إذا كان هنا شخص واحد يمكنه أن يُجمِل صورة بريسيلا بريسلي، وينفض عنها كل ما تثيره من جدل وردود فعل سلبية، فهو إيلي صعب. قال في بيانه الصحافي إنه استلهم تشكيلته لخريف وشتاء 2024 - 2025 من أجواء «غرايس لاند». كان يقصد علاقة الحب الرومانسية التي ربطت ملك الروك أند رول، إلفيس بريسلي بالصبية المتيَمة، بريسيلا، التي أصبحت زوجته وعاشت في ظله سنوات قبل أن تخرج إلى الضوء كامرأة مستقلة، لها كيانها الخاص. أطلق على تشكيلته «ذكريات من غرايس لاند» وركز فيها على حقبة السبعينات، وهي الفترة التي شهدت أوج تألقها.
عاد المصمم بذاكرته إلى السبعينات ليترجمها في تصاميم معاصرة (أ.ف.ب)
اسم بريسيلا تردد كثيرا في الآونة الأخيرة. لكن ليس كل ما يتردد حولها إيجابيا. فالمتحاملون عليها، وهم طبعا من عشاق إلفيس بريسلي المتعصبين، يرونها شخصية تحاول التشويش على صورة مثالية مترسخة في وجدانهم. مؤخرا صدر فيلم بعنوان «بريسيلا» من إخراج صوفيا كوبولا حاولت فيه إبراز الجانب الخفي من علاقتها بـ«الملك» من جهة نظرها. فهو مأخوذ من سيرتها الذاتية «Elvis and Me» (إلفيس وأنا) الصادرة في عام 1985. يكشف الفيلم أن العلاقة بينهما لم تكن دائما صحية كما كانت الماكينة الإعلامية تصورها آنذاك. كانت خلف الصور البراقة وداخل القفص الذهبي سامة.
لم يشاهد إيلي صعب الفيلم حسب تصريحه. لكن يُحسب له أنه، مثل صوفيا كوبولا ومع اختلاف الأدوات، أضفى على صورة بريسيلا نفسا نسويا في فترة معينة هي السبعينات. الحقبة التي شهدت براءتها ورومانسيتها، وشكَلت ذاكرة جيل كامل من الفتيات اقتدين بها. صوفيا كوبولا صورتها ضحية استطاعت أن تتمرد على القفص الذهبي الذي سجنها فيه إلفيس بريسلي لسنوات وتخرج منه قوية. لكن إيلي صعب صورها أيقونة متألقة بنضارة الصبا ثم كامرأة واثقة بجمال مُعتق.
أغدق المصمم على تصاميمه بالتطريزات والتخريمات ليأخذنا إلى عالم إلفيس بريسلي (إ.ب.أ)
في لقطات متسلسلة تبدو كأنها لقطات سينمائية، يستعمل المصمم الألوان لنقلنا من مكان إلى آخر حتى لا نصاب بالملل. نبدأ الرحلة وكأننا في الريف الأميركي قبل أن ينتقل بنا إلى «لاس فيغاس» ثم إلى «غرايس لاند». يبدأ العرض بإطلالة من وحي الريف الأميركي وعالم رعاة البقر. قطع متنوعة مصنوعة من الدينم، بدرجة غامقة، تزينه أحيانا تطريزات تستهدف إخراجه من العملي إلى عالم الأناقة، وبنطلونات واسعة بشراشيب، تأتي بعدها قطع بتطريزات تتناثر عند الأكتاف أو على مجموع جاكيت وبنطلون. هذه التطريزات السخية هي التي تأخذنا إلى «لاس فيغاس» ببريقها ولمعانها. كل إطلالة جاءت مفعمة بأنوثة تستمد قوتها من أحجام هندسية وتفاصيل مبالغ فيها. تستمر هذه الحبكة التي تتباين بين البراءة والثقة، وبين القوة والنعومة، وبين الإثارة والرقي طوال العرض. تظهر لنا مرة على شكل معطف من الصوف تزين كتفه وردة ضخمة، ومرة في فستان منسدل من الموسلين، ومرة في «جامبسوت» مطرز يتراقص على نغمات من الروك أند رول.
