الذكاء الاصطناعي يشكل تهديداً وشيكاً للنساء في المجتمعات المحافظة

توليد صور فضائحية مزيفة للفتيات والسيدات يثير القلق

الذكاء الاصطناعي يشكل تهديداً وشيكاً للنساء في المجتمعات المحافظة
TT

الذكاء الاصطناعي يشكل تهديداً وشيكاً للنساء في المجتمعات المحافظة

الذكاء الاصطناعي يشكل تهديداً وشيكاً للنساء في المجتمعات المحافظة

في العصر الرقمي، حيث تعمل التطورات التكنولوجية على إعادة تشكيل واقعنا بسرعة، يمثل ظهور الصور الفاضحة التي يولدها الذكاء الاصطناعي تحدياً جديداً ومثيراً للقلق، وخاصة في مناطق مثل الهند وباكستان. وتواجه هذه البلدان، حيث حقوق المرأة في حالة محفوفة بالمخاطر بالفعل، أزمة محتملة مع تزايد قدرة الذكاء الاصطناعي على إنشاء محتوى واقعي بشكل مقنع، مما يؤدي إلى آثار ضارة.

توليد صور فاضحة مزيفة للمغنية تايلور سويفت أثار جدلاً قوياً حول الأطر القانونية لعمل الذكاء الاصطناعي

صور مزيفة لنساء شهيرات

وتوضح الحوادث الأخيرة، مثل الانتشار المذهل لصور ملفقة لنساء شهيرات مثل تايلور سويفت ونجوم بوليوود راشميكا ماندانا، وكاترينا كايف، وكاجول، وسارة تيندولكار، مدى خطورة هذا التهديد الناشئ.

وقد يؤدي هذا الاتجاه إلى تفاقم التحديات المجتمعية القائمة التي تواجهها النساء بشكل كبير، مما يؤثر على عملهن وتعليمهن وصحتهن العقلية وسلامتهن الشخصية.

إن الديناميكيات الثقافية والاجتماعية في الهند وباكستان، المتجذرة بعمق في التقاليد التي تعطي قيمة هائلة للشرف والسمعة، تجعل هذه المجتمعات معرضة بشكل خاص للتأثيرات الضارة الناجمة عن المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي. كما أن احتمال استخدام هذه التكنولوجيا بشكل ضار لتشويه سمعة المرأة يشكل تهديداً فريداً وحديثاً لكرامتها ومكانتها.

وفي هذه المجتمعات الأبوية، تتنقل النساء بالفعل عبر شبكة معقدة من التوقعات والقيود الاجتماعية. ويضيف الخوف وإمكانية استهدافهن بمحتوى فاضح ينتجه الذكاء الاصطناعي طبقةً جديدةً من الضعف، مما قد يزيد من تقليص مشاركة المرأة في الحياة العامة والمهنية.

التزييف وإثناء النساء عن العمل

وفي الهند، يشكل تراجع مشاركة المرأة في القوى العاملة اتجاهاً مثيراً للقلق. إذ تضاءلت مشاركة المرأة في القوى العاملة إلى نحو 25 في المائة في عام 2022، بعد أن وصلت ذروتها ومن ذروة بنسبة 35 في المائة في عام 2004. وفي باكستان، يبدو الوضع أسوأ، حيث بلغت مشاركة المرأة في القوى العاملة 20 في المائة فقط. ولا تعكس هذه الأرقام التحيزات عميقة الجذور بين الجنسين والحواجز الاجتماعية والاقتصادية فحسب، بل تسلط الضوء أيضاً على التحديات الكبيرة التي تواجهها المرأة في تحقيق الاستقلال الاقتصادي والنمو المهني.

* المحتوى المزيف يؤثر على عمل النساء وتعليمهن وصحتهن العقلية وسلامتهن الشخصية *

ومن الممكن أن يؤدي ظهور المحتوى الصريح الناتج عن الذكاء الاصطناعي إلى إثناء النساء عن البحث عن عمل أو التعليم بسبب ارتفاع خطر الإضرار بالسمعة، وبالتالي تفاقم الفجوة القائمة بين الجنسين في المشاركة الاقتصادية.

