«صالون الشباب» في مصر... تجاوُز للتصنيفات الفنية التقليدية

131 عملاً انحازت لاختيار كل فنان موضوعه

من بهو قصر الفنون (الشرق الأوسط)
من بهو قصر الفنون (الشرق الأوسط)
TT

«صالون الشباب» في مصر... تجاوُز للتصنيفات الفنية التقليدية

من بهو قصر الفنون (الشرق الأوسط)
من بهو قصر الفنون (الشرق الأوسط)

جذبت الدورة 34 لـ«صالون الشباب» زوّار قصر الفنون بدار الأوبرا المصرية، لما تضمّنته من أعمال فنية متنوّعة، وصلت إلى 131 عملاً بعدد المشاركين في الصالون، وسط تنويعات بصرية وأعمال تفاعلية، وذلك في المعرض المستمر حتى 20 فبراير (شباط) الحالي.

تتنوّع الأعمال ما بين التصوير، والنحت، والخزف، والغرافيك، والفنون الرقمية، والتجهيز في الفراغ، خلال الحدث الأبرز المعني بتقديم إبداع شباب التشكيليين (حتى سنّ 35 عاماً)، وينظّمه سنوياً قطاع الفنون التشكيلية، التابع لوزارة الثقافة.

«من أجل فن ينمو ولا يعلم أنه فن على الإطلاق»، مقولة للفنان والفيلسوف السويدي - الأميركي كلايس أولدنبورغ، اقتبس منها الصالون شعاره «من أجل فن ينمو»، وفق قيِّمه الفني، الفنان المصري محمود حمدي، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «لم تُحدَّد ثيمة بعينها للمشاركة بالصالون هذا العام، بقدر ما كان الانحياز لاختيار كل فنان الموضوع الذي يشاء التعبير عنه، سواء كانت فكرة عامة أو شخصية».

جانب من العرض الفني بالصالون (الشرق الأوسط)

عن مرحلة اختيار الأعمال المُشاركة، التي وصلت إلى 131 عملاً، يضيف: «تَقدّم 329 فناناً للمُشاركة بالصالون، واستُبعِد أي عمل تحوم حوله شبهة تقليد، أو عُرض من قبل»، مشيراً إلى «فتح المجال لمشاركات فنانين من محافظات مختلفة، وقد تضمّنت لجنة التحكيم هذا العام خبرات متنوّعة ما بين أكاديميين وفنانين ممارسين».

في بهو قصر الفنون، تبرز لوحة «غرفة الفئران» الفائزة بجائزة الصالون في مجال التصوير، ومن خلالها يطرح الفنان إسلام سيف النصر رؤية فانتازية عن التنشئة باستخدام الخوف، حيث أظهرت طلاباً يرتدون الزي المدرسي بوجوه شبه مطمسة، ولغة جسد يغلب عليها الانصياع، مدفوعين نحو «غرفة الفئران» التي تُستخدم تهديداً بالعقاب، وتبدو في اللوحة وقد تضخمت، في مقابل أجساد الطلبة الهزيلة.

أنواع فنية متجاورة (الشرق الأوسط)

تلفت الأعمال الخزفية الأنظار خلال هذه الدورة، بخروجها عن التشكيلات النمطية، وبحثها عن آفاق تعبيرية جديدة، بما فيها تشكيلات الدمى، التي تستلهم عالم الطفولة والألعاب، وصولاً إلى مساحات دقيقة من التشكيل.

وفي هذا السياق، قدّمت الفنانة روزان أشرف عدوان، في مشروعها «وهناً على وهن»، عالماً بديلاً يتشكل من أشرطة الدواء المتناثرة والحقن الطبية، وغيرها من المفردات المرتبطة بالمرض، فيما يبدو انفعالاً فنياً بحالة الأمل عبر عشرات أقراص الدواء التي صنعتها من الخزف. ووفق محمود حمدي، فإنّ «قيمة الخزف ليست فقط في استخداماته الجمالية، بل أيضاً في القيم التعبيرية القائمة على المفهوم».

