جنرال إسرائيلي يُحذر من مذبحة هائلة في حال اجتياح رفح

إسحاق بريك: اتفاق لإعادة المخطوفين هو الذي يُخرجنا بكرامة من الوضع الذي وجدنا أنفسنا فيه

مخيمات النازحين في رفح الأربعاء (أ.ف.ب)
مخيمات النازحين في رفح الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

جنرال إسرائيلي يُحذر من مذبحة هائلة في حال اجتياح رفح

مخيمات النازحين في رفح الأربعاء (أ.ف.ب)
مخيمات النازحين في رفح الأربعاء (أ.ف.ب)

في الوقت الذي يصر فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأعضاء مجلس قيادة الحرب، على التهديد باجتياح رفح في أقصى جنوب قطاع غزة، ويعلن فيه قادة الجيش أنهم أعدّوا خطة حربية مفصَّلة لهذا الاجتياح «لكنهم يريدون من الحكومة وضع أهداف سياسية محددة وترتيبات ضرورية مع مصر وحسابات صحيحة لوضع القادة العسكريين أمام مؤسسات القضاء الدولية» في حال وُجِّهت اتهامات إليهم بارتكاب جرائم حرب، خرج الجنرال إسحاق بريك بتحذير صريح من أخطار مثل هذا الاجتياح واحتمال وقوع مذبحة هائلة بين المدنيين الفلسطينيين تدفع إسرائيل ثمنه باهظاً في كل الاتجاهات. ودعا بريك إلى إحداث انعطاف في التفكير والسعي إلى اتفاق لإعادة المخطوفين، كأمر «يُمكّن من الخروج بكرامة من الوضع الذي وجدنا أنفسنا فيه».

والجنرال بريك (77 عاماً) من أبرز الشخصيات العسكرية الإسرائيلية، ومعروفٌ بانتقاداته للجيش. وقد حذّر في بداية الحرب ضد غزة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، من أن إسرائيل ليست جاهزة لها ولا لتوسيعها بحربٍ مع لبنان. وقد اجتمع به رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مرات عدة خلال الحرب للتشاور. وهو ذو ماضٍ عسكري غنيّ وكان عضواً في رئاسة الأركان ومسؤولاً عن شكاوى الجنود. ومع أن الكثير من الشخصيات السياسية والعسكرية الإسرائيلية ترفع صوتها ضد اجتياح رفح، إلا أن صوته يبدو مميزاً، وكلماته تُسمع بشكل مختلف. وقد أحدث تحذيره، خلال مقال في صحيفة «هآرتس» والكثير من المقابلات الإذاعية والتلفزيونية، هزة في الشارع الإسرائيلي.

إسحاق بريك (حسابه على «إنستغرام»)

يقول بريك: «لا ينتصرون في الحرب بالمعارك التكتيكية أو بالعملية العارضة الاستثنائية التي جرى فيها إنقاذ مخطوفين في رفح. لا شك أن جنودنا حاربوا ببطولة كبيرة وتضحية، من خلال تعريض حياتهم للخطر وإظهار القدرة المهنية من الدرجة الأولى. ولكنّ هذا غير كافٍ. فهناك حاجة إلى استراتيجية سياسية بعيدة النظر، تأخذ في الحسبان كل الأخطار التي يمكن أن تحدث عقب دخول قواتنا رفح. وحسب هذه الأخطار يجب اتخاذ قرار حول ماذا سنفعل وكيف. الرغبة في القضاء على (حماس) بأي ثمن غير كافية. والآن سأطرح عدة أسئلة وسأعرض الأخطار التي يجب أخذها في الحسبان قبل الدخول إلى المخيمات في رفح».

وعدَّد هذه الأخطار قائلاً: «أولاً، هل محاولة نقل 1.4 مليون لاجئ إلى مناطق آمنة، من خلال الإدراك أنه محظور استخدام السلاح الناري، أمر واقعي؟ ما الذي سنفعله مع العدد الكبير جداً الذي سيقرر البقاء في مكانه؟ كيف سنحارب (حماس) عندما سيتضرر عدد كبير من الغزّيين، الأمر الذي سيزيد غضب العالم ويؤدي إلى وقفنا الفوري (عن إكمال الهجوم)؟».