لكن مهما استلهم المصمم من ثقافات بعيدة أو صور لأيقونات عالميات، فإنه يبقى وفيا لأسلوبه. حتى الإطلالات التي كانت تستحضر صور رعاة البقر، مثل الشراشيب والدينم وحذاء الكاوبوي، لم تتخل عن الشاعرية التي تسكنه. الألوان هي الأخرى غلبت عليها لذة التوت والزيتون إلى جانب الأبيض والأسود اللذين أخرجهما من كلاسيكيتهما الباردة وأضفى عليهما أنوثة صارخة تارة من خلال تخريمات عند الكاحل وتارة بإضافة «كاب» فخم أو وردة على الكتف أو شراشيب في جانب بنطلون.
تميزت الألوان بلذة التوت والزيتون إلى جانب الأبيض والأسود (أ.ف.ب)
كما باركت بريسيلا بريسلي فيلم صوفيا كوبولا، لأنه سلط الضوء على وجهة نظرها التي تقول إنها كانت تعيش «في قفص مُذهب» مع «الملك»، فإنها بلا شك سترحب بهذه التشكيلة لأنها تأخذها إلى فترة ذهبية من حياتها، تغلب عليها البراءة والأناقة.
جمع المواهب الشابة بأسماء عالمية هو جوهر تجربة كريستينا ليون الشخصية، والمهنية، بوصفها راقصة باليه سابقة، عرفت عن قرب معنى أن تصنع الموهبة طريقها إلى الضوء
كان من المفترض أن معرض الميتروبوليتان السنوي لعام 2027 لحظة تتويج لجون غاليانو، تضيف فيها آنا وينتور، عرابة الموضة، فصلاً لواحدة من أكثر القصص نجاحاً في تاريخ…
تحقق هذه التشكيلة حلم المرأة العادية في أزياء غير عادية (موقع إتش آند إم)
هناك أسماء في الموضة لا تحتاج إلى شرح أو تعريف. يكفي أن يُذكر اسم إيلي صعب حتى تحضر صور فساتين صُممت للحظة لا تتكرر: أعراس، وحفلات فخمة، وحفلات توزيع جوائز، ومهرجانات سينمائية... فهي تصاميم حالمة تنسدل على الجسم وتليق بالقصور... غالباً ما تزينها تطريزات تلتقط الضوء من مسافة بعيدة وتجعل صاحبتها تتألق مثل نجمة.
إيلي صعب في لقطة تجمعه مع آن صوفي جوهانسون (إيلي صعب وإتش آند إم)
حتى يوم 22 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، تبقى تصاميمه بعيدة المنال، واسمه مرتبطاً بالأحلام أكثر مما يخاطب كل الطبقات الاجتماعية. كل هذا سيتغير بمجرد طرح المجموعة في الأسواق. الفضل يعود إلى متاجر «إتش آند إم»، التي يمكن القول إنها حققت الصعب حين أقنعته بالتعاون معها وطرح مجموعة يترقبها العالم أجمع الشهر المقبل بعنوان «إيلي صعب x إتش آند إم (Elie Saab x H&M).
تقول آن صوفي يوهانسون، المستشارة الإبداعية في «إتش آند إم» ورئيسة تصميم الأزياء النسائية، إن «الشركة شعرت بأن الوقت مناسب جداً لهذا التعاون. فالناس أكبر حاجة إلى الجمال وتلك الروح الرومانسية بعيداً عن الأخبار اليومية الثقيلة التي تحاصرهم من كل الجهات».
وتضيف يوهانسون أن اختيار المصمم الذي يجري التعاون معه، لا يقوم دائماً على خطة ثابتة؛ «فأحياناً تبدأ الفكرة من شعور بأن اسماً معيناً يناسب اللحظة». وتتابع قائلة: «في حالة صعب، كان هناك إحساس بأن أسلوبه في العمل اليدوي والتفاصيل يمكن أن يقدم شيئاً مختلفاً في وقت أصبحت فيه التكنولوجيا تطغى على كثير من جوانب الموضة».
