فرنسا وأوكرانيا توقعان اتفاقية أمنية متعددة الأبعاد

زيلينسكي في باريس في إطار جولة أوروبية بحثاً عن دعم طويل المدى

الرئيسان الفرنسي والأوكراني في لقاء سابق بـ«قصر الإليزيه» 14 مايو الماضي (أ.ب)
الرئيسان الفرنسي والأوكراني في لقاء سابق بـ«قصر الإليزيه» 14 مايو الماضي (أ.ب)
TT

فرنسا وأوكرانيا توقعان اتفاقية أمنية متعددة الأبعاد

الرئيسان الفرنسي والأوكراني في لقاء سابق بـ«قصر الإليزيه» 14 مايو الماضي (أ.ب)
الرئيسان الفرنسي والأوكراني في لقاء سابق بـ«قصر الإليزيه» 14 مايو الماضي (أ.ب)

بعد أسبوع، ستدخل حرب أوكرانيا عامها الثالث، ولا شيء يبشر بقرب انتهائها. والحال أن كييف تتخوف من تراجع الدعم الغربي متعدد الأشكال سياسياً ودبوماسياً ومالياً، وخصوصاً عسكرياً، الذي مكَّنها في العامين الماضيين من الصمود واسترجاع مساحات واسعة من الأراضي التي احتلتها القوات الروسية في الأشهر الأولى من الحرب.

ويعود تخوف رئيسها فولوديمير زيلينسكي، بشكل رئيسي، إلى احتمال تراجع الدعم الأميركي والخلافات المستحكمة بين الإدارة وأعضاء «الكونغرس» من الجمهوريين في مجلسي الشيوخ والنواب، خصوصاً من عودة الرئيس السابق دونالد ترمب إلى «البيت الأبيض» مجدداً، بفضل الانتخابات الرئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

ولأن الوضع على هذه الحال، فإن زيلينسكي يركز جهوده على الحلفاء الأوروبيين؛ الأمر الذي يفسر جولته بدءاً من الجمعة على ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وعلى تحشيد الحلف الأطلسي الذي اجتمع وزراء دفاعه الخميس في بروكسل. وحذر أمين عام الحلف الأطلسي ينس ستولتنبرغ، في بروكسل، الخميس، من أن تأخر واشنطن في إقرار المساعدات لأوكرانيا «له بالفعل تداعيات مرئية» على القوات الأوكرانية التي تشكو من نقص الذخيرة والصواريخ المضادة للطائرات والمسيرات والتمويل.

أمين عام الحلف الأطلسي ينس ستولتنبرغ في حديث مع وزيرة الدفاع الألمانية كاجسا أولنغرين بمناسبة اجتماع الحلف في بروكسل الخميس (رويترز)

وأكثر من ذلك، تتخوف كييف من «سأم» الرأي العام الغربي من حرب لا نهاية لها.

وقالت مصادر رئاسية فرنسية، في معرض تقديمها زيارة زيلينسكي الثالثة من نوعها، بعد زيارتين: في فبراير (شباط) ومايو (أيار) من العام الماضي، إن باريس تريد التركيز على 3 أهداف، أولها «إظهار عزم فرنسا على مواصلة دعم أوكرانيا، وطالما تطلب الأمر ذلك. وثانيها الاستفادة من هذه الفرصة من أجل الاستماع لمطالب كييف في جميع المجالات. وثالثها تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين ومواكبة أوكرانيا في طريقها إلى الانضمام إلى (الاتحاد الأوروبي)».

ووفق بيان صادر عن «قصر الإليزيه»، فإن المحادثات «ستوفر الفرصة لمناقشة الوضع العسكري على جميع الجبهات واحتياجات أوكرانيا العسكرية والاقتصادية والإنسانية، وكذلك التقدم الذي حصل في مفاوضات انضمام كييف إلى (الاتحاد الأوروبي)».

