هل يعرقل الوجود التركي في «القرن الأفريقي» تحسن العلاقات بين القاهرة وأنقرة؟

عقب اتفاق الصومال مع حكومة إردوغان على التعاون الدفاعي

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (رويترز)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (رويترز)
TT

هل يعرقل الوجود التركي في «القرن الأفريقي» تحسن العلاقات بين القاهرة وأنقرة؟

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (رويترز)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (رويترز)

أثار إقرار الصومال اتفاقية أمنية واقتصادية مع تركيا تساؤلات حول مدى تأثير الاتفاقية التي تعزز الحضور التركي في «القرن الأفريقي»، على المصالح المصرية في المنطقة، في وقت تشهد فيه العلاقات المصرية التركية تحسناً متسارعاً، لا سيما بعد الزيارة التي قام بها الرئيس التركي للقاهرة قبل نحو أسبوع، ووقَّع خلالها البلدان اتفاقاً لتأسيس مجلس للتعاون الاستراتيجي رفيع المستوى.

ورأى خبراء ومختصون في الشأنين التركي والأفريقي تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن التفاهمات المصرية - التركية والتقارب اللافت في العلاقات بين البلدين في الآونة الأخيرة، كل ذلك «يدفع باتجاه التعاون لا التنافس»، وأن الحضور المصري والتركي في منطقة القرن الأفريقي، ذات الأهمية الاستراتيجية للبلدين، «يمكن أن يوفر إطاراً من التعاون في مواجهة التحركات الإثيوبية».

وكان البرلمان ومجلس الوزراء في الصومال قد صادقا، الأربعاء، على اتفاقية للتعاون الدفاعي والاقتصادي مع تركيا، مدتها 10 سنوات. ونقلت وكالة الأنباء الصومالية عن الرئيس حسن شيخ محمود، قوله إن الاتفاقية تهدف إلى «بناء البحرية الصومالية وحماية الموارد البحرية»، مشدداً على أنها «ليست معادية لأي دولة أخرى، ولا تهدف بأي حال إلى إثارة الكراهية، أو نزاع مع أي دولة أو حكومة أخرى».

وأشاد الرئيس الصومالي بدعم تركيا لبلاده قائلاً إنها «الدولة الوحيدة التي أبدت استعدادها لمساعدة الصومال في حماية مياهه الإقليمية واستغلال موارده وإعادة تأهيل البحرية الصومالية».

حليف حقيقي

من جانبه، قال رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي بري، إن الاتفاقية الدفاعية مع تركيا ستسهم في «حماية الحدود البحرية من الإرهاب والقرصنة وعمليات الصيد غير المشروعة»، وأضاف: «سيكون للصومال حليف حقيقي وصديق وأخ على الساحة الدولية».

وبموجب الاتفاق ستوفر تركيا التدريب والمعدات للبحرية الصومالية كي تتمكن من حماية مياهها الإقليمية بشكل أفضل من التهديدات مثل الإرهاب والقرصنة و«التدخل الأجنبي». ونقلت وكالة «رويترز»، الخميس، عن مسؤول بوزارة الدفاع التركية قوله إن تركيا ستقدم دعماً أمنياً بحرياً للصومال لمساعدة الدولة الأفريقية في الدفاع عن مياهها الإقليمية.

موقف مشترك

جاء توقيع الاتفاق في 8 فبراير (شباط) الحالي بعد نحو شهر فقط من توقيع الحكومة الإثيوبية اتفاقاً مبدئياً مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي، تحصل بموجبه أديس أبابا على مَنفذ بحري يتضمن ميناءً تجارياً وقاعدةً عسكريةً في منطقة «بربرة»، مقابل اعتراف إثيوبي بـ«أرض الصومال» دولة مستقلة ومزايا اقتصادية أخرى.

ورفضت الحكومة الصومالية الاتفاق بحسم واستدعت سفيرها لدى أديس أبابا، كما أصدر الرئيس الصومالي قراراً بإلغاء الاتفاق، متعهداً بالتصدي لأي محاولات للمساس بسيادة ووحدة الأراضي الصومالية.

