هل تتحول موريتانيا إلى «بوابة تجارية» للجزائر نحو دول غرب أفريقيا؟

بعد أن أطلق البلدان مشروع طريق صحراوي يربطهما ومنطقة حرة للتبادل التجاري

الرئيسان الموريتاني والجزائري يضعان حجر الأساس لمشروع طريق تربط البلدين (الرئاسة الموريتانية)
الرئيسان الموريتاني والجزائري يضعان حجر الأساس لمشروع طريق تربط البلدين (الرئاسة الموريتانية)
TT

هل تتحول موريتانيا إلى «بوابة تجارية» للجزائر نحو دول غرب أفريقيا؟

الرئيسان الموريتاني والجزائري يضعان حجر الأساس لمشروع طريق تربط البلدين (الرئاسة الموريتانية)
الرئيسان الموريتاني والجزائري يضعان حجر الأساس لمشروع طريق تربط البلدين (الرئاسة الموريتانية)

قبل 10 سنوات، بدأت الجزائر وموريتانيا التفكير في تعزيز مستوى التبادل التجاري بينهما، من خلال معبر بري هو الأول من نوعه على الحدود بين البلدين، التي ظلت منذ الاستقلال شبه مغلقة بسبب صعوبة تضاريس المنطقة، والتحديات الأمنية المتمثلة في شبكات التهريب والمنظمات الإرهابية.

لكن بعد سنوات من العمل، أطلق رئيسا البلدين محمد ولد الشيخ الغزواني وعبد المجيد تبون، الخميس الماضي في تندوف، المرحلة الأخيرة من المشروع، تتمثل في طريق تربط مدينة تندوف الجزائرية بمدينة الزويرات الموريتانية، على مسافة 840 كيلومتراً تقطع الصحراء القاحلة في شمال موريتانيا، وهو المشروع الذي ستنفذه 10 شركات جزائرية، إضافة إلى منطقة حرة للتبادل التجاري لم تكشف عنها أي تفاصيل.

بوابة السوق الأفريقية

التوجه الجزائري نحو السوق الموريتانية خلال السنوات الأخيرة، رافقته رغبة واضحة في الانفتاح على أسواق دول غرب أفريقيا، وذلك ضمن مشروع جزائري قديم، أطلق عليه «طريق الوحدة الأفريقية»، الذي يمتد على مدى نحو 5 آلاف كيلومتر، ويمر من الجزائر نحو النيجر ومالي وموريتانيا وتشاد ونيجيريا.

مصافحة بين الرئيسين الموريتاني والجزائري بعد إطلاق مشروع طريق تربط البلدين (الرئاسة الموريتانية)

غير أن المشروع الذي سمّته الصحافة المحلية في الجزائر «طريق الحرير الجزائرية»، اعترضته أزمات أمنية في الساحل الأفريقي، خصوصاً في النيجر ومالي، بالإضافة إلى تدهور العلاقات خلال الأشهر الأخيرة بين الجزائر والنظام العسكري الحاكم في باماكو، ليبدأ تسريع العمل في مقاطع الطريق التي تمر عبر موريتانيا.

وفي هذا السياق، يقول سيدي عثمان الشيخ الطالب اخيار، وهو رجل أعمال موريتاني مهتم بالسوق الجزائرية لـ«الشرق الأوسط»، إن «مشروع الطريق تندوف - الزويرات... سيكون رابطاً بين عدد من الدول الأفريقية... وربما وجد أهميته في هذه الظرفية، لأن الطرق الأخرى التي تمر بمالي والنيجر تواجه تحديات أمنية، والطريق الوحيدة السالكة والآمنة هي تلك التي تمر عبر موريتانيا نحو دول غرب أفريقيا، لتربطها بالجزائر وتونس، وبالتالي تكون موريتانيا بوابة تربط شمال أفريقيا بغربها».

