مؤيد الراوي.. حياة على الحافة

كان أقل إنتاجًا من زملائه في «جماعة كركوك» لكنه الأكثر تأثيرًا

مؤيد الراوي
مؤيد الراوي
TT

مؤيد الراوي.. حياة على الحافة

مؤيد الراوي
مؤيد الراوي

«ليس هذا مؤيد» قلت لنفسي وأنا أهيئها للقاء أخير. ففي الضوء النحاسي الداكن نحو عمق المقهى شبح ينش بيمناه أشباحًا تقطع عليه مجال الرؤية، وبعكازته يتلمس الأرض التي تتموج تحته. مالت قامته وهو يستدير حول نفسه ليستدل على مصدر الصوت الذي يناديه (مؤيد!). تحت الطاقية الشتائية هناك شعاع محرق مس هذا الوجه وأخذ الدم والشعر منه. وفي العينين وقد ضاقتا تيها يغلب العجب. ليقطع علي هاجسي ويؤكده، قال قبل أن يجلس: «هذا ليس مؤيد الذي تعرفه، إنه الربع المتبقي منه». قالها دون أسى كأنه يتحدث عن الآخر. كذبت عليه حين قلت له إنني وجدته أفضل مما تصورت وصور لي، وفي حقيقة الأمر كنت أمرن نفسي على هذه الحقيقة وأنا أدقق في وجهه وأتحاشاه في الوقت نفسه.
لقاؤنا كان في مقهى Semci في حي Kreutzberg التركي ببرلين. هو الذي اختار المكان لأنه يذكره بمقاهي كركوك التركمانية. المكان أليف لمؤيد ولا يريد أن يغادره لمكان آخر. زواياه موجودة في خبايا مخيلته حتى وإن لم يعد يراها. لا ضرورة لأن ينكشف سر المكان لأن سر المكان «لم يستكشف، لأنه صار أليفًا» كما يقول سركون بولص في قصيدة مهداة إلى مؤيد. المشاهد خارج المقهى لا تهم مؤيد، ولا طبيعة المقهى وجلاسه، ما يحتاجه هو مكان لا يستنكر التدخين، خال من الموسيقى أو التلفزيون. ينحي مؤيد المشاهد حوله ويتحاشاها فما يهمه هو الحديث وتبادل الأفكار. سنواتنا الطويلة معًا علمتني أن أقدح المشاهد في ذهنه وأترك له أن يحتويها بالانطباع والفكرة. والأفكار عنده ثابتة ومتغيرة:
الأفكار ممالك تقترن بنا فتوشم جبيننا
نضن بأننا ندعوها كأعراس تدوم، نحتفل بها، أو نطردها عندما لا نريد، لكنها تستملكنا
تأتي إلينا بخفة لص وبسلطة سجان
نجهل كيف تأتي لتسكن فينا
وكيف تصل لتحجرنا
من سجن الأفكار يخرج مؤيد خلال الحديث إلى رحابة الحقل أو سعة البحيرة:
نحن حقل فسيح، تربة خصبة
مفتوحة للبرق وللمطر، تعطي الثمار وتترك الملح
حين أسترجع علاقتي مع مؤيد بوجوده أمامي أو بغيابه عنى يغيب عني للقاء الأول تحت وطأة اللقاء الأخير. أنسى الشاب الطويل الأجعد الشعر المنهمك في الحديث ويأتيني هذا التائه الذي يزيح الأشباح بيده ويطرق الأرض بعكازه.
أتوهم نفسي وأنا في الخامسة والعشرين من عمري قادمًا كما في كل يوم إلى ذات المقهى. أقول لنفسي: مالك ذاهب لنفس المكان ولنفس الشلة ولتسمع ذات الأحاديث؟ ثم أخادع نفسي بأنني ذاهب لاستعارة كتاب، معرفة رأيهم في تحريك ركود مخيلتي من خلال النقاش.. المهم أني أذهب للمقهى، كما في كل ليلة، وأجد كما في كل ليلة، مؤيد وسط الشلة المدمنة عليه والمتأثرة بأفكاره، بجمله القصيرة القاطعة، وحتى بثغرات عربيته عند الكلام.
في مقهى إبراهيم التقيت مؤيد للمرة الأولى في النصف الثاني من الستينات، وفي المرة الثانية ذهبت إلى شقته على مسافة أمتار من مقهانا. الشقة تطل على شاع أبي نواس وربما استوحاها القاص برهان الخطيب في روايته «شقة على شارع أبي نواس». في هذه الشقة يساكنه أنور الغساني الذي كان مشغولاً، بجانب مقاماته العراقية، بنحت مزهرية من الجبس بلون الكفن وإلى جانبه راديو قديم وكبير الحجم قدمه لي أنور «ميزته أنه لا يتكلم». كل ما في الشقة ينضح بكسل الساكنين.. الأفرشة لم تطو ولم تعدل منذ… الله أعلم. والغبار يغطي الأرض وزجاج النوافذ. وكل شيء مبعثر ومتروك في مكانه.
