هل يعرقل الوجود التركي في «القرن الأفريقي» تحسن العلاقات بين القاهرة وأنقرة؟

عقب اتفاق الصومال مع حكومة إردوغان على التعاون الدفاعي

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (رويترز)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (رويترز)
TT

هل يعرقل الوجود التركي في «القرن الأفريقي» تحسن العلاقات بين القاهرة وأنقرة؟

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (رويترز)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (رويترز)

أثار إقرار الصومال اتفاقية أمنية واقتصادية مع تركيا تساؤلات حول مدى تأثير الاتفاقية التي تعزز الحضور التركي في «القرن الأفريقي»، على المصالح المصرية في المنطقة، في وقت تشهد فيه العلاقات المصرية التركية تحسناً متسارعاً، لا سيما بعد الزيارة التي قام بها الرئيس التركي للقاهرة قبل نحو أسبوع، ووقَّع خلالها البلدان اتفاقاً لتأسيس مجلس للتعاون الاستراتيجي رفيع المستوى.

ورأى خبراء ومختصون في الشأنين التركي والأفريقي تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن التفاهمات المصرية - التركية والتقارب اللافت في العلاقات بين البلدين في الآونة الأخيرة، كل ذلك «يدفع باتجاه التعاون لا التنافس»، وأن الحضور المصري والتركي في منطقة القرن الأفريقي، ذات الأهمية الاستراتيجية للبلدين، «يمكن أن يوفر إطاراً من التعاون في مواجهة التحركات الإثيوبية».

وكان البرلمان ومجلس الوزراء في الصومال قد صادقا، الأربعاء، على اتفاقية للتعاون الدفاعي والاقتصادي مع تركيا، مدتها 10 سنوات. ونقلت وكالة الأنباء الصومالية عن الرئيس حسن شيخ محمود، قوله إن الاتفاقية تهدف إلى «بناء البحرية الصومالية وحماية الموارد البحرية»، مشدداً على أنها «ليست معادية لأي دولة أخرى، ولا تهدف بأي حال إلى إثارة الكراهية، أو نزاع مع أي دولة أو حكومة أخرى».

وأشاد الرئيس الصومالي بدعم تركيا لبلاده قائلاً إنها «الدولة الوحيدة التي أبدت استعدادها لمساعدة الصومال في حماية مياهه الإقليمية واستغلال موارده وإعادة تأهيل البحرية الصومالية».

حليف حقيقي

من جانبه، قال رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي بري، إن الاتفاقية الدفاعية مع تركيا ستسهم في «حماية الحدود البحرية من الإرهاب والقرصنة وعمليات الصيد غير المشروعة»، وأضاف: «سيكون للصومال حليف حقيقي وصديق وأخ على الساحة الدولية».

وبموجب الاتفاق ستوفر تركيا التدريب والمعدات للبحرية الصومالية كي تتمكن من حماية مياهها الإقليمية بشكل أفضل من التهديدات مثل الإرهاب والقرصنة و«التدخل الأجنبي». ونقلت وكالة «رويترز»، الخميس، عن مسؤول بوزارة الدفاع التركية قوله إن تركيا ستقدم دعماً أمنياً بحرياً للصومال لمساعدة الدولة الأفريقية في الدفاع عن مياهها الإقليمية.

موقف مشترك

جاء توقيع الاتفاق في 8 فبراير (شباط) الحالي بعد نحو شهر فقط من توقيع الحكومة الإثيوبية اتفاقاً مبدئياً مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي، تحصل بموجبه أديس أبابا على مَنفذ بحري يتضمن ميناءً تجارياً وقاعدةً عسكريةً في منطقة «بربرة»، مقابل اعتراف إثيوبي بـ«أرض الصومال» دولة مستقلة ومزايا اقتصادية أخرى.

ورفضت الحكومة الصومالية الاتفاق بحسم واستدعت سفيرها لدى أديس أبابا، كما أصدر الرئيس الصومالي قراراً بإلغاء الاتفاق، متعهداً بالتصدي لأي محاولات للمساس بسيادة ووحدة الأراضي الصومالية.