الرئيسان الموريتاني والجزائري بعد إطلاق مشروع الطريق (الرئاسة الموريتانية)

ومنذ أكثر من عامين، بدأت البضائع الجزائرية تتدفق على السوق الموريتانية، وتسلك طريقاً صحراوية وعرة وشاقة، تزيد من مخاطر وتكاليف النقل، إذ عليها أن تسلك أكثر من ألف كيلومتر شبه مهجورة، لتصل إلى مدينة الزويرات الموريتانية. ولذلك ستشكل وعورة هذه المنطقة وجغرافيتها الصعبة، وانقطاعها عن العالم، أكبر تحدٍ أمام المشروع، الذي لم تحدد أي مدة زمنية لاكتماله، مع أن الرئيس الجزائري كان خلال إطلاق أشغاله حازماً حين طلب من الشركات «المرور إلى السرعة القصوى في التنفيذ».

* علامات استفهام حول المنطقة الحرة

إلى جانب الطريق والمعبر البري، أعلن الجانبان الموريتاني والجزائري عن إقامة منطقة حرة للتبادل التجاري بالقرب من المعبر الحدودي، وهي التي اهتم بها كثيراً رجال الأعمال الموريتانيون، وكانت محور كثير من الأسئلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وبهذا الخصوص يقول رجل الأعمال الموريتاني، سيدي عثمان، إن «المنطقة الحرة فكرة طموحة، لكنها جاءت بعرض من الجانب الجزائري، وربما تكون داخل أراضي الجزائر، لكن حتى الآن لم تحدد ملامحها، ولا الحيز الجغرافي الذي ستقام عليه، ولا الإجراءات والتحفيزات الموجودة فيها... والجانب الموريتاني لم تصل إليه حتى الآن أي معلومات حول هذه المنطقة، بما في ذلك القطاعات الموريتانية المختصة كالجمارك الموريتانية، التي لا تملك أبسط معلومة عن المنطقة الحرة».

* ترحيب جزائري - موريتاني

احتفى الموريتانيون بالمشروعات التي أطلقت لتعزيز التبادل التجاري مع الجزائر، خصوصاً الطريق البرية التي ستفك في نظرهم العزلة وتعيد الحياة لمنطقة نائية ظلت لعقود مهجورة، ومسرحاً لمطاردات الجيش الموريتاني مع شبكات التهريب. وأكثر ما احتفى به الموريتانيون هو أن الطريق التي تمتد لأكثر من 800 كيلومتر، ستتولى الجزائر بشكل كامل تمويلها، مع شركات محلية، رغم أن الجانب الجزائري لم يفصح عن تكاليف التنفيذ ولا مدته الزمنية.

الرئيسان الجزائري لدى وصوله إلى تندوف بجنوب غربي الجزائر (الرئاسة الموريتانية)

وقال الطالب اخيار إن مشروع التبادل التجاري بين موريتانيا والجزائر ستكون له إيجابيات على البلدين، لكنه شدد على ضرورة أن يكون ذلك التبادل «وفق قاعدة رابح - رابح، وبين طرفين تربطهما علاقة اقتصادية متكافئة»، مشيراً إلى أن «الوضعية الآن تشير إلى أن التبادل التجاري بين موريتانيا والجزائر غير متكافئ، لأن صادرات الجزائر نحو موريتانيا أكبر بكثير من صادرات موريتانيا نحو الجزائر»، وفق تعبيره.

وفي الجزائر، أولت الصحافة المحلية أهمية بالغة للأهداف التي دفعت الرئيسين للاجتماع بالمدينة الحدودية، على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، فيما تحدث مراقبون عن «محاولة الجزائر استدراك تأخر في علاقتها بنواكشوط، في ظل تقارب لافت حدث مؤخراً بين المغرب وموريتانيا».