آثار التزييف على الصحة العقلية

إن الآثار المترتبة على الصحة العقلية الناجمة عن سوء استخدام الذكاء الاصطناعي كبيرة، ولا يمكن التغاضي عنها. في الهند، تعد النساء بالفعل أكثر عرضة لمشكلات الصحة العقلية، حيث تنتشر أعراض الاكتئاب والقلق بين النساء بنسبة 2-3 مرات أكثر من الرجال. وينعكس هذا الوضع في باكستان، حيث العبء على الصحة العقلية بين النساء أعلى بشكل ملحوظ. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، تواجه باكستان نقصاً حاداً في موارد الصحة العقلية، وهو ما يتضح من الإحصائيات المذهلة التي تشير إلى أن لديها 0.19 طبيب نفسي فقط لكل 100 ألف نسمة.

يمكن أن تؤدي الصدمة والتوتر الناجم عن الانتشار المحتمل للمحتوى الصريح الناتج عن الذكاء الاصطناعي إلى تفاقم مشكلات الصحة العقلية هذه، مما يؤدي إلى زيادة حالات الضيق النفسي بين الفئة السكانية الضعيفة بالفعل. ويشكل خطر تزايد العنف، بما في ذلك جرائم الشرف، فيما يتعلق بالنشر المحتمل للصور التي ينشئها الذكاء الاصطناعي، مصدر قلق كبير في هذه المجتمعات.

جرائم ضد المرأة

وقد أبلغ المكتب الوطني لسجلات الجرائم في الهند عن أكثر من 445256 حالة جرائم ضد المرأة في عام 2022، أي ما يعادل تقديم ما يقرب من 51 تقريراً أولياً في المتوسط كل ساعة. وفي باكستان، يبدو الوضع مثيراً للقلق بالقدر نفسه، حيث تم الإبلاغ عن أكثر من 63367 جريمة على أساس الجنس في العام نفسه.

ويشمل ذلك حوادث مروعة لجرائم الشرف، حيث وقعت 1025 امرأة ضحية لهذه الجريمة. ويضيف سوء استخدام الذكاء الاصطناعي في إنشاء ونشر صور فاضحة، بعداً محفوفاً بالمخاطر للتهديدات القائمة التي تواجهها النساء في هذه المجتمعات، حيث تخضع السمعة والشرف لحراسة مشددة ومحمية بشدة.

إن الضرر المحتمل الذي قد يلحق بالسمعة من الصور التي ينشئها الذكاء الاصطناعي، حتى لو ثبت لاحقاً أنها كاذبة، يمكن أن تكون له آثار خطيرة وطويلة الأمد على حياة المرأة. وفي المجتمعات حيث الشرف متجذر بعمق في النسيج الاجتماعي، فإن الانتشار السريع لمثل هذا المحتوى يمكن أن يسبب ضرراً لا يمكن إصلاحه لمكانة المرأة الاجتماعية وحياتها الشخصية. إن التحدي المتمثل في استعادة سمعة المرء وشرفه في أعقاب مثل هذه الحوادث أمر هائل، خاصة في ضوء الانتشار السريع للمعلومات المضللة مقارنة بالنشر البطيء للتراجعات أو التوضيحات.

أطر قانونية ضعيفة

وتزداد معالجة التحديات التي يفرضها المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي في الهند وباكستان تعقيداً بسبب الأطر القانونية غير الكافية والحواجز المجتمعية.

وتكافح قوانين مثل قانون تكنولوجيا المعلومات الهندي وقانون منع الجرائم الإلكترونية الباكستاني من أجل مواكبة التقدم السريع في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. علاوة على ذلك، فإن الوصمة المجتمعية المرتبطة بضحايا الاعتداء الرقمي غالباً ما تثبطهم عن السعي للحصول على أي وسيلة قانونية متاحة لهم.