انفعال الفنان بالعلاقة بين العقل والجسد، تجلّى في أكثر من عمل فني استضافه الصالون، من بينها لوحة الفنانة أمنية محمد سيد التي صوّرت فيها العمود الفقري بحجم ضخم، كأنه جاثم فوق سطح جزيرة.

«غرفة الفئران» الفائزة بجائزة التصوير (الشرق الأوسط)

وصمّمت الفنانة فرح مصطفى خليل «مشروعاً تفاعلياً» يختزل غرفة مظلمة أطلقت عليها «بريستو»، نسبة لإناء الطهي شديد الإحكام، ووضعت لافتة على بابها تطلب من الزوار تخيّل ما يدور داخل عقل مريض «ثنائي القطب»، وأرفقت الغرفة بمصدر للإضاءة باللونين الأحمر والأزرق، بما يحملانه من تأثيرات انفعالية ونفسية، فضلاً عمّا يتضمّنانه من أبعاد جمالية.

واستثمرت أعمال التجهيز في الفراغ، وفنون «الفيديو آرت»، الخامات المُهملة في تقديم قيم جمالية غير متوقَّعة، مثل مشروع «غرناطة» لفنان الميديا مصطفى عامر، الذي اتّخذ من أعمدة بناء إسمنتية شاشة للعرض، وعبّر من خلال الحركة والفضاء الإسمنتي عن الحيرة والقلق اللذين ينتابان الإنسان المعاصر في عالم مُتهالك؛ ونال هذا المشروع جائزة الصالون في مجال «التجهيز في الفراغ».

«صالون الشباب» فعالية فنية سنوية (الشرق الأوسط)

بدوره، حصل الفنان أحمد شعبان أبو العلا على الجائزة التشجيعية في المجال عينه عن مشروعه «ماكينة الخياطة»، وفيه صمّم ما يشبه العالم الشخصي للماكينة، لتظهر كأنها حكاءة تروي سيرة منسيّة.

المشروع الفائز بجائزة «التجهيز في الفراغ» (الشرق الأوسط)

يشير القيّم الفني لـ«صالون الشباب» إلى ما تُعبّر عنه الأعمال من «التداخل بين الفنون، حيث لم يعد لفن التصوير شكل كلاسيكي جمالي فقط، ولم يعد النحت هو النحت المعتاد، ولا (الفيديو آرت) بالشكل التقليدي المتعارف عليه، بل بات يتداخل مع التجهيز في الفراغ بشكل كبير»، ويختم: «يبدو أننا سنحتاج إلى وقت حتى نتجاوز فكرة التصنيفات الفنية التقليدية».


مقالات ذات صلة

شمال افريقيا وزير الطيران المدني المصري خلال جولة تفقدية بمطار القاهرة الدولي الشهر الماضي (ميناء القاهرة الجوي)

تيسيراً على المسافرين... «بطاقات الجوازات الورقية» تغادر مطار القاهرة

تغادر «بطاقات الجوازات الورقية» مطار القاهرة الدولي بهدف «التيسير على المسافرين وتحقيق انسيابية أكبر في حركة الركاب».

وليد عبد الرحمن (القاهرة)
الاقتصاد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماعه مع رئيس الوزراء ووزيري البترول والكهرباء الأربعاء (الرئاسة)

مصر تحفز شركات التنقيب عن الطاقة بسداد المستحقات

تستهدف مصر تسوية متأخرات شركات البترول الأجنبية بالكامل والوصول إلى «صفر مديونيات» بحلول منتصف هذا العام، لتحفيز الاستثمارات الموجهة للتنقيب عن الطاقة.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)

المصريون يأملون في انحسار تداعيات الحرب الإيرانية مع بدء الهدنة

مع إعلان هدنة لأسبوعين في الحرب الإيرانية، يأمل المصريون في انتهاء تداعياتها على اقتصادهم والتخفيف من القرارات «الاستثنائية» التي اتخذتها الحكومة.