إيلي صعب... الورقة الرابحة
رغم أنها لم تُشر إلى أهمية السوق العربية عموماً وزبائن منطقة الشرق الأوسط تحديداً، فإن توقيت هذا التعاون يقول الكثير. فاسم إيلي صعب يثير كثيراً من المشاعر الإيجابية في هذه السوق، الأمر الذي من شأنه أن يجعل لهذا التعاون أهمية تجارية تتجاوز الفني. فهو بالنسبة إلى المرأة عموماً، والمرأة العربية خصوصاً، لن يكون مجرد تعاون جديد بين مصمم ارتبط اسمه بالفخامة وعلامة جماهيرية جعلت من التعاونات مع كبار المصممين تقليداً سنوياً منذ 2004، بل تحقيق حلم طال انتظاره.
فستان أسود كل ما فيه يذكّر بلمسات إيلي صعب الرومانسية (إيلي صعب وإتش آند إم)
والجواب أن إيلي صعب، رغم أسلوبه الرومانسي وشاعريته الواضحة في تصاميمه، لم يحقق ما حققه من نجاحات من دون أن يحسب كل شيء بالعقل. فهو لا يتسرّع في القرارات الكبيرة، بدليل أنه عندما طُرحت عليه فكرة هذا التعاون منذ نحو عام، لم يستعجل. درس الفكرة من كل الجوانب قبل أن يوافق؛ فارضاً شروطه.
فستان أخضر بتدرجات باللون الأسود من أسفل (إيلي صعب وإتش آند إم)
لم يكن يريد تعاوناً بالمفهوم التقليدي، الذي يكتفي فيه المصمم بإضافة اسمه على القطعة، بل أراده أن يكون لقاءً فعلياً يجمع بين علامتين لخدمة المرأة. لم يبخل بلمساته الرومانسية في التصاميم، وفرض استعمال خامات وتقنيات لم تكن «إتش آند إم» تستخدمها بهذا المستوى أو بهذه الطريقة.
تقول يوهانسون إن بعض القطع المصنوعة من الفرو الصناعي، مثلاً، لم تكن ممكنة بالجودة نفسها قبل سنوات قليلة، مضيفة أن الشركة استفادت من الخبرة التي راكمتها من تعاونات سابقة مع بيوت الأزياء الكبيرة، إضافة إلى تطور المواد المعاد تدويرها.
الأسود والدانتيل من البصمات التي ترتبط بالمصمم ولم يتخلَّ عنها في هذه التشكيلة (موقع إتش آند إم)
تضم المجموعة 35 قطعة نسائية، و6 قطع رجالية، ونحو 10 إكسسوارات تشمل أحذية وحقائب يد ومجوهرات. أما الأسعار، فتبدأ من 29.99 يورو لتصل إلى 399 يورو. بالنسبة إلى المرأة، سيبدأ الاختيار من الفستان، لكن لن ينتهي عنده. ورغم ما يتردد من أن المرأة التي تنتظر طرح هذه المجموعة بفارغ الصبر، ليست بالضرورة زبونة إيلي صعب الدائمة ذات الإمكانات العالية، فإن هذا الافتراض مشكوك فيه، بالنظر إلى أن مفهوم الترف تغيّر في السنوات الأخيرة ولم يعد يرتبط بالسعر فقط.