وفي باكستان، 72 في المائة من النساء لا يعرفن كيفية الإبلاغ عن العنف عبر الإنترنت، و45 في المائة يعتقدن أنه من المحرج الإبلاغ عن التحرش ويفترضن أن الدولة لن تكون قادرة على حماية حقوقهن. وفي الهند، تعكس الزيادة في الشكاوى المجهولة بشأن الجرائم الإلكترونية ضد النساء والأطفال في الهند - من 17460 في عام 2020 إلى 56102 في عام 2022 - الصعوبات التي تواجهها النساء في السعي إلى العدالة والحاجة إلى هياكل قانونية واجتماعية أكثر دعماً.

الذكاء الاصطناعي وتمكين المرأة

على الرغم من التحديات الكبيرة التي يفرضها سوء الاستخدام المحتمل للمحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي، فمن المهم أن ندرك أن التكنولوجيا في حد ذاتها ليست ضارة بطبيعتها.

يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتمكين المرأة، وتزويدها بقدرة أفضل على الوصول إلى المعلومات والخدمات وسبل جديدة للتعليم والمشاركة الاقتصادية. ومن الممكن أن يلعب تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تراعي الفوارق بين الجنسين وإنشاء مساحات أكثر أماناً على الإنترنت دوراً حاسماً في حماية حقوق المرأة وكرامتها.

تتطلب مكافحة المخاطر المرتبطة بالمحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي بشكل فعال استراتيجية شاملة ومتعددة الأوجه. ويعد تحديث الأطر القانونية، وتعزيز التدريب على إنفاذ القانون، وزيادة الوعي العام خطوات أساسية في هذا الاتجاه.

يجب أن تتطور أنظمة إنفاذ القانون التقليدية لتوفير الدعم الفعال للنساء اللاتي يواجهن التهديدات الرقمية، وضمان الوصول إلى العدالة والموارد اللازمة للتعافي.

في الختام، بينما نتعامل مع تعقيدات العصر الرقمي، من الضروري أن تتماشى التطورات في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي مع قيم الإنصاف والعدالة.

إن قدرة الذكاء الاصطناعي على تعميق الفجوة بين الجنسين في الهند وباكستان هي تذكير صارخ بالحاجة إلى اليقظة واتخاذ التدابير الاستباقية. إن ضمان ألا يأتي التقدم التكنولوجي على حساب حقوق المرأة وسلامتها مسؤولية جماعية. وبينما نواصل استكشاف الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي، دعونا نلتزم باستخدام هذه الأداة القوية لتعزيز عالم أكثر إنصافاً وأماناً لجميع النساء.

* «ذا دبلومات»، خدمات «تريبيون ميديا».

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

تقرير: مسؤول أميركي يحقق أرباحاً من بيع أسهم في شركة «إكس إيه آي» بعد توقيع البنتاغون اتفاقاً معها

الولايات المتحدة​ صورة لـ«البنتاغون» من الجو في واشنطن (رويترز)

تقرير: مسؤول أميركي يحقق أرباحاً من بيع أسهم في شركة «إكس إيه آي» بعد توقيع البنتاغون اتفاقاً معها

حقق مسؤول في وزارة الحرب الأميركية، يُشرف على جهود الوزارة في مجال الذكاء الاصطناعي، ربحاً يصل إلى 24 مليون دولار من أسهم كان يملكها في شركة «إكس إيه آي».

العالم رسم متحرك تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي من قبل استوديو موالٍ لإيران، يصور رجلاً إيرانياً يشوي أربع طائرات أميركية مثل الكباب... يظهر الرسم على شاشة كمبيوتر في بروكسل - 8 أبريل 2026 (أ.ب) p-circle

مجموعات موالية لإيران تستخدم الذكاء الاصطناعي لمحاولة التحكم بسردية الحرب

استخدمت مجموعات موالية لإيران تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنشاء «ميمز» (صور ساخرة) رقمية متقنة باللغة الإنجليزية، في محاولة لتشكيل السردية خلال الحرب ضد أميركا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا تعاني مراكز البيانات من هدر في الأداء بسبب تفاوت غير مرئي بين وحدات التخزين (شاترستوك)

نظام برمجي يعزّز كفاءة مراكز البيانات دون الحاجة لأجهزة جديدة

جامعة «MIT» تطور نظاماً يحسن كفاءة وحدات التخزين بمراكز البيانات عبر موازنة الأحمال وتقليل التفاوت دون الحاجة لأجهزة جديدة.