وأدانت مصر وتركيا، إلى جانب دول ومنظمات إقليمية أخرى، الاتفاق بين إثيوبيا و«أرض الصومال»، وزار الرئيس الصومالي القاهرة الشهر الماضي، كما استقبلت تركيا عدداً من المسؤولين الصوماليين لبحث الموقف. وأصبحت تركيا حليفاً وثيقاً للحكومة الصومالية في السنوات القليلة الماضية، وشيّدت أنقرة المدارس والمستشفيات والبنية التحتية، وقدمت منحاً دراسية للصوماليين للدراسة في تركيا.

تعاوُن لا تنافُس

ويلفت كرم سعيد الباحث المتخصص في الشؤون التركية بمركز «الأهرام» للدراسات السياسية والاستراتيجية، إلى أهمية السياق الزمني المحيط بالاتفاق التركي - الصومالي، مؤكداً أنه يتزامن مع حالة التوتر التي أحدثها اتفاق إثيوبيا و«أرض الصومال»، فضلاً عن تزامنها مع التحسن اللافت في العلاقات المصرية - التركية.

وأشار سعيد لـ«الشرق الأوسط» إلى اتفاق الموقف المصري والتركي على رفض الاتفاق الإثيوبي مع «أرض الصومال»، مرجحاً أن تدفع مصالح البلدين في القرن الأفريقي إلى تعزيز التعاون. وأضاف أن الاتجاه التركي إلى «تصفير المشكلات» مع دول المنطقة وبخاصة مصر وقبلها مع السعودية والإمارات، ولكل منها مصالح واسعة في منطقة القرن الأفريقي، «قد يدفع تركيا إلى تعزيز التكامل مع تلك الدول العربية، خصوصاً في ظل تراجع النفوذ الفرنسي والأميركي بالمنطقة».

ويضيف الباحث في الشأن التركي أن «تركيا بحاجة إلى شركاء فاعلين في إطار التنافس التاريخي مع إيران التي تسعى هي الأخرى إلى تعزيز نفوذها في القارة الأفريقية، ومن ثَمَّ فإن الاتجاه التركي للتنسيق مع الدول العربية وفي مقدمتها مصر هو الأقرب» في اعتقاده، منوهاً إلى أن البيئة الراهنة للعلاقات التركية «تدفع باتجاه التعاون أكثر مما تدفع إلى التنافس».

المؤشر الآخر على تغليب فكرة التعاون المصري - التركي في القرن الأفريقي يراها سعيد تكمن في حالة التوتر الراهنة في العلاقات بين إثيوبيا وتركيا بعد الموقف التركي من اتفاق «أرض الصومال»، رغم العلاقات الاستراتيجية التي يتمتع بها البلدان، إذ تستأثر إثيوبيا بنصف قيمة الاستثمارات التركية في أفريقيا تقريباً، التي تبلغ نحو 6 مليارات دولار، كما دعمت تركيا الحكومة الإثيوبية في حربها ضد التيغري، معتبراً أن ذلك التوتر لا يصب فقط باتجاه تنسيق مصري - تركي، بل يمكن توظيفه كذلك فيما يتعلق بقضية سد النهضة.

إدارة المصالح

«تعاوُن لا تنافُس»، هكذا يرى أيضاً السفير صلاح حليمة نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، المشهد الراهن بين تركيا ومصر في القرن الأفريقي بعد الاتفاق الأمني والاقتصادي بين تركيا والصومال، لكنه يركز على زاوية أخرى من منظور طبيعة المصالح المصرية والتركية في الصومال التي يرى أنها تميل إلى تغليب اعتبارات دعم الصومال في مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية التي يعانيها منذ سنوات، وهو ما يجعل الهدف من حضور البلدين لدعم الصومال منسجماً.