فلسطينيون يشاركون في تشييع ضحايا القصف الإسرائيلي على رفح الأربعاء (أ.ف.ب)

وتابع: «ثانياً، إذا نجحنا في نقل 1.4 مليون لاجئ إلى مكان آمن بواسطة مكبّرات الصوت والمكالمات الهاتفية والمنشورات من الجو، كما قال رئيس الأركان، فهل تم الأخذ في الحسبان إمكانية أن تقوم (حماس) بإطلاق النار في الهواء وتؤدي إلى ذعر جماعي؟ هكذا حدث أكثر من مرة في ملاعب كرة القدم بسبب الاكتظاظ، وفي رفح بسبب الاكتظاظ الكبير يمكن أن يُسحق ويُقتل الآلاف. وكل المسؤولية ستُلقى علينا؟ وماذا بشأن إمكانية أن يقرر كثيرون الذهاب إلى أماكن أخرى وليس إلى المكان الذي نريده؟ الحديث يدور عن 1.4 مليون شخص، والسيطرة على انتقالهم من مكان إلى آخر هي إشكالية جداً».

وزاد: «ثالثاً، إذا وقعت أعمال الفوضى المذكورة أعلاه، فهي ستتسبب في أزمة إنسانية. وإسرائيل ستدفع ثمناً باهظاً جداً يتمثل في وقف الحرب. ورابعاً، حتى لو اجتزنا بسلام كل هذه العقبات، فمن الواضح أنه من بين الـ1.4 مليون لاجئ يوجد آلاف من مخربي (حماس) على الأقل، وربما عشرات الآلاف، بعضهم هربوا من شمال القطاع ومن جنوبه إلى مدينة رفح، وبعضهم كانوا دائماً موجودين في رفح. هل من غير الواضح لمتخذي القرارات أن معظمهم سينضمون إلى حملة اللاجئين إلى الأماكن الآمنة، وأنه لن يكون بالإمكان التمييز بينهم وبين اللاجئين العاديين؟».

الجنرال الإسرائيلي إسحاق بريك (حسابه على «إنستغرام»)

وأضاف: «خامساً، كيف سنمنع مخربي (حماس) من السيطرة على المساعدات الإنسانية في المناطق الآمنة التي سيُنقل 1.4 مليون لاجئ إليها، كما فعلوا في رفح؟ وسادساً، مَن الذي سيضمن أن آلاف المخربين من (حماس) لن ينتقلوا من المناطق الآمنة عبر فتحات الأنفاق التي تنتشر في كل أرجاء القطاع، إلى داخل الأنفاق، وعندها سنجدهم مرة أخرى في مدينة غزة وجباليا والشجاعية (كما يفعلون الآن) وفي خان يونس؟».

وتابع: «سابعاً، متخذو القرارات لم يأخذوا في الحسبان حقيقة أن تفاقم القتال مع (حزب الله) في لبنان بسبب الدخول إلى رفح سيقتضي نقل القوات من القطاع إلى المنطقة الشمالية، وخفض آخر للقوات التي توجد في القطاع. إن إخراج القوات من مدينة غزة أدى إلى عودة (حماس) واللاجئين إليها، وهذا ما سيحدث أيضاً في خان يونس وفي مخيمات وسط القطاع. بسبب التخفيضات الكبيرة التي حدثت في الجيش في السنوات العشرين الأخيرة، لا يوجد لدى الجيش الإسرائيلي فائض قوات. وعندما نُعزز قطاعاً معيناً فنحن نُضعف قطاعاً آخر. وثامناً، هل أُخذ في الحسبان إمكانية أن دخول الجيش الإسرائيلي مخيمات رفح في شهر رمضان يمكن أن يُشعل يهودا والسامرة (الضفة الغربية)؟ من أين سيأتون بالقوات من أجل حماية السكان اليهود هناك؟».

دمار جراء الغارات الإسرائيلية على رفح الأربعاء (د.ب.أ)

وتابع: «تاسعاً، السؤال الأكثر أهمية هو: كيف ستتصرف مصر؟ حتى الآن لا يوجد أي اتفاق معها حول سيطرة الجيش الإسرائيلي على محور فيلادلفيا وإغلاق الأنفاق من شبه جزيرة سيناء إلى قطاع غزة. لسنوات كثيرة وصلت وسائل قتالية وذخيرة وعبوات ناسفة وصواريخ مضادة للدروع ووسائل لإنتاج الصواريخ وما شابه من سيناء إلى القطاع، مباشرةً إلى أيدي مخربي (حماس). مصر غير مستعدة لإغلاق الأنفاق في جانبها، لأنه حسب رأيها لا توجد مثل هذه الأنفاق. ومن دون أي حل يتم تنسيقه معها ستبقى مشكلة خطيرة لم يتم حلها. عملياً، نكون كأننا لم نفعل أي شيء حتى الآن في الحرب، لأن (حماس) ستنمو مرة أخرى في السنوات القادمة مع الوسائل القتالية التي تمر من أنفاق سيناء تحت محور فيلادلفيا والتي ترتبط بمئات الكيلومترات من الأنفاق التي توجد على طول قطاع غزة وعرضه. وعاشراً، مصر تهدد بتجميد اتفاق السلام مع إسرائيل إذا بدأ الجيش الإسرائيلي العملية البرية في رفح. القتال هناك يمكن أن يؤدي إلى إغلاق مسار المساعدات الرئيسية إلى القطاع، ومن هناك إلى أزمة إنسانية غير مسبوقة».