نسيم رمضان (لندن)
صحتك فشل القلب يُعدّ من الحالات الصحية الخطيرة التي تؤثر على أكثر من 60 مليون شخص حول العالم (بيكسلز)

قبل 5 سنوات من حدوثه... أداة ذكاء اصطناعي تتنبأ بخطر فشل القلب

توصّل علماء من جامعة أكسفورد في بريطانيا إلى أداة ذكاء اصطناعي بسيطة يمكنها الكشف عن خطر الإصابة بفشل القلب قبل نحو خمس سنوات من حدوثه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه

جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه

تحفظات من تهديده للوظائف واستبداله التفاعل البشري

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه

جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه
TT

جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه

جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه

كشفت دراسة جديدة أجرتها مؤسسة غالوب أن الشباب أصبحوا أقل تفاؤلاً وأكثر غضباً تجاه الذكاء الاصطناعي. وإذا كنت تعتقد أن الشباب يندفعون بحماس نحو مستقبل يعتمد على الذكاء الاصطناعي... فعليك أن تفكّر مرة أخرى، كما كتبت كالي هولترمان(*).

استخدام شائع

يستخدم أكثر من نصف أبناء جيل زد (الأشخاص المولودون من عام 1997 إلى عام 2012) المقيمين في الولايات المتحدة الذكاء الاصطناعي التوليدي بانتظام، لكن مشاعرهم تجاه هذه التقنية تتجه نحو السلبية، وفقاً لاستطلاع جديد نشرته مؤسسة غالوب، ومؤسسة والتون فاميلي، وشركة GSV Ventures الاستثمارية العاملة في مجال تكنولوجيا التعليم.

انحسار التفاؤل وتراجع الحماس

انخفضت نسبة المشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و29 عاماً والذين أعربوا عن تفاؤلهم بشأن الذكاء الاصطناعي بشكل حاد منذ العام الماضي، من 27 في المائة إلى 18 في المائة. كما تراجع حماس الشباب تجاه الذكاء الاصطناعي، وأشار ما يقرب من ثلث المشاركين إلى أن هذه التقنية تُشعرهم بالغضب.

وأُجري استطلاع الرأي الذي شمل أكثر من 1500 شخص خلال شهري فبراير (شباط) ومارس(آذار) الماضيين. وتشير نتائجه إلى أن العداء الأميركي تجاه الذكاء الاصطناعي يمتد ليشمل جيلاً أصغر سناً، وهو جيل يكافح حالياً لإيجاد مكانه في سوق العمل.

تأثير سيء على الإبداع والتفكير النقدي

يقول زاك هرينوفسكي، باحث تربوي أول في مؤسسة غالوب، الذي شارك في إعداد الاستطلاع: «في معظم هذه الحالات، أصبح أبناء جيل زد أكثر تشككاً وسلبية، بعد أن كانوا في العام الماضي غير متفائلين بشأنه».

وأضاف أنه فوجئ بالتغير الملحوظ في مواقف الشباب. وأوضح أن العديد من المشاركين أقروا بأن الذكاء الاصطناعي قد يجعلهم أكثر كفاءة في الدراسة والعمل، لكنهم أعربوا عن قلقهم بشأن تأثير هذه التقنية على إبداعهم ومهاراتهم في التفكير النقدي.

في العمل: مخاطره تفوق فوائده

وكان الشباب العاملون أكثر تشككاً، حيث قال ما يقرب من نصف المشاركين إن مخاطر الذكاء الاصطناعي تفوق فوائده المحتملة في مكان العمل، بزيادة قدرها 11 نقطة عن العام السابق. وقال 15 في المائة فقط إنهم يرون أن الذكاء الاصطناعي... كفائدة صافية.

تأتي هذه النتائج في وقتٍ يتناقش فيه الآباء والطلاب وصناع السياسات حول مدى الدور الذي ينبغي أن تلعبه أنظمة الذكاء الاصطناعي في حياة الشباب.