رحاب عليوة (القاهرة)
يوميات الشرق سيتم تمديد مواعيد عمل المحلات لمدة ساعتين (محافظة القاهرة)

المصريون يترقبون «فسحة الساعتين» في فتح المحال

يبدي مينا فريد (مهندس مصري) سعادته، لأنه سيتمكن من الالتقاء بأصدقائه على المقهى، مساء الأحد المقبل، الذي يصادف عيد القيامة للمسيحيين الشرقيين.

أحمد عدلي (القاهرة )

ملتقى ثقافي في الرياض يجمع المانحين والمبدعين

ويهدف الملتقى إلى خلق بيئة تكاملية تحفز نمو القطاع وتضمن توسيع أثره المجتمعي عبر بناء جسور التعاون (وزارة الثقافة)
ويهدف الملتقى إلى خلق بيئة تكاملية تحفز نمو القطاع وتضمن توسيع أثره المجتمعي عبر بناء جسور التعاون (وزارة الثقافة)
TT

ملتقى ثقافي في الرياض يجمع المانحين والمبدعين

ويهدف الملتقى إلى خلق بيئة تكاملية تحفز نمو القطاع وتضمن توسيع أثره المجتمعي عبر بناء جسور التعاون (وزارة الثقافة)
ويهدف الملتقى إلى خلق بيئة تكاملية تحفز نمو القطاع وتضمن توسيع أثره المجتمعي عبر بناء جسور التعاون (وزارة الثقافة)

تلتقي في العاصمة السعودية تشكيلة واسعة من المنظمات الثقافية غير الربحية، والجهات الحكومية، إضافة إلى نخبة من المانحين والداعمين من الأفراد والقطاع الخاص، والمهتمين بالشأن الثقافي، في ملتقى نوعي لتمكين القطاع الثقافي غير الربحي.

الملتقى الذي يُعقَد في الفترة من 15 إلى 16 أبريل (نيسان)، تحت رعاية الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، يمثل خطوة استراتيجية لتمكين المنظمات الثقافية الأهلية، وتعزيز دورها كشريك فاعل في التنمية الوطنية، تحت مظلة «رؤية المملكة 2030».

ويتناول الملتقى عدداً من المحاور الرئيسية، التي تشمل بناء القدرات المؤسسية، وتطوير نماذج الاستدامة، وتنويع مصادر التمويل، وتعزيز الشراكات، ورفع كفاءة الإنفاق، وقياس الأثر الثقافي والمجتمعي.

ويصل عدد المشاركين في هذا التجمع إلى أكثر من 1500 مشارك، ويلقي فيه 40 متحدثاً أطروحاتهم من خلال 10 جلسات حوارية ثرية، واستعراض نحو 30 تجربة ملهمة. ويهدف الملتقى إلى خلق بيئة تكاملية تحفز نمو القطاع، وتضمن توسيع أثره المجتمعي، عبر بناء جسور التعاون بين مختلف الأطراف المعنية.

يتضمن البرنامج المصاحب حزمة متنوعة من الفعاليات المعرفية والتطبيقية، تشمل جلسات حوارية وورش عمل متخصصة، إلى جانب لقاءات إرشادية تهدف إلى تسليط الضوء على أفضل الممارسات العالمية في إدارة الكيانات غير الربحية، بما يضمن جاهزيتها المؤسسية والمالية لمواكبة التحولات التي يشهدها المشهد الثقافي السعودي.

ويسعى الملتقى إلى رفع مستوى الجاهزية المؤسسية والمالية للمنظمات الثقافية غير الربحية، وتوطين أفضل الممارسات المحلية والدولية في مجالات الحوكمة والاستدامة وقياس الأثر، وتحفيز دعم القطاع الثقافي غير الربحي، وتعزيز التكامل بين الجهات المعنية، بما يسهم في دعم نمو القطاع وتوسيع أثره المجتمعي.

