يمتلك المدير الفني الألماني يورغن كلوب حسا مسرحيا كبيرا، وهو الأمر الذي يمكنك أن تدركه على الفور من الطريقة التي كان يقف بها في بداية مقطع الفيديو الذي أعلن فيه عن رحيله عن ليفربول بنهاية الموسم الحالي، ومن الطريقة التي يتقطع ويتكسر بها صوته، والطريقة التي يحدق بها مباشرة أسفل الكاميرا، بحيث لا يمكنك النظر بعيداً عنه، ناهيك عن توقيت الإعلان عن رحيله، والشعور بالصدمة الذي سيلازم الجميع خلال الأشهر الأربعة الأخيرة من هذا الموسم. بالنسبة لكلوب، كان العمل الجاد والشعور بالمتعة في كرة القدم مرتبطين دائماً ببعضهما بعضا، ودائما ما كان أحدهما في خدمة الآخر.
هذه هي الموهبة، وهذه هي القناعات، التي تُمكن المدير الفني الألماني من السيطرة على غرفة خلع الملابس أو التدريبات أو المباريات. ورغم أن كلوب يعمل في بلد أجنبي ولا يتحدث بلغته الأم، فإنه أقام علاقات قوية ودائمة في رياضة دائما ما تتسم بالتوتر والقسوة. لقد غيّر الطريقة التي يفكر بها الناس في واحدة من أكثر مدن إنجلترا قسوة. وحتى يومنا هذا، يصف كريستيان بنتيكي - المهاجم الذي لم يلعب كثيرا تحت قيادة كلوب والذي تم بيعه لكريستال بالاس في أول فرصة - كلوب بأنه «أفضل مدير فني عملت معه على الإطلاق». هذه أيضاً موهبة، وتخبرك أيضاً بكل ما تحتاج لمعرفته عن يورغن كلوب.
لقد تولى كلوب قيادة ليفربول وهو في حالة سيئة وقاده للحصول على كل البطولات والألقاب الممكنة وجعله أحد أندية القمة مرة أخرى. عندما تولى كلوب القيادة الفنية للريدز في عام 2015، كان متوسط الحضور الجماهيري على ملعب أنفيلد هو نفس متوسط الحضور الجماهيري لمباريات سندرلاند تقريباً. لقد تولى قيادة فريق يضم لاعبين مثل ستيفن كولكر، وجو ألين، ولازار ماركوفيتش، وأعاد بناءه، وفاز بدوري أبطال أوروبا في غضون أربع سنوات، ثم أعاد بناءه مرة أخرى. وقاد ليفربول للحصول على لقب الدوري بعد غياب دام 30 عاما اعتقد خلالها الجمهور أن النادي لن يتمكن من الحصول على البطولة مرة أخرى. ورغم كل هذا، فهذه ليست هي الطريقة التي سيتذكر بها الجميع كلوب.
لقد كان كلوب هو المدير الفني الذي نقل الطريقة التي كان يطبقها مع بوروسيا دورتموند، والتي تعتمد على الضغط العالي والمتواصل على المنافس، إلى الدوري الإنجليزي الممتاز، ثم طورها لتناسب كرة القدم الحديثة سريعة التطور. وتطور الفريق تحت قيادة كلوب بمرور الوقت ليصبح أكثر تحكماً في وتيرة ورتم المباريات، وأكثر استحواذا على الكرة، وأكثر تعقيداً، وأقل فوضوية، وأقل اعتماداً على الهجمات المرتدة السريعة. لقد تعلم بعض الأشياء القليلة من جوسيب غوارديولا، وفي المقابل تعلم منه غوارديولا بعض الأشياء القليلة أيضا. وبفضل المنافسة الشرسة بينهما على مدار ثماني سنوات، رأينا كرة قدم مثيرة وممتعة، وبعضاً من أفضل مباريات كرة القدم في تاريخ الملاعب الإنجليزية. لكن هذه ليست الطريقة التي سيتم بها تذكر كلوب أيضاً!

لقد كان كلوب هو المدير الفني الذي حول المواهب الصغيرة أو الخام أو التي لم تثبت نفسها إلى لاعبين من الطراز العالمي أصبحوا محط أنظار العالم، من خلال مزيج من العمل الرائع من جانب كشافة اللاعبين، والتدريب الرائع، ومهارات التعامل مع الآخرين. صحيح أن أليسون بيكر وفيرجيل فان دايك ومحمد صلاح وترينت ألكسندر أرنولد وساديو ماني وأندرو روبرتسون كانوا كلهم لاعبين جيدين أو جيدين جدا، لكن كلوب حولهم إلى لاعبين عظماء تحت قيادته. لقد كان يؤمن بشدة بضرورة إعطاء الفرصة للاعبين الشباب، ليس وسيلة لزيادة قيمتهم المالية وتحقيق أرباح من خلال بيعهم بعد ذلك، ولكن لأنه يؤمن بأن هذه هي الطريقة الأكثر فعالية لخلق أبطال للمستقبل.