بيد أن الأهمية الأولى للزيارة تكمن في التوقيع على اتفاقية أمنية تندرج في إطار الالتزامات التي تعهَّد بها قادة مجموعة الدول السبع الأكثر تصنيعاً، على هامش قمة الحلف الأطلسي في فيلنيوس، شهر يوليو (تموز) الماضي. وستكون فرنسا ثاني دولة بعد بريطانيا التي وقَّعت اتفاقية أمنية مع أوكرانيا بمناسبة الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء، ريتشي سوناك، إلى كييف، منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي. ورغم الأسئلة التي انصبَّت على مصادر «الإليزيه» لمعرفة المضمون الحقيقي للاتفاقية، فإن هذه المصادر تحاشت الدخول في التفاصيل تاركةً لماكرون وزيلنسكي الكشف عنها في المؤتمر الصحافي المسائي المشترك للرئيسين.

رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك خلال اجتماعه بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

واكتفى «الإليزيه» بتأكيد أن المضمون لن يخرج عن الالتزامات متعددة الأبعاد التي تعهَّد بها قادة «السبع»، ومعهم بقية الدول الأطلسية. جاءت هذه التعهدات على أنها بديل «مؤقت عن انضمام أوكرانيا للحلف الأطلسي. وتنص الاتفاقية البريطانية - الأوكرانية الصالحة لمدة 10 سنوات على إلزام لندن بدعم أوكرانيا في الوقت الحالي، وفي أي صراعات مستقبلية مع روسيا، وعلى تقديم مساعدة عسكرية سريعة وطويلة الأمد».

وبمناسبة زيارته، أعلن سوناك عن تقديم دعم عسكري لأوكرانيا بقيمة 2.2 مليار جنيه إسترليني لعام 2024، بزيادة 200 مليون جنيه عن العام الماضي. ورغم خصوصية كل دولة وسعيها للتركيز على قطاع عسكري معين لمساعدة كييف، فإن المراقبين في باريس لا يتوقعون أن تكون الاتفاقية الفرنسية مختلفة جذرياً عن الاتفاقية البريطانية. وفي أي حال، يستبعد أن تنص على نشر قوات فرنسية في أوكرانيا أو أن تكون القوة النووية الفرنسية معنية بالاتفاقية.

وتجد باريس نفسها في وضع صعب نسبياً، بسبب الاتهامات الموجَّهة لها بأنها متخلِّفة في باب الدعم العسكري لأوكرانيا مقارنة ببريطانيا وألمانيا. وتدَّعي ألمانيا أنها تحتل المرتبة الأولى، وأن بريطانيا تحتل المرتبة الثانية. ووعدت برلين بما يزيد على 7 مليارات يورو لكييف في عام 2024؛ ما يضعها في مقدمة الدول الأوروبية.

وكان المستشار الألماني أولاف شولتس قد طلب من المفوضية الأوروبية أن تحضر ثبتاً بما قدمته كل دولة أوروبية لأوكرانيا في المجال العسكري، كما دعا الأوروبيين لفعل المزيد.

المستشار الألماني أولاف شولتس ينزل من متن مدفع ألماني مضاد للطائرات ذاتي الحركة «فلاكبانزر غيبارد» خلال زيارة برنامج تدريب الجنود الأوكرانيين في بوتلوس بالقرب من أولدنبورغ بألمانيا 25 أغسطس 2022 (رويترز)

وترفض باريس الترتيب الذي قام به معهد «كييل» الألماني الذي يضع فرنسا في المرتبة الـ14، وتؤكد أنها من بين أوائل الدول الداعمة عسكرياً لكييف. ومن المنتظَر، مع نشر نص الاتفاقية، الجمعة، أن توفر باريس مستنداً يتضمن كل أنواع وقيمة الدعم العسكري الذي وفَّرته منذ بدء الحرب في 24 فبراير من عام 2022، كما أنها تضع الاتفاقية الأمنية التي تتضمن الجوانب الدفاعية والسياسية والاقتصادية في إطار عزمها على مواصلة الوقوف إلى جانب كييف بشكل دائم، ومهما كانت الظروف، وأن الغرض الأول منع روسيا من تحقيق النصر ميدانياً، وتمكين أوكرانيا من الدخول إلى المفاوضات (عندما ستحصل) من موقع قوة.

