نيتشه للقرن الحادي والعشرين

تكتسب فلسفته قيمة إضافيّة عند إنسان الرأسمالية المتأخرة

نيتشه للقرن الحادي والعشرين
TT

نيتشه للقرن الحادي والعشرين

نيتشه للقرن الحادي والعشرين

«نيتشه قريب للقراءة، لكن الوصول إلى مغازيه أمر من الصعب بمكان». بهذه الجملة يقدّم البروفسور فيرنر ستيغماير كتابه الأحدث عن الفيلسوف الألماني المثير أبداً للجدل فريدريك نيتشه (1844 - 1900)، الذي نُقِل إلى اللغة الإنجليزية بترجمة من الدكتور رينهارد جي مولر، وصدر بداية بنسخة إلكترونيّة ثمّ مطبوعة عن دار النشر التابعة لوقفيّة «فاونديشن فور أورينتيشن فيلوسوفي» في الولايات المتحدة الأميركيّة بعنوان «توجيه بشأن فلسفة فريدريك نيتشه». An Orientation to the Philosophy of Friedrich Nietzsche قد يفترض المرء، ونحن على مشارف الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين، أن كل ما يمكن أن يُكتب عن فكر نيتشه قد نُشِر بالفعل، وأن فلسفته مهما كانت مفصليّة في مرحلة سابقة من التاريخ، فإن الزّمن تجاوزها، ولم تعد سوى جزء من سياق تتبع تطور الفكر الفلسفي الذي يقوم به الأكاديميون من قاطني الأبراج العاجيّة ليس إلا. لكن الواقع أن نصوصه ما زالت آسرة وقادرة على إثارة الجدل؛ سواء في أسلوب عرضها الفريد أو فيما تتضمنه من ثراء الأفكار، رغم أنّ كثيراً مما تحمله من المعاني صادم وغريب، بحيث يصعب على المرء أن يتقبله، أو حتى يستند إليه لتكوين مفهوم نظري متكامل عن العالم.

إن طروحات نيتشه تثير الحنق ربّما أكثر مما تقدّم ما يريح، وهي كذلك تماماً كما أرادها صاحب «هكذا تحدّث زرادشت»، و«كيف تتفلسف حاملاً مطرقة». لقد أقدم عامداً متعمداً على حرث الفضاء الفلسفي بأكمله من جديد، مقوضاً في طريقه جبالاً من مفاهيم طالما اعتصم الناس بها، بمن فيهم الفلاسفة والمثقفون، لمئات، بل آلاف السنين: الحقيقة، والعقل، والمنطق، والعلم، والأخلاق، والدين، والقانون، والدولة، والجوهر، والموضوع، والسبب، والنتيجة، والوعي، والإرادة والحرية، والحفاظ على الذات، والتقدم، وما إلى ذلك، دون أدنى محاولة لتقديم ولو حفنة صغيرة من يقين جديد، أو منظومة نظرية متكاملة بديلة.

بتحرر وصرامة يواجه نيتشه جمهوره بحقيقة الحياة البشريّة، فيشرّحها كما هي، دون ألوان أو رتوش، كواقع لا يمكن إنكاره، ولكن لا يمكن مع ذلك تحديده، وتتعذر معه محاولات إصلاحه. ولذلك ففلسفته تتعايش مع المفارقات وتتقبلها، وتتسبب لقارئها بالارتباك، حتى وإن قصد صاحبها التوجيه.

إننا ندرك اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، أن تأطيراً نظريّاً لوجهة ممارسة العيش في هذا العالم أمر لم يعد ممكناً بالاعتماد على منظومات يقينيّات كبرى متوارثة، ما لم يتجاوز المرء الحياة ذاتها، ويتبنى موقفاً (فلسفيّاً) متعالياً منها، عبر عبارات نقيّة لكنّها خارج سياق الواقع المجرّد.

على أن نيتشه يذهب (وفق ما يقول البروفسور ستيغماير) إلى أن الفلسفة تأتي من داخل الذات. فالبشر، ومنهم فلاسفتهم، ما هم في الخلاصة إلا كائنات حيّة لها احتياجات ومتطلبات، وتواجه تحديات وصراعات تشكِّل أفكارهم عن العالم بشكل لا إرادي، ولذلك فإن المرء يأتي بتصورات نابعة من تجربته الحياتية في ظل ظروف عيش معينة، ما يجعل من توجهه الفلسفي نتاج حاجة ذاتيّة، وتكون نظريته بالضرورة، سواء أكان إنساناً عادياً أو فيلسوفاً، كشفاً عن شخصيته الفريدة المتفردة.

وبناء على هذا التصوّر، فإن أي نظرية فلسفيّة عند نيتشه لن تكون صحيحة أو خاطئة، بقدر ما هي أعراض ألم ذاتي يريد شخص ما التغلب عليه. ومن نقطة الانطلاق هذه شكَّك نيتشه خلال حياته بكل شيء دون إبداء أي تحفّظ، وافترض أن التّفلسف مرجعه ومصدره دائماً شخص المتفلسف نفسه، بآفاقه ووجهات نظره وتوجهاته، التي عبرها فقط يمكنه استكشاف فلسفات الآخرين؛ ما يجعل إمكان وجود نظام فلسفي عالمي مجرّد تأمل مهلهل ومبالَغ به، فتنهار التفسيرات القائمة على المذاهب العقائدية، وتفقد الموضوعيّة الفلسفيّة المفترضة قيمتها لمصلحة وجهات النّظر الشخصيّة المحض.