استخدامات الشباب

ويلجأ أفراد جيل زد إلى برامج الدردشة الآلية مثل «تشات جي بي تي» للحصول على نصائح في العلاقات والمساعدة في الواجبات المدرسية. ويستخدم البعض هذه الأدوات لتفويضه اتخاذ قرارات معقَّدة وهامة، مثل اختيار الجامعة.

في الدراسة، أفاد نحو نصف الشباب باستخدامهم للذكاء الاصطناعي بشكل يومي أو أسبوعي، وهو ما يُشابه العام الماضي. بينما قال أقل من 20 في المائة إنهم لا يستخدمونه.

وقال هرينوفسكي: «لم نشهد زيادة في استخدام هذه الأدوات خلال العام الماضي، على الرغم من أنني أعتقد أن المزيد من أبناء جيل زد يقولون إنهم يمتلكون هذه الأدوات»، وأضاف أن أصغر أفراد هذا الجيل هم الأكثر استخداماً للذكاء الاصطناعي بشكل متكرر.

تهديد الوظائف واستبدال التفاعل البشري

في المقابلات التي أجريت مع الشباب، ذكر شبابٌ بالغون أسباباً عديدةً لتحفظاتهم بشأن الذكاء الاصطناعي، منها تهديده للوظائف المبتدئة، واستبداله للتفاعل البشري، وانتشار المعلومات المضللة التي يغذيها الذكاء الاصطناعي على وسائل التواصل الاجتماعي.

تصورات فردية

وقالت سيدني جيل (19 عاماً)، وهي طالبةٌ في السنة الأولى بجامعة رايس في هيوستن، إنها كانت متفائلةً بشأن الذكاء الاصطناعي كأداةٍ تعليميةٍ عندما كانت في المدرسة الثانوية. أما الآن، ومع محاولتها اختيار تخصصها الجامعي، فقد أصبحت نظرتها أقل تفاؤلاً. وقالت: «أشعر أن أي شيءٍ أهتم به مُعرَّضٌ للاستبدال، حتى في السنوات القليلة المقبلة».

من جهتها، قالت أبيجيل هاكيت (27 عاماً)، التي تعمل في قطاع السياحة والضيافة بالقرب من أنكوريج، إنها وجدت بعض أدوات الذكاء الاصطناعي موفرةً للوقت في العمل. غير أنها لا تستخدم الذكاء الاصطناعي كثيراً في حياتها الشخصية، لأنها لا تريد أن تضعف مهاراتها الاجتماعية.

وأضافت هاكيت، التي شاركت في استطلاع «غالوب»: «ما زلت أشعر بالتردد في استخدامه لصياغة رسائلي للآخرين، لأنني أعتقد أن بعض هذه الأمور إنسانية للغاية، وأود أن تبقى كذلك».

ومن بين المشاركين الآخرين في الاستطلاع، ريان غوكيان (30 عاماً) المتخصص في اختبار البرمجيات في ديترويت. وكان أكثر حماساً لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وقال إنه يستخدم «جي بي تي» يومياً لمهام البحث.

أهمية إتقان استخدام الذكاء الاصطناعي

على الرغم من مشاعرهم المُختلطة، يعتقد العديد من الشباب أن إتقان استخدام الذكاء الاصطناعي، ولو بدرجة معينة، سيكون أمراً بالغ الأهمية مع نضوجهم. وتوقع ما يقرب من نصف المشاركين الذين لم يتخرجوا في المدرسة الثانوية بعد، أنهم سيحتاجون إلى معرفة كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في مساراتهم المهنية المستقبلية.

وقد يكون هناك مجال لتطور مواقف الشباب تجاه الذكاء الاصطناعي. ومن بين جميع ردود الفعل العاطفية التي رصدها الاستطلاع، كان الفضول وحب الاستطلاع... الأكثر شيوعاً بين المشاركين.

* خدمة «نيويورك تايمز».


حين يقرأ الذكاء الاصطناعي وجهك… قبل أن تفتح فمك

الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض
الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض
TT

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي وجهك… قبل أن تفتح فمك

الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض
الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض

في العادة، ننظر إلى الوجه بوصفه مرآة للمشاعر: ابتسامة عابرة، قلق خفي، أو دهشة مفاجئة.