يقول عبد الرحمن السبيعي، مؤسس منصة «مكانة» الناشطة في قطاع المحتوى الثقافي، إن هذا الحدث يمثل فرصة جوهرية في تعزيز ودعم إدارة الفعل الثقافي في السعودية، ويضيف أن تنظيم ملتقى متخصص للقطاع الثقافي غير الربحي يعكس نضجاً كبيراً في الرؤية الاستراتيجية لوزارة الثقافة، وأن هذا النوع من اللقاءات يتجاوز فكرة توفير الدعم والتمويل الذي يتضاءل مع الوقت إلى صناعة تجربة ثقافية تتمتع باستدامة حقيقية، وأنه يمكّن المنظمات الثقافية من امتلاك الأدوات العلمية للحوكمة وقياس الأثر، ويحول الأعمال والأفكار من مجرد مبادرات تطوعية إلى مؤسسات فاعلة وقادرة على استقطاب الشراكات مع القطاع الخاص.

ويضيف السبيعي أن الثمرة الحقيقية ستتجاوز حدود الملتقى، حيث يساعد في التقريب بين الأداء الفردي أو الارتجالي والعمل المنظم: «عندما تحظى المبادرات والمنظمات غير الربحية بنماذج تشغيلية رصينة، فإنها تضمن تدفقاً ثقافياً مستداماً».

على امتداد الأعوام الماضية برز النمو المتسارع في تأسيس المنظمات الثقافية غير الربحية وأندية الهواة الثقافية (واس)

النمو والتوسع في القطاع الثقافي غير الربحي

على امتداد الأعوام الماضية، برز مساران في القطاع الثقافي غير الربحي في السعودية، وهما التنظيم، والنمو المتسارع في تأسيس المنظمات الثقافية غير الربحية وأندية الهواة الثقافية.

وحسب أحدث تقرير للحالة الثقافية السعودية، صدر في سبتمبر (أيلول) الماضي، فمنذ انطلاقة استراتيجية وزارة الثقافة للقطاع غير الربحي، وما زامنها من تنظيمات جديدة في القطاع غير الربحي، بدأت وتيرة النمو في تأسيس المنظمات الثقافية تتصاعد، في استجابة للمناخ الداعم الجديد.

ومع نهاية عام 2024، بلغ إجمالي عدد المنظمات الثقافية غير الربحية 140 منظمة، أي ما يعادل سبعة أضعاف عددها قبل عام 2020، وبشكل مماثل، تأسس 381 نادياً للهواة في عام 2024، وهو رقم يعادل تقريباً ضعف ما تأسس من أندية خلال ثلاث سنوات منذ تدشين منصة «هاوي» عام 2021م.

ويعكس هذا النمو تحوّل أندية الهواة من ظاهرة هامشية في المشهد الثقافي، إلى أحد المؤشرات الدالة على توسع نطاق المشاركة الثقافية، وعلى فاعلية التوجهات الداعمة لتفعيل حضور هذه الكيانات، التي لطالما كانت من ضمن الأقل تمثيلاً في القطاع الثقافي.

وقد اتسمت الأعوام الماضية كذلك بتوسع واعد في مجالات كل من المنظمات الثقافية غير الربحية وأندية الهواة؛ إذ شمل النمو في أندية الهواة الثقافية معظم القطاعات الثقافية، وبرز التوسع في مجالات لم تكن ممثلة في السابق، مثل الترجمة والمتاحف.

كما واصلت أندية الهواة النمو في مجالات أخرى، كالمكتبات والتراث والأدب، مع استمرار قطاعَي المسرح والفنون البصرية في الحفاظ على أعلى نسبة من أندية الهواة النشطة.