بين المساء والنهار
قطع تناسب المساء والسهرة يمكن أن تدخل مناسبات النهار بسلاسة وأناقة (إيلي صعب وإتش آند إم)
من المعادلات التي كان على كل من إيلي صعب و«إتش آند إم» تحقيقها الجمعُ بين الليل والنهار. فالمصمم اسمه مرتبط بالأفراح الفخمة والحفلات الكبيرة، والمتاجر السويدية، وبأزياء عملية للنهار، وبالتالي كان من الضروري أن تجمع المجموعة بين الأناقة والعملية، وأن تخرج من المساء إلى النهار بأشكال يسهل تنسيقها معاً. هذا التنسيق يظهر واضحاً في الصور التي نُشرت على موقع «إتش آند إم». تقترح فيه يوهانسون، مثلاً، تنسيق سترة قصيرة من الفرو الصناعي وسترات هندسية مع الجينز، ومعطف مفصل بشكل راق مع قطع «كاجوال»، وقطع تلمع بالترتر مع بنطلون مستقيم أسود.
تجمع القطع ذات الخياطة الراقية بين الخطوط الحادة والانسيابية (إيلي صعب وإتش آند إم)
لكن إذا أُخذت كل قطعة على حدة، فإن لمسات إيلي صعب الفخمة حاضرة دائماً... مثلاً؛ فستانٌ أخضر بفتحة جانبية عالية، وتدرجات لونية داكنة أسفله، يُمثّل إحدى البصمات الرئيسية للمصمم عبر تاريخه. هناك أيضاً فستان أسود بقَصّة منحوتة يُزينه ذيل طويل وفيونكة بارزة عند الخصر، وآخر مفتوح عند الصدر من قماش الدوشيس المعاد تدويره، إلى جانب سترات مغطاة بالترتر بتدرجات من الذهبي إلى الأسود. الدانتيل هو الآخر حضر إلى جانب الملابس المحبوكة والمطرزة... وغيرها من التصاميم التي ستُغني خزانة أي امرأة.
كان التحدي أن يحافظ المصمم على هويته وفخامته (إيلي صعب)
هذا التنوع ليس تفصيلاً جانبياً... فصعب يقول إن المجموعة طُوِرت بالطريقة نفسها التي تُطوَّر بها مجموعاته في العادة. وربما هذا سبب حرصه على أن تنفَّذ في مشاغله الخاصة بباريس وليس في معامل «إتش آند إم» كما جرت العادة في تعاوناتها السابقة. حرص أيضاً على ألا ترتبط بموسم محدد، وهو ما يُفسر حضور اللون الاسود بقوة، والنابع من رغبته في أن تُستعمل القطعة أعواماً عدة قادمة وليس موسماً واحداً، وفي أن يعاد ارتداؤها مراراً وتكراراً من دون أن تصيب صاحبتها بالملل.
تتباين التصاميم بين فساتين السهرة وقطع منفصلة لكل المناسبات (إيلي صعب وإتش آند إم)
وهذا عز الطلب بالنظر إلى أن فرصة الحصول على تصميم بتوقيعه وبسعر مقدور عليه لن تتكرر في الوقت القريب.
سترة مطرزة بالترتر مثلاً يمكن أن تُكمل إطلالة مسائية، كما يمكن أن تنسَّق مع بنطلون جينز في النهار... وهكذا. فكل قطعة قادرة على اختراق كل المناسبات بأناقة واقعية. هذه المرونة جزء من محاولة إيلي صعب أن يجعل المجموعة أقرب إلى خزانة فعلية متكاملة. وهي فكرة لا تقوم على جعل ما يطرحه عادياً، بل هي اكتشاف لقدرته على أن يمنح اسمه مساحة أكبر في الحياة اليومية.
فأصعب ما في أي تعاون بين دار أزياء كبيرة وعلامة جماهيرية واسعة الانتشار هو الحفاظ على الهوية. بذكائه الفني وحسه التجاري، يُدرك المصمم خطورة هذا الأمر على تاريخه، لهذا جاءت معالجته هذه المجموعة في الاتجاه المعاكس: حافظ على رموزه البصرية، وبدل استنساخه صورة فستان من مجموعاته الخاصة يُقدر بمئات آلاف الدولارات، جعله جزءاً من الحياة اليومية.