في زاوية غرفة الجلوس تابوت أسند إلى الجدار قال لي مؤيد وهو يحبس ابتسامته «أنام فيه أحيانًا».
في هذه الشقة تلتقي أحيانًا الجماعة التي سميناها «جماعة كركوك». بدت هذه الجماعة (مؤيد الراوي، وفاضل العزاوي، وسركون بولص، وأنور الغساني، وجليل القيسي، وجان دمو، وصلاح فايق، ويوسف الحيدري…) جماعة غريبة ومقطوعة، كأنها قذفت هكذا لبغداد من مدينة أقرب إلى ماكوندوا في «مائة عام من العزلة» لماركيز. وكانت جماعة كركوك تزيد المدينة غرابة في خيالنا. كأنها مدينة صنعت من أساطير وحكايات. في قصص جليل القيسي ويوسف الحيدري تبدو كأنها خرجت من قصص إدغار آلان بو. لا يكتفي مؤيد بالوصف الدائم لمدينته بأنها «خرافية»، إنما يجرد الأسطورة من زمنها «وكركوك، خارج مدينة ما، كانت بالنسبة لي كونًا يؤلف مفاتيح وأقفالاً، بحارًا عميقة القاع، وماكينة للحياة. ليل تجيء إلى نجومه لتفاتحني بأسرارها وبولائمها المضيئة، تجلب لي ملائكتها وتطلق أرواحها المبهمة لكي تحاورني وأحاورها».
حين يتحدثون عن مدينتهم يأتيني خيال القلعة التي نمنا أنا ووالدي تحتها في سطح فندق صغير وقديم. قبل أن أغمض عيني من تعب السفر بدت القلعة فوقي داكنة الجدران، واقفة وحدها وسط سماء فيروزية مغبرة. تزداد ظلمة وتتضخم ظلال جدرانها. ومن الأفق الشمالي يأتي لون جهنمي من النار التي تنفثها الأرض عاليًا فيترك لونه على جدران القلعة ويزيدها هولاً. وقبل أن تخرج المردة السود من مداخلها الضيقة وتنزل إلى عبر سلالمها العريضة نمت من خوف وإحساس بالرهبة. هل هي نفس المدينة التي يتحدثون عنها؟
لاحقًا، رأيت كركوك خارج الضباب حين كتب فاضل العزاوي روايته «آخر الملائكة» بشخصياتها الأليفة: حميد نايلون، وبرهان عبد الله، وخضر موسى، وكتب مؤيد سيرة «المكان الأول» فتعرفنا على شخصيات مثل نيازي بيك، وبديعة خاتون، وقره حسن. آنذاك عرفنا المدينة بتضاريسها وشخصياتها الأليفة.
كما مدينتهم كان كل ما في الجماعة التي جاءت منها غريبًا:
ألقابهم من لبة العروبة (الغساني، الراوي، الحيدري، العزاوي) وهم ليسوا عربًا، بل ثقافتهم عربية.
كل واحد من المجموعة، عدا أنور الغساني، له علاقة ما بشركة النفط عن طريق أخ أو والد كان يعمل فيها وله علاقة ما بالحي الذي أنشأته الشركة للعاملين فيها. مع ذلك كانوا شيوعيين أو يساريين سجنوا وتعذبوا من أجل فكرتهم.
هم فرادى معنا، ولكن حين تكون لهم أسرارهم الخاصة كأبناء مدينة واحدة، ينفصلون عنا ويتحدثون مع بعضهم البعض بلغات تحوي شفرات سرية (بالتركمانية، بالكردية، أو السريانية).
إنهم مختلفون في قومياتهم وأديانهم (تركمان، وأكراد، وآشوريون، وكلدان، وعرب) لكنهم يتعاملون مع بعضهم كأبناء ثقافة عربية، يقرأون ويكتبون بها.. هذه اللغة الأوسع انتشارًا تكاد تغطي أصولهم الأخرى وتشكل لهم هوية أخرى موازية. غرباء كان الكركوكيون الذين أتوا بغداد قبلي وبعدي بأيام، يخزنون قصصًا وحكايات بلغات غريبة. مؤيد كان أقلهم إنتاجًا، لكنه كان أكثرهم تأثيرًا. بكسله العميق، كان مستعدًا لأن يبقى على طول اليوم في المكان الأليف على نفس الكرسي عندما يكون هناك موضوع للنقاش، ناسيًا طعامه ومهرجان الحياة الكبير على مسافة أمتار منه. لم يكن متعالمًا ولا متعاليًا خلال الحديث فهو يجيد الإصغاء، ساحر بهدوء أعصابه، لم أره يومًا غاضبًا أو في خصام حاد، يسخر عندما حتى يعتدى عليه. لا ضغائن تحكمه ولا يجذبه حب يتيه عقله. ساحر بأحكامه المفاجئة والمغايرة. فبعد وصول البعث للسلطة الثانية عام 1968 بدا مؤيد أقلنا فزعًا «ليأخذوا الدولة كلها على أن يتركوا لنا هذه الكومونة!». ففي الزقاق الضيق الذي يقع فيه مقهانا يتوفر كل ما نحتاجه.. المطاعم، والمقهى، والحلاق أبو كاميران، وباعة الفول والفلافل الفلسطينيون. وفي النهاية اليمنى للزقاق وعلى امتداد أبي نواس تتوزع الأماكن التي نرتادها، وفي النهاية اليسرى المكتبات التي نشتري منها الكتب بالدين المقسط.. ماذا نريد أكثر من هذا؟!