وأدانت مصر وتركيا، إلى جانب دول ومنظمات إقليمية أخرى، الاتفاق بين إثيوبيا و«أرض الصومال»، وزار الرئيس الصومالي القاهرة الشهر الماضي، كما استقبلت تركيا عدداً من المسؤولين الصوماليين لبحث الموقف. وأصبحت تركيا حليفاً وثيقاً للحكومة الصومالية في السنوات القليلة الماضية، وشيّدت أنقرة المدارس والمستشفيات والبنية التحتية، وقدمت منحاً دراسية للصوماليين للدراسة في تركيا.

تعاوُن لا تنافُس

ويلفت كرم سعيد الباحث المتخصص في الشؤون التركية بمركز «الأهرام» للدراسات السياسية والاستراتيجية، إلى أهمية السياق الزمني المحيط بالاتفاق التركي - الصومالي، مؤكداً أنه يتزامن مع حالة التوتر التي أحدثها اتفاق إثيوبيا و«أرض الصومال»، فضلاً عن تزامنها مع التحسن اللافت في العلاقات المصرية - التركية.

وأشار سعيد لـ«الشرق الأوسط» إلى اتفاق الموقف المصري والتركي على رفض الاتفاق الإثيوبي مع «أرض الصومال»، مرجحاً أن تدفع مصالح البلدين في القرن الأفريقي إلى تعزيز التعاون. وأضاف أن الاتجاه التركي إلى «تصفير المشكلات» مع دول المنطقة وبخاصة مصر وقبلها مع السعودية والإمارات، ولكل منها مصالح واسعة في منطقة القرن الأفريقي، «قد يدفع تركيا إلى تعزيز التكامل مع تلك الدول العربية، خصوصاً في ظل تراجع النفوذ الفرنسي والأميركي بالمنطقة».

ويضيف الباحث في الشأن التركي أن «تركيا بحاجة إلى شركاء فاعلين في إطار التنافس التاريخي مع إيران التي تسعى هي الأخرى إلى تعزيز نفوذها في القارة الأفريقية، ومن ثَمَّ فإن الاتجاه التركي للتنسيق مع الدول العربية وفي مقدمتها مصر هو الأقرب» في اعتقاده، منوهاً إلى أن البيئة الراهنة للعلاقات التركية «تدفع باتجاه التعاون أكثر مما تدفع إلى التنافس».

المؤشر الآخر على تغليب فكرة التعاون المصري - التركي في القرن الأفريقي يراها سعيد تكمن في حالة التوتر الراهنة في العلاقات بين إثيوبيا وتركيا بعد الموقف التركي من اتفاق «أرض الصومال»، رغم العلاقات الاستراتيجية التي يتمتع بها البلدان، إذ تستأثر إثيوبيا بنصف قيمة الاستثمارات التركية في أفريقيا تقريباً، التي تبلغ نحو 6 مليارات دولار، كما دعمت تركيا الحكومة الإثيوبية في حربها ضد التيغري، معتبراً أن ذلك التوتر لا يصب فقط باتجاه تنسيق مصري - تركي، بل يمكن توظيفه كذلك فيما يتعلق بقضية سد النهضة.

إدارة المصالح

«تعاوُن لا تنافُس»، هكذا يرى أيضاً السفير صلاح حليمة نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، المشهد الراهن بين تركيا ومصر في القرن الأفريقي بعد الاتفاق الأمني والاقتصادي بين تركيا والصومال، لكنه يركز على زاوية أخرى من منظور طبيعة المصالح المصرية والتركية في الصومال التي يرى أنها تميل إلى تغليب اعتبارات دعم الصومال في مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية التي يعانيها منذ سنوات، وهو ما يجعل الهدف من حضور البلدين لدعم الصومال منسجماً.

ويضيف حليمة لـ«الشرق الأوسط» أن التفاهمات المصرية - التركية الأخيرة التي تُوجت بتوقيع اتفاق للتعاون الاستراتيجي بين البلدين خلال الزيارة الأخيرة للرئيس التركي إلى القاهرة تدفع باتجاه الاعتقاد أن البلدين لديهما من أطر التفاهم ما يجعلهما قادرَين على إدارة المصالح في منطقة القرن الأفريقي التي تحظى بأهمية استراتيجية لكليهما.