وكان من المقرر أن يزور ماكرون كييف، الشهر الحالي، وقد أعلن ذلك شخصياً، بداية عام 2024، بيد أن هذه الزيارة لم تحدث، وسيكون من الصعب حصولها في الأسبوعين المتبقيَيْن من فبراير. ولدى سؤالها عن هذا الأمر، امتنعت مصادر «الإليزيه» عن الإشارة إلى سبب محدَّد، نافيةً أن تكون المخاطر الأمنية وراء عدم إتمامها.

وتركز باريس على العلاقة «الخاصة» التي تربطها بكييف، والتي تربط الرئيسين ماكرون وزيلنسكي. وكان الأول قد طلب التحول إلى «اقتصاد الحرب» لتلبية الحاجات العسكرية الأوكرانية. وعمدت باريس، بدعوة من وزير الدفاع سيباستيان لوكورنو، إلى تشكيل «تحالف المدفعية» من مجموعة من الدول الداعمة المنضوية في إطار ما يُسمَّى «مجموعة رامشتاين»، كما أنها تشارك ألمانيا في إدارة مجموعة أخرى متخصصة بالدفاعات الجوية.

وأعلن لوكورنو عن تقديم أعداد إضافية من مدافع «سيزار» ذاتية الحركة، وهي منظومة فاعلة ومتطورة، للقوات الأوكرانية، وتشجيع شركة «نيكستر» المصنِّعة لها على زيادة إنتاجها من هذا النموذج (72 مدفعاً) والدول الشريكة في «تحالف المدفعية» إلى تمويل شراء المدافع المتبقية لزيادة قوة نيران القوات البرية الأوكرانية، فضلاً عن التركيز على زيادة إنتاج القنابل من عيار 155 لمواجهة كثافة الذخائر الروسية.



اتهام روسي لأوكرانيا بمحاولة اغتيال ضابط كبير في موسكو

بوتين مع وزير خارجيته لافروف (إ.ب.أ)
بوتين مع وزير خارجيته لافروف (إ.ب.أ)
TT

اتهام روسي لأوكرانيا بمحاولة اغتيال ضابط كبير في موسكو

بوتين مع وزير خارجيته لافروف (إ.ب.أ)
بوتين مع وزير خارجيته لافروف (إ.ب.أ)

تعرّض ضابط عسكري روسي رفيع المستوى لإطلاق نار في مبنى سكني بموسكو، أمس (الجمعة)، نُقل على أثره إلى المستشفى، بينما اتَّهمت السلطات أوكرانيا بتدبير محاولة الاغتيال «لتقويض محادثات السلام» الجارية بين البلدين.

وقالَ محققون روس إنَّ فلاديمير أليكسييف، نائب رئيس الاستخبارات العسكرية الروسية، تعرّض لإطلاق نار من «شخص مجهول»، مشيرين إلى أنَّ المشتبه به فرّ من المكان الحادث.

ويخضع أليكسييف لعقوبات غربية لدوره المفترض في هجمات إلكترونية واتّهامات له بتدبيره هجوماً بغاز الأعصاب ضد جاسوس روسي منشق في بريطانيا. كما يعدّ أليكسييف معاوناً لأحد أعضاء الوفد الروسي المفاوض في المحادثات الثلاثية مع أوكرانيا والولايات المتحدة، والتي اختُتمت جولتها الثانية الخميس في أبوظبي.

واتَّهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أوكرانيا بالوقوف وراء «العمل الإرهابي»، متَّهماً كييف بمحاولة «إفشال مسار المفاوضات» الرامية إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ أربع سنوات.


الاتحاد الأوروبي يطلب من «تيك توك» تغيير تصميمه «المشجع على الإدمان»

شعار شركة «تيك توك» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)
شعار شركة «تيك توك» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)
TT

الاتحاد الأوروبي يطلب من «تيك توك» تغيير تصميمه «المشجع على الإدمان»

شعار شركة «تيك توك» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)
شعار شركة «تيك توك» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)

طلب الاتحاد الأوروبي، اليوم الجمعة، من تطبيق «تيك توك» تغيير تصميمه الذي يشجع على الإدمان، كما قال، وإلا فسيواجه غرامات باهظة، بموجب قواعد المحتوى الرقمي للاتحاد، الأمر الذي أثار رد فعل عنيفاً من المنصة المملوكة لشركة صينية.

