كيف قيّم الإعلام الأميركي أداء تاكر كارلسون في مقابلته مع بوتين؟

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث خلال مقابلة مع المذيع التلفزيوني الأميركي تاكر كارلسون في موسكو يوم 6 فبراير 2024 (سبوتنيك - رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث خلال مقابلة مع المذيع التلفزيوني الأميركي تاكر كارلسون في موسكو يوم 6 فبراير 2024 (سبوتنيك - رويترز)
TT

كيف قيّم الإعلام الأميركي أداء تاكر كارلسون في مقابلته مع بوتين؟

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث خلال مقابلة مع المذيع التلفزيوني الأميركي تاكر كارلسون في موسكو يوم 6 فبراير 2024 (سبوتنيك - رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث خلال مقابلة مع المذيع التلفزيوني الأميركي تاكر كارلسون في موسكو يوم 6 فبراير 2024 (سبوتنيك - رويترز)

«بوتين بالكاد يتيح لتاكر كارلسون التعبير بكلمة»، و«مقابلة تاكر كارلسون الليّنة»، و«بوتين يستخدم كارلسون لإطلاق النار على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي»... أجمعت المواقع الإعلامية الأميركية تقريباً على أن المقابلة التي أجراها الإعلامي الأميركي البارز تاكر كارلسون في موسكو مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في 6 فبراير (شباط) الحالي، وبُثّت، أمس الخميس 8 فبراير، لم تحقّق نجاحاً إعلامياً كبيراً كان يطمح إليه كارلسون، في حين رأت هذه المواقع الإعلامية أن المقابلة سارت وفق البروباغندا التي يتبنّاها بوتين.

فشل «الضربة الإعلامية» المرجوّة

لم ينجح تاكر كارلسون (54 عاماً) الذي جرى فصله من شبكة «فوكس نيوز» الأميركية، العام الماضي، في تحقيق ضربة إعلامية موفّقة، وفق فرنشيسكا إبيل مراسِلة صحيفة «واشنطن بوست» للشأن الروسي، التي عَنْونت على موقع الصحيفة الإلكتروني «بوتين في مقابلة طويلة ومشتّتة بالكاد يتيح لتاكر كارلسون التعبير بكلمة». وكتبت، في تقريرها، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمضى أول 30 دقيقة من مقابلته التي استمرت ساعتين مع مقدم برنامج «فوكس نيوز» السابق، تاكر كارلسون، وهو يُلقي خطبة رجعية للتاريخ تتمحور حول الأساطير المؤسِّسة لروسيا وأوكرانيا، وتفكك الاتحاد السوفياتي وتوسع الناتو.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستمع إلى تاكر كارلسون (سبوتنيك - رويترز)

وقالت إبيل إنّ بوتين وبّخ كارلسون عندما قاطعه الأخير. وبحلول نهاية المحادثة، كان من الواضح أن بوتين لا ينوي إنهاء حربه الوحشية ضد أوكرانيا. لكن كارلسون، الذي أُقيل من «فوكس»، العام الماضي، بدا مستعدّاً للاستسلام. عرض بوتين مواصلة الحديث، لكنّ كارلسون، الذي كان من الواضح أنه مُنهَك من نظريات المؤامرة التي طرحها الزعيم الروسي منذ فترة طويلة، ومظالمه ضد الغرب، شكر بوتين وأنهى المقابلة البعيدة جداً عن الضربة الإعلامية الموفَّقة التي كان يروِّج لها كارلسون.

ورأت إبيل أن كارلسون أمضى معظم المقابلة في صمت، أو بدا مرتبكاً. ولم يطرح كارلسون سؤالاً واحداً على بوتين حول الهجمات الروسية على المناطق المدنية أو البنية التحتية الحيوية في أوكرانيا، والتي أسفرت عن مقتل الآلاف. وكذلك لم يَرِد من كارلسون أي ذكر لادعاءات جرائم الحرب التي تواجه الزعيم الروسي أو الترحيل القسري للأطفال الأوكرانيين، وفقاً لإبيل. وغابت أيضاً أسئلة كارلسون حول حملات القمع السياسية الشاملة التي شنّتها روسيا على مُنتقدي بوتين، أو أحكام السجن الطويلة التي صدرت بحق المواطنين الروس العاديين الذين نظّموا احتجاجات مُناهضة للحرب.