كريستينا ليون... طموح نحو العُلا بعد المتحف المصريhttps://aawsat.com/%D9%8A%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82/%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B6%D8%A9/5314584-%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D9%8A%D9%86%D8%A7-%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%B7%D9%85%D9%88%D8%AD-%D9%86%D8%AD%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%8F%D9%84%D8%A7-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AD%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A
في شهر يونيو (حزيران) الماضي وصل فريق «غالا دو دانزا» Gala De Danza إلى القاهرة، في زيارة تُمهد لحفلها المرتقب في المتحف المصري الكبير، والمقرر إقامته في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
تقول كريستينا ليون، مؤسسة مشروع «غالا دو دانزا» لـ«الشرق الأوسط» إنها في «غاية السعادة، لأن المتحف المصري الكبير -بكل ما يحمله من ثقل ومكانة- سيتحول إلى مسرح لرقص الباليه في أول حضور للمشروع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا».
لقطة تجمع مجموعة من الراقصين المشاركين في المتحف المصري الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)
وسيُقدِم الحفل برنامجاً يمزج بين الباليه الكلاسيكي، والرقص المعاصر، والموسيقى، والفنون، في عرض يراهن على خصوصية المكان، وأهميته التاريخية. ويشارك في هذه الفعالية أكثر من 150 فناناً، من بينهم نجوم دوليون، ومؤدون مصريون شباب اختيروا من بين مئات المتقدمين. فمع وصول فريق «غالا دو دانزا» في شهر يونيو الماضي، فُتحت اختبارات أداء أمام المواهب المصرية من مختلف الأعمار، ومن أكاديميات، ومدارس باليه محلية. وتقول كريستينا إن أكثر من 500 موهبة تقدمت للاختبارات، بينما سيحظى 50 منهم فقط بمشاركة راقصين من فرق عالمية، مثل «رويال باليه»، و«داتش ناشيونال باليه»، وفرق ومؤسسات فنية أخرى.
سيلفي وين سيندلار وتدريبات تستبق الحفل الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)
وبما أنه سيكون للموسيقى نصيب في هذا الحفل، فإن من بين المشاركين ستكون سوسن البهيتي، أول مغنية أوبرا سعودية.
لكن ما يبدو للوهلة الأولى حفلاً عالمياً ذا طابع ترفيهي، هو بالنسبة لكريستينا ليون أبعد من ذلك بكثير، لما يحمله من جانب إنساني يطمح لمنح فنان مغمور -لم تسعفه الجغرافيا والظروف للوصول إلى المنصات العالمة- فرصة التحول إلى نجم ساطع.
فإتاحة الفرص أمام المواهب الجديدة ليست تفصيلاً عابراً في مشروعها، بل إنها جوهر تجربتها الشخصية، والمهنية، بوصفها راقصة باليه سابقة، عرفت عن قرب معنى أن تصنع الموهبة طريقها إلى الضوء. ولفهم هذه الرؤية، لا بد أن نعود إلى البداية.
من هي كريستينا ليون؟
كريستينا ليون مؤسسة «غالا دو دانزا» (تصوير: فريدي كوه)
بدأت الرقص في الثانية عشرة من عمرها بعد أن كانت تمارس التزلج على المنحدرات. في الثالثة عشرة لفتت أنظار صوفيا غولوفكينا، مديرة أكاديمية البولشوي المعروفة، خلال ورشة أقيمت في الولايات المتحدة. سافرت بعدها إلى موسكو لتتدرَب، وتكون من أوائل الفتيات الأميركيات اللواتي تلقَين التدريب في الأكاديمية الروسية.
وفي السادسة عشرة من عمرها، انضمت إلى «مسرح الباليه الأميركي». هنا عاشت حلم كل راقصة باليه: عروض، وسفر حول العالم، واحتكاك بأسماء كبيرة، مثل الراحلة جاكلين كينيدي أوناسيس، التي كانت حينها رئيس مجلس إدارة المسرح.