وفي استنتاجات أولية لتحقيق بدأ قبل عامين، رأت المفوضية الأوروبية أن «تيك توك» لا يتخذ خطوات فعّالة لمعالجة الآثار السلبية للتطبيق، ولا سيما على القاصرين والبالغين المعرَّضين للخطر.

وقال المتحدث باسم المفوضية توماس رينييه إن «تصميم (تيك توك) المسبب للإدمان يخالف قانون الخدمات الرقمية»، مُشيراً إلى مخاوف تتعلق بميزات مثل استعراض المحتوى بلا توقّف والتشغيل التلقائي والإشعارات الفورية ونظام التوصيات وفق تفضيلات المستخدم، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأضاف رينييه أن «هذه الميزات تؤدي إلى الاستخدام القهري للتطبيق، خاصةً لأطفالنا، وهذا يُشكّل مخاطر جسيمة على صحتهم النفسية ورفاهيتهم... والإجراءات التي اتخذها (تيك توك) غير كافية على الإطلاق».

ورفضت «تيك توك» خلاصات المفوضية الأوروبية، وعَدَّت أنها «تقدم صورة زائفة تماماً ولا أساس لها من الصحة لمنصتنا»، وفقاً لبيان للمتحدث باسمها.

وأضاف المتحدث: «سنتخذ جميع الخطوات اللازمة للطعن في هذه النتائج بكل الوسائل المتاحة».

وقانون الخدمات الرقمية جزء من مجموعة أدوات قانونية مُعززة اعتمدها الاتحاد الأوروبي، في السنوات الأخيرة، للحد من تجاوزات شركات التكنولوجيا الكبرى، وكان المسؤولون قد صرّحوا، حتى الآن، بأن «تيك توك» تتعاون مع الجهات التنظيمية الرقمية في الاتحاد.

سيُتاح لـ«تيك توك»، الآن، الاطلاع على نتائج الاتحاد الأوروبي للدفاع عن نفسها ضد هذه الادعاءات.

وقالت هينا فيركونين، مسؤولة التكنولوجيا بالاتحاد الأوروبي، للصحافيين: «يتعيّن على (تيك توك) اتخاذ إجراءات، وعليها تغيير تصميم خدمتها في أوروبا لحماية القاصرين وسلامتهم».

واقترحت اللجنة ما يمكن للمنصة تغييره، مثل خاصية استعراض المحتوى بلا توقف، وتطبيق نظام «فترات راحة فعّالة من استخدام الشاشة»، بما في ذلك أثناء الليل، وتطوير نظام تفضيلات المستخدم؛ أي الخوارزميات التي تستخدمها المنصات لتقديم محتوى وفق تفضيلات المستخدمين.

وتحقيق فبراير (شباط) 2024 هو الأول الموجَّه ضد «تيك توك»، بموجب قانون الخدمات الرقمية، وهو قانون قوي لإدارة المحتوى في الاتحاد الأوروبي أثار غضب الإدارة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترمب.


لافروف يتهم كييف بالسعي لتقويض المفاوضات بعد محاولة اغتيال جنرال روسي بارز

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (د.ب.أ)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (د.ب.أ)
TT

لافروف يتهم كييف بالسعي لتقويض المفاوضات بعد محاولة اغتيال جنرال روسي بارز

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (د.ب.أ)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (د.ب.أ)

اتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كييف بالعمل على تقويض مسار المفاوضات، ووضع عراقيل أمام جهود التسوية السياسية. وجاء الاتهام بعد مرور ساعات على محاولة اغتيال جنرال روسي. وأثارت العملية التي هزت موسكو صباح الجمعة سجالات جديدة حول إخفاقات أمنية قادت إلى سلسلة واسعة من الهجمات على قادة عسكريين بارزين.