ويضيف حليمة لـ«الشرق الأوسط» أن التفاهمات المصرية - التركية الأخيرة التي تُوجت بتوقيع اتفاق للتعاون الاستراتيجي بين البلدين خلال الزيارة الأخيرة للرئيس التركي إلى القاهرة تدفع باتجاه الاعتقاد أن البلدين لديهما من أطر التفاهم ما يجعلهما قادرَين على إدارة المصالح في منطقة القرن الأفريقي التي تحظى بأهمية استراتيجية لكليهما.

وأشار الدبلوماسي المصري السابق إلى أن الاتفاق التركي - الصومالي «لا يثير حفيظة القاهرة»، معتبراً أن المساندة المصرية والتركية للصومال في مواجهة الإرهاب والأزمات الإقليمية، تخدم المصالح المشتركة للدول الثلاث، لأن استقرار أراضي الصومال ووحدته يمثلان «عنصر أمان» للمصالح المصرية والتركية على السواء.

ويخوض الصومال منذ سنوات حرباً ضد حركة «الشباب» التي تتبع فكرياً تنظيم «القاعدة» وتبنت عمليات إرهابية كثيرة في الصومال ودول الجوار، أودت بحياة المئات.


مقالات ذات صلة

«أرض الصومال» يعرض على أميركا حقوقاً حصرية في المناجم وقواعد

المشرق العربي وزير رئاسة جمهورية أرض الصومال خضر حسين عبدي يقف أمام شهادة مؤطرة تحتوي على إعلان موقع من إسرائيل بالاعتراف بأرض الصومال كدولة (أ.ف.ب)

«أرض الصومال» يعرض على أميركا حقوقاً حصرية في المناجم وقواعد

دعا إقليم «أرض الصومال»، واشنطن لنيل حقوق حصرية في مجال المناجم والمعادن وبناء قاعدة عسكرية لديه، وذلك في إطار تحركات لتعزيز زخم الاعتراف مع إسرائيل.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس التركي ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

الصومال لاحتواء انتقادات شعبية لعلاقاته مع تركيا

قوبل التعاون المتنامي بين مقديشو وأنقرة بانتقادات داخلية في الصومال حول «استفادة أحادية» من الجانب التركي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الصومالي استقبل الخميس مسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)

«الحوار الصومالي»... مساعٍ رئاسية لحل الخلافات مع المعارضة

توجت مساعٍ رئاسية جديدة في الصومال لحل الأزمة السياسية مع المعارضة، الخميس، بلقاء في قصر الرئاسة بحث قضايا عديدة، أبرزها الخلافات المتعلقة بالانتخابات المباشرة.

محمد محمود (القاهرة )
العالم العربي الرئيس التركي خلال مؤتمر صحافي مع رئيس الوزراء الإثيوبي في أديس أبابا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

خلافاً لرغبة مصر... هل تفتح تركيا باب الدعم لطموح إثيوبيا البحري؟

وساطة جديدة تطلبها إثيوبيا من تركيا، خلال زيارة الرئيس رجب طيب إردوغان، لمساندة جهودها في الوصول لمنفذ بحري بشكل سلمي، وهو الطلب الذي لم تجب عنه أنقرة فوراً.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)

أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

تتصاعد مخاوف من تنامي نفوذ الجماعات الإرهابية بالصومال في ظل فجوة التمويل الدولي لبعثة الاتحاد الأفريقي (أوصوم).

محمد محمود (القاهرة)

«معبر رفح» يستقبل دفعة جديدة من الفلسطينيين العائدين من مصر إلى غزة

فرق «الهلال الأحمر المصري» تنتشر أمام معبر رفح (هيئة الاستعلامات المصرية)
فرق «الهلال الأحمر المصري» تنتشر أمام معبر رفح (هيئة الاستعلامات المصرية)
TT

«معبر رفح» يستقبل دفعة جديدة من الفلسطينيين العائدين من مصر إلى غزة

فرق «الهلال الأحمر المصري» تنتشر أمام معبر رفح (هيئة الاستعلامات المصرية)
فرق «الهلال الأحمر المصري» تنتشر أمام معبر رفح (هيئة الاستعلامات المصرية)

استقبل «معبر رفح» دفعة جديدة من الفلسطينيين العائدين من مصر إلى قطاع غزة، تضم نساءً وأطفالاً وكبار سن، حسبما أفادت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الأحد.

