مؤيد الراوي.. حياة على الحافة

كان أقل إنتاجًا من زملائه في «جماعة كركوك» لكنه الأكثر تأثيرًا

مؤيد الراوي
مؤيد الراوي
TT

مؤيد الراوي.. حياة على الحافة

مؤيد الراوي
مؤيد الراوي

«ليس هذا مؤيد» قلت لنفسي وأنا أهيئها للقاء أخير. ففي الضوء النحاسي الداكن نحو عمق المقهى شبح ينش بيمناه أشباحًا تقطع عليه مجال الرؤية، وبعكازته يتلمس الأرض التي تتموج تحته. مالت قامته وهو يستدير حول نفسه ليستدل على مصدر الصوت الذي يناديه (مؤيد!). تحت الطاقية الشتائية هناك شعاع محرق مس هذا الوجه وأخذ الدم والشعر منه. وفي العينين وقد ضاقتا تيها يغلب العجب. ليقطع علي هاجسي ويؤكده، قال قبل أن يجلس: «هذا ليس مؤيد الذي تعرفه، إنه الربع المتبقي منه». قالها دون أسى كأنه يتحدث عن الآخر. كذبت عليه حين قلت له إنني وجدته أفضل مما تصورت وصور لي، وفي حقيقة الأمر كنت أمرن نفسي على هذه الحقيقة وأنا أدقق في وجهه وأتحاشاه في الوقت نفسه.
لقاؤنا كان في مقهى Semci في حي Kreutzberg التركي ببرلين. هو الذي اختار المكان لأنه يذكره بمقاهي كركوك التركمانية. المكان أليف لمؤيد ولا يريد أن يغادره لمكان آخر. زواياه موجودة في خبايا مخيلته حتى وإن لم يعد يراها. لا ضرورة لأن ينكشف سر المكان لأن سر المكان «لم يستكشف، لأنه صار أليفًا» كما يقول سركون بولص في قصيدة مهداة إلى مؤيد. المشاهد خارج المقهى لا تهم مؤيد، ولا طبيعة المقهى وجلاسه، ما يحتاجه هو مكان لا يستنكر التدخين، خال من الموسيقى أو التلفزيون. ينحي مؤيد المشاهد حوله ويتحاشاها فما يهمه هو الحديث وتبادل الأفكار. سنواتنا الطويلة معًا علمتني أن أقدح المشاهد في ذهنه وأترك له أن يحتويها بالانطباع والفكرة. والأفكار عنده ثابتة ومتغيرة:
الأفكار ممالك تقترن بنا فتوشم جبيننا
نضن بأننا ندعوها كأعراس تدوم، نحتفل بها، أو نطردها عندما لا نريد، لكنها تستملكنا
تأتي إلينا بخفة لص وبسلطة سجان
نجهل كيف تأتي لتسكن فينا
وكيف تصل لتحجرنا
من سجن الأفكار يخرج مؤيد خلال الحديث إلى رحابة الحقل أو سعة البحيرة:
نحن حقل فسيح، تربة خصبة
مفتوحة للبرق وللمطر، تعطي الثمار وتترك الملح
حين أسترجع علاقتي مع مؤيد بوجوده أمامي أو بغيابه عنى يغيب عني للقاء الأول تحت وطأة اللقاء الأخير. أنسى الشاب الطويل الأجعد الشعر المنهمك في الحديث ويأتيني هذا التائه الذي يزيح الأشباح بيده ويطرق الأرض بعكازه.
أتوهم نفسي وأنا في الخامسة والعشرين من عمري قادمًا كما في كل يوم إلى ذات المقهى. أقول لنفسي: مالك ذاهب لنفس المكان ولنفس الشلة ولتسمع ذات الأحاديث؟ ثم أخادع نفسي بأنني ذاهب لاستعارة كتاب، معرفة رأيهم في تحريك ركود مخيلتي من خلال النقاش.. المهم أني أذهب للمقهى، كما في كل ليلة، وأجد كما في كل ليلة، مؤيد وسط الشلة المدمنة عليه والمتأثرة بأفكاره، بجمله القصيرة القاطعة، وحتى بثغرات عربيته عند الكلام.
في مقهى إبراهيم التقيت مؤيد للمرة الأولى في النصف الثاني من الستينات، وفي المرة الثانية ذهبت إلى شقته على مسافة أمتار من مقهانا. الشقة تطل على شاع أبي نواس وربما استوحاها القاص برهان الخطيب في روايته «شقة على شارع أبي نواس». في هذه الشقة يساكنه أنور الغساني الذي كان مشغولاً، بجانب مقاماته العراقية، بنحت مزهرية من الجبس بلون الكفن وإلى جانبه راديو قديم وكبير الحجم قدمه لي أنور «ميزته أنه لا يتكلم». كل ما في الشقة ينضح بكسل الساكنين.. الأفرشة لم تطو ولم تعدل منذ… الله أعلم. والغبار يغطي الأرض وزجاج النوافذ. وكل شيء مبعثر ومتروك في مكانه.
