مسرحية «ماغما» تجسيد فني شفيف لانفجار مرفأ بيروت

برناديت حديب وعصام بوخالد يُبهران في «دوّار الشمس»

برناديت حديب في تراجيديا أمومية
برناديت حديب في تراجيديا أمومية
TT

مسرحية «ماغما» تجسيد فني شفيف لانفجار مرفأ بيروت

برناديت حديب في تراجيديا أمومية
برناديت حديب في تراجيديا أمومية

لمرة جديدة، الثنائي عصام بوخالد وبرناديت حديب في عمل مسرحي مشترك، هذه المرة «ماغما» العنوان الذي يحيل إلى بواطن البراكين، وإلى حمم النار والانفجارات الربانية التي تذهل وتسحق بمقذوفاتها اللاهبة.

برناديت حديب، مستلقية على سرير وثير يتوسط المسرح بوسائده وأغطيته البيضاء، مع الإضاءة الخافتة، وتقاعسها عن النهوض، لا تشي بأن ثمة ما يغلي أو يفور. صوت عصام بوخالد، نسمعه يناديها أن تقوم من السرير، أن تستيقظ من سُباتها. «أعطي إشارة حياة» يقول لها، «من أجل ابنك». لكنها تريد أن تذهب إلى غفوتها. الصوت الذي يأتيها متمنياً عليها أن تتخلى عن كسلها، لا يغير في إحباطها شيئاً. هي حين تتحدث إلى نفسها أو إلى الجمهور، تروي تبرُّمها، رغبتها في أن «تبصق» على كل ما حولها. لم يعد شيء يستحق حتى أن تبدأ نهارها من أجله، أن تلف سندويشاً لابنها، أن تصطحبه إلى المدرسة، أن تتعارك مع السائقين الذين لا يحترمون قانوناً، أن تسمع أغنية، أو تتفرج على مسلسل أو تتابع برنامجاً تلفزيونياً. فقدت الحياةُ طعمها، وهي متعبة من كل هذا وتهرب إلى سريرها: «رأسي! يبدو أنني أثقلت العيار».

بينما تحاول أن تبدأ نهارها ولا تستطيع. تروي المرأة حكاية عمرها، كأي لبنانية، أنهكتها الانهيارات المتتالية، «عندي قلق، بالقاف»؛ لأنها بالعامية مع ألف لا تفي بغرض التعبير عما يجول في داخلها.

النص مكتوب، كما هي عادةُ نصوص عصام بوخالد، ومسرحياته التي يُخرجها، بأسلوب التداعي، حيث الفكرة تستدعي أخرى، وإن بدت في البدء الأفكار متشظية، والأحداث مفككة. الكلام فيه نوع من الهذيان المجنون الذي يصل إلى حد الشتائم وهو يصطدم باليأس. غضب عارم، سخط على الوضع القائم، احتجاج على حالة لا يمكن إصلاحها، كما في مسرحياته السابقة مثل «أرخبيل»، و«مارش»، و«بنفسج». الحرب تيمة محورية في أعمال عصام بوخالد، متعدد المواهب، فهو ممثل بارع، وكاتب يجيد تحضير المفاجآت، ومُخرج آسِر. وفي «ماغما» يجعل ممثلته (وهي في الحياة زوجته ورفيقة دربه) تروي وحيدةً حكاية سقوطها في العدم، على مدى ما يقارب الساعة. وقد نجحت حديب في أن تُبقي خيط الرواية مشدوداً، بأداء قوي، صلب، وجذاب. ليس سهلاً حين يكون العمل مُغرقاً في السوداوية، أن تبقى القفشات قادرة على الإضحاك، كما ليس باليسير أن يفلح ممثلٌ وحده في الحفاظ على قوة الأداء، حين يقدم شخصية واحدة، قصة امرأة، ولا يتنقل بين شخصيات عدة، ويستخدم أدوات متعددة، وأزياء مختلفة تضفي حيوية على المشاهد.

قرابة الساعة من الأداء المشدود العصب

تقشّف المخرج عصام بوخالد حتى الثمالة في أدواته، وضع ممثلته في اختبار صعب، بحيث أصبح النص والأداء معاً الحاملين الأساسيين لإنجاح العمل. هكذا وجدت برناديت حديب نفسها مع شراشفها ومخداتها وسريرها، في مواجهة جمهور طامع بعرض يُبقيه على عطش حتى النهاية. وهكذا كان.

تروي المرأة حكايتها، مجزَّأة، متناثرة، كما قطع البزل، لكنها على فوضويتها، وعبثيتها، وتشظّي أجزائها، تشكل مع تقدم الوقت اكتمالاً للصورة، وإتماماً للمشهد العام.

تتصاعد وتيرة القص، ونكتشف بمرور الوقت، أننا أمام كائن ينام هرباً من انفجار داخلي، من «ماغما». ثمة انسداد؛ ليس فقط في الأفق، بل أيضاً في أعضاء الجسد، تراكم في الضغط: «كل عضلات جسمي مشلولة». بين الغفلة واليقظة تتذكر المرأة لون بشرتها. اللون الأسود الذي تحبه، تحب الظلام، والشوكولاته الحقيقية، لا البيضاء المزيفة؛ لأن الأبيض «يستعمرنا، يقهرنا، يظن أنه أحسن منا». للحظة يصبح إخفاء الوجه بالملاءة او التخفي خلفها، وسيلة لرؤية الناس بطريقة أخرى، من وراء الغلالة يصبحون أشبه بالحشرات.