وأطلق مجهول النار صباح الجمعة على الجنرال فلاديمير أليكسييف، النائب الأول لرئيس الأركان الروسي.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يتحدث خلال مؤتمر صحافي في موسكو 6 فبراير 2026 (رويترز)

ووفقاً لمعطيات أجهزة التحقيق الروسية، فقد تم تنفيذ الهجوم في مدخل البناية التي يقطن فيها المسؤول العسكري من مسدس مزود بكاتم للصوت ولاذ المهاجم بالفرار. ونشرت موسكو مقاطع فيديو وثَّقت الحادثة نُقلت من كاميرات مراقبة في الجوار. وأعلنت الأجهزة الأمنية أنها تدرس المعطيات المتوافرة لديها. وأطلقت عملية لملاحقة المهاجم بعد فتح قضية جنائية.

ويعدّ الجنرال أليكسييف من أبرز القادة العسكريين في وزارة الدفاع، وقد حاز في عام 2017 لقب «بطل روسيا». ولعب كما يبدو أدواراً مهمة من خلال منصبه الحالي في توجيه وإدارة العمليات العسكرية الدائرة في أوكرانيا.

الفريق الأميركي: المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاريد كوشنر (رويترز)

وأعلن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف، أن الرئيس فلاديمير بوتين تلقى تقارير حول الوضع. وتمنى الكرملين الشفاء لأليكسييف. وبات معلوماً أن بوتين قد يتناول هذا الموضوع خلال اجتماع للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن القومي الروسي دعا إليه في النصف الثاني من يوم الجمعة، رغم أن الاجتماع دوري وليس مرتبطاً مباشرة بالحادثة.

ووجهت موسكو سريعاً أصابع الاتهام إلى الأجهزة الأوكرانية بالوقوف وراء الحادثة، خصوصاً أنها تشكل استمراراً لسجل حافل من عمليات الاغتيالات التي استهدفت قادة عسكريين خلال العامين الماضيين.

وقال وزير الخارجية سيرغي لافروف إن محاولة اغتيال المسؤول العسكري «تظهر رغبة أوكرانيا في تقويض جهود السلام». وزاد في مؤتمر صحافي أعقب لقاءه مع مسؤولين أوروبيين يزورون موسكو للمرة الأولى منذ سنوات: «لقد أكد هذا الهجوم الإرهابي مرة أخرى تركيز نظام (الرئيس فولوديمير) زيلينسكي على الاستفزازات المستمرة، التي تهدف بدورها إلى تعطيل عملية التفاوض، وهو مستعد لفعل كل شيء فقط لإقناع رعاته الغربيين والولايات المتحدة في محاولة لإبعادهم عن المسار لتحقيق تسوية عادلة».

رغم ذلك، شكك خبراء روس باحتمال أن يلقي الهجوم الجديد في قلب العاصمة الروسية بظلال مباشرة على جولات التفاوض الجارية حالياً بين موسكو وكييف برعاية أميركية في العاصمة الإماراتية أبوظبي، وعملية السلام في أوكرانيا. قال الكرملين، الجمعة، إنّ المحادثات كانت «صعبة جداً»، لكن بنّاءة، مؤكداً أنّها ستستمر.

وأعلن كبير المفاوضين الأوكرانيين رستم عمروف، الخميس، أن جولة جديدة من المحادثات بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة ستُعقد «في الأسابيع المقبلة»، بعد مفاوضات «بنّاءة» في أبوظبي أسفرت عن تبادل أسرى. وقال عمروف عبر تطبيق «تلغرام»: «اتفقت الوفود على إبلاغ عواصمها ومواصلة المحادثات الثلاثية في الأسابيع المقبلة»، لافتاً إلى أن المفاوضات ركزت خصوصاً على «آليات تنفيذ وقف لإطلاق النار».

جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ)

وفتحت محاولة اغتيال المسؤول العسكري سجالات جديدة حول ما وصف بأنه إخفاقات أمنية متواصلة سهلت للأجهزة الأوكرانية تنفيذ هجمات موجعة داخل العمق الروسي. وبالإضافة إلى العشرات من الهجمات التفجيرية التي استهدفت مطارات ومخازن أسلحة ومستودعات للوقود ومنشآت عسكرية أخرى، فقد وقعت سلسلة اغتيالات صاخبة استهدفت شخصيات عسكرية بارزة، كان أشدها وقعاً على موسكو اغتيال قائد قوات الأسلحة الكيماوية والإشعاعية الجنرال إيغور كيريلوف في نهاية عام 2024، واغتيال الفريق فانيل سارفاروف الذي يشغل منصب رئيس قسم التدريب العملياتي في هيئة أركان القوات المسلحة الروسية قبل نحو شهر.