وبدلاً من ذلك، طرح كارلسون أسئلة غامضة على نحو متزايد - بما في ذلك ما إذا كان أي زعيم عالمي يمكن أن يكون مسيحياً حقيقياً - وبدا في بعض الأحيان وكأنه يحفّز بوتين على ادعاء وجود دولة أميركية عميقة والترويج لنظريات مؤامرة أخرى، وفق فرنشيسكا إبيل، التي أضافت أنه في لحظات عدّة، عندما حاول كارلسون التدخل في الحديث، قام الرئيس بتوبيخه. وأعطت المثال التالي:

قال بوتين: «سأخبرك، أنا قادم إلى ذلك (إلى هذه النقطة). هذه الإحاطة تقترب من نهايتها». وأضاف بوتين بلهجة متعالية: «قد يكون الأمر مملّاً، لكنه يفسر أشياء كثيرة». وقد أجابه كارلسون بأنها ليست مملة وبأنه ليس متأكداً من مدى ملاءمتها. فردّ بوتين بأنه «مسرور» (من جواب كارلسون) ويقدّر ذلك.

تاكر كارلسون يستمع إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (سبوتنيك - رويترز)

كارلسون حائر... وخيبة أمل

من جهته، كتب الصحافي أوليفر دارسي، على موقع «سي إن إن»، تحت عنوان «بوتين ينجح في تحقيق انتصار دعائي بعد مقابلة تاكر كارلسون اللينة»: «أصبح من الواضح الآن لماذا أجرى فلاديمير بوتين مقابلة مع تاكر كارلسون. على مدار أكثر من ساعتين، امتنع مقدم برنامج فوكس نيوز السابق عن تحدي النظام الاستبدادي الروسي، الذي أدت حربه الوحشية على أوكرانيا إلى مقتل مئات الآلاف من الأشخاص بلا داع». وأضاف أنه من المؤكد أن أولئك الذين يتوقعون مواجهة قوية (لبوتين من جانب كارلسون) سيكونون قد خرجوا بخيبة أمل شديدة بسبب المقابلة الطويلة والمتعثرة، والتي بدا فيها تاكر نفسه حائراً في بعض الأحيان.

ورأى دارسي أنه بدلاً من الضغط على بوتين بشأن عدد من الموضوعات المطروحة، بما في ذلك الاتهامات ذات المصداقية بأن روسيا ارتكبت جرائم حرب، وسجن زعيم المعارضة أليكسي نافالني، سمح كارلسون لبوتين بالتلاعب بالجمهور وسرد روايته، بغض النظر عن مدى كذبها.

وقال إنه، في بعض الأحيان «بدا بوتين وهو يعلّم كارلسون الأحداث التاريخية، بينما كان المضيف ينظر إليه في حيرة. أو بعبارة أكثر وضوحاً، قدّم كارلسون لبوتين منصة لنشر دعايته إلى جمهور عالمي، مع القليل من التدقيق في ادعاءات بوتين». واعتبر أن المقابلة كانت انتصاراً دعائياً كبيراً للرئيس الروسي.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث خلال المقابلة مع تاكر كارلسون (سبوتنيك - رويترز)

عودة إلى الأضواء

وعلّق الكاتب الصحافي دارن مايجور، عبر موقع «سي بي سي»، على مقابلة تاكر وبوتين، قائلاً: «استخدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مقابلة مع الشخصية الإعلامية الأميركية تاكر كارلسون ليطلق النار على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لانضمامه إلى تصفيق حار لياروسلاف هونكا؛ وهو أحد المحاربين الأوكرانيين القدامى في وحدة نازية خلال الحرب العالمية الثانية، وذلك خلال زيارة زيلينسكي (في سبتمبر/ أيلول) إلى كندا - علماً بأن الرئيس الأوكراني ومستضيفيه الكنديين لم يكونوا على علم بماضي هونكا النازي».

وكتبت صحيفة «نيويورك تايمز» أن «مقابلة السيد كارلسون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعادته إلى مركز الصدارة، للمرة الأولى منذ إلغاء برنامجه على قناة فوكس نيوز، العام الماضي. فقد عاد كارلسون، على الأقل للحظة، ليكون في قلب المشهد السياسي الأميركي، وليتوجه بصوت عال إلى الجمهور الأميركي». ويرى التقرير أنه من المبكر الحكم إذا كانت هذه المقابلة رابحة أو خاسرة بالنسبة لتاكر كارلسون.

من جهته، رأى ويل سومير، عبر تحليل في «واشنطن بوست»، أن كارلسون لم يحقق ما كان يسعى إليه من نجاح كبير في المقابلة مع بوتين، بل إنّه وقع في مشكلة إسهاب بوتين بتفاصيل عن نظرته للتاريخ الروسي، في أول نصف ساعة من المقابلة، «لدرجة أن كارلسون أصبح منزعجاً وبدأ الاثنان الاشتباك».

تاكر كارلسون يتحدث خلال مؤتمر في فلوريدا يوم 15 يوليو 2023 (رويترز)

ولم تلق المقابلة تعليقاً مباشراً على موقع شبكة «فوكس نيوز»، المؤسسة الإعلامية التي لمع نجم تاكر كارلسون من خلالها، عبر برنامجه السياسي «تاكر كارلسون الليلة» (2016 - 2023). وكانت شبكة «فوكس نيوز» قد أنهت عقد كارلسون في 24 أبريل (نيسان) 2023.