وأشار الدبلوماسي المصري السابق إلى أن الاتفاق التركي - الصومالي «لا يثير حفيظة القاهرة»، معتبراً أن المساندة المصرية والتركية للصومال في مواجهة الإرهاب والأزمات الإقليمية، تخدم المصالح المشتركة للدول الثلاث، لأن استقرار أراضي الصومال ووحدته يمثلان «عنصر أمان» للمصالح المصرية والتركية على السواء.

ويخوض الصومال منذ سنوات حرباً ضد حركة «الشباب» التي تتبع فكرياً تنظيم «القاعدة» وتبنت عمليات إرهابية كثيرة في الصومال ودول الجوار، أودت بحياة المئات.


مقالات ذات صلة

مسؤول إريتري لـ«الشرق الأوسط»: لا نستبعد حرباً مع إثيوبيا

شمال افريقيا الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية في أديس أبابا يوليو 2018 (رويترز)

مسؤول إريتري لـ«الشرق الأوسط»: لا نستبعد حرباً مع إثيوبيا

قال المستشار الإعلامي لسفارة إريتريا في القاهرة حبيب محمد عثمان لـ«الشرق الأوسط»، الاثنين، إن بلاده لا تستبعد حرباً مع إثيوبيا.

محمد الريس (القاهرة )
أفريقيا أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات على طول أحد الشوارع مع تصاعد التوترات بعد أن شنّت القوات هجوماً كبيراً ضد الحكومة الفيدرالية في مواقع متعددة في ميكيلي بمنطقة تيغراي - 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

قوات موالية لحكومة إثيوبيا تعلن السيطرة على بلدة استراتيجية في تيغراي

قالت جماعة مسلحة موالية للحكومة الإثيوبية إن الجيش الإثيوبي ومسلحين متحالفين معه تمكنوا من السيطرة على بلدة ألاماتا الاستراتيجية إلى الجنوب من عاصمة تيغراي.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
العالم العربي وزير خارجية جيبوتي عبد القادر عمر يلقي كلمة بالجمعية العامة للأمم المتحدة (وكالة أنباء جيبوتي)

جيبوتي تحت ضغوط «اضطرابات الجوار»

وجدت جيبوتي نفسها تحت وطأة تدفق آلاف الفارين من جحيم النزاعات وسط تصاعد الأزمات في دول الجوار، لا سيما في إثيوبيا واليمن.

محمد محمود (القاهرة)
العالم أعضاء من «جبهة تحرير تيغراي» يسيرون على طريق رئيسي في ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)

الدعوات الدولية لوقف اضطرابات إثيوبيا... هل تقود لوساطة جديدة؟

تتواصل المعارك بين الحكومة وجبهة تيغراي لليوم الخامس بحسب وسائل إعلام إثيوبي، وسط توالي الدعوات الإقليمية والدولية لوقف الاضطرابات والعودة لمسار الحوار.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (مجلس الوزراء المصري)

«سد النهضة»: رسائل مصرية حازمة بالأمم المتحدة

رسائل مصرية جديدة بشأن أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

محمد محمود (القاهرة )

إزالة 14 ألف قطعة متفجرة من مزرعة في مصراتة الليبية

جانب من المتفجرات المستخرجة من مزرعة السويحلي في مصراتة على مدار 9 أشهر (البعثة الأممية)
جانب من المتفجرات المستخرجة من مزرعة السويحلي في مصراتة على مدار 9 أشهر (البعثة الأممية)
TT

إزالة 14 ألف قطعة متفجرة من مزرعة في مصراتة الليبية

جانب من المتفجرات المستخرجة من مزرعة السويحلي في مصراتة على مدار 9 أشهر (البعثة الأممية)
جانب من المتفجرات المستخرجة من مزرعة السويحلي في مصراتة على مدار 9 أشهر (البعثة الأممية)

بدعم من دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام التابعة لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، أزيلت 14066 قطعة من الذخائر المتفجرة من مزرعة السويحلي في مصراتة خلال 9 أشهر.

وقالت البعثة الأممية في بيان، الاثنين، إن عملية تطهير المزرعة جرت خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى سبتمبر (أيلول) الحالي، بحسب تقرير ميداني عرضته منظمة السلام الليبية خلال زيارة الفريق الأممي إلى مصراتة، الأسبوع الماضي.