وأضاف معدِّداً الأخطار التي يمكن أن تحصل: «الحادي عشر، الانجرار إلى أزمة في السلام مع مصر يمكن أن يؤدي إلى عاصفة في الدول العربية التي وقّعت إسرائيل معها على اتفاقات مثل الأردن والإمارات. هكذا نكون قد خسرنا في كل الاتجاهات. والثاني عشر، وضعنا البائس في العالم، لا سيما في الدول الأوروبية والولايات المتحدة. جوزيف بوريل، وزير خارجية الاتحاد الأوروبي، دعا في السابق إلى منع إرسال السلاح لإسرائيل بسبب عدد القتلى الكبير في أوساط المدنيين في الحرب في غزة. هولندا أوقفت إرسال قطع الغيار لطائرة (إف 35) إلى إسرائيل بأمر من المحكمة. شركات كثيرة في العالم أوقفت رحلاتها إلى إسرائيل، والعالم آخذٌ في خنقنا حتى قبل الدخول إلى رفح. نحن يمكن أن نصبح دولة منبوذة وأن نفقد أرصدة مهمة جداً والتي من دونها لن نتمكن من النمو مجدداً».

واختتم بريك قائلاً: «حتى لو دخلنا إلى رفح فنحن لن ننجح في القضاء على (حماس) بشكل مطلق، ولكن يمكن أن نجد أنفسنا في وضع أمني أصعب بأضعاف من الوضع الذي نوجد فيه الآن قبل دخول رفح، وسنفقد المخطوفين إلى الأبد. إذا قرر المستوى السياسي والأمني الدخول إلى رفح فإن ذلك سيضر جداً بمناعة إسرائيل السياسية والأمنية والقومية، وسيضر بعلاقاتنا مع كل العالم. دولة إسرائيل ستصبح كرة ثلج ستتدحرج نحو الهاوية في مجال الاقتصاد والأمن والمجتمع والعلاقات الدولية. بعد فترة لن تكون هناك أي طريق للعودة. الحل الذي يجب علينا دفعه قدماً هو اتفاق لإعادة المخطوفين، الأمر الذي سيمكّن من الخروج بكرامة من الوضع الذي وجدنا أنفسنا فيه، وأن نعيد المخطوفين على قيد الحياة إلى بيوتهم. يجب عدم تمكين (حماس) من تعزيز قوتها مرة أخرى، ويجب تشكيل إدارة مدنية دولية ترافقها قوات شرطة، تُستبدل بسلطة (حماس). وإذا واصلوا في المستوى السياسي والأمني الطريقة غير العقلانية فإنه خلال بضعة أشهر سيتعين عليهم أن يشرحوا للشعب في إسرائيل لماذا لم تتحقق أهداف الحرب، القضاء على (حماس) وإعادة المخطوفين على قيد الحياة، هذا رغم الثمن الباهظ الذي دفعناه؛ مئات الجنود القتلى منذ اقتحام قطاع غزة».


مقالات ذات صلة

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

المشرق العربي مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

خاص إسرائيل تواصل تصفية نشطاء بارزين بـ«حماس» و«الجهاد»

تواصل إسرائيل استهداف نشطاء بارزين في «حماس» و«الجهاد الإسلامي» بقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون قادمون من رفح يصلون إلى مستشفى «ناصر» في خان يونس (رويترز) p-circle

غزة: 225 مسافراً عبر معبر رفح خلال أسبوع وسط قيود مستمرة

شهدت حركة السفر عبر معبر رفح البري عبور 225 مسافراً، خلال الفترة من الثاني إلى التاسع من الشهر الجاري.

«الشرق الأوسط» (غزة )
المشرق العربي جانب من الدمار جرَّاء الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (أ.ب) p-circle

إندونيسيا تستعد لإرسال 8 آلاف جندي إلى غزة دعماً لخطة ترمب

تستعد إندونيسيا لإرسال ما يصل إلى 8 آلاف جندي إلى غزة، دعماً لخطة السلام التي يطرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمنطقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي دبابة إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

5 قتلى بنيران إسرائيلية في غزة

كشف مسؤولون بقطاع الصحة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا في قطاع غزة، اليوم الثلاثاء، جراء غارات جوية وإطلاق نار من جانب القوات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».