وقالت القناة إن فرق «الهلال الأحمر المصري» تنتشر داخل المعبر لتسهيل إجراءات العبور، بالتنسيق مع الجهات المختصة؛ مؤكدة أن «الهلال المصري» حاضر على الحدود منذ بدء الأزمة، وأن «معبر رفح لم يُغلق من الجانب المصري نهائياً، مع استمرار الجهود الإنسانية والإغاثية المصرية لدعم الأشقاء الفلسطينيين».

وتؤكد مصر دوماً ضرورة «ضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة دون عوائق، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، مع الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية».

ومع تواصل إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة من الجانب المصري، أطلق «الهلال الأحمر المصري»، الأحد، قافلة «زاد العزة الـ143» حاملة أكثر من 5.220 طن من المساعدات الإنسانية الشاملة، وذلك في إطار جهوده الإنسانية المتواصلة لدعم الفلسطينيين.

كما أشار «الهلال المصري»، الأحد، إلى استقبال وتوديع الدفعة الـ16 من الجرحى والمرضى والمصابين الوافدين والمغادرين عبر معبر رفح.

«الهلال الأحمر المصري» يستقبل مرضى ومصابين فلسطينيين (هيئة الاستعلامات المصرية)

ووفق «هيئة الاستعلامات المصرية» تنتشر فرق «الهلال المصري» أمام معبر رفح من الجانب المصري، لتقديم الخدمات الإغاثية للفلسطينيين، وتشمل الدعم النفسي للأطفال، وخدمات إعادة الروابط العائلية، وتوزيع وجبات سحور وإفطار، وتوفير الملابس الثقيلة ومستلزمات العناية الشخصية، وتوزيع «حقيبة العودة» على العائدين إلى القطاع.

وسبق أن قررت مصر، في منتصف فبراير (شباط) الحالي، تقديم مليون وجبة يومياً لفلسطينيي غزة خلال شهر رمضان من خلال المطبخ التابع لـ«الهلال الأحمر المصري» في الشيخ زويد بمحافظة شمال سيناء.

وقال مجلس الوزراء المصري إن ذلك يأتي في إطار حملة «هلال الخير 2026» التي أطلقها «الهلال الأحمر المصري» تأكيداً على التزام الدولة المصرية بمواصلة رسالتها الإنسانية تجاه الأشقاء الفلسطينيين، خصوصاً خلال رمضان».


«الدعم السريع» السودانية تسيطر على بلدة حدودية مع تشاد

آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بمخيم أدري الحدودي في تشاد هرباً من الحرب (رويترز)
آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بمخيم أدري الحدودي في تشاد هرباً من الحرب (رويترز)
TT

«الدعم السريع» السودانية تسيطر على بلدة حدودية مع تشاد

آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بمخيم أدري الحدودي في تشاد هرباً من الحرب (رويترز)
آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بمخيم أدري الحدودي في تشاد هرباً من الحرب (رويترز)

أعلنت «قوات الدعم السريع» السودانية أنها سيطرت على بلدة الطينة الحدودية مع تشاد. وكانت البلدة تحت سيطرة القوات المشتركة المتحالفة مع الجيش الذي يخوض حرباً ضد «قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023.

ونشرت «قوات الدعم السريع» بياناً على وسائل التواصل الاجتماعي، تعلن فيه السيطرة على بلدة الطينة الاستراتيجية في ولاية شمال دارفور غرب السودان، إضافة إلى مقطع فيديو لبعض مقاتليها يحتفلون تحت لافتة تحمل اسم البلدة. ومنذ سيطرتها على الفاشر، نفذت «قوات الدعم السريع» عدة عمليات بالقرب من الحدود التشادية.