وفي المقابل، بدا أن التوسع في مجالات المنظمات غير الربحية أقل شمولاً، مع تركز اتجاهات النمو في مجالات محددة دون غيرها؛ إذ لا يزال قطاع التراث يستأثر بالحصة الكبرى من المنظمات النشطة، ويليه قطاع الأدب الذي برز خلال العامين الماضيين، من خلال تأسيس منظمات جديدة. فيما لوحظ ركود في قطاعات أخرى، مثل المتاحف والموسيقى والترجمة والأزياء؛ حيث لم تحظَ بتأسيس منظمات جديدة هذا العام، ما يشير إلى فجوة لا تزال قائمة، وتستدعي مزيداً من الدعم والتحفيز.

وخلف الأرقام التي ترصد نمو أعداد المنظمات الثقافية غير الربحية، تكمن ملامح أكثر بروزاً تدلل على حيوية هذا القطاع، من خلال النشاط النوعي الذي تقدمه الجمعيات والمؤسسات الأهلية الرائدة. فبينما قد تبدو بعض القطاعات أقل حضوراً من حيث عدد المنظمات، فإن النشاط المقدم فيها يتجاوز المؤشرات الكمية، ويترك أثراً ملموساً في المشهد الثقافي. ففي قطاع الأفلام مثلاً يبرز دور مؤسسة البحر الأحمر السينمائي وجمعية السينما في قيادة القطاع؛ سواء من خلال المهرجانات السينمائية الكبرى، أو إقامة البرامج التدريبية المتخصصة، ودعم الإنتاج، وخلق فرص للتمثيل المحلي والدولي. وفي قطاع الفنون البصرية، تظهر نماذج مماثلة تقودها مؤسسة بينالي الدرعية ومعهد مسك للفنون؛ حيث يسهم كلاهما في إقامة أبرز المعارض الفنية في السعودية، إضافة إلى جهود الدعم والتدريب، كما تحتفظ الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بدورها العريق في احتضان وصقل المواهب في المسرح والفنون الأدائية، لا سيما مع قدرة الجمعية من خلال فروعها الستة عشر على الوصول إلى رقعة واسعة من مدن ومحافظات السعودية.


جمال يُكلّف اليابانيين كثيراً... أزهار الكرز تتحوَّل «كابوساً»

الجمال حين يفيض يضيق المكان (أ.ب)
الجمال حين يفيض يضيق المكان (أ.ب)
TT

جمال يُكلّف اليابانيين كثيراً... أزهار الكرز تتحوَّل «كابوساً»

الجمال حين يفيض يضيق المكان (أ.ب)
الجمال حين يفيض يضيق المكان (أ.ب)

بدأت «المشكلة بصورة ساحرة»، وسرعان ما امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بصور خلّابة لجبل فوجي الياباني، بينما تكتسي قمته بالثلوج. وظهر الجبل وهو يطلّ على معبد أحمر، مع تفتُّح أزهار الكرز التي لا تستمر طويلاً، وتُعدّ بشارة بمجيء الربيع.

ما يبدو حلماً... قد يثقل الواقع (أ.ب)

وسرعان ما توافد السياح الراغبون في التقاط صور مماثلة إلى هذه البلدة الهادئة الواقعة عند سفح الجبل. ولم يمرّ وقت طويل قبل أن تتصاعد الشكاوى: ازدحام مروري خانق، وأكوام من القمامة، وسياح أجانب غير مهذّبين يطرقون أبواب المنازل الخاصة طلباً لاستخدام المراحيض، وآخرون يقضون حاجتهم في الحدائق الأمامية للمنازل.

ما يجذب العالم... قد يرهق أهله (أ.ب)

ووصل الأمر إلى حدّ أن المسؤولين في مدينة فوجيوشيدا أعلنوا في فبراير (شباط) الماضي إلغاء «مهرجان أزهار الكرز» السنوي لهذا العام، الذي بدأ وسيلةً للترويج للسياحة قبل عقد.

وكشف ما يُسميه السكانُ المحلّيون «التلوّثَّ السياحي» عن مشكلة أوسع تواجه اليابان؛ فمع تفاقم الركود الاقتصادي في البلاد، يتوق المسؤولون إلى الانتعاش الاقتصادي الناتج عن زيادة السياحة، في حين تجد المجتمعات المحلّية نفسها غير مُستعدّة تماماً لما يعنيه هذا التدفُّق الهائل من الزوار الأجانب إليها.