«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تتصاعد المطالب بسرعة نشر قوات الاستقرار في قطاع غزة التزاماً باستحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع، بالتزامن مع إعلان إندونيسيا بدء تدريب عناصر من جيشها في هذا الصدد.

تلك التحركات والمطالب، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنها ستكون دافعاً للتعجيل بالمرحلة الثانية التي لا تزال تراوح مكانها منذ إعلان بدئها منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، متوقعين حدوث ضغوط أميركية لإنجاز هذا الأمر، خاصة مع الاجتماع المقبل لمجلس السلام في 19 فبراير (شباط) الحالي ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه، الثلاثاء، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية بدولة روسيا الاتحادية، سيرغي ناريشكين، على «محورية تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتنفيذ بنود المرحلة الثانية منه، لا سيما إدخال المساعدات، وسرعة البدء في عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار بالقطاع، وذلك لحفظ الأمن والاستقرار الدوليين».

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الثلاثاء، أهمية سرعة نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، واستمرار تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وذلك خلال اتصال هاتفي مع وزير خارجية البرازيل ماورو فييرا.

جاء ذلك غداة إعلان الجيش الإندونيسي بدء الاستعدادات لنشر محتمل لقواته في قطاع غزة، ضمن مهمة «مجلس السلام» الذي أعلن عنه في وقت سابق الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد خلال استقباله رئيس الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين محورية تثبيت وقف إطلاق النار بقطاع غزة (الرئاسة المصرية)

وقال رئيس أركان الجيش مارولي سيمانجونتاك، الاثنين، إن الجيش بدأ تدريب أفراد يمكن تكليفهم بمهمة حفظ السلام، حسب تصريحات نشرتها صحف محلية، مشيراً إلى أن عدد الأفراد الذين سيتم نشرهم لم يحدد بعد، الواحد يتألف عادة من 5 آلاف إلى 8 آلاف جندي.

وأضاف أن الجيش يركز حالياً على تجهيز الأفراد، بانتظار مزيد من التنسيق بشأن الوضع في القطاع المدمر.

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء سمير فرج، أن بدء تدريبات إندونيسيا يزيد الزخم لبدء عمل قوات الاستقرار الدولية قريباً، ويدفع بالمرحلة الثانية التي تقف في مرحلة جمود، مشيراً إلى أن هناك ترتيبات لم تتم حتى الآن لبدء نشر قوات الاستقرار الدولية، وهو ما يؤخر وصولها حتى الآن، والعقبة حتى الآن في عدم حسم انسحاب إسرائيل من قطاع أو نزع سلاح «حماس».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن هناك تحركات تضغط من أجل الدفع بهذه القوات الدولية للوجود على الأرض، لا سيما من مصر ودول عدة، لكن غير واضح أن هناك حسماً للأمر حتى الآن، مشيراً إلى أن هناك تخوفاً من الدول، لا سيما إندونيسيا، من الصدام مع الجانب الفلسطيني، وحذراً كبيراً وتردداً متكرراً، في ظل عدم حسم صلاحيات القوات بعد، مستدركاً: «لكن هي خطوة يعول عليها في الدفع بها خلال اجتماع مجلس السلام المقبل لبدء فعلي للمرحلة الثانية».

وقوات استقرار غزة، أحد أبرز البنود الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، منتصف الشهر الماضي، التي لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ويعقد «مجلس السلام» الذي دشن منتصف يناير الماضي، أول اجتماع له يوم 19 فبراير الحالي، وقدم ترمب دعوات في هذا الصدد لعدة دول، ومن المتوقع أن يدفع الاجتماع بالمرحلة الثانية من «اتفاق غزة»، وفق موقع «أكسيوس» الأميركي.

وقال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في بيان، قبل أيام، إنه من المتوقع أن يجتمع مع ترمب، في واشنطن، الأربعاء، لبحث ملف المفاوضات مع إيران.

ويعتقد فرج أن ترمب سيضغط خلال الاجتماع الوشيك للمجلس أو مع نتنياهو لتنفيذ خطته بشأن غزة، سواء على إسرائيل أو «حماس»، حتى لا يبدو أن مجلسه فشل أو تعثر، وربما تكون قوات الاستقرار أحد البنود الرابحة من هذا الاجتماع.

ولا يراهن نزار نزال كثيراً على الاجتماع الوشيك أو لقاء نتنياهو بترمب، الأربعاء، موضحاً «أن هناك قضايا ذات أولوية لإسرائيل هي إيران الآن، وربما الرئيس الأميركي يضغط لحسم موقف القوات الدولية التي ترفض حكومة نتنياهو مشاركة تركيا فيها، وقد نرى انفراجة في ضوء تحركات واتصالات القاهرة ومواقف أخرى كاستعدادات إندونيسيا».