الفريق المشارك في استخراج المتفجرات من مزرعة السويحلي في مصراتة يوم الاثنين (البعثة الأممية)

وأوضحت البعثة أن فريقها عقد اجتماعاً مع المجلس البلدي في مصراتة لبحث سبل إسهام دعم الأمم المتحدة وجهود المنظمات غير الحكومية في حماية المدنيين من أخطار الذخائر المتفجرة، وتعزيز الممارسات السليمة والتوعية بالإدارة الآمنة للذخيرة والتعامل معها.

وخلال الزيارة، طلب عميد بلدية مصراتة، محمود السقوطري، دعم الأمم المتحدة لعمليات التطهير في مناطق زمزم والوشكة وأبوقرين، حيث «لا تزال مخلفات الحروب القابلة للانفجار مصدر قلق على سلامة المدنيين»، مرحباً بحملات التوعية بمخاطر الذخائر المتفجرة، ومعرباً عن دعمه للمبادرات الرامية إلى المساعدة في حماية السكان وضمان سلامتهم.

ونقلت البعثة الأممية عن رئيسة دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام التابعة للبعثة، فاطمة زريق، قولها إنه «لا ينبغي أن يتعرض المدنيون لمثل هذه الأخطار»، معربة عن «قلقها إزاء آثار الانفجارات غير المخطط لها التي تتكرر بالقرب من المناطق المأهولة بالسكان في ليبيا وما تخلّفه من أضرار».

وجددت زريق التزام الأمم المتحدة بالعمل مع شركائها الليبيين لتعزيز سلامة المدنيين، وحمايتهم من أخطار المتفجرات من مخلفات الحروب، مؤكدة أنه من الأجدر اتخاذ تدابير وقائية تحول دون وقوع هذه الانفجارات مستقبلاً.

وركزت الزيارة على أهمية حماية المدنيين، والحد من مخاطر الانفجارات غير المخطط لها في مواقع تخزين الذخيرة، وذلك في أعقاب الانفجار الذي وقع في منطقة السكت بمصراتة، الشهر الماضي. ونوهت البعثة إلى أن هذا الانفجار، وقبله 5 انفجارات مماثلة شهدتها أنحاء أخرى من ليبيا خلال السنوات الأربع الماضية، أدت إلى تلوث المناطق المحيطة بالذخائر المتفجرة.

وفي 22 من الشهر الماضي، هز انفجار عنيف مخزناً للذخيرة في منطقة السكت جنوب مدينة مصراتة دون تسجيل خسائر بشرية. وفي مطلع سبتمبر، العام الماضي، أصيب 16 شخصاً جراء انفجار مخزن ذخيرة في المدينة التي تضم تشكيلات مسلحة واسعة.

ذخيرة في موقع انفجار بمخزن أسلحة في مصراتة غرب ليبيا عثر عليها الشهر الماضي (جهاز المباحث الجنائية)

وتُظهر التقييمات التقنية التي تُجرى خلال عمليات التطهير، في كثير من الأحيان، أن ممارسات تخزين الذخيرة التي لا تتبع المبادئ التوجيهية الدولية هي أحد العوامل الرئيسية التي تزيد من مخاطر وقوع مثل هذه الحوادث. وتسعى الدائرة إلى تعزيز القدرات الوطنية في إدارة الأسلحة والذخيرة، بما يضمن اتباع ممارسات متسقة وآمنة في إدارة مخزونات الذخيرة.

واطَّلع فريق البعثة والمركز الليبي للأعمال المتعلقة بالألغام على التقدم المحرز في أنشطة التخلص من الذخائر المتفجرة والتوعية بمخاطرها، التي يقوم بها الشريكان المنفذان، منظمة «هالو ترست» ومنظمة السلام الليبية، في إطار مشروع تموله الحكومة الإيطالية.

وتشكل مخازن السلاح داخل التكتلات والأحياء السكنية تحدياً متجدداً ومتراكماً يلاحق حكومة «الوحدة» في غرب ليبيا، ويؤرق المواطنين، على الرغم من قرار سابق بإخلاء هذه المخازن من المناطق المأهولة.