الرئيسان الموريتاني والجزائري يتابعان مراسيم إطلاق مشروع الطريق التي ستربط البلدين (الرئاسة الموريتانية)

والمعروف أن علاقات الجزائر بجيرانها في المنطقة جنوب الصحراء، خصوصاً مالي والنيجر، تمر بظروف سيئة، وقد ترك ذلك أثراً بالغاً على نفوذها السياسي والأمني كقوة إقليمية. ووفق هذا المعطى الجديد، جاء لقاء تبون بولد الغزواني ليؤكد عزم الجزائريين تطوير علاقتهم بالجار المغاربي، الذي يشكل امتداداً لبلدان الساحل جنوب الصحراء. وقد تمت ترجمة هذه الإرادة بتحمل الجزائر تمويل مشروع الطريق الذي قدرت قيمته المالية بـ700 مليون دولار. كما أن الشركات التي ستنجزه كلها جزائرية، وتملك تجربة طويلة في قطاع الأشغال العامة وشق الطرقات في الصحراء.

ونشرت الرئاسة الجزائرية على حساباتها بالإعلام الاجتماعي تصريحات الرئيسين، وهما يطلقان المشروعات الجديدة، بشكل متواصل طوال يومي الخميس والجمعة. وأظهر تبون ارتياحاً لـ«الديناميكية الجديدة التي ستفتح آفاقاً، وتعطي حيوية بالمناطق الحدودية، بفضل الطريق الرابطة بين تندوف والزويرات، علماً بأن هذه المناطق خالية وجرداء حالياً، ويرتقب أن تنتعش قياساً إلى الأنشطة التي ستستحدث في مجال الإطعام والفندقة وبناء محطات البنزين»، مؤكداً أن «شعبينا يترقبان إنجاز هذا المشروع».

أما ولد الغزواني فقال إن الموريتانيين «يعدّون الجزائر بلداً فعالاً في المنطقة، وهم فخورون بذلك... وأشكر تبون على إنجاز الطريق الرابطة بين تندوف والزويرات، فقد تعهد لي بأنها سترى النور عن قريب... أخي الرئيس تبون قرر أن نلمس المشروع، وأن نستفيد منه، لذلك فأنا أشكره».

رئيس «حركة البناء» اقترح وحدة مغاربية ثلاثية (من حساب حزبه بالإعلام الاجتماعي)

وسارع عبد القادر بن قرينة، رئيس «حركة البناء» المشاركة في الحكومة بوزيرين، إلى الإشادة بنتائج «لقاء تندوف»، مؤكداً في بيان أصدره أمس (الجمعة)، أن مشروعي الطريق ومنطقة التجارة الحرة «يؤكدان الإرادة السياسية القوية للرئيس عبد المجيد تبون لإعمار المنطقة وإسعاد شعوبها، وهما رد واقعي ورسالة واضحة لكل المغرضين والحاسدين المعروفة أهدافهم»، من دون توضيح من يقصد، لكن كلامه فيه تلميح للرباط، وفق قراءة صحافيين.

وحذر بن قرينة من «حالة التوتر المزداد وعدم الاستقرار والاضطراب، التي تمر بها منطقة الساحل والصحراء، بسبب ما تعيشه بعض دولها من أزمات داخلية تغذيها أجندات خارجية، وكيانات وظيفية طفيلية، باتت معروفة عند الجميع، وما تبعه من فك للارتباط للخروج من عباءة المستعمر القديم»، في إشارة إلى تصدع علاقات مالي والنيجر مع فرنسا.

واقترح الوزير الأسبق «وحدة مغاربية للدول الثلاث: تونس والجزائر وموريتانيا كخطوة أولى، إلى حين انتفاء الموانع، والتحاق بقية الدول بما يبهج ويفرح مواطني دولنا المغاربية جميعاً».



نجاة امرأتين وفقدان عشرات المهاجرين... مأساة جديدة قبالة سواحل ليبيا

​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
TT

نجاة امرأتين وفقدان عشرات المهاجرين... مأساة جديدة قبالة سواحل ليبيا

​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)

استيقظت ليبيا، الاثنين، على مأساة جديدة قبالة سواحلها في البحر المتوسط؛ إذ غرق قارب انطلق من مدينة الزاوية بغرب البلاد وعلى متنه 55 مهاجراً غير نظامي، في حادثة تُضاف إلى سجل طويل من حوادث غرق قوارب تُقل مهاجرين أفارقة طامحين لمستقبل أفضل بالقارة الأوروبية.

