«ملتقى طويق للنحت» حين يتهيأ الغرانيت للرقص

فنانوه منشغلون بـ«فن العمارة» و«المستقبل»

اجتمع لملتقى طويق للنحت في دورته الخامسة 30 نحاتاً من عشرين دولة (رياض آرت)
اجتمع لملتقى طويق للنحت في دورته الخامسة 30 نحاتاً من عشرين دولة (رياض آرت)
TT

«ملتقى طويق للنحت» حين يتهيأ الغرانيت للرقص

اجتمع لملتقى طويق للنحت في دورته الخامسة 30 نحاتاً من عشرين دولة (رياض آرت)
اجتمع لملتقى طويق للنحت في دورته الخامسة 30 نحاتاً من عشرين دولة (رياض آرت)

لا يخفي النحات البولندي بيوتر غرغاس أن مغادرته السعودية بعد إقامة قاربت الشهر تصيبه بالحزن، فإضافة إلى الحفاوة، والشمس المشرقة التي يفتقدها في بلاده، ثمة دفء في العلاقات الإنسانية انعكس على أعمال الفنانين الأجانب الذين يستقبلهم «ملتقى طويق للنحت» في دورته الخامسة. هؤلاء طوال 23 يوماً تقاسموا مع الفنانين السعوديين والعرب يومياتهم، ونحتوا أعمالهم في سباق مع الزمن لوضع لمساتهم الأخيرة عليها، قبل يوم الافتتاح، في الثامن من فبراير (شباط) الماضي.

اجتمع لملتقى طويق للنحت في دورته الخامسة 30 نحاتاً من عشرين دولة (رياض آرت)

هي السنة الخامسة إذن لهذا الملتقى الذي اجتمع له هذه السنة ثلاثون نحاتاً من عشرين دولة، ثلثهم من السعودية. تم اختيار الفنانين من بين 650 نحاتاً، من 84 دولة، تقدموا للمشاركة. اللجنة بحسب الدكتور فهد الجبرين، وهو قيم فني لطويق للنحت، كانت لها معاييرها الفنية التي اختارت تبعها النحاتين، وفقاً للمشاريع التي تقدموا بها، ومساراتهم الفنية التجديدية.

البولندي بيوتر غرغاس: الميل إلى التحدي

عنوان الدورة الحالية هو «أبعاد الحركة». ثيمة، بمثابة تحدٍ لأي عمل نحتي. البولندي غرغاس، الذي له باع في الشغل على انسيابية الجسد، أنجز هذه المرة عملاً تجريدياً، فيه لمسة أنثوية، وكأنه في منحنياته، والتفافاته، جعل الحجر يبدو كأنه يتهيأً للرقص. يمرر غرغاس يده على منحوتته بنعومة، وهو يحدثنا ويقول: «لقد أحببتها كثيراً». الميل إلى التحدي نراه أيضاً في عمل الفنانة التركية كانان زونقور التي نحتت ما يشبه شريط هدايا يلتف صعوداً وهبوطاً ليشكل ربطة غالباً ما تعقد من القماش لا من مادة صلبة كالحجر. الفنانة تقول إنها بمنحوتتها هذه تجسد «خط الحياة، الذي له طرفان، البداية والنهاية، وما بينهما منحنيات وعقد». للفنانين أن يقولوا ما يريدون لكنهم هنا في هذا الملتقى، خاضوا جميعهم صراعاً مع حجر الغرانيت الصلب لتطويعه، وجعله لدناً بين أيديهم، وفق عنوان مشترك، لكنهم توصلوا، في النهاية إلى نتائج متنوعة للغاية، تنوع الخلفية التي أتى منها كل منهم.