في زاوية غرفة الجلوس تابوت أسند إلى الجدار قال لي مؤيد وهو يحبس ابتسامته «أنام فيه أحيانًا».
في هذه الشقة تلتقي أحيانًا الجماعة التي سميناها «جماعة كركوك». بدت هذه الجماعة (مؤيد الراوي، وفاضل العزاوي، وسركون بولص، وأنور الغساني، وجليل القيسي، وجان دمو، وصلاح فايق، ويوسف الحيدري…) جماعة غريبة ومقطوعة، كأنها قذفت هكذا لبغداد من مدينة أقرب إلى ماكوندوا في «مائة عام من العزلة» لماركيز. وكانت جماعة كركوك تزيد المدينة غرابة في خيالنا. كأنها مدينة صنعت من أساطير وحكايات. في قصص جليل القيسي ويوسف الحيدري تبدو كأنها خرجت من قصص إدغار آلان بو. لا يكتفي مؤيد بالوصف الدائم لمدينته بأنها «خرافية»، إنما يجرد الأسطورة من زمنها «وكركوك، خارج مدينة ما، كانت بالنسبة لي كونًا يؤلف مفاتيح وأقفالاً، بحارًا عميقة القاع، وماكينة للحياة. ليل تجيء إلى نجومه لتفاتحني بأسرارها وبولائمها المضيئة، تجلب لي ملائكتها وتطلق أرواحها المبهمة لكي تحاورني وأحاورها».
حين يتحدثون عن مدينتهم يأتيني خيال القلعة التي نمنا أنا ووالدي تحتها في سطح فندق صغير وقديم. قبل أن أغمض عيني من تعب السفر بدت القلعة فوقي داكنة الجدران، واقفة وحدها وسط سماء فيروزية مغبرة. تزداد ظلمة وتتضخم ظلال جدرانها. ومن الأفق الشمالي يأتي لون جهنمي من النار التي تنفثها الأرض عاليًا فيترك لونه على جدران القلعة ويزيدها هولاً. وقبل أن تخرج المردة السود من مداخلها الضيقة وتنزل إلى عبر سلالمها العريضة نمت من خوف وإحساس بالرهبة. هل هي نفس المدينة التي يتحدثون عنها؟
لاحقًا، رأيت كركوك خارج الضباب حين كتب فاضل العزاوي روايته «آخر الملائكة» بشخصياتها الأليفة: حميد نايلون، وبرهان عبد الله، وخضر موسى، وكتب مؤيد سيرة «المكان الأول» فتعرفنا على شخصيات مثل نيازي بيك، وبديعة خاتون، وقره حسن. آنذاك عرفنا المدينة بتضاريسها وشخصياتها الأليفة.
كما مدينتهم كان كل ما في الجماعة التي جاءت منها غريبًا:
ألقابهم من لبة العروبة (الغساني، الراوي، الحيدري، العزاوي) وهم ليسوا عربًا، بل ثقافتهم عربية.
كل واحد من المجموعة، عدا أنور الغساني، له علاقة ما بشركة النفط عن طريق أخ أو والد كان يعمل فيها وله علاقة ما بالحي الذي أنشأته الشركة للعاملين فيها. مع ذلك كانوا شيوعيين أو يساريين سجنوا وتعذبوا من أجل فكرتهم.
هم فرادى معنا، ولكن حين تكون لهم أسرارهم الخاصة كأبناء مدينة واحدة، ينفصلون عنا ويتحدثون مع بعضهم البعض بلغات تحوي شفرات سرية (بالتركمانية، بالكردية، أو السريانية).
إنهم مختلفون في قومياتهم وأديانهم (تركمان، وأكراد، وآشوريون، وكلدان، وعرب) لكنهم يتعاملون مع بعضهم كأبناء ثقافة عربية، يقرأون ويكتبون بها.. هذه اللغة الأوسع انتشارًا تكاد تغطي أصولهم الأخرى وتشكل لهم هوية أخرى موازية. غرباء كان الكركوكيون الذين أتوا بغداد قبلي وبعدي بأيام، يخزنون قصصًا وحكايات بلغات غريبة. مؤيد كان أقلهم إنتاجًا، لكنه كان أكثرهم تأثيرًا. بكسله العميق، كان مستعدًا لأن يبقى على طول اليوم في المكان الأليف على نفس الكرسي عندما يكون هناك موضوع للنقاش، ناسيًا طعامه ومهرجان الحياة الكبير على مسافة أمتار منه. لم يكن متعالمًا ولا متعاليًا خلال الحديث فهو يجيد الإصغاء، ساحر بهدوء أعصابه، لم أره يومًا غاضبًا أو في خصام حاد، يسخر عندما حتى يعتدى عليه. لا ضغائن تحكمه ولا يجذبه حب يتيه عقله. ساحر بأحكامه المفاجئة والمغايرة. فبعد وصول البعث للسلطة الثانية عام 1968 بدا مؤيد أقلنا فزعًا «ليأخذوا الدولة كلها على أن يتركوا لنا هذه الكومونة!». ففي الزقاق الضيق الذي يقع فيه مقهانا يتوفر كل ما نحتاجه.. المطاعم، والمقهى، والحلاق أبو كاميران، وباعة الفول والفلافل الفلسطينيون. وفي النهاية اليمنى للزقاق وعلى امتداد أبي نواس تتوزع الأماكن التي نرتادها، وفي النهاية اليسرى المكتبات التي نشتري منها الكتب بالدين المقسط.. ماذا نريد أكثر من هذا؟!