اليوم؛ أصبح 10 آلاف سائح يومياً «مصدرَ تهديد لحياة السكان اليومية». وفي هذا الإطار، صرَّح مدير إدارة الاقتصاد والبيئة في مدينة فوجيوشيدا، ماساتوشي هادا، لوكالة «أسوشييتد برس»: «هذه المنطقة في الأساس حيّ سكني عادي، وبات من الصعب تحقيق التوازن بين السياحة وسلامة البيئة المعيشية للسكان. لذلك قرّرنا عدم الترويج لمهرجان من شأنه أن يجذب مزيداً من الزوار».

يكثُر العابرون فيقلّ الهدوء (أ.ب)

حتى من دون المهرجان، فقد اكتظَّت المنطقة بالسياح الأجانب في يوم مشمس من أوائل أبريل (نيسان)، عندما بلغت أزهار الكرز ذروة تفتُّحها. وامتلأت الشوارع الضيّقة المؤدّية إلى متنزه «أراكوراياما سينغين» الشهير، حيث اصطفَّ الزوار لالتقاط صور للمناظر البانورامية ذات الشهرة العالمية.

يُذكر أنه في السنوات الأخيرة، تجاوز عدد السياح الأجانب 10 آلاف سائح يومياً في المنطقة؛ ممّا «يهدّد حياة السكان اليومية»، وفق بيان صادر عن مدينة فوجيوشيدا في فبراير الماضي.

ليس كلّ جمال نعمة... بعضه اختبار (أ.ب)

وقد لوحظت ظاهرة «السياحة المُفرطة» كذلك في وجهات سياحية شهيرة أخرى باليابان، مثل كيوتو وكاماكورا. في كيوتو، يشكو السكان المحلّيون من السياح الذين يحملون حقائب كبيرة ويتسبَّبون في ازدحام حافلات المدينة.

ويزداد استخدام مصطلح «التلوّث السياحي» في وقت تواجه فيه اليابان ازدياداً سريعاً في أعداد العمال الأجانب الوافدين، مع انخفاض عدد السكان وشيخوختهم. وقد أدَّى هذا الوضع إلى تنامي كراهية الأجانب، واقترحت حكومة رئيسة الوزراء، ساناي تاكايتشي، قوانين أشدَّ صرامة تجاه الأجانب.

وفي الوقت الذي تَعِدُ فيه الحكومة بمعالجة المخاوف المرتبطة بـ«السياحة المفرطة»، فإنها تسعى إلى رفع عدد السياح الوافدين من 40 مليوناً في الوقت الراهن إلى 60 مليوناً بحلول عام 2030.


الفضول أم الجوع؟ الراكون يختار رغم غياب المكافأة

الفضول رغبة لا تُشبَع (شاترستوك)
الفضول رغبة لا تُشبَع (شاترستوك)
TT

الفضول أم الجوع؟ الراكون يختار رغم غياب المكافأة

الفضول رغبة لا تُشبَع (شاترستوك)
الفضول رغبة لا تُشبَع (شاترستوك)

تشتهر حيوانات الراكون بفضولها الشديد، وأظهرت دراسة حديثة قدرتها على حلّ الألغاز حتى من دون توقُّع أي مكافأة في النهاية، ممّا قد يُسهم في فَهْم سلوكها داخل المدن بشكل أفضل.

وذكرت «الإندبندنت» أنه قد ساد اعتقاد سابق بأنها حيوانات انتهازية تبحث عن الطعام؛ فهي قادرة على الوصول إلى حاويات القمامة وصناديق السماد، حتى تلك المزوَّدة بأقفال مُحكمة نسبياً.