ورغم كل ذلك، فإن هذه ليست هي الطريقة التي سيتم بها تذكر كلوب أيضاً، لأنه في العالم الحقيقي، حيث يعيش أناس حقيقيون، فإن هذه ليست هي الطريقة التي نتذكر بها كرة القدم. فكل ما سيبقى حقا من تلك السنوات من العمل الجاد هو تلك اللحظات الإنسانية الرائعة التي عاشها الجمهور بفضل ما حققه كلوب ولاعبوه: السخرية الكبيرة بعد التعادل مع وست بروميتش ألبيون بهدفين لكل فريق، والنظارات المكسورة ضد نوريتش سيتي، والمرح الصاخب بعد الفوز في كييف، والطريقة التي احتفل بها الجمهور على ملعب «أنفيلد» في الليلة التي فاز فيها ليفربول على برشلونة بأربعة أهداف دون رد، أو في الليلة التي سحق فيها مانشستر يونايتد بسباعية نظيفة.
لقد كان كلوب يدرك تماما أنه لا يمكنه أن يجعل الناس يشعرون بالرضا والسعادة ما لم يكن هو شخصا جيدا ويقوم بأفعال الخير، لذلك كان يساهم بشكل كبير في المؤسسة الخيرية للنادي، وكان يقتطع جزءا كبيرا من وقته لمقابلة المشجعين المعاقين أو المسنين، وكان يفعل كل شيء بصدق وحب. لقد كتب رسالة إلى مشجعي ليفربول في مارس (آذار) 2020، بينما كانت البلاد تستعد لفترة الإغلاق بسبب تفشي فيروس كورونا، قال فيها: «يتعين علينا جميعاً أن نفعل كل ما في وسعنا لحماية بعضنا بعضا، وأعني بذلك المجتمع ككل. ينبغي أن يكون هذا هو الحال طوال الوقت في الحياة، لكن في هذه اللحظة أعتقد أن الأمر أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى. من فضلكم ساعدوا بعضكم بعضا».
لم يكن كلوب أبداً اشتراكياً على طريقة شانكلي، كما كان يزعم معظم مشجعيه المتحمسين، وما يتعين عليك إلا أن تنظر إلى آرائه فيما يتعلق ببعض الأمور التجارية حتى تفهم ذلك. كما أنه لم يسع قط إلى تصوير نفسه رمزا للفضيلة. في الواقع، جاءت بعض اللحظات غير الجذابة بالنسبة لكلوب عندما انغمس في الشفقة على الذات، وهاجم بشكل لاذع بعض الأمور الحقيقية أو حتى المتخيلة، واشتكى بمرارة من إقامة المباريات في الساعة 12.30 ظهراً في عالم يكافح فيه الناس من أجل تدفئة منازلهم! لكن كلوب أثبت أنه يمكن التغلب على الثروات الهائلة للمنافسين من خلال العمل الجماعي والروح العالية. وكما كان الحال مع أرسين فينغر من قبله، كان من الصعب في كثير من الأحيان تحليل معارضته لاستثمارات الدول في الأندية أو إقامة عدد كبير من المباريات لتحقيق مصالح شخصية، لكن بصفة عامة كان كلوب يخوض المعارك الصحيحة في أغلب الأحيان.

لذا، فإلى جانب كل الاحتفالات المبررة بمسيرته المهنية الرائعة مع ليفربول، فلا بد أن يكون هناك أيضا شعور بالحزن بسبب رحيل هذا المدير الفني الرائع على المستويين الفني والإنساني. لكن هل حقق كلوب بالفعل ما جاء من أجله؟ لقد حصل على لقب واحد فقط للدوري الإنجليزي الممتاز، وجاء ذلك في ظروف غير طبيعية بسبب تفشي فيروس كورونا. وفاز بلقب لدوري أبطال أوروبا، وكانت المباراة النهائية دون المستوى وحقق الفوز فيها بفضل ركلة جزاء مشكوك في صحتها. وفاز بلقب كأس الاتحاد الإنجليزي ولقب آخر لكأس رابطة الأندية الإنجليزية المحترفة، وفاز في المباراة النهائية للبطولتين بركلات الترجيح بعد نهاية الوقت الأصلي بالتعادل السلبي أمام تشيلسي. وفي الوقت نفسه، فإن المشهد الأوسع لكرة القدم الذي سعى ليفربول بحماس لتعطيله لا يزال قائماً إلى حد كبير، حيث فاز مانشستر سيتي بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز خمس مرات في آخر ست سنوات، ولا يزال بإمكان تشيلسي التفوق على ليفربول من خلال التعاقد مع أفضل اللاعبين الشباب.
ولهذا السبب، فإن الأشهر الأربعة المقبلة، والطريقة التي سيتحرك بها ليفربول خلالها، ستكون مهمة للغاية. ستكون هناك أشهر من التشتيت والمعلومات المغلوطة، حيث سيتم الحديث كثيرا عن الخطوة التالية لكلوب وليفربول. وستكون هناك أجواء غريبة وفعاليات مختلفة لوداع كلوب. لكن في نفس الوقت فإن ليفربول يتصدر حاليا جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز بفارق خمس نقاط عن مانشستر سيتي، الذي استعاد عافيته في المباريات الأخيرة. فهل سينجح كلوب في الظفر باللقب ليودع جماهير «الريدز» بأفضل طريقة ممكنة ويكتب نهاية سعيدة لمشواره الاستثنائي مع ليفربول؟
* خدمة «الغارديان»