تأثرها بجاكلين كينيدي
تروي ليون أنها تعرَفت عليها عن قُرب، وتعاملت معها بشكل مباشر. فمنها تعلَمت أصول إنتاج الحفلات، والتعامل مع الرعاة، والعمل الخيري. والأهم من ذلك كله، كيف يمكن أن تُحوِل أمسية فنية إلى حوار بين الفنان والجمهور. تعترف بأن هذه الدروس كانت مختلفة تماماً عما تعلَمته في مدارس الباليه. ففي حين ينصب تركيز الراقص على إتقان الحركة فوق الخشبة، يتسع تفكير منتج العروض ليشمل الخشبة، والجمهور، والتمويل، والمكان، وكل ما يحدث قبل العرض، وبعده.
لوقا عبد النور المصري المولد من فرقة «Dutch National Ballet» سيشارك في هذا المشروع الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)
ومع الوقت، أصبحت هذه المعرفة الأداة التي ساهمت في ولادة «غالا دو دانزا». مشروع فني بنكهة إنسانية أطلقته في عام 2013 في المكسيك، بعد لقاء عابر بفتاة تُدعى ماريانا كاريلو في مدرسة محلية للرقص في لوس كابوس المسكيكية. كانت الفتاة موهوبة لحد أدهش ليون، لا سيما أنها لم تكن قد احتكت بشكل مباشر بعالم الفنون الأدائية الحية. من هنا بدأ سؤال كريستينا: كيف يمكن إحضار الفرصة إلى حيث توجد موهبة لا تملك طريقاً إلى المنصات العالمية؟
من هذه الفكرة ولد المشروع كما نعرفه اليوم: «لم يكن الهدف منه إنشاء فرقة باليه أخرى، أو مهرجان تقليدي له موسم ثابت، وبرنامج مألوف، وإنما جمع أسماء عالمية تمتلك خبرة طويلة مع مواهب شابة، حتى يتمكن جمهور جاء من أجل نجم معروف من اكتشاف اسم جديد»، وفق تعبيرها.
الراقص سيزار كوراليس يتدرب بين جدران المتحف المصري الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)
تستشهد هنا بقصة الراقص أندريس زونيغا الذي حضر إحدى حفلاتها في المكسيك، وأصر على لقائها في الكواليس بعد الحفل ليُعبِر لها عن أمنيته أن يرقص يوماً ما في حفل مماثل. كان عمره لا يتعدى الثالثة عشرة، لكن إصراره أثار فضولها، فطلبت منه الحضور في اليوم التالي لاختباره. وهنا اكتشفت موهبة لافتة جعلتها لا تتردد في الاتصال بجهات لكي يحصل على منحة تساعده على تحقيق حلمه.
من مكسيكو إلى لندن
ظلت ليون تطور مشروعها في المكسيك منذ عام 2013، وفقط في 2025 قررت أن تخرج به إلى العالم.
كانت لندن أول اختبار حقيقي للمشروع خارج المكسيك. ولم تكن اختياراً اعتباطياً. كانت المحطة الأولى، فمنذ أن زارتها كراقصة وهي في الخامسة عشرة من عمرها وهي تتطلع للعيش فيها. وبعد عقد عادت إليها ليست كراقصة تبحث عن مستقبلها، وإنما كصاحبة مشروع له مكانة دولية، واستقطب راقصين من مؤسسات عالمية كان لديهم استعداد لدعم مواهب شابة. ففي عروضها اجتمعت أسماء من «رويال باليه» و«باريس أوبرا باليه» و«نيويورك سيتي باليه» مع موسيقيين، ومغنين، وراقصين معاصرين، جمعتهم أماكن ثقافية وفنية مهمة.
من لندن إلى القاهرة
سيلفي وين سيندلار وتدريبات تستبق الحفل الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)
لكن رحلة «غالا دو دانزا» خارج المكسيك لم تتوقف عند لندن. ففي نوفمبر المقبل ستنتقل التجربة إلى القاهرة، حيث تضع ليون مشروعها للمرة الأولى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أمام أحد أكثر الأماكن رمزية في المنطقة: المتحف المصري الكبير.