وكانت اشتباكات عنيفة قد دارت بين الطرفين في المنطقة منذ يوم السبت، وفي وقت لاحق، أعلنت «قوات الدعم السريع» بسط سيطرتها الكاملة على البلدة، وقالت إن قواتها تواصل «تنفيذ الخطط التأمينية لبسط الأمن وحماية المدنيين في الطينة والمناطق المجاورة، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، والمساهمة في استعادة الخدمات الأساسية».

حاكم دارفور

حاكم إقليم دارفور وقائد «حركة جيش تحرير السودان» مني أركو مناوي يزور مخيم نازحين بشمال السودان - 26 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

من جانبه، أدان حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، الانتهاكات التي قامت بها «قوات الدم السريع» في البلدة، و«السلوك الإجرامي المتكرر الذي يجسد أبشع صور الانتهاكات بحق الأبرياء»، مضيفاً أن «سلوكيات (قوات الدعم السريع) تؤكد بجلاء النوايا المبيتة في تهجير بعض القبائل من إقليم دارفور وفرض واقع ديمغرافي بالقوة والسلاح».

كما وصف مناوي تصريحات قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي» في أوغندا بـ«الخطيرة»، مشيراً إلى أن حميدتي أقر بجلب مرتزقة أجانب إلى البلاد. وحذر من أن مبدأ استدعاء قوة خارجية في نزاع داخلي يفتح الباب أمام فوضى لا يمكن السيطرة عليها. وأضاف أن «السودان اليوم بحاجة إلى خطاب يُطفئ النار لا يُغذّيها، ويؤسس لدولة مواطنة لا دولة سلاح».

وكان قائد «الدعم السريع» أقر خلال لقائه مع عدد من السودانيين في أوغندا، قبل يومين، بمشاركة مرتزقة كولومبيين في القتال إلى جانب قوّاته داخل السودان، مشيراً إلى أنهم فنيون مسؤولون عن سلاح المسيّرات.

عاصمة قبيلة الزغاوة

وتعدّ بلدة الطينة آخر جيوب القوات الموالية للجيش المعروفة بـ«القوة المشتركة»، وتقع على الحدود السودانية - التشادية مباشرة، وتنقسم إلى بلدتين باسم «الطينة السودانية» و«الطينة التشادية»، وتُعرف بأنها عاصمة قبيلة «الزغاوة» المشتركة بين البلدين.

وخلال الأشهر الماضية، استولت «قوات الدعم السريع» على بلدات أبو قمرة، وأم برو، وبير سبيل كرنوي، ولم يتبقَّ على الحدود المشتركة بين تشاد والسودان سوى بلدة الطينة.

وفي بيان ثانٍ، نفى المتحدث الرسمي باسم «قوات الدعم السريع»، الفاتح قرشي، بشكل قاطع، ما تم تداوله من مزاعم بشأن التجنيد القسري أو الاتجار بالبشر، أو استجلاب مقاتلين أجانب للقتال في صفوفها، وفق تصريحات منسوبة لجنرال متقاعد من الجيش التشادي يدعى محمد نور عبد الكريم.

وقال قرشي في بيان على منصة «تلغرام»، إن «هذه الادعاءات عارية تماماً عن الصحة، ولا تستند إلى أي دليل موثوق»، مشيراً إلى أن قواتهم لا تلجأ إلى أساليب التجنيد القسري أو الاستعانة بالمرتزقة.

صراع طائفي وقبلي

نازحون يستقلون عربات تجرها حيوانات عقب هجمات من «الدعم السريع» على مخيم زمزم بدارفور (رويترز)

وتزايدت عمليات القصف على أساس طائفي قبلي في الصراع الدائر بين الجيش و«قوات الدعم السريع» بشكل يحصد عشرات المدنيين، حيث يتبادل الطرفان الاتهام بـ«تعمد الاستهداف العرقي العنصري» بغرض «تهجير» القبائل المناوئة للطرف الآخر.