ورأى معلقون أن وصول الاستخبارات الأوكرانية إلى هؤلاء القادة في العاصمة الروسية يؤشر إلى وجود خلل وتقصير داخل المؤسسة الاستخباراتية الروسية في مجال توفير الأمن القادة المهمين الذين جرت عمليات اغتيالهم خارج إطار العمليات العسكرية الدائرة على جبهات القتال. خصوصاً أن الجزء الأكبر من الهجمات استُخدمت فيه عبوات ناسفة شديدة التدمير؛ ما أضاف أسئلة عن ثغرات أمنية سهَّلت نقل واستخدام مواد متفجرة على الأراضي الروسية وفي مناطق حساسة.

The Ukrainian delegation headed by Rustem Umarov

في موضوع متصل، أكد لافروف، أن القوات الروسية، سوف تواصل استهداف الأهداف العسكرية والأهداف ذات الاستخدام المزدوج داخل الأراضي الأوكرانية، مشدداً على أن بلاده «امتثالاً للقانون الدولي الإنساني، لا تهاجم مواقع مدنية في أوكرانيا وتركز فقط على الأهداف ذات الاستخدام المزدوج أو الأهداف العسكرية البحتة».

وجاء حديثه عقب محادثات أجراها مع رئيس مكتب منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ورئيس الإدارة الفيدرالية للشؤون الخارجية في الاتحاد السويسري، إغنازيو كاسيس، والأمين العام لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، فريدون سينيرلي أوغلو. وزاد: «لقد حذرنا مراراً وتكراراً من أننا نتصرف بحذر ما التزم العدو بالقواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني. ونحن مستمرون في الالتزام بهذه القواعد، حيث لا نهاجم إلا الأهداف ذات الاستخدام المزدوج أو الأهداف العسكرية البحتة».

الوفد الروسي برئاسة مدير الاستخبارات العسكرية إيغور كوستيوكوف (رويترز)

وتعدّ هذه من الزيارات النادرة لمسؤولين أوروبيين إلى القيادة الروسية، وقد عكست تزايد اهتمام السياسيين الأوروبيين بفتح قنوات اتصال مع القيادة الروسية. وفي هذا الإطار، نقلت وسائل إعلام قبل أيام معطيات عن زيارة غير معلنة قام بها ممثل عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى موسكو. لكن الكرملين والإليزيه تجنبا نفي أو تأكيد تلك المعطيات.

وقال لافروف إن الرئيس الروسي مستعد لتلقي اتصال من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون لإجراء محادثات «جدية»، لكنه وصف تصريحات الرئيس الفرنسي بشأن معاودة الحوار مع موسكو بأنها «دبلوماسية سيئة جداً». وقال لافروف في مقابلة مع قناة «آر تي» الروسية: «إذا كنت ترغب في التحدث، والتحدث بجدية حول أي موضوع، فاتصل. بوتين سيرد على الهاتف دائماً. إنه يستمع إلى كل المقترحات». وأضاف: «قبل نحو أسبوعين، صرّح ماكرون مجدداً سأتصل ببوتين يوماً ما. هذا ليس جدياً، كما تعلمون، إنها دبلوماسية سيئة جداً».

وفي وقت لاحق، قال دميتري بوليانسكي، نائب المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة، إن أوروبا لا تزال تلعب دوراً تخريبياً في مفاوضات أوكرانيا. وأضاف بوليانسكي في منشور على «إكس»: «نحن لا نرى أدنى علامة على التحسن».

ماكرون وبوتين (أ.ف.ب)

في السياق، تحدثت تقارير متقاطعة عن أن شركة «ستارلينك» المملوكة من إيلون ماسك، بدأت هذا الأسبوع بحجب وصول القوات الروسية إلى خدمة الإنترنت عبر أقمارها داخل مسرح العمليات في أوكرانيا، بعد طلب أوكراني يهدف إلى وقف «الاستخدام غير المصرّح به» للمحطات التي وصلت إلى الروس عبر السوق الرمادية والتهريب. ووفق روايات مدونين عسكريين روس موالين للحرب، تسببت القيود بانقطاعات أربكت اتصالات الوحدات على الخطوط الأمامية، وأثّرت أيضاً على تشغيل بعض الطائرات المسيّرة التي كانت تعتمد على الشبكة.