النحاتة التركية كانان زونقور مع عملها رقصة الحجر

جورج بدوي: المنحنيات الرحمية

تزداد صعوبة تطويع الحجر، حين يقرر فنان مثل السوري جورج بدوي المقيم في السويد، تقديم فكرة «الاحتواء» بمنحنياتها الرحمية على شكل بوابة بارتفاع 4 أمتار، لها قنطرة كأنما شقت من أعلاها إلى قسمين. «هما وجها رجل وامرأة يتقابلان عند النقطة العلوية للقنطرة لهذا أردتهما بلونين مختلفين، وحجر أحدهما أكثر لمعاناً ونعومة من الآخر». حياته في السويد وبلدان أخرى لم تفقد الفنان روحه الحلبية. «في تلك المدينة التي يجتمع فيها مهاجرون من مختلف الأطياف، سريان أكراد، أرمن، وغيرهم، عشت مع عائلتي المهاجرة من حمص. من يومها وفكرة اللقاء تستهويني، والتعايش يأسرني».

جورج بدوي مع منحوتته المسار (رياض آرت)

بمقدورك أن تصعد إلى منحوتة جورج بدوي ببضع درجات، لتقف بين الوجهين المتقابلين، وترى أن بوابته لا تشبه في أي حال بوابة اليوناني فاسيليس فاسيلي التي يعتليها الزائر بدرجات أيضاً لكن خطوطها مستقيمة، وإن اعتمدت الرأس المنحني. هي «مدخل إلى الأمل والصعود والتوق إلى الأعلى والتطلع للمستقبل».

الألماني كلاوس هانسيكر: المستقبل أراه هنا

تشجيع المتفرج على التفاعل مع المنحوتة، تسلقها، لمسها، ارتقاء درجاتها، هو مبتغى العديد من الفنانين. أما الغد فيشغل غالبية نحاتي الملتقى الذين تنتصب أعمالهم في واجهة روشن، في الرياض، وستبقى مزاراً لمحبي الفن حتى الرابع والعشرين من الحالي، وبينهم الفنان الألماني كلاوس هانسيكر الذي نحت ثلاثة مثلثات تصطف على خط منحنى يشكل ثلث دائرة كالهلال. المثلث الأول الذي يطل برأسه من أعلى يرمز للمستقبل، وفي الوسط الحاضر وقبله الماضي. «الدائرة هي خط الحياة، لا شيء يأتي من لا شيء، والأشكال الهندسية المصطفة عليها تدل على الأزمنة». لا يخفي هانسيكر أن عمله يعبّر عن مخاوفه، إذ يرى أن ألمانيا وهي تهوي سريعاً باتت جزءاً من حركة تغرب، فيما القادم ينبجس هنا، في الرياض. شارك الفنان الألماني في الدورة الأولى للملتقى «وكان حجمه صغيراً ومتواضعاً. أنا مذهول من التحسين السريع، وسد كل ثغرة يشكو منها الفنانون. كل شيء يتطور، مكان العمل، التجهيزات، المعدات، والتنظيم. كل المشكلات تحلّ من دون انتظار. حين أقارن ما أراه هنا بما نعيشه في ألمانيا، لا أجد نفسي متفائلاً بأننا سنستعيد المبادرة قريباً».

نحاتو السعودية يتطلعون إلى «المستقبل» بفرح

عنوانان يمكن اعتبارهما شاغل الفنانين لهذه الدورة، «فن العمارة»، و«المستقبل»، خاصة عند الفنانين السعوديين، المستلهمة أعمالهم من وحي التحولات السريعة في مجتمعهم. وهم متفائلون، ينظرون إلى الآتي، بعين البهجة، يرغبون في أن يكونوا جزءاً من هذه الحيوية النشطة التي تحيطهم.

منحوتة الفنان السعودي طلال الطخيس بعنوان نقطة تقدم (رياض آرت)

تظن عمل النحات طلال الطخيس أنه حرف دبليو بالإنجليزية، لكنه يشرح لنا أنه نحت حركة النقطة باللغة العربية في سقوطها وارتطامها بالأرض، ثم قفزها إلى الأعلى. «هي حركتنا نحن، ووقوعنا في حروب ومن ثم تسلحنا بالعلم والمعرفة لنعود وننهض من جديد. هذا خط الحياة، في السعودية التي كانت قبل مائة سنة صحراء قاحلة، ثم انبجست بقوة. السمبوزيوم بالحجم الذي هو عليه بإمكانياته الوفيرة، ليس موجوداً في أي مكان آخر».