كانت مسيرات الفرح تجوب بغداد 1971 احتفالاً بالبيان الذي يمنح حق الحكم الذاتي للأكراد. وكنا أنا ومؤيد على مسافة أمتار من المسيرات فمط مؤيد جسمه ضجرًا: «عجيب! لديهم الحرية في الجبل ويريدون أن يتقاسموا معنا العبودية هنا؟».
في تلك الأعوام نشط المثقفون البعثيون ولديهم السلطة والمال في مساع محمومة لكسب المثقفين لإدارة مكنة البعث الإعلامية. وكان في مواجهتهم التفاف المثقفين حول الحزب الشيوعي، الذي دخل معهم في جبهة (قومية وطنية تقدمية). وفي مواجهتهم رواد هذا المقهى الذين تعاملوا مع البعث ومع الجبهة بارتياب. كنت قليل التردد على اتحاد الأدباء رغم أنه على مسافة دقائق من شقتي في البتاويين. اتحادي هو هذا المقهى الرث وشلتي المحببة ووسطها مؤيد الراوي.
منتصف عام 1969 عمت الصحف حملة ضد البيان الشعري الذي وقعه فاضل العزاوي وسامي مهدي وخالد علي مصطفى وفوزي كريم. كانت الحملة موضوع نقاش مقلق بين مؤيد ورحمان الطهمازي وأنا. مؤيد هو الذي رفع الحملة إلى حافة الخطر ورأى أنها تجاوزت فاضل العزاوي إلى هجوم على الحداثة ككل، وأنها تحمل أبعادًا تتجاوز الأدب إلى السياسة لأن مشروع الحداثة يتناقض مع الفكر المتخلف للجناح العسكري من البعث الذي يرى في كل ما لا يفهمه نوعًا من التآمر على القومية.
يبدو مؤيد عارفًا بما نتحدث عنه، لكنه لن يقبل إلا بما لا يعرف، عارفًا في الوقت نفسه أن هناك شيئًا خبيئًا وراء الباب، لن تطاله الأضواء التي لن نعرف سرها ولن نراها بعد. في مكان آخر وعلى مائدة طرفية في مكان لا أتذكره كنت أتتبعه نقاشًا بين منعم حسن ومؤيد.. مؤيد كان يتحدث بالأفكار العريضة المجردة، بينما يغور منعم في تشخيصاته إلى الأعماق الرطبة، ميال للاعتراف. حين يرتفع حاجباه وتضيق عيناه ويميل في جلسته، أعرف أن مؤيد الذي سيتحدث بعد قليل يتفحص الآن أفكاره وذاته وأن شيئًا مهمًا سيخرج عنه هو الصمت. بين الأفكار الكبيرة والأعماق الضيقة الداكنة كنت معلقًا بين الاثنين.
عدا النقاشات لم أكن أعرف ماذا يكتب مؤيد في تلك الشقة المعلقة فوق شارع أبي نواس. أرى لوحاته غير المنجزة تجمع بين التعبيرية المتوترة والتجريد. على عكسنا جميعًا لم يرني مؤيد يومًا ما يكتبه، وحتى لا يتحدث عن موضوعاته. حين أسأله يقلب الموضوع محرجًا من قلة إنتاجه.
ما يجمعني مع مؤيد في تلك الفترة هو أننا كنا نتحرك على ذات المساحة المربكة بين ذاتنا الوجودية وبين بقايا الالتزام الماركسي. معظم نقاشنا يدور بين قطبي المغناطيس.
بعد كل لقاء مع مؤيد أرجع للبيت وحدي، أطرق أحجار الرصيف قاطعًا المسافات الطويلة وأطرق في الوقت نفسه ذاتي وأفكاري. ذات مرة، وفي جدال مع أصدقاء آخرين اكتشفت فجأة أنني أردد نفس جمله وبنفس لكنته التركمانية فقلت لنفسي: «حذار!». هو الذي حذرني من نفسه، فقد طلب أن أسلم واحدة من رسائله إلى أنور الغساني بعد سفره لألمانيا. الرسالة كانت، ويا للغرابة، مفتوحة، ولم يمنعني حين سألت من قراءتها. حين دخلت قبو الرسالة أفزعتني فيها جملة واحدة (مسوخ كلهم). أغلقت الرسالة ومعها أغلقت نفسي عليه.