لكن «أين الشباك؟ كان هنا، مَن سرقه، سرقوا متنفسي الوحيد». العودة إلى النوم تحتاج لعدّ الخواريف على الطريقة المعهودة، لكنهم يذكرون بخواريف من نوع آخر. الخواريف البشرية التي تسير على غير هدى، تُساق إلى المسلخ، مسلخ مفتوح قرب المرفأ، ودماء، دماء كثيرة، ولحم يأكله الناس نِيئاً. تتداخل الصور بطريقة هستيرية وتوليدية.

ندرك أنها حامل. ها هو الطلق يداهمها، تداخل الأزمنة، كما الأحداث، التي نذهب فيها جيئة وإياباً تُعفينا من ملل الحكاية المتسلسلة التي تعيدنا إلى المألوف. فك اليومي وإعادة تركيبه تساعدان على فهمه وإدراك ما لم يكن جلياً.

الرحيل الذي لا بد منه

إنه المخاض بكل وجعه وما يستدعيه من ذكريات، وأفكار، وإحساس بالخوف من المستقبل. تجلس على الحافة الخلفية للسرير، الذي يرتفع بها فجأة. يصبح السرير رافعة، والمرأة في الأعلى تستكمل وضعها وألمها، كما حكايتها. ننتقل معها إلى مشهد مفصلي، صار الابن في الثامنة، وقف معها على الشرفة، وكانا ينظران معاً إلى دخان يتناسل من بعيد، تركته وذهبت تبحث عن هاتفها لتلتقط صورة قبل أن يأتي الدفاع المدني ويطفئ النار، لكنها حين عادت كان الوليد قد أخذه الدخان واختفى.

يعود بها السرير إلى وضعيته السابقة مع انحناءة، وهي نائمة عليه، لا تريد أن تبقى هنا، تغوص في شراشفها، تنزلق رويداً رويداً، ينشقّ السرير ويبتلعها، تختفي خلف ملاءته البيضاء التي تتحول إلى ما يشبه الكفن. صوت الزوج المجروح يناديها من جديد، يتوسل إليها ألا ترحل، لكنها لا تستجيب، تريد أن تلحق بولدها. يطلب إليها الزوج أن تُعنى بابنهما هناك، أن تكون إلى جانبه.

لعلّها واحدة من أجمل التجسيدات الفنية لانفجار مرفأ بيروت المأساوي، كل الحكايات بدأت لتنتهي به، لنرى كم أن الألم أكبر مما يمكن أن يعتقد البعض، وأن ثمة مَن لحق بالموتى لأنه لا يستطيع أن يعيش دونهم. إنها القصة داخل القصة، والأمومة في واحدة من تجلياتها التراجيدية. لا لغة تنقل مسرحية، تلعب على النص العامي بمهارة، على المشهدية الحاذقة، والأداء الفذ، فالمسرح للفرجة، ولا شيء يعوضها.

الإضاءة التي أدارها سرمد لويس ركزت على السرير باستمرار وعلى الأم المكلومة، وهي تروي كل شيء إلا ألمها الحقيقي، لنعرف في النهاية أنها تقص علينا حكاية موتها ورحيل ابنها الذي لا يحتمل.

العرض الذي اجتمع لحضور افتتاحه حشدٌ من أهل المسرح وكباره، وقد أرادوا ألّا يفوتهم عمل جديد لثنائي تنتظر أعمالهما، مستمر حتى 4 فبراير (شباط) على خشبة «دوار الشمس» في بيروت.


مقالات ذات صلة

مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

يوميات الشرق في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)

مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

بأسلوب مباشر، يأخذنا معتوق إلى موضوع أساسي هو الصحة النفسية، ويطرح تساؤلات عن قدرتنا على مواجهة ما يؤلمنا...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق من أبطال المسرحية ميشيل وهبة ولودي الخوري وفادي أبو شعيا (الشرق الأوسط)

«آخرتا شو؟» تجمع الكوميديا والتكنولوجيا لمواكبة جيل الشباب

المسرحية موجّهة إلى جيل الشباب، وتخاطب خصوصاً أبناء جيل «زد» المهتمّين بمتابعة أخبار مواقع التواصل.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق التناغم في الأداء كان حاضراً بين دكاش وشبلي (الشرق الأوسط)

«زينا لبست خلخالها»... حين تتحوّل الذكريات إلى علاج يشفي

اختارت للانطلاق في هذا الطريق حكاية ترتكز على ذكريات شخصية ممزوجة بالخيال...

فيفيان حداد (بيروت)
منحنيات أصولية كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

تستعيد مسرحية «داليدا... قلبي مليان بحكايات» اليوم الأخير في حياة المطربة العالمية، وتقدِّم قراءة درامية لمشاعر الوحدة والخذلان التي سبقت وفاتها.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق سمر صالح في دور الديفا المجروحة من الماضي (مسرح مونو)

سمر صالح... من ابتسامة «مونو» إلى خشبته في «درجة تانية»

من خلال مسرحية «درجة تانية»، تروي سمر صالح قصتها الحقيقية ضمن رسالة إنسانية مؤثِّرة، وتضفي على أدائها شيئاً من روحها وشخصيتها الطريفة.

فيفيان حداد (بيروت)

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.