تقول ليون إنها لا ترى المتحف المصري الكبير بوصفه مجرد مبنى يمكن استئجاره لإقامة حفل عالمي، بل إنه مؤسسة تختزن آلاف السنين من التاريخ، ولذلك يخلق وضع راقصين معاصرين في هذا المعلمة نوعاً من الحوار بين زمنين: حضارة تركت آثاراً صامدة، وفن يعتمد على الحركة، ليتغير المفهوم التقليدي لأي عرض يتم تقديمه. فهو يتحوَل إلى جزء من التجربة التاريخية نفسها، وذلك بتماهيه مع المكان.
سيلفي وين سيندلار واحدة من الراقصات اللواتي سيشاركن في الحفل الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)
هل ستكتفي كريستينا بالقاهرة بعد تجربة المتحف المصري الكبير؟ وهل العُلا السعودية يمكن أن تكون محطة أخرى؟ تردَ بحماس: «كأنك قرأت أفكاري، ففكرة التوسع حول العالم جزء من طبيعة المشروع، وإحضار (غالا دو دانزا) إلى العُلا حلم شخصي يراودني منذ فترة، لا سيما أن السعودية أصبحت تغلي بالحراك الثقافي، والفني». وتُضيف أن العُلا، إلى جانب كونها موقعاً استثنائياً لإقامة حفل من أي نوع، تتيح فرصة للوصول إلى جيل جديد، وتعريفه بمختلف أشكال الفنون، من خلال تجربة فنية مباشرة، وغامرة، «فأنا أعرف من خلال تجاربي كيف يمكن لفرصة واحدة، أو صُدفة، أن تُغير مسيرة فنان».
الراقص المصري لوقا عبد النور وتدريبات استباقية (تصوير ميلودي باتونتييه)
ثم تضحك، وتتابع: «في نوفمبر سنضع أقدامنا للمرة الأولى في المتحف المصري الكبير، وهذه خطوة عظيمة. أما العُلا فهي الآن حلم نأمل أن يتحقق قريباً».
لماذا أُلغي معرضه في متحف الميتروبوليتان؟https://aawsat.com/%D9%8A%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82/%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B6%D8%A9/5314243-%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%A3%D9%8F%D9%84%D8%BA%D9%8A-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6%D9%87-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%AA%D8%AD%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%AA%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D8%9F
ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)
كان من المفترض أن معرض الميتروبوليتان السنوي لعام 2027 لحظة تتويج لجون غاليانو، تضيف فيها آنا وينتور، عرابة الموضة، فصلاً لواحدة من أكثر القصص نجاحاً في تاريخ الموضة المعاصرة. لكن فجأة انهار كل شيء. ما كان مقرراً أن يكون احتفاءً بأحد أهم مصممي جيله، تطوّر إلى أزمة تمس متحف الميتروبوليتان، ومعهد الأزياء وحفل الميت. والأهم صورة مصمم لا يرحمه ماضيه، ومكانة امرأة ارتبط اسمها بهذه المنظومة وكانت إلى الأمس القريب تُلقب بالمرأة الحديدية وأحياناً الجليدية: آنا وينتور.
جون غاليانو عام 1997 محاطاً بمجموعة من العارضات السوبر (غيتي)
فاجأ الخبر أوساط الموضة لأنه جاء بعد شهر فقط من الإعلان عن المشروع، وبعد أن اعتقد الجميع أن الاعتراضات الواسعة، التي شنّها البعض عليه خفّت نوعاً ما. لكن برهن منتقدوه أنهم أكثر قوة وتأثيراً من آنا وينتور، داعمته الأولى. هؤلاء لم ينسوا تصريحات المصمم المعادية للسامية في تلك الليلة المشؤومة من عام 2011، التي أدّت إلى إقالته من منصبه في دار «ديور» وإدانته قضائياً في فرنسا.
لم يشفع له اعتذاره لكل المجتمعات المعنية، ودخوله مصحة للتعافي من الإدمان. بقيت تلك الواقعة جزءاً لا يمكن فصله من إرثه.
