20 سنة على رحيل الشاعر أحمد المجاطي

احتل مكانة بهية في تاريخ الشعر المغربي المعاصر

أحمد المجاطي
أحمد المجاطي
TT

20 سنة على رحيل الشاعر أحمد المجاطي

أحمد المجاطي
أحمد المجاطي

يبقى «حكم الزمن»، أو «الحكم التاريخي»، كما يرى عدد من الدارسين، أبرز مؤشر على القيمة التي يمكن أن يقاس بها الإبداع، في كل زمان وفي كل مكان، رغم أن الزمن، كما يرى الفيلسوف وعالم النفس الروماني ألكسندرو روشكا، «لا يطمس المنسيات فقط، إنما يمكن أن يخرج إلى النور، ولضرورات معينة، أعمالا كانت منسية». لذلك يتم الإجماع على أن الإبداع إما أن يذهب إلى قبره فينسى، وإما إلى التاريخ فيخلد مواصلا مسلسل الاحتفاء والاستمتاع به، على الرغم من تغير القراء وتبدل الحساسيات، فكان أن عاش بيننا، عربيا، على الأقل، مبدعون كبار، من طينة طرفة بن العبد وامرئ القيس وأبي الطيب المتنبي وأبي العلاء المعري وأبي حيان التوحيدي والجاحظ، من القدماء، وجبران خليل جبران وبدر شاكر السياب وأبي القاسم الشابي ومحمود درويش ومحمد شكري ونجيب محفوظ، من المحدثين، بشكل أكد أن المبدعين يرحلون بينما تخلد أسماؤهم وتعيش إبداعاتهم.
وبينما نعيش، يوميا، متعة الإبداع، بغض النظر عن كاتبه، يحدث أن نتذكر المبدعين الراحلين في لقاءات ومناسبات تخلد لذكرى ميلادهم أو غيابهم، اعترافًا منا بقيمتهم ومساهمتهم في مسيرة الإبداع الإنساني.
في المغرب، مثلا، حلت هذا الشهر الذكرى العشرون لرحيل الشاعر أحمد المجاطي (1936 - 1995) الذي اشتهر بديوانه الوحيد «الفروسية»، الذي يضم بعض أجمل قصائد الشعر المغربي المعاصر، من قبيل «من كلام الأموات»، و«عودة المرجفين»، و«كبوة الريح»، و«كتابة على شاطئ طنجة»، و«سبتة»، و«دار لقمان عام 1965»، و«السقوط» حيث نقرأ: «تلبسني الأشياء / حين يرحل النهار / تلبسني شوارع المدينة / أسكن في قرارة الكأس / أحيل شبحي / مرايا / أرقص في مملكة العرايا / أعشق كل هاجس غفل / وكل نزوة أميرة / أبحر في الهنيهة الفقيرة / أصالح الكائن / والممكن والمحال / أخرج من دائرة الرفض ومن دائرة السؤال / أراقب الأمطار / تجف في الطوية / الأمارة / تسعفني الكأس ولا / تسعفني العبارة».
وتتفق الكتابات، التي تناولت الشعر المغربي الحديث بشكل عام، والشعر المغربي المعاصر بشكل خاص، على أن عقد الستينات من القرن الماضي، التي يحسب عليها المجاطي، قد شكل «الانطلاقة البهية» للشعر المغربي، في حلته المعاصرة، وأن «القصيدة المغربية المعاصرة ظلت تواجه أسئلة التحول، بكل غموضها والتباساتها وإشكالاتها».
عشرون سنة مرت على رحيل المجاطي، الشاعر الذي أطلق عليه كثيرون لقب «شاعر المغرب»، هو الذي كان مقلا في شعره، حيث ظل، كما كتب عنه الكاتب والإعلامي المغربي محمد بوخزار، «شاعر الندرة طوال حياته الحافلة بالمكابدات الذاتية، مقاوما إغراءات الإكثار من الإنتاج، رافضا أن يكون لسان الغير على مستوى القاموس اللغوي والإيقاع والصور والأخيلة، أو الانتساب لمدرسة شعرية معينة، لذلك تعددت المؤثرات والظلال في شعره ونجح في إخفائها في تلابيب لغته الصافية البلورية وخبايا ذاته الملتهبة ووجدانه المنكسر جراء الإخفاقات، فأعانه كل ذلك على كتابة «القصيدة الفريدة الغراء»، وجاء تجديده غير مسبوق، وإضافة نوعية إلى القصيدة المغربية الحديثة، ماثلة في كل نماذجه، وهي سمات يقر بها من حاولوا السير على منواله أو اتخذوا لهم نهجهم الخاص».
من جهته، يتذكر الناقد والباحث السوري محيي الدين صبحي علاقته بالشاعر المغربي الراحل، فيكتب: «أخبرني بأنه إذا لم يشتغل على القصيدة حولا كاملا فإنه لا يخرجها للجمهور، وفي رأيه أن القصيدة التي لا تستدعي الاشتغال بها لمدة عام، هي قصيدة تولد ضعيفة ولا حاجة له بها. من قبله كان على غراره زهير بن أبي سلمى والنابغة، ثم المتنبي والمعري. أما عن صعوبة القصائد فنقول إن الجميل عسير، حسب المثل الإغريقي، إذ لا بد أن تأتي القصيدة صعبة حين تحرص على جمع المتناقضات، والتأليف بينها في سياق شعري يضم حداثة التراث إلى تراث الحداثة، ويصهر عناصر الواقع في رؤيا المستقبل».