واتهم حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، «قوات الدعم السريع»، باستهداف السكان على أسس عرقية، معتبراً أن ما جرى في الطينة يعكس «محاولات لفرض واقع ديمغرافي بالقوة». جاء ذلك بعد ساعات من إعلان «قوات الدعم السريع» سيطرتها على بلدة الطينة، في ظل تركيبة اجتماعية معقدة وحساسية جغرافية ناتجة عن موقعها الحدودي.

وكان تحالف «تأسيس»، الذي تقوده «قوات الدعم السريع»، قد اتهم الجيش بمحاولة بث الفرقة وإشعال نار العنصرية والقبلية بين أبناء الشعب السوداني من خلال «سياسة الفصل العنصري التي ينتهجها الجيش وميليشياته وكتائبه، عبر استهداف المدنيين في البوادي والحضر في إقليمي كردفان ودارفور».

وقال تحالف «تأسيس»، الذي أعلن عن تدشينه في يوليو (تموز) الماضي، في بيان صحافي، إن «العالم تحدث كثيراً عن سياسات الفصل العنصري في أماكن مختلفة، لكنه يلوذ بالصمت تجاه ما يرتكبه جيش جماعة الإخوان المسلمين في السودان من ممارسات تعد من الأسوأ على الإطلاق».

بدورها، قالت «الحركة الشعبية لتحرير السودان» شمال، المتحالفة مع «قوات الدعم السريع» إنه تم استهداف الضحايا في مدينة السنوط «بصورة إثنية»، مشيرة إلى أن مسيرة حربية تابعة للجيش شنت في 6 فبراير (شباط)، غارات جوية على مدينة شالي الفيل الواقعة بمقاطعة الكرمك، في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي السودان.

وخلّف الصراع بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، نحو 40 ألف قتيل، وتسبب في نزوح أكثر من 12 مليون شخص (نحو 30 في المائة من السكان) داخلياً وخارجياً، ودمار هائل وانتشار المجاعة، بحسب منظمة «الصحة العالمية»، مما تسبب في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، بحسب الأمم المتحدة.


الجزائر تستعد لتمرير «نسخة مخفّفة» من قانون يُجرّم الاستعمار

من اجتماع اللجنة المشتركة بين غرفتي البرلمان الجزائري (البرلمان الجزائري)
من اجتماع اللجنة المشتركة بين غرفتي البرلمان الجزائري (البرلمان الجزائري)
TT

الجزائر تستعد لتمرير «نسخة مخفّفة» من قانون يُجرّم الاستعمار

من اجتماع اللجنة المشتركة بين غرفتي البرلمان الجزائري (البرلمان الجزائري)
من اجتماع اللجنة المشتركة بين غرفتي البرلمان الجزائري (البرلمان الجزائري)

يبحث البرلمان الجزائري بغرفتيه، حالياً، الصيغة الأنسب لنص «قانون تجريم الاستعمار الفرنسي» الذي صُودق عليه بنهاية عام 2025، غير أن «مجلس الأمة» تحفّظ على بعض مواده، في خطوة تهدف إلى فتح قنوات لعودة العلاقات بفرنسا، خصوصاً أن الأسابيع الماضية شهدت انفراجة بين البلدين بعد أن بلغا حافة القطيعة الدبلوماسية.

أعضاء «المجلس الشعبي الوطني» لدى تصويتهم على «مشروع قانون تجريم الاستعمار» في 24 ديسمبر الماضي (البرلمان الجزائري)