مقالات ذات صلة

القضاء الأميركي يرفض طلب «مركز كينيدي» تعليق إزالة اسم ترمب من المبنى

الولايات المتحدة​ عمال يزيلون اسم دونالد ترمب عن واجهة «مركز كينيدي» في واشنطن (إ.ب.أ)

القضاء الأميركي يرفض طلب «مركز كينيدي» تعليق إزالة اسم ترمب من المبنى

رفض قاضٍ، الجمعة، طلب «مركز كينيدي» تعليق تنفيذ حكم يقضي بإزالة اسم الرئيس الأميركي دونالد ترمب من مبنى المركز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية إحسان شافي رجل الأعمال الأميركي من أصل إيراني (رويترز)

انقسام في آراء المشجعين «الإيرانيين الأميركيين» حول المونديال

عندما تبدأ إيران مشوارها في كأس العالم لكرة القدم هذا الشهر في لوس أنجليس، سيكون إحسان شافي رجل الأعمال الأميركي من أصل إيراني في المدرجات يشجع فريق جذوره.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
رياضة عالمية غريغ بيرهالترالمدير الفني السابق للمنتخب الأميركي (رويترز)

بيرهالتر: واثق بقدرة بوكيتينو على قيادة أميركا لتحقيق «أشياء كبيرة»

أكد غريغ بيرهالتر، المدير الفني السابق للمنتخب الأميركي لكرة القدم، أن فريق المدرب ماوريسيو بوكيتينو، يمكنه تحقيق «أشياء كبيرة» في بطولة كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (كانساس سيتي (الولايات المتحدة))
رياضة عالمية مكان استديوهات «بي بي سي» لاقت انتقادات لاذعة (ذا أثلتيك)

ليست «غرفة خضراء»… لماذا تحولت استوديوهات «بي بي سي» في كأس العالم إلى معركة ثقافية؟

أثار قرار هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» تقديم تغطيتها لكأس العالم 2026 من مدينة سالفورد في مانشستر الكبرى بدلاً من الوجود الكامل داخل أميركا جدلاً واسعاً.

The Athletic (لندن)
رياضة عالمية دونالد ترمب (رويترز)

مونديال 2026: ترمب يغيب عن مباراة الولايات المتحدة وباراغواي الافتتاحية

في سابقة نادرة بتاريخ نهائيات كأس العالم لكرة القدم، يغيب الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن المباراة الافتتاحية لمنتخب بلاده أمام باراغواي الجمعة.

The Athletic (واشنطن)

«البنتاغون» والصحافة... حين تتحول «غرفة الأسئلة» مساحةً محظورة

البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
TT

«البنتاغون» والصحافة... حين تتحول «غرفة الأسئلة» مساحةً محظورة

البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)

في أحدث فصل من التوتر المتصاعد بين وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) ووسائل الإعلام، قرّر «البنتاغون» منع الصحافيين من دخول مكتبه الصحافي، بعد إعادة تصنيفه مساحةً سرّية أو منشأة معلومات حساسة.

القرار، الذي جاء في ظل قيادة الوزير بيت هيغسيث، وتنفيذاً للنهج الإعلامي الأوسع لإدارة الرئيس دونالد ترمب، لا يبدو إجراءً إدارياً معزولاً، بل هو حلقة إضافية في سلسلة قيود بدأت منذ عام 2025، وشملت فرض مرافقين على الصحافيين داخل مبنى البنتاغون، وتقييد حركتهم. ثم الدخول في معارك قضائية مع صحف وجهات إعلامية أخرى مثل صحيفة الـ«نيويورك تايمز» ووكالة الـ«أسوشييتد برس» للأنباء.

الوزارة تقول إن الإجراء مرتبط بحماية المعلومات «المصنّفة» (أي السرّية وشبه السرّة)، خصوصاً بعد نقل كتّاب خطابات يتعاملون مع مواد سرّية إلى المكتب الصحافي؛ ما يتطلّب تجهيز المكان بشبكة آمنة مثل «شبكة توجيه بروتوكول الإنترنت السرية». إلا أن منتقدي القرار يرون فيه تضييقاً عملياً على حق الصحافة في الوصول إلى المسؤولين، وعلى حق الجمهور في معرفة كيف تُدار واحدة من أكبر المؤسسات الفيدرالية وأكثرها إنفاقاً وتأثيراً في الأمن والسياسة الخارجية.

إعادة تعريف العلاقة مع الصحافة

تاريخياً، لم يكن مكتب الصحافة في «البنتاغون» - الذي هو مقر وزارة الحرب - مجرد غرفة إدارية، بل كان مساحة عمل مفتوحة نسبياً يستطيع الصحافيون المُعتمَدون دخولها، وطرح الأسئلة على مسؤولي الشؤون العامة، والحصول على توضيحات خلفية، ومتابعة ما لا يظهر دائماً في المؤتمرات الرسمية.