الوجه... لغة لا ننتبه لها

لكن ما لا نراه في هذا المشهد اليومي، أن الوجه يحمل طبقات أعمق من المعنى... إشارات دقيقة لا يدركها الإنسان، لكنها تعكس تغيرات بيولوجية وصحية تجري في صمت داخل الجسد. فحركة عضلات الوجه، وتبدّل لون الجلد، واتساع حدقة العين، وحتى الاختلال الطفيف في التناسق بين جانبي الوجه... ليست مجرد تعابير عابرة، بل قد تكون انعكاساً دقيقاً لما يحدث في الدماغ أو الجهاز العصبي، بل وحتى في أعماق الحالة النفسية.

وهنا يبدأ الذكاء الاصطناعي في قراءة ما لا نقرأه نحن.

الوجه بين القياس والفهم

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «الذكاء الاصطناعي الطبي الرقمي» (JMIR AI)، قادها الباحث شينغو يوشيهارا من معهد أبحاث الصحة الرقمية في طوكيو باليابان، ظهر أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل تعابير الوجه بدقة عالية، مع توافق لافت مع التقييم البشري، ما يعزز إمكانية استخدامها كأداة مساعدة في التقييم النفسي والسريري، لا سيما في الحالات التي تعتمد على قراءة الإشارات الدقيقة غير المرئية.

ولا تقف أهمية هذه النتائج عند حدود الدقة التقنية، بل تمتد لتعيد تعريف دور الوجه نفسه؛ إذ لم يعد مجرد وسيلة للتعبير... بل قد يتحول إلى مصدر بيانات تشخيصية صامتة، تحمل في ملامحه ما لا تقوله الكلمات.

كيف يقرأ الذكاء الاصطناعي الوجه؟

على عكس الإنسان، الذي يرى الوجه كوحدة متكاملة ويُدركه كصورة واحدة، يقوم الذكاء الاصطناعي بتفكيكه إلى شبكة معقدة من النقاط والقياسات. ففي أنظمة الرؤية الحاسوبية، يُعاد بناء الوجه رقمياً عبر ما يُعرف بـ«المعالم الوجهية» (Facial Landmarks)، وهي عشرات — وأحياناً مئات — النقاط الدقيقة التي تحدد مواقع العينين، وحواف الشفاه، وانحناءات الحاجبين، وتفاصيل العضلات الدقيقة.

لكن القراءة لا تقف عند حدود الشكل. فالخوارزميات الحديثة تحلل أيضاً التغيرات الديناميكية في الوجه: سرعة الحركة، وزمن الاستجابة العضلية، والتناسق بين جانبي الوجه، وحتى التغيرات الدقيقة في تدفق الدم تحت الجلد، والتي لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تُستدل من تغيرات طفيفة في اللون باستخدام تقنيات تصوير دقيقة.

التصوير الضوئي الحيوي

وفي هذا السياق، تعتمد بعض النماذج على ما يُعرف بالتصوير الضوئي الحيوي عن بُعد (Remote Photoplethysmography)، حيث يتم استخراج مؤشرات فسيولوجية مثل معدل نبض القلب أو مستوى الإجهاد من تغيرات لونية شبه غير مرئية في الوجه أثناء الفيديو.

ومن خلال تدريب هذه الأنظمة على قواعد بيانات ضخمة تضم آلاف — بل ملايين — الوجوه، وفي ظروف وإضاءة وثقافات مختلفة، تصبح قادرة على التعرف إلى أنماط دقيقة ومعقدة لا يمكن للعين البشرية ملاحظتها، مثل بطء التفاعل العضلي، أو اختلال التناسق الحركي، أو تغيرات طفيفة في الإيقاع التعبيري قد ترتبط باضطرابات عصبية أو نفسية.

وبهذا، لا يعود الوجه مجرد صورة نراها، بل يتحول إلى إشارة فسيولوجية متعددة الطبقات، تُقرأ وتُحلَّل، وتكشف ما يخفيه الجسد في صمت.