«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».


مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
TT

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر، وحوت عدداً كبيراً من المجسّمات التصويرية الآدمية، وصل أغلبها على شكل كتل مهشّمة، بدت أشبه بالقطع المنحوتة. يحتفظ متحف دمشق الوطني بمجموعة كبيرة من هذه الكتل، مصدرها قصر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف بقصر الحير الغربي. تحضر في هذه المجموعة سلسلة من القامات تشهد لتنوّع كبير في الأساليب الفنية المتبعة، منها قامة تمثّل فتًى يحمل بين ذراعيه بهيمة من دواب البر، وقامة تمثل صبية تحمل بيدها اليمنى إناءً صغيراً يحوي باقة من الزهور، وقامة تمثّل شاباً يضمّ بيده اليسرى طيراً.

ظلّ قصر الحير الغربي مطموراً تحت الرمال إلى أن كشفت عنه بعثة فرنسية قادها العالم دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938. خرجت هذه الحملة بكمّ هائل من القطع المنقوشة، نُقل الجزء الأكبر منها إلى متحف دمشق، حيث خصّص لها ركن واسع في جناح الفن الإسلامي. يعود جزء من هذه القطع إلى واجهة القصر الخارجية، ويعود الجزء الآخر إلى فناء يقع خلف هذه الواجهة، تحدّه كذلك واجهة عريضة. جمع فريق المنقّبين هذه القطع المبعثرة، وعددها بالآلاف، وأعادوا تركيب جزء منها بجهد جهيد. هكذا تشكّلت واجهة القصر الخارجية من جديد، ورُفعت عند مدخل المتحف، وباتت واجهة له. كذلك تشكّلت الواجهة الداخلية، ورُفعت في الركن المخصص لقصر الحير ضمن جناح الفن الإسلامي.

في المقابل، عجز فريق المنقبين عن تحديد موقع قسم من هذه القطع المنقوشة بدقّة، وشكّل هذا الموقع المجهول أساساً لسلسلة متواصلة من الأبحاث العلمية. من هذه القطع، تبرز مجموعة من القامات تعود على الأرجح إلى الفناء الداخلي. تتميّز كلّ منها بحركة حية خاصة، ويتبيّن عند دراسة هذه المجسّمات أنّها ترتبط بخيط جامع، يتراءى في حركتها الحية. تبرز في هذا الميدان ثلاث قطع من الحجم المتوسّط، تشكّل كما يبدو ثلاث عينات مترابطة، بالرغم من اختلافها الظاهر في التكوين.