وتواجه ليبيا، منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، فوضى واسعة في انتشار السلاح والذخائر، مع وجود مخازن عسكرية قرب التجمعات السكانية. وتقدر تقارير أممية وجود نحو 20 مليون قطعة سلاح في البلاد، وهو ما يعكس حجم التحدي.

جانب من الفريق المشارك في استخراج المتفجرات من مزرعة السويحلي في مصراتة يوم الاثنين (البعثة الأممية)

ولا تقتصر مخاطر الذخائر على الانفجارات، إذ تشير أرقام رسمية إلى سقوط 487 ضحية جراء الألغام والذخائر المتفجرة منذ مايو (أيار) 2020، من بينهم 175 قتيلاً و312 مصاباً و87 طفلاً.


مصر: ذكرى وفاة عبد الناصر تعيد الجدل حول شخصه وسياساته

الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر (موقع ذاكرة مصر المعاصرة)
الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر (موقع ذاكرة مصر المعاصرة)
TT

مصر: ذكرى وفاة عبد الناصر تعيد الجدل حول شخصه وسياساته

الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر (موقع ذاكرة مصر المعاصرة)
الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر (موقع ذاكرة مصر المعاصرة)

وسط زحام المُحبين أمام ضريح الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في القاهرة، وقفت الكاتبة والبرلمانية السابقة فريدة الشوباشي، ذات التوجه الناصري، عاجزة عن كبح مشاعرها، حيث غالبتها الدموع في الذكرى السادسة والخمسين لرحيله.

وبينما حضرت عائلة عبد الناصر لاستقبال سياسيين ونواب وكتّاب جاؤوا لإحياء الذكرى وسط باقات الزهور؛ تجسدت مشاعر أخرى من الوفاء بين محبي «الزعيم» من المواطنين الذين توافدوا على المكان، وطاف أحدهم مستعرضاً صفحات من صحف قديمة تتصدرها «مانشيتات» عن «ناصر»، بينما ظهر مُسن واضعاً عشرات من صور الزعيم الراحل في لوحة كبيرة تتزين بأعلام مصر.

وترجمت حناجر أخرى وفاءً سياسياً بهتافات رددت بحماس: «لا للهيمنة الأميركية»، لتتحول الذكرى من مجرد طقس سنوي إلى محاولة لاستعادة زخم الماضي في ظل مشهد الحاضر.

ذكرى رحيل جمال عبد الناصر أعادت الجدل حول شخصه ومواقفه وسياساته (موقع ذاكرة مصر المعاصرة)

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، عاد اسم عبد الناصر ليتصدر المشهد، وسط تعليقات وآراء أعادت الجدل حول شخصه ومواقفه وسياساته. ومثلما انقسمت الآراء حول «الزعيم» خلال سنوات رئاسته، انقسمت تعليقات رواد «السوشيال ميديا» في ذكراه، لتغذي نقاشات تاريخية واجتماعية متضادة.

وأشار تيار المنتقدين إلى تداعيات الحقبة الناصرية على الصعيدين العسكري والسياسي، وحمَّلت كثير من التعليقات الزعيم الراحل مسؤولية الانكسارات العسكرية الكبرى، في مقدمتها هزيمة يونيو (حزيران) 1967.

كما امتد النقد ليشمل بنية نظام الحكم في عهده، الذي رسخ بحسبهم هيمنة الدولة على السياسة والاقتصاد، وأسَّس لقيود طالت المجال العام والحياة الحزبية.

ولامَ آخرون عبد الناصر على ما وصفوه بـ«رفع سقف الشعارات الخاوية» دون قراءة دقيقة لموازين القوى وقتها، والعداء المفتوح مع القوى الكبرى ما أدى إلى نتائج كارثية، وفق قولهم.

وعدّ البعض أن الإرث الاقتصادي والسياسي للحقبة الناصرية خلَّف تركةً من الأزمات المتراكمة، لا تزال ممتدة حتى اليوم.