بنفس الروح عمل النحات السعودي محمد بن عبد الرحمن الفارس، الذي اشتغل على مفتاح يعلوه ما يرمز لـ«مبنى المكعب» الذي يشيد في قلب الرياض بعلو 400 متر وبضخامة توازي 20 مرة مبنى «أمباير ستيت» في نيويورك، وسيكون أيقونة معمارية حجازية في الرياض، بفرادة تصميمه.

عمل الفنان السعودي محمد الثقفي (رياض آرت)

أما محمد الثقفي، الذي يشارك للمرة الرابعة في «ملتقى طويق»، فهو أيضاً في عمله ينظر صوب الأفق، مازجاً «الخطوط المستقيمة التي توحي بالقوة في اتخاذ القرارات بالخطوط المنحنية التي تشي بالسلاسة في الحركة، وهذه الكتل المتلاصقة تدل على اللحمة بين أفراد المجتمع في الرياض، للنهوض في المدينة. أما أزهار سعيد التي كانت أول نحاتة سعودية تشارك في «ملتقى طويق» فقد قدّمت هذه المرة خلايا نحل، بأحجام متفاوتة، في إحالة إلى إنتاج العسل في بلادها، ورمزية النحل للدلالة على النشاط والعمل، كما أنها تقصدّت أن تجعل أجزاء عملها ذات جاذبية لتفاعل الجمهور معها.

منحوتة الفنان السعودي طلال الطخيس بعنوان نقطة تقدم (رياض آرت)

«العمارة» في إنسانيتها

بالعودة إلى العمارة فهي في صميم عمل غالينا ستاتكو من كندا، وماكس سيبالد من النمسا وآخرين كثر، بينهم المصري أحمد قرعلي الذي تميز بمنحوتة لافتة، تعكس تصوره «للعمارة العربية لو أنها لم تنقطع عن مسارها الطبيعي، وتطورت بنوافذها، وشرفاتها وأقواسها التي تطبع العمارة الإسلامية».

منحوتة أحمد قرعلي من مصر (رياض آرت)

«ملتقى طويق للنحت» من مشاريع «الرياض آرت»، والمنحوتات التي ينجزها الفنانون سنة بعد أخرى هي ذخيرة إبداعية ستوزع في أنحاء العاصمة السعودية، بهدف تحويلها إلى متحف مفتوح يضم ألف عمل.


مقالات ذات صلة

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب

يوميات الشرق 
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان

«الشرق الأوسط» (دمشق)
يوميات الشرق يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يعتمد جوزيف أفرام في أعماله على الحبر الصيني مع تقنية الـ«جيسو» لبناء طبقات متراكمة تمنح اللوحة عمقاً وملمساً وتُظهر الفكرة تدريجياً للمشاهد.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق معرض الكاريكاتير جذب ركاب مترو القاهرة (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

مترو القاهرة يتحول إلى معرض فني... الكاريكاتير يقترب من الجمهور

الكاريكاتير قادر بلغة بسيطة وساخرة وذكية على التواصل مع كل فئات المجتمع والتعبير عن أحداث كبرى بروح إنسانية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
يوميات الشرق البناء البصري هو نتيجة زمن طويل من الاشتغال (لوحات محمود أمهز)

«خارج الزمن» لمحمود أمهز: استمرارية اللغة التشكيلية عبر العقود

يتحرَّر اللون في هذه الأعمال من وظيفته التقليدية المُرتبطة بالتعبير المباشر أو بإحداث تأثير بصري فوري...

