرّس للأعمال المعدنية، يظهر أولاً حداد وسط مسبك، ثم حداد يطرق سنداناً، ثم حداد يرفع مطرقة، ومن بعده حرفي ينشغل بالعمل على خشبة مثبّتة على حاملتين مثلّثتين. في الخانة الخامسة، يظهر حِرفي آخر يسقي الحديد في حوض على الأرجح، وفي السادسة، يظهر حِرفي جالساً أمام حوض مشابه. تتصل الخانة السابعة بالخانة الأخيرة، حيث يواجه حرفياً زميلاً يتوجه نحوه رافعاً ذراعيه في اتجاهه.

الصف المخصص لأعمال القصارة تلف بشكل كبير، وبدا ممحواً في مطلع القرن الماضي، غير أن بعض ملامحه اتّضحت في زمننا. في وسط هذا الشريط، يظهر مشهد تحميل دابة، ويحضر في تأليف يشابه التأليف المعتمد في الصف المكرّس لقطع الحجارة، وفيه يحلّ حمار مكان الجمل، كما كشفت أعمال الترميم الحديثة العهد. في المقابل، حافظ الصف المخصّص لأعمال النجارة على ست من خاناته الثماني. ضاعت الخانة الأولى، كما ضاعت الخانة الأخيرة، وظهر في الخانة الثانية نجاران ينشران لوحاً خشبياً، وفي الثالثة نجار يعمل على لوح آخر، وفي الرابعة حرفي يحمل مطرقة، وفي الخامسة حرفي يقف رافعاً خشبة بين يديه، وفي السادسة حرفي يجلس أرضاً حاملاً كذلك مطرقة. انمحت الخانة السابعة بشكل كبير، وما بقي منها يكشف عن حرفي يعمل في منشرة على الأرجح.

يطغى على هذه الجدارية البديعة الأسلوب الروماني، وهو الأسلوب الذي يغلب على مجمل جداريات قُصير عمرة. يستعيد هذا التأليف العديد من العناصر التي تعود إلى هذا الطراز، غير أنه يجمعها في قالب كُرس بأكمله للعمّال الذين قاموا بتشييد الموقع وتزيينه، من البنائين إلى النجارين مروراً بالحدادين والمقصّرين، ممّا يجعل منه لوحة استثنائية تتميّز بموضوعها، وتلمع بثراء صورها المتقنة.


الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش
TT

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

في الظاهر، يبدو محورُ رواية «فورور» للكاتب العراقي نزار عبد الستار (هاشيت أنطوان/ دار نوفل) مشلحاً من الفرو، ورجلاً لا يزال طفلاً يبحث عن رائحة والدته في هذا الفورور.

ولعل المحطة الأبرز لهذا الفورور هي عندما حطّ رحاله على كتفي الممثلة المصرية الفاتنة مريم فخر الدين حين مثلت مع العندليب عبد الحليم حافظ في فيلم «حكاية حب» حيث أدّى أغنيته الشهيرة «بتلوموني ليه» (عُرض الفيلم في 1959).

تنهض الرواية برمتها على هذه التفصيلة. يروي عبد الستار في روايته، أن مريم فخر الدين استعارت هذا المشلح من المونولوجيست العراقية «وحيدة جميل»؛ (وهذا من مخيلة الكاتب)، لترتديه في الفيلم. و«وحيدة» لم تتلقَّ في حياتها هدية أقيم من هذا المشلح الذي أهداها إياه وزير دفاع الاتحاد السوفياتي السابق عندما كان في زيارة إلى بغداد بخمسينات القرن الماضي. ولهذا كانت متعلقة بفورورها... فيما «صابر عفيف»، هذا الرجل/ الطفل كان متعلقاً بتلابيب فستان والدته.

في خضم الزحمة، ضاع مشلح الشنشيلا، لكنه سيظهر لاحقاً في أوساط طبقة المشاهير والأثرياء، قبل أن يستقر على كتف الشهبانو فرح ديبا بلهوي، لدى لجوئها مع زوجها إلى القاهرة عقب الثورة الإسلامية في إيران. وبعد علم «صابر» بذلك، اتصل تليفونياً بسكرتير الشهبانو مطالباً باستعادة الفورور. وهو اتصال سيكلّفه عمله في دار «كريستيز»، التي ستستغلّ هذا الخطأ الذي اقترفه «صابر» لطرده من العمل، والاستحواذ على الفورور.