هذه المساحة غير الرسمية كانت جزءاً من آلية رقابة يومية، لا تقل أهمية عن البيانات المكتوبة أو الإحاطات المتلفزة.

بيد أن القرار الجديد يغيّر هذه القاعدة. وإذا كان الصحافيون قد خسروا سابقاً حرية الحركة داخل معظم أروقة «البنتاغون» وردهاته، فإن منعهم من دخول المكتب الصحافي نفسه يضيف حاجزاً جديداً حتى أمام التواصل المهني مع الناطقين باسم الوزارة. وعملياً، تصبح العلاقة أكثر رسمية وأقل عفوية: موعد مسبق، ومرافقة، وأسئلة مضبوطة، وإجابات تمرّ عبر قنوات محدّدة.

من وجهة نظر «البنتاغون»، الحجة واضحة، وهي أن المؤسسة العسكرية تتعامل يومياً مع معلومات حساسة، وبالتالي، فأي اختلاط غير مضبوط بين صحافيين ومساحات تُستخدم لمعالجة مواد سرّية قد يخلق أخطاراً أمنية.

لكن قوة هذه الحجة لا تلغي السؤال الأوسع... هل كان الحل الوحيد هو تحويل المكتب الصحافي كله مساحةً محظورة؟ أم كان ممكناً الفصل بين العمل الإعلامي والعمل المصنّف داخل مكاتب مختلفة؟

هنا بالضبط يبدأ الجدل؛ لأن المسألة لا تتعلّق فقط بالمكان، بل بالرسالة السياسية والمؤسّسية التي يحملها القرار.

مدخل مبنى الـ«نيويورك تايمز» (رويترز)

أمن قومي... أم تقليص الرقابة؟

بطبيعة الحال لا توجد دولة جادّة تسمح بتسريب أسرار عسكرية عملياتية أو معلومات قد تعرّض عسكرييها للخطر. لذلك؛ لا يمكن التعامل مع كل قيود «البنتاغون» على أنها بالضرورة تشكّل اعتداءً على الصحافة. ولكن في المقابل، يرى المنتقدون أنه لا يمكن أيضاً اعتبار شعار «الأمن القومي» تفويضاً مفتوحاً لإبعاد الإعلام عن المؤسسة العسكرية.

بكلام آخر... الفارق بين حماية الأسرار ومنع الرقابة قد يكون دقيقاً، لكنه حاسم في نظام ديمقراطي.

سياق تراكمي

المشكلة أن القرار يأتي ضمن سياق تراكمي. ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، سلّم عدد كبير من صحافيي «البنتاغون» بطاقاتهم بدلاً من التوقيع على سياسة كانت تُلزمهم بالإحجام عن السعي وراء معلومات غير مُصرّح بنشرها.

وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاضٍ فيدرالي ضد قيود رئيسة في تلك السياسة، معتبراً أنها تنتهك حقوقاً دستورية متّصلة بحرّية الصحافة والإجراءات القانونية الواجبة. ومن ثم، واصل «البنتاغون» الاعتماد على «سياسة مؤقتة» تلزم الصحافيين بالمرافقة داخل المبنى، وسمحت محكمة استئناف باستمرارها مؤقّتاً إبان النزاع القضائي.

لاحقاً، في مايو (أيار) 2026، رفعت الـ«نيويورك تايمز» دعوى ثانية للطعن تحديداً في شرط المرافقة، معتبرة أنه يحدّ من القدرة على التغطية المستقلة للشؤون العسكرية. أما «البنتاغون» فردّ بأن الصحافيين لا يملكون «حقاً مطلقاً» في التجوّل داخل مبنى عسكري، وأن القيود مصمّمة لمنع الوصول غير المشروع إلى معلومات «مصنّفة».

هذه هي نقطة التوازن الصعبة: الوزارة محقّة في أن «البنتاغون» ليس مبنىً عاماً عادياً؛ لكن الصحافة محقّة أيضاً في أن المؤسسة العسكرية، بحجم إنفاقها وسلطتها، لا ينبغي أن تتحوّل صندوقاً مُغلقاً لا يُرى إلا من خلال بياناته الرسمية.

صحافة أضعف وجمهور أقل معرفة

الخطر الأبرز هنا لا يكمن فقط في منع دخول غرفة بعينها، بل أيضاً في الأثر التراكمي لهذه السياسات على العمل الصحافي.

ذلك أن الصحافة التي تغطي «البنتاغون» لا تعتمد فقط على المؤتمرات الرسمية، بل على بناء مصادر، وفهم خلفيات القرارات، ومقارنة الروايات، وكشف التناقضات بين الخطاب السياسي والواقع الميداني أو المالي. وهذا ينعكس مباشرة على المواطن.