جوهر الخطوة يقوم على نظام يسمى «القائمة البيضاء» داخل أوكرانيا، أي أن الخدمة لا تعمل إلا للمحطات التي جرى تسجيلها والتحقق منها لدى الجهات الأوكرانية؛ ما يعني عملياً أن المحطات غير المسجّلة، ومن ضمنها تلك التي يستخدمها الروس بشكل غير قانوني، تُستبعد من الشبكة.

كما تتحدث مصادر عدة عن إضافة قيدٍ آخر يتمثل في تحديد عمل المحطات عند سرعة تقارب 75 كلم/ساعة؛ بهدف تقليل فرص استخدامها على منصات متحركة أو على مسيّرات بعيدة المدى.

لماذا طلبت كييف ذلك الآن؟

على مدى سنوات، كانت كييف تمتلك وصولاً «رسمياً» إلى «ستارلينك» لتأمين الاتصال في بيئة حرب تتعرض فيها البنى التحتية للاتصالات والكهرباء للقصف. لكن القلق الأوكراني تصاعد، حسب ما نُشر، عندما رصدت أوكرانيا أن الاستخدام الروسي لم يعد محصوراً باتصالات الجنود، بل بدأ يمتد إلى تعزيز قدرات المسيّرات الروسية في التحكّم والاستهداف وجعلها أكثر مقاومة للتشويش، وهو ما عدَّته كييف تهديداً مباشراً لميزتها التكنولوجية في ساحة تتغير بسرعة.

ولهذا؛ أعلن وزير الدفاع الأوكراني الجديد ميخائيلو فيديروف أنه تواصل مع الشركة الشهر الماضي، واحتفى لاحقاً بتفعيل نظام التسجيل والتحقق بوصفه يحقق «نتائج ملموسة»، مع الإقرار بوجود تعطّل مؤقت أصاب بعض المستخدمين الأوكرانيين الذين لم يستكملوا إجراءات التسجيل بعد.

الرئيسان ترمب وبوتين خلال «قمة ألاسكا» 15 أغسطس (أ.ف.ب)

تأثير الحجب

التقدير الدقيق لتأثير هذا الحجب لا يزال صعباً، لكن المؤشرات الأولى جاءت من «الشكاوى الروسية» ذاتها. فقد تحدث مدونون روس موالون للحرب على منصات مثل «تلغرام»، عن فجوات في الاتصال ومشكلات في تنسيق الوحدات على الجبهة، وعدَّ بعضهم أن الجيش سيضطر مؤقتاً إلى العودة إلى بدائل أقل كفاءة مثل الراديو والكوابل الأرضية وجسور «واي فاي».

من جهته، كتب إيلون ماسك على منصته «إكس» في أول فبراير (شباط)، إن الخطوات المتخذة لوقف الاستخدام غير المصرح به «يبدو أنها نجحت»، في إشارة إلى أن الشركة ترى الإجراء جزءاً من ضبط الامتثال وليس دخولاً رسمياً كطرف في الحرب.

بيد أن الخطوة، حتى لو قُدمت كإجراء ضد «الاستخدام غير المصرّح به»، تفتح باباً على مضاعفات، من بينها سباق للتحايل؛ إذ قد يلجأ الروس إلى محاولة إيجاد طرق التفاف تقنية/لوجيستية أو توسيع بدائل أرضية. كما قد تؤدي إلى تصعيد سياسي/تقني، حيث تُلوّح موسكو منذ مدة بالحاجة إلى استقلال الاتصالات العسكرية عن «الغرب». كما يمكن أن يؤثر على المفاوضات في أبوظبي كإحدى ساحات محادثات ومسارات سياسية مرتبطة بالحرب؛ ما يعني أن خطوة تقنية يمكن أن تُقرأ كأداة ضغط ميداني بالتوازي مع المسار الدبلوماسي.