وإنما دراسة جديدة تشير إلى أنّ حيوانات الراكون ربما تتحرَّك بالفعل بدافع الفضول، وليس الجوع فحسب، في أثناء بحثها عن الطعام. وخلص باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية إلى أنها تستمرّ في حلّ الألغاز مدةً طويلة، حتى بعد حصولها على المكافأة الغذائية الوحيدة المتاحة. وتُسلط هذه النتيجة الضوء على وجود دافع داخلي أعمق من الجوع يُحرّك سلوكها.

وفي إطار الدراسة، صمَّم العلماء صندوق ألغاز متعدّد الفتحات بـ9 مداخل، مُصنَّفة لجهة الصعوبة إلى سهلة ومتوسّطة وصعبة. واحتوى الصندوق على قطعة واحدة من حلوى المارشميلو، محاطة بأدوات مثل الأقفال والأبواب المنزلقة والمقابض.

في كلّ تجربة مدتها 20 دقيقة، استمرَّت حيوانات الراكون في فتح آليات جديدة بعد تناولها قطعة المارشميلو، ممّا يُعدّ مؤشراً واضحاً على سعيها وراء المعلومات بدافع الفضول.

في هذا الصدد، شرحت عضو الفريق البحثي القائم على الدراسة المنشورة في دورية علمية متخصّصة، هانا غريبلينغ: «لم نتوقَّع أن تفتح جميع الحلول الثلاثة في تجربة واحدة. لقد استمر الراكون في حلّ المشكلات، حتى عندما لم يتبقَّ مارشميلو في النهاية».

وحتى عندما حلَّت الألغاز بسهولة، بدت حيوانات الراكون وكأنها تستكشف الصندوق على نطاق واسع، مُجرِّبة فتحات متعدّدة ومُغيِّرة ترتيبها.

وعندما ازدادت صعوبة المهمّة، بدت وكأنها تُفضّل حلاً مضموناً، لكنها مع ذلك استكشفت مسارات متعدّدة.

ويشير هذا إلى أنّ حيوانات الراكون قد تعدّل استراتيجية استكشافها وفق تقديرها للتكلفة والمخاطر المتصوَّرة، محاكية بذلك أطر اتخاذ القرار لدى حيوانات أخرى والبشر.

وأضافت: «إنه نمط مألوف لأي شخص يطلب الطعام في مطعم... هل تطلب طبقك المفضّل أم تُجرّب شيئاً جديداً؟ إذا كانت المخاطرة عالية -وجبة باهظة الثمن قد لا تعجبك- فإنك تميل حينها نحو الخيار الآمن».

وأوضحت غريبلينغ: «تستكشف حيوانات الراكون عندما يكون الثمن منخفضاً، بينما سرعان ما تقرّر توخّي الحذر عندما تكون المُخاطرة أكبر».

ومن خلال حلّ المشكلات للحصول على المعلومات، وليس الطعام فقط، تتمتّع حيوانات الراكون بميزة في البيئات المعقّدة، ممّا يساعدها على الوصول إلى صناديق القمامة أو مصادر الغذاء الأخرى.

ويرى الباحثون أنّ هذا قد يكون سبب ازدهار حيوانات الراكون في المدن. كما أنّ أقدامها الأمامية غنية بالأعصاب الحسّية، ممّا يساعدها في البحث عن الطعام في أثناء تعاملها مع الأقفال والمقابض.

هنا، أكَّدت غريبلينغ أنّ «فَهْم السمات المعرفية التي تساعد حيوانات الراكون على الازدهار يمكن أن يوجّه إدارة الأنواع التي تواجه صعوبات، ويُسهم في وضع استراتيجيات لأنواع أخرى، مثل الدببة، التي تستخدم حلّ المشكلات للوصول إلى الموارد التي صنعها الإنسان».

من جهتها، قالت مشاركة أخرى في الدراسة، سارة بنسون أمرام: «لطالما كان ذكاء حيوان الراكون حاضراً في الفولكلور، ومع ذلك لا يزال البحث العلمي حول إدراكه محدوداً. وتُقدّم دراسات مثل هذه أدلّة تجريبية تدعم هذه السمعة».