ثم أن «البنتاغون»، حسب المنتقدين، ليس مجرد وزارة أخرى... بل إنه يدير ميزانيات ضخمة، ويشن حروباً، ويشرف على قواعد عسكرية، ويمتلك عقود تسليح، ويعتمد سياسات تمسّ حياة الجنود والمدنيين في الداخل والخارج. وحين تصبح المعلومات أكثر ندرة، يصعب على الجمهور معرفة ما إذا كانت القرارات مبرّرة، أو مكلفة أكثر من اللازم، أو منسجمة مع القانون والمصلحة العامة.

في المقابل، يحتاج الإعلام أيضاً إلى الاعتراف بأن الثقة لا تُبنىَ بمجرد المطالبة بالوصول. فعليه، حقاً، أن يميّز بوضوح بين حقه في السؤال والبحث، وبين تحاشي نشر معلومات قد تسبّب ضرراً أمنياً مباشراً.

لذلك؛ يبدو قرار تصنيف المكتب الصحافي «مساحةً سرّية» أكثر من تعديل مكاني. إنه اختبار جديد للعلاقة بين المؤسسة العسكرية والصحافة في الولايات المتحدة. وإذا بقيت القيود تتوسّع من دون ضوابط، فقد لا تكون النتيجة حماية أفضل للأسرار.

الصحافة التي تغطي «البنتاغون» لا تعتمد فقط على المؤتمرات الرسمية... بل تهتم بالمصادر وفهم خلفيات القرارات


هل تحل أدوات «غوغل» الجديدة أزمة تدفق الزيارات للمواقع؟

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)
TT

هل تحل أدوات «غوغل» الجديدة أزمة تدفق الزيارات للمواقع؟

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)

بالتوازي مع قرار «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية»، أخيراً، إلزام شركة «غوغل» منح ناشري المحتوى السيطرة الكاملة على كيفية ظهور محتواهم ضمن إجابات الذكاء الاصطناعي، أثيرت تساؤلات بشأن تأثير ذلك على تدفق الزيارات للمواقع.

«غوغل» كانت قد أعلنت أنها بدأت من 3 يونيو (حزيران) الجاري، «اختبار أداة تحكم جديدة تتيح للناشرين التحكم في كيفية ظهور روابطهم ومحتواهم في ميزات البحث القائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي».

ومن جهتها، أشارت «هيئة المنافسة» إلى أن «قرارها جاء استجابةً لسلسلة من الشكاوى طويلة الأمد التي تقدَّم بها ناشرون بشأن غياب الشفافية والتحكم في آلية إظهار محتواهم عبر محرك بحث (غوغل)».

حتى صدور القرار، كانت «غوغل» تمنع الناشرين من حظر استخدام موادهم في الإجابات المكتوبة بالذكاء الاصطناعي، من دون الاضطرار إلى إزالة مواقعهم بالكامل من فهرس البحث الرئيس لـ«غوغل»، وهو الوسيلة الأساسية التي يعتمد عليها معظم المستخدمين.

ومن ناحية أخرى، أدى إدخال ملخصات الذكاء الاصطناعي من «غوغل» إلى تراجع حاد في تدفق الزيارات المحالة إلى المواقع، وزيادة في معدلات «البحث بلا نقرات»، نظراً لأن هذه الملخصات تغني القراء عن النقر والانتقال إلى رابط المصدر الأصلي للمقال، حسب مراقبين. ومع أن الخطوة الأخيرة عدّها البعض «مبشِّرة»؛ فإن خبراء يقللون من تبعاتها الإيجابية على زيارات المواقع، لكنهم قالوا إنها «قد تكون بداية لموقف تفاوضي أكثر إنصافاً للناشرين لاحقاً».

الدكتور أنس النجداوي، مدير جامعة أبوظبي - فرع دبي، وأستاذ الأعمال الرقمية المشارك، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن على الأوساط الصحافية «الترحيب بالخطوة... ولكن بحذر. فما حدث هو تطور جزئي في العلاقة بين الناشرين و(غوغل) فيما يتعلق بحقوق المحتوى، كما يمكن اعتباره خطوة دفاعية من الشركة التي لن تفرّط بسهولة في طموحاتها للهيمنة».

وأضاف: «من ناحية أخرى، من شأن أدوات (غوغل) أن تعطي الحق للناشرين في النشر ضمن ملخّصات الذكاء الاصطناعي أو وقف النشر وفقاً لرغبة الناشر. لكن هذا لا يعني على الإطلاق عودة الزيارات المحالة كما كانت في السابق، ويعود ذلك إلى أن (غوغل) نجحت خلال الفترة السابقة في تغيير سلوك المستخدم، الذي اعتاد الاكتفاء بالملخص وعدم النقر على الروابط الأصلية».