وكان «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة السفلى) صدّق بالأغلبية على القانون في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2025، في ذروة التوتر مع فرنسا. وبعد شهر رفض «مجلس الأمة» (الغرفة العليا) المواد التي تتناول «اعتذار فرنسا عن جرائم الاستعمار» و«دفع التعويضات». وأمام عدم التفاهم، كان لزاماً الاحتكام إلى «لجنة متساوية العدد في الأعضاء» للتوصل إلى حل يرضي أعضاء الغرفتين، وهي آلية دستورية يُلجأ إليها في حال وقوع خلاف بين الغرفتين بشأن نص تشريعي. ومن المرتقب التصديق على تقرير عمل اللجنة المشتركة يوم 9 مارس (آذار) المقبل، وفق أجندة نشاط «المجلس الوطني»، حيث سيتضمن التقرير الصياغة التوافقية التي ستُرفع إلى جلسة للتصويت بحضور أعضاء الغرفتين. وفي خطوة نهائية، سيحال النص المصدَّق عليه إلى رئيس الجمهورية للتوقيع ليصبح قانوناً نهائياً ونافذاً. وعقدت «اللجنة» أول اجتماع لها يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، وذلك بعد التصديق على «نظامها الداخلي»، الذي حدّد عدد أعضائها بـ8 أعضاء موزعين بالتساوي بين غرفتي البرلمان.

رئيس مجلس الأمة الجزائري عزوز ناصري (البرلمان)

قانون ضد إرث الاستعمار

ويوم الاجتماع أكد رئيس «مجلس الأمة»، عزوز ناصري، أن تفعيل «اللجنة متساوية العدد في الأعضاء» جاء بطلب من الوزير الأول «من أجل اقتراح صيغة توافقية للنص المتعلق بتجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، والذي يشهد خلافا بين غرفتي البرلمان»، مشدداً على «ضرورة الارتقاء به إلى مصاف نص تشريعي مرجعي محكم البنية، قائم على أسس قانونية صارمة، ويعكس ثوابت الدولة الجزائرية». ودعا إلى «إعداد قانون مرجعي نموذجي يتجاوز الإطار الوطني ليشكّل سابقة تشريعية رائدة على المستوى الأفريقي، ويكرس مقاربة قانونية واضحة في معالجة جرائم الاستعمار».

ووفق مصدر من «اللجنة»، فإن عملها ينصب حالياً على تعديل وتوحيد نص قانون تجريم الاستعمار عبر إعادة صياغة المواد المتنازع عليها بين المجلسين لتحقيق توافق دستوري وسياسي قبل اعتماده رسمياً. ورجّح المصدر تثبيت تحفظات «مجلس الأمة» على القانون، بدعوى أنها «تستجيب لإرادة السلطات العليا في البلاد».

يذكر أن «مجلس الأمة» لا يملك صلاحية تعديل النصوص المصدّق عليها؛ ولهذا شُكّلت «اللجنة المشتركة» لاقتراح نص توافقي يضمن «الانسجام مع المواقف الرسمية الثابتة للدولة».

أحد التفجيرات النووية التي أجرتها فرنسا في الجزائر (الأرشيف الجزائري)

نسخة أصلية متشددة

ويتضمن قانون تجريم الاستعمار، المصدّق عليه في نهاية 2025، وصفاً واسعاً للجرائم التي ارتكبت، بينها القتل العمد، والمجازر، والإعدامات خارج القانون، واستخدام القوة المفرطة، والأسلحة المحرمة، والتجارب النووية، والنهب المنهجي للثروات، والتعذيب الجسدي والنفسي، والتمييز العنصري، والاغتصاب، والإخفاء القسري والتهجير والنفي، وإنشاء المحتشدات، واستخدام المدنيين دروعاً بشرية، وطمس الهوية الوطنية، وتدنيس دور العبادة، والاعتداء على حرمة الموتى واحتجاز رفاتهم. ويعدّ التعاون مع سلطات الاحتلال، بمن في ذلك «الحَرْكَى» (جزائريون تعاونوا مع الاستعمار)، «خيانة عظمى»، وتعدّ هذه الجرائم غير قابلة للتقادم، وفق النص.