وفي بيان أصدره المتحف، قال ماكس هولين، المدير التنفيذي للمتحف: «بعد نقاشات متأنية مع جون غاليانو، قررنا معاً عدم المضي قدماً في إقامة المعرض».
المصمم جون غاليانو في إحدى الفعاليات التي تثبت أنه لا يزال حاضراً في وجدان الموضة رغم حملات إلغائه (أ.ف.ب)
كما نشر المصمم بياناً، قال فيه: «بعد كثير من التفكير والنقاش مع متحف متروبوليتان وجميع الأطراف المعنية، قررت، بحزن شديد، أنه من الأفضل ألا يقام المعرض في الوقت الحالي. لا أزال أتحمل المسؤولية الكاملة عن الألم الذي سببته كلماتي في الماضي، ولا سيما الأذى الذي ألحقته بالمجتمعين اليهودي والآسيوي، وأنا أكرر أسفي العميق لذلك».
المتحف كان يدرك حساسية المسألة وحاول استيعاب تبعاتها، حيث أجرى، بحسب التقارير، مشاورات مع شخصيات وحاخامات من المجتمع اليهودي، لتمهيد الطريق للمعرض. بل تم الاتفاق أن تناول مسيرته وعبقريته الفنية لن يتجاهل ماضيه، أو بالأحرى تلك النقطة السوداء التي أثارت غضبهم عليه.
تصميم من إبداعه معروض في متحف اللوفر بباريس (رويترز)
لكن بموازاة جمعيات رأت أنه يستحق العودة بعد أن اعترف بأخطائه، انتقدت شخصيات سياسية ومجتمعية أخرى في نيويورك، مثل رئيسة مجلس المدينة جولي مينين، ومانحون وشخصيات من المجتمع اليهودي قرار تكريمه بهذا الحجم. ومما زاد من حساسية الأمر وجعل القرار أكثر إيلاماً واستفزازاً لهذه الفئة، توقيت المناسبة. فموعد الحفل المقرر في 3 مايو 2027 يتزامن مع بداية ذكرى المحرقة، وفي وقت تشهد فيه قضية معاداة السامية نقاشات كثيرة هذا العام. ومن هناك تحولت القضية من نقاش حول مصمم إلى اختبار لمؤسسة ثقافية تحتاج إلى ممولين ورعاة، وليست لديها الإمكانات الكافية لتجاهل تأثيرهم.
تأثير آنا وينتور تحت المجهر
ما يُحسب لغاليانو أنه لم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه. أقرّ في بيانه بمسؤوليته عن الألم الذي سبّبته كلماته، قائلاً إنه لا يريد للجدل المحيط به أن يضع المتحف في موقف صعب، أو أن يصرف الانتباه عن عمل معهد الأزياء والجهود التي يقوم بها.
أما آنا وينتور، فبقيت إلى النهاية في صفّه. وصفت انسحابه بأنه قرار شجاع، وأكدت دعمها له وللمتحف، مشيدة بموهبته الاستثنائية وحرفيته وتأثيره الممتد على أجيال من المصممين.
أحد تصاميمه في مجموعته لخريف 2024 (ميزون مارجيلا)
حتى الآن لم يتم الإعلان عن تفاصيل معرض الربيع المقبل، ومن سيحل محل جون غاليانو. لكن هناك إجماعاً أن ملء الفراغ سيكون معقداً وصعباً، لأن المعرض لم يكن مجرد حدث عادي، بل هو مشروع كبير لمعهد الأزياء، كما كان سيمنح حفل الميت قصة واضحة ومحوراً ثقافياً يلتف حوله عالم الموضة. الآن على المتحف أن يجد معرضاً بديلاً بفكرة قوية تُساعده على تجاوز الأزمة في وقت قصير نسبياً.
ويبقى سؤال مُلحّ، لكن لا يُعبر عنه بصوت عالٍ؛ هل ما زالت آنا وينتور قادرة على فرض القرارات الصعبة، أم أن العالم الذي بنته بدأ يتغيَر؟!