من جهة ثانية، عدّ النجداوي أدوات «غوغل» خطوة إيجابية، لكنه لم يسمِّها حلاً قاطعاً لأزمة تراجع الزيارات الخاصة بالمواقع، بل طرح حلولاً أخرى يمكن أن تأتي جدواها أكثر من أدوات التحكم التي طرحتها «غوغل». من بينها «توقيع اتفاقيات ترخيص المحتوى، بما يحفظ الحقوق لأصحاب المحتوى الأصيل، ويلزم الشركة الدفع مقابل استغلال هذا المحتوى». ويشير إلى أن ذلك تحقق بالفعل في حالات فردية، على شاكلة أستراليا التي تمكّنت من أن توقِّع اتفاقيات مُلزمة للشركة دفع تعويضات مقابل القيمة الاقتصادية التي تحققها من المحتوى الصحافي».

وطرح النجداوي «السماح للناشرين بتحصيل رسوم إذا تم استغلال محتواهم في تغذية روبوتات الذكاء الاصطناعي، من خلال تقنيات متقدمة». وقال: «يمكن كذلك مشاركة إيرادات الإعلانات، لأن المعركة المقبلة لن تقتصر على الروابط فقط، بينما ستدور حول من يستحق العائد الاقتصادي الناتج عن المحتوى، وهو أمر شديد التعقيد، فالصحافة تنتج المعرفة، والذكاء الاصطناعي يعيد الصياغة، فالسؤال الذي يمثل تحدياً: كيف يجري توزيع القيمة بين الطرفين؟».

في سياق ذلك، نشرت «غوغل» تدوينة رسمية، أخيراً، أفادت فيها بأن «ميزات مثل ملخّصات الذكاء الاصطناعي صُممت لمساعدة المستخدمين على اكتشاف المواقع الإلكترونية المتميزة وزيارتها».

وأضافت الشركة أنه «عبر أداة التحكم الجديدة يمكن لأصحاب المواقع تحديد ما إذا كانوا يرغبون في ظهور مواقعهم والمساهمة في دعم الإجابات داخل ميزات البحث بالذكاء الاصطناعي التوليدي، والمواقع التي تختار إلغاء الاشتراك لن تتلقى زيارات أو ظهوراً من ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي لدينا. ولن تُستخدم أداة التحكم هذه إشارةً لترتيب النتائج خارج ميزات البحث هذه».

محمد عاطف، الباحث المتخصّص في الإعلام الرقمي رأى أن «الفائدة الحقيقية للقرار أنه كسر المعضلة الزائفة أمام الناشر». وتابع أنه قبل القرار «كان أمام الناشرين خياران: إما ترك محتواهم يغذّي ملخّصات الذكاء الاصطناعي، ومن ثم خسارة الزيارات لصالح البحث من دون نقر، وإما أن يمنعوا زاحف (غوغل) بالكامل... فيخسروا الترتيب في البحث، وبالتبعية، جميع الزيارات».

وأردف أن «القرار الجديد يفصل الاتجاهين، حيث بات يمكن للناشر الآن منع استخدام محتواه في ملخّصات الذكاء الاصطناعي من دون أن يتأثر ترتيبه في نتائج البحث العادية، وهذا المكسب الجوهري».

وقال عاطف: «علينا أن نكون أكثر دقة في قياس حجم الأثر، فالانسحاب أداة دفاعية لا استرجاعية، هو يمنع استنزاف محتوى تختاره، لكنه لا يعيد الزيارات التي خسرها بالفعل الموقع أو الإيرادات المفقودة». وأكد أن «الرافعة الحاسمة، هي الدفع مقابل المحتوى، وهي مؤجلة لأن القرار لا يُلزم (غوغل) الدفع. وبالتالي، هيئة المنافسة ستنتظر 12 شهراً على الأقل قبل أن تقرر إلزامها التفاوض على شروط ترخيص عادلة... وبعد ذلك يجب التعامل مع القرار على أنه رافعة تفاوضية وأداة حماية انتقائية، لا بوصفه حلاً لأزمة الزيارات، لأن الحل الجذري يبقى في تنويع مصادر الجمهور وبناء علاقة مباشرة لا تمر عبر بوابة (غوغل) من الأساس».


«حرب الأرشيف» تتصاعد بين الصحف والذكاء الاصطناعي

أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)
أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)
TT

«حرب الأرشيف» تتصاعد بين الصحف والذكاء الاصطناعي

أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)
أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)

تتصاعد «حرب الأرشيف» بين الإعلام وشركات التكنولوجيا، عقب اتجاه أصحاب عدد من الصحف إلى إغلاق أرشيفاتها على الإنترنت، مدفوعين بمخاوف من استغلاله مجاناً في تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي. وأفاد خبراء بأن «الحظر مجرد إجراء مؤقت»، ودعوا إلى «وضع قواعد توازن بين حقوق الملكية الفكرية والحق في الوصول إلى المعلومات».