ولم ينجُ من الحادث سوى امرأتين نيجيريتين، أمكن إنقاذهما خلال عملية البحث والإنقاذ التي نفذتها السلطات الليبية. وأفادت إحداهما بفقدان زوجها، فيما قالت الأخرى إنها فقدت رضيعَيها، وفق ما ذكرته «المنظمة الدولية للهجرة».

وقال متحدث باسم «منظمة الهجرة» إن الحادث أفضى إلى وفاة أو فقد 53 مهاجراً، بينهم رضيعان، إثر انقلاب قارب مطاطي كان يقل 55 شخصاً قبالة السواحل الليبية. وأشار إلى أن القارب انقلب شمال مدينة زوارة بغرب ليبيا في السادس من الشهر الحالي.

ضبط قوارب مخصصة لتهريب المهاجرين عبر المتوسط لدى عصابات بغرب ليبيا (وزارة الداخلية)

وعبَّرت المنظمة عن «حزنها العميق» لفقدان الأرواح في حادث مميت جديد على طريق وسط البحر المتوسط، مشيرة إلى أن فِرقها قدمت للناجيتين رعاية طبية طارئة فور إنزالهما بالتنسيق مع السلطات المعنية.

وبحسب إفادات الناجيتين للمنظمة الدولية، غادر القارب مدينة الزاوية نحو الساعة الحادية عشرة من مساء الخامس من فبراير (شباط)، وبعد نحو ست ساعات انقلب نتيجة تسرب المياه إليه.

وكان القارب يقل مهاجرين ولاجئين من جنسيات أفريقية مختلفة. ويرفع الحادث عدد المهاجرين الذين أُبلِغ عن وفاتهم أو فقدانهم، في محاولة اجتياز البحر المتوسط إلى أوروبا، إلى ما لا يقل عن 484 شخصاً في عام 2026.

رحلات الموت

ومثل هذه الحوادث متكررة؛ ففي 22 يناير (كانون الثاني) الماضي، أمرت النيابة العامة الليبية بحبس اثنين من تشكيل عصابي، لاتهامهما بتهريب مهاجرين غير نظاميين من شرق ليبيا إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، ما تسبب في غرق 59 شخصاً من مصر وبنغلاديش.

وكان الضحايا من بين 79 شخصاً من البلدين انطلق قاربهم من طبرق، بأقصى الشرق الليبي، وأُعلن عن غرق 59 منهم في 30 يوليو (تموز)، فيما تم إنقاذ الباقين.

وعادة ما تنتشل عناصر «الهلال الأحمر» الليبي الجثث التي تقذفها الأمواج إلى الشاطئ.

متطوعو جمعية الهلال الأحمر الليبي ينتشلون جثة قذفتها أمواج المتوسط يناير الماضي (المكتب الإعلامي للجمعية)

وتكثف السلطات المعنية بمكافحة الهجرة غير المشروعة في شرق ليبيا وغربها، من عمليات «الترحيل الطوعي» براً وجواً، وسهّلت إعادة دفعات جديدة من الموقوفين إلى دولهم. كما تعمل السلطات على تعقّبهم، وذلك ضمن خطة تهدف إلى «فرض السيطرة ومنع أي محاولات للتسلل».

وسبق وأعلنت «المنظمة الدولية للهجرة» عن اعتراض وإعادة 568 مهاجراً من البحر إلى ليبيا خلال الفترة من الثاني إلى الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، لافتة إلى اعتراض وإعادة 23513 مهاجراً منذ بداية العام الحالي، من بينهم 2037 امرأة و851 طفلاً.

وتلجأ عصابات الهجرة غير المشروعة إلى تهريب المهاجرين في قوارب متهالكة، أو غير معدة للإبحار في عرض البحر المتوسط، ما تسبب في وقوع كوارث عديدة.