فاطمة عبد الله (بيروت)

تقرير: «سبيس إكس» تؤجل خططها للمريخ وتركز على القمر

إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من  مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
TT

تقرير: «سبيس إكس» تؤجل خططها للمريخ وتركز على القمر

إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من  مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أمس (الجمعة)، نقلاً عن مصادر، أن ​شركة «سبيس إكس» التابعة للملياردير إيلون ماسك، أبلغت المستثمرين بأنها ستعطي الأولوية للوصول إلى القمر أولاً، وستحاول القيام برحلة إلى المريخ لاحقاً، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف التقرير أن الشركة ستستهدف شهر مارس (آذار) 2027، للهبوط على سطح القمر ‌من دون إرسال ‌رواد فضاء على ‌متن ⁠المركبة.

يأتي ​ذلك ‌بعد أن وافقت «سبيس إكس» على الاستحواذ على شركة «إكس إيه آي»، في صفقة قياسية تدمج شركة الصواريخ والأقمار الاصطناعية مع شركة الذكاء الاصطناعي المصنعة لروبوت الدردشة «غروك». وتقدر قيمة شركة ⁠الصواريخ والأقمار الاصطناعية بتريليون دولار وقيمة ‌شركة الذكاء الاصطناعي بـ250 مليار دولار.

صورة مركبة تظهر الملياردير إيلون ماسك وشعار شركة «سبيس إكس» (رويترز)

وقال ماسك العام الماضي، إنه يهدف إلى إرسال مهمة غير مأهولة إلى المريخ بحلول نهاية عام 2026.

وتعمل «سبيس ​إكس» على تطوير صاروخ «ستارشيب» من الجيل التالي، وهو صاروخ ضخم ⁠مصنوع من الفولاذ المقاوم للصدأ، ومصمم ليكون قابلاً لإعادة الاستخدام بالكامل، وليخدم مجموعة من المهام بما في ذلك الرحلات إلى القمر والمريخ.

وتواجه الولايات المتحدة منافسة شديدة هذا العقد، من الصين، في سعيها لإعادة رواد الفضاء إلى القمر، حيث لم يصل إليه أي إنسان منذ آخر مهمة ‌مأهولة ضمن برنامج «أبولّو» الأميركي في عام 1972.


دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
TT

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، الذي تشارك فيه بلاده ضيفةَ شرف.

وتمثّل هذه الدورة من المعرض، محطة إشعاع ثقافي مهمة، تعيد الاعتبار للكتاب بوصفه حاملاً للمعنى ومساحة للحوار.

وخلال زيارته الرسمية، التقى وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، وقدَّم له التهنئة بمناسبة إقامة المعرض.

ودشّن الوزير السعودي جناح بلاده في المعرض، بحضور نظيريه السوري والقطري الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني. وتستمر فعاليات المعرض حتى 16 فبراير (شباط) الحالي، في حضور ثقافي عربي يعكس دور السعودية الريادي في المشهد الثقافي العربي والدولي.


«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
TT

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

يغوص الفنان التشكيلي جوزيف أفرام في الذات، كاشفاً مشاعر وأحاسيس تكتنفها لعبة الحياة. ومن هذا المنطلق، يُتيح معرضه «القوى الدافعة» في غاليري «آرت ديستريكت» للزائر أن يُسقط قراءته الخاصة على الأعمال. وبين لعبة الحياة ولعبة الدول، يستكشف تركيبات السياسات الدولية المؤثرة في العالم، ويزيح الأقنعة التي تُخفى خلفها حالات الإحباط.

صاحب الغاليري ماهر عطّار يصف أفرام بأنه من المواهب اللبنانية اللافتة، وفنان ذو رؤية مختلفة وأفكار عميقة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يخرج في أعماله عن المألوف، ويأخذ الزائر إلى مساحات فنية مفتوحة على احتمالات لا حدود لها.