تحليل نشره موقع «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الصحافة، أخيراً، تطرّق إلى بدء أكثر من 340 موقعاً إخبارياً محلياً في الولايات المتحدة في حظر أو تقييد الوصول لأرشيفها على الإنترنت. وأشار إلى أن هذا التحرك بدأ في يناير (كانون الثاني) الماضي بحظر صحف مثل «نيويورك تايمز» و«يو إس إيه توداي» أرشيفاتها على الإنترنت، بعد تأكيدها أنه «يستخدم في تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي».

مخاوف من استغلال عنصر المجانية

ووفق تحليل «نيمان لاب»، فإن «هذا التحرك ليس موجهاً ضد فكرة الأرشفة في حد ذاتها، بل جاء مدفوعاً بمخاوف متصاعدة من استغلال شركات التكنولوجيا للأرشيف المجاني في تدريب الذكاء الاصطناعي من دون دفع أي مقابل للمؤسسات الإعلامية التي أنتجت هذا المحتوى». ولفت التقرير إلى أن «حظر الأرشيف امتد لصحف أخرى في بريطانيا والبرازيل رغبة في حماية حقوق الملكية الفكرية».

الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام في جامعة بنغازي بليبيا، والباحثة في الإعلام الرقمي، قالت في لقاء مع «الشرق الأوسط» إن قرار حظر الأرشيف «حل مؤقت قد يحمي بعض الحقوق القانونية قصيرة المدى، لكنه يضعف الشفافية، ويقوض الذاكرة الرقمية، ويعزز احتكار البيانات لدى المنصات الكبرى». وأردفت أن «أرشيف الإنترنت لا يعد المصدر الوحيد لتدريب النماذج اللغوية للذكاء الاصطناعي؛ بل هو جزء من منظومة مغذّيات الذكاء الاصطناعي التي تشمل أيضاً البيانات التجارية، والمنصّات الاجتماعية، والأرشيف المفتوح، والبيانات المرخصة، والتفاعل البشري، والبيانات الاصطناعية».

وتابعت أن «هذا الصراع الظاهري يخفي جوانب أكثر أهمية، إذ إن جوهر الصراع يتركز حول ملكية البيانات والسيطرة على المعرفة الرقمية بهدف احتكار البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، إضافة إلى الحق القانوني المثير للجدل في الوصول إلى البيانات العامة». وأشارت الباحثة إلى أن «الحل يكمن في اعتماد المؤسسات على مبدأ الحوكمة المتوازنة للذاكرة الرقمية، التي تعنى بحماية المحتوى من دون تدمير البنية المعرفية للأرشفة والحق العام في الوصول للمعلومات». وأوضحت أن «هذا المبدأ ينبثق منه اتخاذ قرارات من أبرزها: الحذف الانتقائي بدل الحظر الشامل، والترخيص المنظم لاستخدام المحتوى، وإنشاء أرشيفات إعلامية مؤسسية مستقلة بدلاً من الاعتماد الكامل على الأرشفة الخارجية».

زيادة الاعتماد تطبيقات الذكاء الاصطناعي (صورة أرشيفية)

وأضافت إلى ما سبق ذكره، ومن ثم «تطبيق نموذج الوصول المتعدد للأرشيف، والتفرقة بين الإتاحة للعامة، والوصول الأكاديمي والصحافي، والوصول المدفوع، وكذا تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي عبر عقد اتفاقيات تتضمن عقود ترخيص وقواعد بيانات معلنة وشفافية بيانات تدريب النماذج وإقرار تعويضات مالية، حسبما يتناسب مع طبيعة كل مؤسسة وإنتاجها الإعلامي».

من ناحية أخرى، لفتت إلى أن «الحظر يُشكل ضرراً على الأكاديميين، حيث يفقدهم المادة الخام للبحث العلمي الخاصة بأي ظاهرة علمية ونشأتها... وأن البحث الأكاديمي يحتاج إلى مراجعة المصادر الأصلية، والتحقق من البيانات السابقة، واستنساخ الدراسات، وبالتالي، فإن حظر الأرشيف الرقمي لا يعني فقط ضياع مواد إعلامية أو وثائق تاريخية، بل يؤدي عملياً إلى تعطيل القدرة العلمية على فهم الظواهر في سياقها الزمني والتطوري خصوصاً في العلوم الاجتماعية والإنسانية، التي لا تدرس الظواهر بوصفها أحداثاً ثابتة، بل بوصفها عمليات ديناميكية تتشكل عبر الزمن».

واستطردت فقالت إن «الحظر يمحو الذاكرة الرقمية للعصر الحديث التي يعتمد عليها المؤرخون، ما يؤدي إلى خلق فراغات تاريخية رقمية، ويسهم في ظهور انقطاعات للسجل التاريخي مما ينتج تشوها في فهم الأحداث التاريخية، فضلاً عن تعزيز احتكار التاريخ من قبل المنصات، وهو ما يؤدى إلى تهديد كتابة التاريخ الرقمي».