كانت مسيرات الفرح تجوب بغداد 1971 احتفالاً بالبيان الذي يمنح حق الحكم الذاتي للأكراد. وكنا أنا ومؤيد على مسافة أمتار من المسيرات فمط مؤيد جسمه ضجرًا: «عجيب! لديهم الحرية في الجبل ويريدون أن يتقاسموا معنا العبودية هنا؟».
في تلك الأعوام نشط المثقفون البعثيون ولديهم السلطة والمال في مساع محمومة لكسب المثقفين لإدارة مكنة البعث الإعلامية. وكان في مواجهتهم التفاف المثقفين حول الحزب الشيوعي، الذي دخل معهم في جبهة (قومية وطنية تقدمية). وفي مواجهتهم رواد هذا المقهى الذين تعاملوا مع البعث ومع الجبهة بارتياب. كنت قليل التردد على اتحاد الأدباء رغم أنه على مسافة دقائق من شقتي في البتاويين. اتحادي هو هذا المقهى الرث وشلتي المحببة ووسطها مؤيد الراوي.
منتصف عام 1969 عمت الصحف حملة ضد البيان الشعري الذي وقعه فاضل العزاوي وسامي مهدي وخالد علي مصطفى وفوزي كريم. كانت الحملة موضوع نقاش مقلق بين مؤيد ورحمان الطهمازي وأنا. مؤيد هو الذي رفع الحملة إلى حافة الخطر ورأى أنها تجاوزت فاضل العزاوي إلى هجوم على الحداثة ككل، وأنها تحمل أبعادًا تتجاوز الأدب إلى السياسة لأن مشروع الحداثة يتناقض مع الفكر المتخلف للجناح العسكري من البعث الذي يرى في كل ما لا يفهمه نوعًا من التآمر على القومية.
يبدو مؤيد عارفًا بما نتحدث عنه، لكنه لن يقبل إلا بما لا يعرف، عارفًا في الوقت نفسه أن هناك شيئًا خبيئًا وراء الباب، لن تطاله الأضواء التي لن نعرف سرها ولن نراها بعد. في مكان آخر وعلى مائدة طرفية في مكان لا أتذكره كنت أتتبعه نقاشًا بين منعم حسن ومؤيد.. مؤيد كان يتحدث بالأفكار العريضة المجردة، بينما يغور منعم في تشخيصاته إلى الأعماق الرطبة، ميال للاعتراف. حين يرتفع حاجباه وتضيق عيناه ويميل في جلسته، أعرف أن مؤيد الذي سيتحدث بعد قليل يتفحص الآن أفكاره وذاته وأن شيئًا مهمًا سيخرج عنه هو الصمت. بين الأفكار الكبيرة والأعماق الضيقة الداكنة كنت معلقًا بين الاثنين.
عدا النقاشات لم أكن أعرف ماذا يكتب مؤيد في تلك الشقة المعلقة فوق شارع أبي نواس. أرى لوحاته غير المنجزة تجمع بين التعبيرية المتوترة والتجريد. على عكسنا جميعًا لم يرني مؤيد يومًا ما يكتبه، وحتى لا يتحدث عن موضوعاته. حين أسأله يقلب الموضوع محرجًا من قلة إنتاجه.
ما يجمعني مع مؤيد في تلك الفترة هو أننا كنا نتحرك على ذات المساحة المربكة بين ذاتنا الوجودية وبين بقايا الالتزام الماركسي. معظم نقاشنا يدور بين قطبي المغناطيس.
بعد كل لقاء مع مؤيد أرجع للبيت وحدي، أطرق أحجار الرصيف قاطعًا المسافات الطويلة وأطرق في الوقت نفسه ذاتي وأفكاري. ذات مرة، وفي جدال مع أصدقاء آخرين اكتشفت فجأة أنني أردد نفس جمله وبنفس لكنته التركمانية فقلت لنفسي: «حذار!». هو الذي حذرني من نفسه، فقد طلب أن أسلم واحدة من رسائله إلى أنور الغساني بعد سفره لألمانيا. الرسالة كانت، ويا للغرابة، مفتوحة، ولم يمنعني حين سألت من قراءتها. حين دخلت قبو الرسالة أفزعتني فيها جملة واحدة (مسوخ كلهم). أغلقت الرسالة ومعها أغلقت نفسي عليه.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.