وفكّكت النيابة العامة الليبية في سبتمبر (أيلول) الماضي، شبكة كانت تعمل على تصنيع «قوارب الموت» التي تُستخدم في الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، وأوقفت 10 أشخاص كانوا يعملون في ورشة بمدينة مصراتة.

وتشير بيانات «المنظمة الدولية للهجرة» إلى أنه خلال شهر يناير فقط، أُبلِغ عن وفاة أو فقدان ما لا يقل عن 375 مهاجراً نتيجة عدة حوادث غرق «غير مرئية» بوسط البحر المتوسط، في ظل ظروف جوية قاسية، مع ترجيح حدوث مئات الوفيات الأخرى التي لم يتم رصدها.

عصابات وشبكات تهريب

تسلّط هذه الحوادث المتكررة الضوء على المخاطر المستمرة والقاتلة، التي يواجهها المهاجرون واللاجئون في أثناء محاولات العبور المحفوفة بالمخاطر.

ووفقاً لمشروع «المهاجرين المفقودين» التابع لـ«المنظمة الدولية للهجرة»، فُقد أكثر من 1300 مهاجر في وسط البحر المتوسط خلال عام 2025.

وتحذّر المنظمة من أن شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين «تواصل استغلال المهاجرين على طريق وسط البحر المتوسط، محققة أرباحاً من رحلات عبور خطيرة على متن قوارب غير صالحة للإبحار، ومعرّضة الأشخاص لانتهاكات جسيمة ومخاطر متعلقة بالحماية».

وتؤكد المنظمة الحاجة إلى تعزيز التعاون الدولي والاستجابات التي تضع الحماية في صميمها، لمواجهة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، إلى جانب إتاحة مسارات آمنة ونظامية للهجرة للحد من المخاطر وإنقاذ الأرواح.

مهاجرون من النيجر خلال ترحيلهم من طرابلس ديسمبر 2025 (الداخلية الليبية)

وتسعى دول عديدة إلى إعادة رعاياها من ليبيا.

وأعلنت وزارة الخارجية المصرية الشهر الماضي، أن جهودها أسفرت عن ترحيل أكثر من 3 آلاف مواطن من ليبيا خلال عام 2025، ممن كانوا متهمين في قضايا الهجرة غير المشروعة، والإفراج عن أكثر من 1200 مواطن من السجون الليبية، إضافة إلى نقل 300 جثمان على نفقة الدولة، إثر غرق مراكب للهجرة قبالة السواحل الليبية.


الأمم المتحدة: كان يمكن تجنب الفظاعات وكارثة الفاشر في السودان

نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)
نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)
TT

الأمم المتحدة: كان يمكن تجنب الفظاعات وكارثة الفاشر في السودان

نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)
نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)

أكد المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الاثنين، أن الفظائع التي ارتُكبت خلال استيلاء «قوات الدعم السريع» على الفاشر في السودان تُعدّ «كارثة» كان من الممكن تجنبها، معرباً عن مخاوفه من تكرار أحداث مماثلة في كردفان.

وقال فولكر تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف: «كثيراً ما حذر مكتبي من خطر وقوع فظائع جماعية في مدينة الفاشر التي ظلت محاصرة أكثر من عام، وقد وثَّقنا سابقاً أنماطاً من هذه الفظائع في مناسبات كثيرة، بما في ذلك خلال هجوم (قوات الدعم السريع) للاستيلاء على مخيم زمزم... كان التهديد واضحاً، لكن تم تجاهل تحذيراتنا».


بدو السودان محاصرون مع تصاعد انعدام الأمن والانقسام العرقي جراء الحرب

نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)
نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

بدو السودان محاصرون مع تصاعد انعدام الأمن والانقسام العرقي جراء الحرب

نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)
نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)

كان جبارة البشير وعائلته يجوبون صحراء السودان بإبلهم وماشيتهم، ويتنقلون بحرية بين الأسواق ومصادر المياه والمراعي الخضراء.