الذاكرة الرقمية

على صعيد ثانٍ، بينما تسعى الصحف إلى حماية ملكيتها الفكرية من الاستغلال التجاري، فإن هذا التحرك يثير تساؤلات بشأن مصير «الذاكرة الرقمية»، وتأثير الحظر على الصحافيين والباحثين والمؤرخين الذين يعتمدون على هذا الأرشيف في عملهم وفي رصد التطورات حول العالم.

هنا، قال الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، إنه «في ظل التطور السريع للذكاء الاصطناعي، أصبح الجدل حول حماية المحتوى الصحافي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، وبالأخص بعد تصاعد الدعوات لحظر بعض أدوات الأرشفة الرقمية مثل أرشيف الإنترنت من استخدام المحتوى الصحافي لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي».

وأضاف عبد الله لـ«الشرق الأوسط» أنه «على الرغم من أهمية حماية حقوق الملكية الفكرية للمؤسسات الإعلامية، يبقى السؤال الجوهري: هل الحظر هو الحل الأمثل أم مجرد علاج مؤقت لمشكلة أكثر تعقيداً؟».

ومن ثم، أشار إلى أن «المؤسسات الصحافية تواجه تحدياً حقيقياً، فالذكاء الاصطناعي يعتمد على كميات هائلة من البيانات والمحتوى لتطوير نماذجه، والصحافة المهنية تُعد من أهم مصادر المعلومات الموثوقة». وشرح أن «استخدام هذا المحتوى من دون تنظيم أو تعويض عادل يهدد الاستدامة الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية، لا سيما في وقت تعاني فيه الصحافة التقليدية من تراجع الإيرادات وتغير أنماط الاستهلاك الرقمي. وبناءً عليه، فإن حظر الأرشيفات الرقمية بشكل كامل قد لا يكون حلاً جذرياً، بل قد يؤدي إلى إضعاف الوصول إلى المعرفة وتقييد البحث العلمي والتاريخي».

ولفت أيضاً إلى أن الفترة الأخيرة شهدت ازدياداً في النزاعات القانونية بين الصحف وشركات الذكاء الاصطناعي بشأن استخدام المحتوى في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، في حين وقّعت مؤسسات إعلامية اتفاقيات مع شركات التكنولوجيا تنظم استخدام البيانات والمحتوى. وقال إن «الحل الحقيقي يكمن في بناء إطار قانوني وأخلاقي متوازن يضمن حقوق المؤسسات الإعلامية دون الإضرار بحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات. وذلك عبر تطوير أنظمة ترخيص واضحة تسمح باستخدام المحتوى الصحافي مقابل تعويض عادل وشفاف، إضافة إلى فرض قواعد تُلزم شركات الذكاء الاصطناعي بالإفصاح عن مصادر البيانات المستخدمة في تدريب نماذجها».

واستطراداً، اقترح الأكاديمي المصري «إنشاء شراكات استراتيجية بين المؤسسات الإعلامية وشركات التكنولوجيا لتطوير نماذج تعاون تحقق المنفعة للطرفين بدلاً من الصراع المستمر... وذلك لأن فقدان ميزة الوصول إلى خدمات الأرشفة الرقمية قد يحمل آثاراً خطيرة على المدى الطويل، لا سيما أن تلك الأرشيفات الإلكترونية أصبحت بمثابة الذاكرة الرقمية للعالم الحديث، وأداة أساسية لتتبع الأحداث، والتحقق من التصريحات، وتحليل تطور القضايا السياسية والاجتماعية عبر الزمن».

ايضاً أوضح الدكتور عبد الله أن «الصحافي الاستقصائي يعتمد على الوصول إلى النسخ المؤرشفة للكشف عن التناقضات أو حذف المعلومات أو تغيير الروايات الرسمية، بينما يعتمد المؤرخون والباحثون على هذه المواد لبناء فهم دقيق للتاريخ المعاصر... وبالتالي، فإن تقييد الوصول إلى الأرشيف الرقمي قد يضعف الشفافية والمساءلة العامة، ويخلق فجوة معرفية خطيرة للأجيال المقبلة».

وفي خلاصته، إزاء الموضوع قال إن «التحدي الحقيقي ليس في منع التكنولوجيا، بل في تنظيمها بشكل يحمي الإبداع الصحافي، ويصون حق المجتمع في المعرفة في آن واحد... فالمستقبل لن يكون لمن ينجح في منع الذكاء الاصطناعي؛ بل في القدرة على تحقيق التوازن بين الابتكار وحقوق النشر وحرية الوصول للمعلومات».

تساؤلات بشأن مصير «الذاكرة الرقمية» وتأثير الحظر على الصحافيين والباحثين والمؤرخين