واستشهد أصحاب هذه الرؤية بما قالته مؤخراً الرئيسة السابقة للمجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر والوزيرة السابقة، مشيرة خطاب، من أن التدني في سعر الجنيه من تداعيات فترة جمال عبد الناصر؛ وهو الانتقاد الذي دفع نجل الزعيم الراحل، عبد الحكيم، للرد على منتقدي والده من أمام ضريحه.

وقال في تصريحات صحافية: «هناك أشخاص تريد أن تحمّل جمال عبد الناصر فاتورة الأزمات الاقتصادية التي طرأت على مصر بعد وفاته، واتهامه بأنه سبب لتدهور الجنيه المصرى»، مشدداً على أن «اتهام الزعيم الراحل بهذا الاتهام الباطل بعد 56 عاماً أمر غير مقبول على الإطلاق».

وعلى النقيض من الانتقادات على وسائل التواصل، أكد تيار المدافعين عن عبد الناصر أنه الرجل الذي منح الطبقات الوسطى والفقيرة كرامتها، مستحضرين مشاريع العدالة الاجتماعية ومجانية التعليم وبناء الدولة الوطنية الحديثة.

ويرى أصحاب هذا التيار أن هجوم المنتقدين يتجاهل السياقات التاريخية الكبرى، معتبرين أن عبد الناصر يمثل رمزاً للكرامة القومية والاستقلال الوطني، وأن الأمة العربية اليوم، في ظل تداعيات مشهدها الراهن، في أمسّ الحاجة إلى قائد بحجمه ورؤيته.

وكتب الإعلامي وعضو مجلس النواب المصري، مصطفى بكري، عبر حسابه على «إكس»: «اليوم ذكرى رحيل حبيب الملايين، خالد الذكر الزعيم جمال عبد الناصر... دعاء الملايين لك بالرحمة والمغفرة جزاء ما قدمت لمصر ولأمتها العربية ولكل الأحرار في شتى أنحاء العالم».

وقالت فريدة الشوباشي، الكاتبة وعضو مجلس النواب السابقة، لـ«الشرق الأوسط»، إن دموعها تظل حاضرة كلما حلت ذكرى رحيل عبد الناصر، وأضافت: «ستظل الدموع إلى آخر يوم في حياتي، لأنه حبيب البسطاء والغلابة والمظلومين الذين أعاد لهم حقوقهم، وهو رجل لا يمكن أن يُنسى».

وأشارت إلى أن مكانة الزعيم الراحل تجاوزت حدود مصر، مؤكدة أن الملايين في العالم يحيون ذكرى ميلاده ووفاته، وأن المصريين «مدينون له بسمعة مصر ومكانتها وبالأمل الذي منحه للمظلومين».

وعن الانتقادات التي تتجدد كل عام قالت: «الهجوم عليه لن يتوقف لأنه لم يكن مجرد شخص، بل كان مشروعاً يتحدى الاستعمار وقوى الهيمنة».

ورفضت تحميل الرئيس الراحل مسؤولية الأزمات الاقتصادية الراهنة، قائلة: «كيف يمكن تحميل رجل رحل قبل أكثر من نصف قرن مسؤولية أزمات الحاضر؟ هذا كلام غير منطقي».

Your Premium trial has ended


محكمة إيطالية تدين 3 مسؤولين أمنيين مصريين في مقتل الباحث ريجيني 

علم إيطاليا (أ.ف.ب)
علم إيطاليا (أ.ف.ب)
TT

محكمة إيطالية تدين 3 مسؤولين أمنيين مصريين في مقتل الباحث ريجيني 

علم إيطاليا (أ.ف.ب)
علم إيطاليا (أ.ف.ب)

أدانت محكمة إيطالية، الاثنين، 3 مسؤولين أمنيين مصريين بالتورط في خطف وقتل الباحث جوليو ريجيني عام 2016، وحكمت عليهم بالسجن 10 سنوات.

وبرأت المحكمة متهماً مصرياً رابعاً.

وكان ريجيني، وهو طالب دراسات عليا في جامعة كمبردج البريطانية، قد اختفى في العاصمة المصرية في 25 يناير (كانون الثاني) 2016، وعُثر على جثته بعد ذلك بنحو أسبوع، وأظهر تقرير الطب الشرعي أنه تعرض لتعذيب شديد قبل وفاته.