أضاعت «وحيدة» الفورور.. وخسرت ابنها «صابر» حين انتقلت حضانته إلى عمه بعد إعدام والده، ثم تلاشى حلمها في الحصول على لحن من فريد الأطرش، قبل أن تموت كدراً في لبنان.

هذه هي قصة «الفورور» باختصار. وقد يبدو البحث عن المشلح أشبه بسردية تشويقية تحاكي الحبكات البوليسية. لكن الرواية ليست كذلك.

الفورور هو فقط ذريعة ليخلق لنا صاحب رواية «يوليانا» خطين سرديين، الأول مُغرق في رومانسية مشرقية («وحيدة» وبحثها عن الشهرة)، والثاني يكشف عن برودة المؤسسات الرأسمالية الغربية («كريستيز» و«سوذبيز» وغيرهما من دور المزادات العريقة).

سنقرأ في رواية «فورور» عن الفن بأشكاله: الغناء والعزف والتمثيل.. وأيضاً الرسم. وسنجد في الرواية؛ إلى جانب عبد الحليم ومريم فخر الدين، فريد الأطرش وفيلمون وهبة... وفنانين تشكيليين مثل حافظ الدروبي ولوحته المشهورة «باعة البطيخ»، ويوهان غونتر ولوحته «يد الخريف». وسننتقل من بلد إلى آخر مع «وحيدة» وابنها ومشلحها البيج، بين العراق ومصر ولبنان ولندن.

لكننا نقرأ أكثر عن كيفية صناعة النجوم في كواليس تجارة الفنّ ودنيا المال والحياة المخمليَّة، وكيفية إبرام الصفقات في دار «كريستيز» وطرقها في الحصول على اللوحات المهمة والتلاعب بأسعارها لبيعها بأثمان خيالية، عبر أساليب ملتوية تعتمدها هذه الدار وغيرها لتحقيق مكاسب لا علاقة لها بالمبادئ أو القيم الفنية. وهكذا يصبح «صابر»؛ ذلك الوسيط البسيط الذي يزوّد «كريستيز» بلوحات مهمة، شخصاً لا بد من الاستغناء عنه، لكي تتمكن الدار من الاستيلاء على الفورور الشنشيلا وأيضاً على كَمَان خاص بخالته «بدرية» عازفة الكمان المشهورة.

في الصفحة الـ73 من الرواية، يقول «الطفل صابر»: «وأنا في القاهرة كنت غير ذلك الشاب الذي حضر حفلة فريد الأطرش بمدرج لبنان في عالية. لا أملك الفضول؛ وإنما الشعور بالأسى... شيء يشبه عاطفة إطعام القطط والعصافير، والشيء الوحيد الذي رافقني هناك هو أن (وحيدة جميل) ضاعت وسط هذا العالم». أما في الصفحة الـ110، فنرى «الرجل صابر» الذي ينازع من أجل هويته... «سيلين (حبيبته) تخبرني الكثير عن نفسي، وتعرف كيف تسترجع كل ما سلبته (كريستيز) مني».

تتخيّل هذه الرواية، كما يقول الناشر، «ما لم يحدث، وما كان يُفترض به أنْ يحدث»، وهي تصوّراتٌ يتخلّلها الحبّ الجارف في زمنٍ لم يكن كاملَ الجمال، لكنَّه باهرٌ ويستحقّ أنْ يُسردَ.

إنها رواية متعددة الطبقات، فهي رواية الحنين في مقابل التوحش، والبحث عن الدفء مقابل برودة العالم الرأسمالي، ورواية رجل هو في الحقيقة لا يزال طفلاً في أعماقه، يمتهن بيع الفن في مزادات عالمية باردة تقيس القيم بالأرقام، لا بالقيمة الجمالية للفن.

و«فورور» هي الرواية الرابعة للقاصّ والروائي العراقي نزار عبد الستّار بعد «يوليانا» (2016)، و«ترتر» (2018)، و«مسيو داك» (2020).

* صحافي وكاتب سعودي