ولذلك يذهب البروفسور ستيغماير إلى التنبيه إلى أن الاشتباك بكتابات نيتشه، لا سيّما نصوصه من الشّذرات، لا يمكن معها التوصّل إلى موقف نهائي يمكن الاستناد إليه في عملية اختيار توجُّه محدَّد نحو العلاقة بالحياة والعالم، وإنما يمكن للقارئ أن يستعين بمعول الهدم النيتشوي بقدر ما يشاء، بحسب رغباته واحتياجاته وآلامه، وهكذا عندما يوغل في أي من كتبه سيتسنى له أن يحدد إلى أي مقدار من نيتشه يمكنه تحمّله، وإلى أي مدى يستطيع عليه صبراً، في مواجهة عدم ثقته ضد كل يقين مطلق. والحق أنّ أغلبيتنا الساحقة ستصل معه إلى نقطة الفراق، حيث يحتاج البشر الضعفاء في النتيجة إلى شيء نهائي، وثابت، وسرمدي، للتمسُّك به، بعض سلوى الميتافيزيقا، وإن لم تظهر بشكل صريح أو منهجي، وتسربلت بثياب الدين، أو الأخلاق، أو السياسة، أو العلم، أو المنطق، أو حتى في مجرد الانغماس في اليومي والعابر مما يتطلبه كسب العيش والتعامل مع الآخرين.

إن فلسفة نيتشه، بخلاف مَن سبقه أو لحق به من المفكرين العظماء، تمرين مستمرّ على محاولة تبني توجُّه بشأن علاقتنا بالحياة والآخرين والعالم دون ميتافيزيقيا، وأداة تفلسف لممارسة نقد ذاتي راديكالي لمجمل تجربة الفكر البشري، وهذان، يقول البروفسور ستيغماير، يوسعان بشكل أو آخر مساحات اختيار مسار التوجه في الحياة، وهو أمر محرر دون شك لم يسبق إليه بهذه الصرامة والوضوح أي من الفلاسفة الكبار، لكنّه أمر مخيف أيضاً.

من هنا تكتسب فلسفة نيتشه قيمة إضافيّة لها عند إنسان الرأسمالية المتأخرة في القرن الحادي والعشرين، بعدما تناثرت صيغ الأفكار العالميّة الكبرى كِسَفاً، وتسارعت وتيرة التغيير المستمر على نحو غير مسبوق حتى لم يعد بمقدور جيل واحد أن يتوقع من الجيل التالي له أن يستوعب صيغ العيش التي اعتاد وتأقلم عليها وعدَّها مسلَّمات، وإطارات وعي جمعي مشترك.

ولعله يمكن الزّعم بأن «توجيه بشأن فلسفة فريدريك نيتشه» قد يكون أفضل تمهيد يمكن لقارئ معاصر أن يستعين به، إن هو قرر عبور بحر الفكر النيتشوي العاصف، وذلك بحكم ترفّع مؤلفه، البروفسور ستيغماير، عن تعجرف المتخصصين وفذلكة الخبراء، وقرب مترجمه البروفسور مولر من مزاج الفلسفة الألمانية والمناخ الفلسفي الأميركي في آن، فيقدّم ممراً يشق بحر الكتابات الأكاديمية الكثيرة في استكشاف تجربة نيتشه، لا بوصفها مشروعاً فلسفياً وإنما كنتاج مفكر يأتي من خارج التصنيفات الفلسفيّة والمذهبيّة المعتادة، وذلك من خلال استقراء المصادر التي شكّلت أفكاره، بما في ذلك تقلبات حياته ومزاجه، ومصاعبه الصحيّة، والمعارف الذين التقاهم، وقراءاته، ونماذج الكتابة الفلسفية التي جرّبها، وتوقعاته وأشواقه، و«المهمة» التي نذر نفسه لها، وخطوط التوجيه الذاتية التي تعامل بها، ومنهجيته النقدية في تناول التوجهات والنظم الفكرية المستندة إلى أوهام الميتافيزيقا، ومغامراته في «إعادة تقييم جميع القيم»، ودوافع استعداده الدائم لمساءلة كل عقيدة توافقت عليها مجموعة من البشر، متصدياً في الوقت ذاته للمحاولات الضحلة لتعليب المنهج النيتشوي في مفاهيم ونظم فكريّة تسهِّل إساءة تفسيرها، مثل فكرة الإنسان الأعلى (أوبرمنش)، وإرادة السلطة - ما دفع كثيرين إلى تبنى صورة نيتشه كنبيٍّ ملهم للفكر النازي - وكما ذلك التكرار المملّ على وسائل التواصل الاجتماعي لمقاطع مجتزأة مما وضعه نيتشه على لسان زرادشت، ما يخلّ بما أراد التعبير عنه.

وتتميز النسخة الإنجليزية من الكتاب بحاشية إضافية لا تتوفر في الأصل الألماني تتوجه قصداً إلى القراء في العالم الأنغلوساكسوني حول كيفية دراسة نيتشه اليوم، بالاستفادة بأبعد من نصوصه المنشورة، وذلك من خلال استقراء مراحل وعتبات تطور توجهاته الفكرية، كما تفهم؛ لا من النصوص المعروفة فحسب، بل وأيضاً من دفاتر ملاحظاته الشخصيّة التي نُشرت ونُقحت بعد أكثر من قرن على وفاته، وأمكن منها معرفة المزيد عن فلسفته، وكذلك، وهو ربما الأهم، عن طريقته بالتفلسف.


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح
ثقافة وفنون الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

فاز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

منذ مطلع يناير 2026 بدأ يتشكّل، بهدوء لافت ودون أي إعلان رسمي، تجمع قرائي حول رواية «الحرب والسلام» اختار لنفسه إيقاعاً غير مألوف، ما صار يُعرف بالقراءة البطيئة

خالد الغنامي

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».