حين تصبح الكاميرا طبيباً والوجه إشارة إنذار مبكرة

هل يصبح الوجه أداة تشخيص؟

مع هذا التطور، لم يعد السؤال ما إذا كان يمكن استخدام الوجه في الطب، بل متى سيصبح ذلك جزءاً من الممارسة اليومية. فالتقنيات التي كانت حتى وقت قريب محصورة في المختبرات البحثية، بدأت تقترب تدريجياً من الاستخدام العملي في الحياة اليومية.

قد يأتي وقت تصبح فيه كاميرا الهاتف أو الحاسوب قادرة على تحليل وجه المستخدم بشكل غير ملحوظ، لرصد تغيرات دقيقة في التعبير أو اللون أو الإيقاع الحركي، قد تشير إلى إرهاق عصبي، أو بداية اضطراب نفسي، أو حتى مؤشرات مبكرة لخلل فسيولوجي لم تظهر أعراضه بعد.

وفي هذا النموذج الجديد، لا يعود التشخيص حدثاً مرتبطاً بزيارة الطبيب فقط، بل يتحول إلى عملية مستمرة تعمل في الخلفية، تراقب الإشارات الصامتة التي يصدرها الجسد، وتحوّلها إلى تنبيهات مبكرة قد تُعيد تعريف مفهوم الوقاية نفسه.

هل يفهم الذكاء الاصطناعي ما يعنيه الوجه؟

رغم هذا التقدم، يظل هناك سؤال جوهري: هل قراءة الوجه تعني فهم الإنسان؟

فالوجه لا يعكس المرض فقط، بل يعكس أيضاً الثقافة التي تشكّله، والبيئة التي يعيش فيها، والتجارب التي مرّ بها. قد تحمل الإشارة نفسها معاني مختلفة بين شخص وآخر؛ فما يبدو توتراً في وجهٍ ما، قد يكون سمةً طبيعية في وجهٍ آخر، وما يُقرأ كحزنٍ في سياق، قد يكون مجرد تأمل في سياقٍ مختلف.

وهنا تتضح حدود الذكاء الاصطناعي: فهو قادر على القياس... لكنه لا يملك دائماً القدرة على الفهم. يلتقط الإشارة، لكنه لا يدرك معناها الكامل خارج سياقها الإنساني.

الطب بين الرؤية والفهم

في النهاية، قد يتمكن الذكاء الاصطناعي من قراءة الوجه بدقة مذهلة.

لكن هذه القراءة تظل ناقصة دون السياق الإنساني الذي يمنحها معناها الحقيقي. فالبيانات قد تكشف ما يحدث... لكنها لا تفسّر دائماً لماذا يحدث. ترصد الإشارة، لكنها لا تدرك التجربة التي تقف خلفها.

وهنا يظل دور الطبيب مختلفاً: لا يكتفي بأن يرى، بل يحاول أن يفهم... ولا يقرأ الوجه فقط، بل يقرأ الإنسان الذي يحمله.

ما الذي يتغير؟

ربما لا يكون السؤال ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيقرأ وجوهنا، بل ما إذا كنا مستعدين لأن تتحول ملامحنا إلى بيانات تُحلَّل وتُفسَّر خارج وعينا. وفي هذا التحول، قد يصبح الوجه أحد أهم المؤشرات الحيوية في الطب الحديث.

إن هذا التحول ليس بديلاً عن الطبيب، بل نافذة جديدة تمنحه قدرة أوسع على الرؤية، وفرصة أعمق للفهم. لكن ما سيحسم مستقبل هذا التحول، ليس ما تستطيع الخوارزميات أن تراه... بل ما يستطيع الإنسان أن يفهمه منها.


اكتشاف ثقبين أسودين على وشك الاندماج

تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)
تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)
TT

اكتشاف ثقبين أسودين على وشك الاندماج

تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)
تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)

رصد فريق بحثي من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي في ألمانيا، دليلاً مباشراً على وجود ثقبين أسودين فائقَي الكتلة في مجرة ​​«ماركاريان 501»، يدوران حول بعضهما في مدارات متقاربة جداً. وقد تكون هذه هي المرة الأولى التي يُكتشف فيها زوجٌ من الثقوب السوداء على وشك الاندماج، مما يتيح فرصة فريدة لفهم عملية محورية في تطور المجرات.