تحضر إحدى هذه العينات على شكل لوح مستطيل سقط القسم الأسفل منه، يزيّنه نقش ناتئ يلامس في نتوئه الشديد فن النحت، ويمثّل فتىً أمرد يحضر في وجهية نصف جانبية، حاملاً بين ذراعيه بهيمة سقط رأسها للأسف، ويوحي تكوين هذه البهيمة وحجمها بأنّها من فصيلة الغنم. رأس الفتى دائري، وملامحه جليّة، قوامها عينان حافظتا على بنيتهما، وأنف صغير ناتئ، وأذن ظهر صيوانها بشكل كامل، وثغر ارتسمت على شفتيه النحيلتين ابتسامة خفيّة. تكلّل هذا الوجه النضر كتلة من الشعر، تعلوها خصل متموّجة تتسّم بطابعها الحي. يرتدي هذا الفتى ثوباً من الطراز الروماني، تعلوه ثنايا تلتف حول الصدر والحوض. ضاع ساقا هذه القامة نتيجة سقوط الجزء الأسفل من اللوح، وما تبقّى من الصورة المجسّمة يوحي بأن هذا الرداء يلفّ كذلك الساقين. حركة هذه القامة واضحة، وتتمثّل بذراعين مرفوعتين تحملان الخروف في وضعية التقدمة. تظهر الذراع اليسرى بشكل كامل، وتتبع مفاصلها التشريح الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الطبيعي الحي. يظهر الساعد، وتظهر اليد بأصابعها الخمس، وفقاً لناموس الجمالية الكلاسيكية المكرّسة.

يتجلّى هذا الأسلوب في عينة أخرى تمثّل قامة أنثوية ترتدي ثوباً تعلوه ثنايا محدّدة بدقّة. فقدت هذه القامة ذراعها اليسرى وقدمها اليمنى، وحافظت على رأسها بشكل كامل. الوجه الأنثوي صاف ونضر، مع ثغر صغير ترسم شفتاه ابتسامة رقيقة. تلتفّ ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكلّ كتلتين هلاليّتين يفصل بينهما شقّ في الوسط، وفقاً لتسريحة تقليدية تُعرف بـ«التسريحة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا في جنوب غرب آسيا الصغرى، وهي التسريحة التي عُرفت بها في وجه خاص، المعبودة أفروديت، في تمثال صنعه قديماً براكستيليس، النحات البارع الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم.

يستقرّ رأس هذه الصبية الحسناء فوق عنق عريضة، وتظهر في موازاة استدارة الذقن، استدارة ناتئة في أعلى العنق، تُعرف في قاموس الفن اليوناني بـ«الذقن المزدوجة». ترتدي هذه الصبية ثوباً تلف ثناياه قامتها، مع زنار علوي يلتفّ حول الخصر. ترتفع الذراع اليمنى نحو أعلى الصدر، وتحتضن إناءً يستقرّ وسط اليد، وتظهر في وسط هذا الإناء باقة من الزهور، تتكوّن كلّ منها من أربع بتلات متناسقة. يتبنّى هذا التمثال النسق الإغريقي الكلاسيكي، ويتجلّى في الأسلوب الواقعي المعتمد في صياغة مختلف أعضاء الجسد الأنثوي، كما في صياغة ثنايا الثوب الذي يلفّ هذا الجسد.

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو على شكل قامة منتصبة فقدت قدميها، وتمثّل هذه القامة شاباً يحضر في وضعية المواجهة، معتمراً قبّعة عريضة قمّتها مدبّبة، رافعاً ذراعيه نحو وسط صدره. يرتدي هذا الشاب ثوباً فضفاضاً ينسدل عند الركبتين، مع زنار عريض معقود حول الخصر. ويكشف هذا الثوب القصير عن سروال فضفاض، ويتبع زياً تقليدياً يُعرف بالزي الإيراني القديم، وتتبع القبّعة زياً يُعرف بالقلنسوة الفريجية، نسبة إلى إقليم فريجيا القديم في الوسط الغربي من الأناضول. ويشكّل الثوب والقلنسوة زياً جامعاً شاع بشكل واسع في العالم المتوسّطي بأقاليمه المختلفة. يحضن هذا الشاب بيده اليسرى طيراً سقط رأسه، يبدو أشبه بحمامة، ويرفع يده اليمنى في حركة موازية، حاضناً أداة سقطت بشكل كلّي، بحيث يصعب تحديد هويها. يجمع هذا المجسّم بين التقليد الروماني والتقليد الساساني، ويتبع تكوينه نموذجاً اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية.