من جهته، كتب الناقد المغربي نجيب العوفي، في تقديمه للطبعة الثانية من ديوان «الفروسية»، عن المجاطي - الإنسان، تحت عنوان «فروسية الحروف»: «لم يكن الشاعر الراحل أحمد المجاطي إنسانا عاديا أو رماديا، يأكل الطعام ويمشي في السوق ويؤخذ ببريق الحياة وسرابها، في انتظار لحظة الصمت الأدبي والاستراحة الأبدية. لم يكن قط كذلك، وإلا لما كان شاعرا في مثل توهجه وتألقه وصهيل وجدانه وروحه». ثم يضيف، متحدثا عن المجاطي - الشاعر: «لقد كان أحمد المجاطي شاعرا كبيرا، بكل المقاييس والمعايير، ومن هنا ندرة شعره وشح عطائه. هل في الأمر، ترى، مفارقة وغرابة؟! وكيف يجتمع مجد الشعر مع قلة الشعر؟! هو الأمر كذلك. لأن المصطلي بجمرة الشعر اللاهبة، والعارف حقا بقداسة الشعر وعذابه وعذوبته، لا يمكن أن يحني هامته أمام الشعر، ولا يمكن إلا أن يقشعر منه البدن وترتعد منه الفرائص أمام لحظة الشعر الخارقة والحارقة.. ولا يمكن من ثم إلا أن يكون شعره قليلا وجميلا وجليلا، كالأحجار النفيسة والأشياء النادرة في هذا الوجود».
ويرى العوفي أن «المجاطي لم يكن شاعرًا على الورق فحسب، وأثناء تخلق القصيدة وانبجاسها، بل كان، في حد ذاته، قصيدة حية وحيية تمشي على قدمين. كانت خطواته الوئيدة أشبه ما تكون بالإيقاعات العروضية الخافتة البطيئة. وكان صمته مترعا بالشعر ورعود الروح. كما كانت نظراته قادحة وعاكسة لشرر الدواخل. كانت صفحة النهر الملساء تخفي جيشانا داخليا واصطخابا عميقا، لم يكن يظهر منهما على سطح النص والقصيد سوى غيض من فيض وشرر من أجيج. ومن هنا نفهم سر هذه الكثافة الشعرية عند الشاعر، وهذا الضغط النفسي واللغوي المرتفع في نصوصه. من هنا يكون (بياض) الشاعر عنده أوسع بكثير من (سواده) أو منجزه. وهكذا كان كبار الشعراء، المسكونين بنار الشعر». ومن هنا، يضيف العوفي، «احتل أحمد المجاطي مكانته البهية في تاريخ شعرنا المعاصر، عن جدارة واستحقاق، كأب روحي وفعلي للقصيدة المغربي الحديثة. فمن خوالجه ومواجده اقتاتت، وعبر حروفه وكلماته تفتحت وترعرعت، ومن لهاته وعلى شفته صدحت وغنت، وفي كنفه وجدت مأواها ومرعاها»، مشددا على أن الراحل «كان مؤسسا للقصيدة المغربية الحديثة، ومدشنا للحداثة الشعرية في المغرب، بعد أن كان الشعر في هذا البلد وعلى امتداد أزمنة متتالية، تقطيعا وأوزانا، ومراثي وأمداحا، ووعظا وإرشادا».
وإضافة إلى هذا الدور الريادي وفي كنفه، يضيف العوفي: «كانت التجربة الشعرية للمجاطي تشكل حصانة للشعر ومناعة له ضد الابتذال والرداءة والتسيب. كانت فروسية حروفه الشعرية في حد ذاتها ترياقا للشعر وبلسما شافيا له، ودما حارا يسري في أوردته ويجدد نبض الحياة في جسده. ومع توالي الأيام، واستفحال «السقوط» و«كبوة الريح» و«عودة المرجفين» في مشهد الحياة كما في مشهد الشعر، تتوطد مكانة المجاطي الشعرية ويتجدد الحنين إليه، كواحة شعرية يانعة وظليلة وقيمة إبداعية عالية وأصيلة. مع توالي الأيام، تجدد الحاجة إلى فروسية المجاطي الشعرية ووقدة حروفه اللافحة».
ينتهي محيي الدين صبحي، في ورقته النقدية الملحقة بـ«الفروسية»، تحت عنوان «حداثة التراث وتراث الحداثة في شعر أحمد المجاطي»، إلى الحقيقة التالية: «لقد ظفر الشعر العربي الحديث من ديوان المجاطي بحلقة جديدة في السلسلة الذهبية، التي شكلها جيل الرواد في الخمسينات. فبعد السياب والبياتي وخليل حاوي، يتبوأ الشاعر أحمد المجاطي مكانته بين رواد الشعر الحديث، الذين طوروا الأداء واللغة الشعريين بالعربية. أما بالنسبة لشعراء المغرب العربي في السبعينات والثمانينات، بين القاهرة والجزائر، فهو رأس الطليعة التي تستحق لقب شاعر».
والواقع أن محيي الدين صبحي لم يفعل، للحديث عن المكانة الرفيعة التي أعطاها للشاعر المغربي الراحل بين رواد الشعر العربي الحديث، أكثر من الاستناد إلى «عمق التجربة واكتناز التعبير وكثافة الشعور»، مشددا على أن «عمق التجربة مقرون بنصاعة العبارة وبساطتها، لكي تظل القصيدة أداة توصيل صالحة».
وفضلا عن مسيرته الإبداعية المتميزة، عرف الراحل المجاطي ناقدا وباحثا وأستاذا جامعيا مشهودا له بالكفاءة والتميز، لذلك ترك لنا، فضلا عن ديوان «الفروسية»، المطبوع مرتين، دراستين نقديتين، الأولى رسالة رصدت «ظاهرة الشعر الحديث» (1971)، والثانية أطروحة تناولت «أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث» (1992)، نال بهما، على التوالي، درجتي دبلوم الدراسات العليا ودكتوراه الدولة من الجامعة المغربية.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.