يرسم أفرام الثبات والإحباط، كما الصمود والثورة، في لوحات تقوم على التناقض، مستخدماً الأبيض والأسود كلغتين بصريتين أساسيتين. ويرتكز في أعماله على «الأكريليك» والحبر الصيني، المتوَّجين بتقنية الـ«جيسو»، لتتراكم الطبقات وتُسلّط الضوء على موضوعاته. بهذا تتحوّل اللوحات إلى ما يشبه لآلئ لامعة، صاغها الفنان بالفرشاة والمجحاف والإسفنج.

من «القوى الدافعة» لجوزيف أفرام في غاليري «أرت ديستريكت» (الشرق الأوسط)

يشير أفرام إلى أن أعماله تبدأ برسوم تحضيرية تتطوّر لاحقاً إلى لوحات كبيرة. ويقول: «أعتمد هذا الأسلوب انطلاقاً من دراستي الجامعية في الهندسة الداخلية. لكن عندما أقف أمام المساحة البيضاء، حتى أغوص في عالم آخر يجرّني إلى تفاصيل لم أُحضِّر لها مسبقاً».

عناوين اللوحات المعروضة تحمل دلالات نفسية وإنسانية واضحة، وتعكس حالات نمرُّ بها في الحياة. في لوحة «المتأمِّل» تحلِّق في رحلة علاج داخلي، وفي «خيبة أمل في اللعبة» تدرك أن الحياة لا تستحق هذا القدر من التعقيد. أما في «الثوري» و«لا بأس بأن تكون معصوب العينين» فيدفعان المتلقي إلى التوقّف وإعادة النظر.

ويؤكد أفرام أن أكثر ما يشغله في أثناء تنفيذه أي لوحة هو وضوح الرسالة. ويقول: «أضيف تفاصيل صغيرة لتكشف عن نفسها بنفسها. أشكّل لوحتي من مجموعة رسومات يسكنها التجدد. أتناول أعماق الإنسان بصور تُكمل بعضها بعضاً؛ فتأتي أحياناً واضحة، وأحياناً أخرى مخفيَّة تحت وطأة لعبة الحياة التي تتطلّب منّا غضّ النظر».

في لوحة «الثوري»، يحرِّر أفرام مشاعر مدفونة تراكمت مع الزمن. وفي «المقاومة» يظهر وحيد القرن في مواجهة العواصف، رمزاً للثبات والقوة. ويعلّق: «اخترت هذا الحيوان لما يجسِّده من قدرة على التحمُّل والمواجهة».

لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» (الشرق الأوسط)

أما «الرجل الجنين» فيستحضر الحاجة إلى الأمان؛ يقول: «مرحلة وجود الجنين في رحم أمّه قد تكون الوحيدة التي تعيدنا إلى الأمان المطلق». وفي اللوحة الثنائية «الفائض بالروح» يقف كل قسم منها في مواجهة الآخر، مستحضراً مرحلة الغوص في الذات.

بعض الأعمال يدخل إليها اللونان البرتقالي والأزرق إلى جانب الأبيض والأسود. ويوضح: «في الحياة لا نكشف دائماً عن مشاعرنا الحقيقية، كما تترك السياسات آثارها السلبية علينا. استخدمت البرتقالي لتقديم الإحباط ضمن مساحة مضيئة، والأزرق للدلالة على حقائق زائفة تحتاج إلى مواجهة هادئة».

ويلاحظ أفرام أن المتلقي اليوم يميل إلى مشاهدة العمل الفني بوصفه مساحة تحليل، لا مجرد صورة عابرة. ويقول: «مع تسارع العصر وحضور الذكاء الاصطناعي، تزداد حاجتنا إلى التأمل للحفاظ على تواصلنا مع ذواتنا، لذلك اعتمدت لغة جسد مرنة تمنح الشكل بُعداً إنسانياً».

في لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» يقدِّم رسالة مباشرة: «أحياناً يكون غضّ الطرف ضرورة». ويختم: «المهم أن نبدأ من جديد وألا نستسلم للعتمة، بل نبحث عن الضوء الذي يسمح بالاستمرار».