كما يُحمّل القانونُ الدولةَ الفرنسية المسؤوليةَ الكاملة عن ماضيها الاستعماري، ويُلزم الدولة الجزائرية بالسعي إلى الحصول على «اعتراف واعتذار رسميين»، والمطالبة بتعويض شامل عن الأضرار المادية والمعنوية، بما في ذلك تنظيف مواقع التجارب النووية، وتسليم خرائط التجارب والألغام، وتعويض الضحايا وذويهم، واسترجاع الأموال المنهوبة والأرشيف الوطني والممتلكات المنقولة، واستعادة رفات رموز المقاومة والثورة. ويُجرّم القانون كل «أشكال تمجيد أو تبرير الاستعمار الفرنسي»، ويضع عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية على من ينكر طبيعته الإجرامية، أو يشيد بالمتعاونين معه، أو يمس برموز المقاومة والثورة، أو يستخدم ألقاباً استعمارية مهينة، مع تشديد العقوبات في حال العود أو إذا ارتكبت الأفعال من موظفين عموميين أو داخل المؤسسات التعليمية أو الإعلامية. ويؤكد القانون على مشاركة المجتمع المدني في حفظ الذاكرة الوطنية ونقلها للأجيال المقبلة.

وجاء تصديق «مجلس الأمة» على القانون، في 22 يناير 2026، مشروطاً بطلب إعادة صياغة 13 مادة محل خلاف، حيث أكد مقرر «لجنة الدفاع الوطني»، فيصل بوسدراية، في تصريح رسمي، أن التحفظات تركزت على بنود «التعويضات والاعتذارات»، عادّاً إياها «لا تتماشى والتوجه الوطني» الذي حدده الرئيس عبد المجيد تبون.

الرئيسان الجزائري والفرنسي خلال لقائهما يوم 27 أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

«لا للتخلي عن الذاكرة»

ويأتي هذا التباين البرلماني ليعيد تكريس المقاربة التي أعلنها الرئيس تبون أواخر 2024 أمام البرلمان، حين قال: «لن أتخلى عن الذاكرة... لسنا طامعين في المال ولا في اليورو أو الدولار؛ نحن نطالب باعتراف صريح بالجرائم المرتكبة، ولا أطلب تعويضاً مالياً».

وعلى الضفة الأخرى، أثار القانون ردود فعل غاضبة في باريس؛ حيث وصفت وزارة الخارجية الفرنسية هذه الخطوة التشريعية بـ«المبادرة العدائية»، عادّةً أنها «تقوض إرادة استئناف الحوار بين البلدين وتعطل العمل الهادئ بشأن ملف الذاكرة المشترك».

رئيس «المجلس الشعبي» مع أعضاء لجنة صياغة «مشروع قانون تجريم الاستعمار» في 20 ديسمبر الماضي (البرلمان)

ويُقرأ توجه الجزائر نحو إجراء مراجعة استراتيجية لقانون «تجريم الاستعمار»، وفق الصحافة والأوساط السياسية، على أنه بادرة «حسن نية» صريحة من السلطات العليا تجاه فرنسا. ومن خلال التخلي عن شَرطَيْ «الاعتذار» و«التعويضات»، تسعى الجزائر إلى سحب فتيل التوتر وتوفير أرضية ملائمة لترميم العلاقات التي دخلت أزمة غير مسبوقة منذ اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء في نهاية يوليو (تموز) 2024.

ويُنظر إلى هذه المناورة على أنها خطوة استراتيجية تهدف إلى خفض سقف المطالب القانونية الملزمة، لمصلحة تركيز الجهود على «الاعتراف التاريخي» بجرائم الاستعمار. ووفق مراقبين، فإن هذه المقاربة تهدف إلى «تطهير» ملف «الذاكرة» من الحسابات المادية المباشرة؛ مما يمنح الدبلوماسية هامش مناورة أوسع لتجاوز العقد التاريخية وبناء شراكة قائمة على المصالح المشتركة.

وتأتي هذه المراجعة لضمان وجود «خطوط عودة» دبلوماسية قوية، وتجنب تحويل القانون إلى حجر عثرة قد يعوق جهود تبديد سحب التوتر بين الجزائر وباريس.