في الخلاصة، يحضر كلّ من هذه المجسّمات في حركة خاصة، حاضناً خيرة من خيرات هذه الأرض، وهي هنا خروف وطير وباقة من الزهور، وتمثّل بعضاً من نِعم الأرض، وهي الأرض التي جعلها فراشاً للإنسان، كما تقول الآية الكريمة (البقرة 22)، فباتت «مهاداً، وموطأً، وقراراً يستقر عليها» كما جاء في تفسير الطبري.


دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة
TT

دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

هذا بالضبط ما يحدث مع الطالب (زين)، بطل رواية «جريمة الثانوية العامة»، الصادرة عن دار«الشروق» بالقاهرة للكاتب المصري الشاب توماس جوزيف، حيث يذهب لأداء امتحانات الثانوية العامة فيجد نفسه وقد أصبح المتهم الرئيسي في لغز مقتل طالبة داخل المدرسة.

تزداد الأزمة تعقيداً، حين يجد الفتى المراهق أن كل الظروف ضده والجميع تخلى عنه حتى أقرب الناس إليه بدأوا ينظرون إليه بشك وخوف، فيقرر ألا يستسلم ويدرك أن عليه حل اللغز بنفسه لينجو، لكن كلما اقترب من الحقيقة اكتشف أن المدرسة التي كان يظن أنه يعرفها مليئة بالأسرار المظلمة والحكايات الصادمة التي قرر أصحابها أن يدفنوها للأبد حتى لو كان الثمن حياة زميلهم.

وخلف ستار الجريمة والغموض، تقدم الرواية محاولة تشريح للنفس الإنسانية حين يعتريها الخوف وتحاصرها الشكوك ويصبح من الصعب للغاية تحديد من هو جدير بثقتك، بل من هو عدوك ومن صديقك، وهنا يستفيد المؤلف من تخصصه الجامعي في دراسة علم النفس.

لكن الرواية، في المقابل، تعاني من بعض السلبيات المعتادة في التجارب الإبداعية الأولى للأدباء الشبان ومنها هيمنة الحوار بين الشخصيات بشكل مبالغ فيه وتراجع مساحات السرد بما فيها من لمحات مضيئة وعميقة تدعو للتأمل، فضلاً عن الاشتغال على ثيمة تقليدية في أدب الجريمة والسينما، على حد سواء.

من أجواء الرواية نقرأ:

«خرجتُ... وضح كل شيء الآن... لا جريمة ولا قاتل يدعى زين، لا تعليقات سخيفة ومؤذية على مواقع التواصل الاجتماعي، لست شكلاً ضالاً كما قال عني الجميع، لست سفاحاً وشيطاناً حياً يمشي في الشوارع يبحث عن الفتيات ليقتلها، لست مغتصباً ولا متحرشاً، لست مريضاً عقلياً كما قال عني البعض.

جلستُ على الرصيف وملت للوراء حتى استلقيت على ظهري، لا نجوم كعادة مدينة القاهرة، بالكاد أرى السحب وسط الظلام، عكس عمود نور رؤيتي فقمت بسرعة وركلته بقدمي كأنه الدنيا وما فيها. رقص العمود ورقصتْ معه أحزاني، تمايل حتى خفت حركته كأنه شعر بآلامي وقال لي: رفقاً بك.

شعرت بالألم يتصاعد من قدمي. ركلة شديدة، لو كنت في مباراة لكنت قد ثقبت الشِباك. خرجت العجوز يزيد الهم تجاعيد وجهها، رأتني وتحركت نحوي ببطء فتحت ذراعيها لتعانقني كالمعتاد فلم تحضنني أمي ولم يؤمن بي أبي. رفضتُ عناقها وأنزلت ذراعها. حان دوري، فتحتُ لها ذراعيّ عن آخرهما، ارتمت كطفلة صغيرة لا كجدة، بداخلها طفلة، جميعنا أطفال في الواقع لكن من يرى؟».