وتشير النتائج المنشورة في «مجلة الإشعارات الشهرية للجمعية الفلكية الملكية»، تحت قيادة العالم الفلكي، سيلكه بريتزن، إلى وجود ثقب أسود فائق الكتلة في مركز كل مجرة كبيرة تقريباً، بكتلة تفوق كتلة شمسنا بملايين أو حتى مليارات المرات. ولا يزال من غير الواضح تماماً كيف يمكنها الوصول إلى هذه الكتل الهائلة. لذا، من المرجح أن تندمج الثقوب السوداء فائقة الكتلة الموجودة في مراكز هذه المجرات المتصادمة؛ حيث تدور حول بعضها متقاربة أكثر فأكثر، ثم تندمج في النهاية لتشكل مجرة ​​واحدة.

وتُعدّ الثقوب السوداء فائقة الكتلة في مراكز المجرات من أكثر مجالات البحث نشاطاً في علم الفلك؛ إذ لا تستطيع النماذج النظرية وصف هذه المرحلة النهائية بدقة حتى الآن.

رصد عالي الدقة

ومما يزيد الأمر تعقيداً أنه لم يتم رصد أي زوج متقارب من الثقوب السوداء الضخمة بشكل موثوق، على الرغم من شيوع تصادمات المجرات على نطاق زمني كوني. وقد غيرت الدراسة الجديدة لـ«مجرة ماركاريان 501 (Mrk 501)» في كوكبة هرقل هذا الواقع.

ويقذف الثقب الأسود في مركز «مجرة ​​ماركاريان 501»، نفثات (دفعات) قوية من الجسيمات تتحرك بسرعة تقارب سرعة الضوء إلى الفضاء. ولإجراء هذه الدراسة، حلل الفريق عمليات رصد عالية الدقة. وكشفت بيانات رصدية طويلة الأمد عن أول صورة مباشرة لمثل هذا النظام في مركز مجرة، وعلى الدليل القاطع على وجود ثقب أسود فائق الكتلة ثانٍ مجاور. يقول بريتزن في بيان الثلاثاء: «بحثنا عن هذا النظام طويلاً، والآن نستطيع تتبع حركته أيضاً».

رقصة الثقوب السوداء

ووفق نتائج الدراسة، تتجه نفاثة الثقب الأول نحو الأرض، ولهذا تبدو ساطعة بشكل خاص لنا، وهي معروفة منذ زمن طويل. أما النفاثة الثانية، فهي موجهة بشكل مختلف، ولذلك كان رصدها أكثر صعوبة.

ويوضح بريتزن: «كان نظام النفاثات بأكمله في حركة دائمة، وهو ما يفسر بوجود نظام من ثقبين أسودين، حيث يتأرجح مستوى المدار».

ويضيف: «في أحد أيام الرصد في يونيو (حزيران) 2022، وصل إلينا الإشعاع المنبعث من النظام عبر مسار متعرج للغاية؛ حيث ظهر على شكل حلقة - وهو ما يُعرف بحلقة أينشتاين».

ومن خلال تحليل تطور سطوع النفاثات بمرور الوقت وأنماطه المتكررة، استنتج الباحثون أن الثقبين الأسودين يدوران حول بعضهما، وتبلغ المسافة بينهما ما بين 250 و540 ضعف المسافة بين الأرض والشمس - وهي مسافة ضئيلة جداً بالنسبة لأجسام بالغة الضخامة كهذه، بكتل تتراوح بين 100 مليون ومليار ضعف كتلة الشمس. وبناءً على كتلتيهما الفعليتين، قد تتقلص المسافة بينهما بسرعة كبيرة لدرجة أنهما قد يندمجان في غضون 100 عام فقط.

ويشير المؤلف المشارك بالدراسة هيكتور أوليفاريس إلى أنه «عندما يتم رصد موجات الجاذبية، فقد نشهد ارتفاعاً مطرداً في ترددها مع اقتراب هذين العملاقين من الاصطدام، مما يتيح فرصة نادرة لمشاهدة اندماج ثقبين أسودين فائقَي الكتلة».