ولكن منذ اندلاع الحرب في 2023، تقطعت السبل به وبغيره من البدو العرب في الصحراء خارج مدينة الأبيّض وسط السودان، حيث باتوا فريسة لقطاع الطرق والتوتر العرقي.

تسببت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» شبه العسكرية في نزوح نحو 14 مليون شخص، وأدت إلى اندلاع موجات من إراقة الدماء على أساس عرقي، فضلاً عن انتشار المجاعة والأمراض.

«الدعم السريع» تحاصر الجيش بغرب كردفان في أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

وقال الباحث المحلي إبراهيم جمعة إن الحرب أدت كذلك إلى اختلال التوازن الدقيق في ملكية الأراضي ومسارات الماشية التي حفظت للبدو سبل عيشهم وعلاقاتهم الأوسع في المنطقة.

والأبيّض هي واحدة من كبرى مدن السودان وعاصمة ولاية شمال كردفان، التي شهدت أعنف المعارك في الحرب خلال الأشهر القليلة الماضية.

وقال من تحدثوا إلى «رويترز» من شمال كردفان إنهم وجدوا أنفسهم محاصرين مع انتشار الكراهية العرقية المرتبطة بالحرب والتي تغذيها إلى حد بعيد شبكات التواصل الاجتماعي.

وقال البشير: «سابقاً لا يوجد شخص يعترض شخصاً أو قافلة قبيلة رحل، ولا هذا من الجهة الفلانية أو الجهة الكذا... القافلة قافلة والسوق تعني سوق... شارع يعني شارع... تتحرك وفق اختيارك... الآن لا يوجد اختيار ولا توجد جهه تتقبلك».

وأضاف: «سابقاً الأسواق كثيرة تستطيع أن تبيع وتشتري... لا يوجد شخص يكره شخصاً ولا شخص يرفض شخصاً... الآن الوضع أصبح كله محاذير».

بالإضافة إلى الحرب المتصاعدة، يواجه البدو الرحل - الذين قال جمعة إن عددهم يصل إلى الملايين في جميع أنحاء السودان - تهديداً من قطاع الطرق الذين يسرقون الماشية.

انتشار المجاعة في شمال دارفور وجنوب كردفان بغرب السودان وجنوبه (أ.ب)

وقال حامد محمد، وهو راعٍ آخر محاصر في ضواحي الأبيض: «في السابق كانت السوق سمحة والوضع ليس كهذا الزمان... الزمن الآن زمن مشاكل... لا نستطيع الذهاب إلى أي مكان وإذا ذهبنا العدو يأخذ البهائم... الآن حدنا الأبيّض هنا فقط».

نشأت «قوات الدعم السريع» من الميليشيات العربية المعروفة باسم الجنجويد، التي تواجه اتهامات بارتكاب إبادة جماعية في دارفور في مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

واتهمت الولايات المتحدة ومنظمات حقوقية «قوات الدعم السريع» بارتكاب إبادة جماعية ضد السكان غير العرب في ولاية غرب دارفور خلال الصراع الحالي، في امتداد للعنف المستمر منذ فترة طويلة الناجم عن النزاع على الأراضي.

ونفت «قوات الدعم السريع» مسؤوليتها عن عمليات القتل ذات الطابع العرقي، وقالت إن المسؤولين عن الانتهاكات سيحاسبون.

وشكلت تلك القوة طوال الحرب روابط مع قبائل عربية أخرى، وأطلقت في بعض الأحيان يدها لتقوم بعمليات نهب وخطف.

لكن بعض القبائل العربية والكثير من أفرادها لم ينضموا إلى القتال.

ونادى جمعة بضرورة «تصميم برامج اجتماعية تتعلق بنبذ خطاب الكراهية... تتعلق بسيادة حكم القانون... تتعلق بإجراء المصالحات الاجتماعية باعتبار أن الحرب أثرت في أنسجة المجتمعات».