هل تدفع مؤشرات النمو والتضخم «الفيدرالي» إلى تأجيل الخفض؟

يواجه ضغوطاً متضاربة ويثير حيرة المستثمرين بشأن التوقيت

تراجعت التوقعات بخفض أسعار الفائدة باجتماع «الاحتياطي الفيدرالي» في مارس  (الموقع الرسمي لـ«المصرف المركزي الأميركي»)
تراجعت التوقعات بخفض أسعار الفائدة باجتماع «الاحتياطي الفيدرالي» في مارس (الموقع الرسمي لـ«المصرف المركزي الأميركي»)
TT

هل تدفع مؤشرات النمو والتضخم «الفيدرالي» إلى تأجيل الخفض؟

تراجعت التوقعات بخفض أسعار الفائدة باجتماع «الاحتياطي الفيدرالي» في مارس  (الموقع الرسمي لـ«المصرف المركزي الأميركي»)
تراجعت التوقعات بخفض أسعار الفائدة باجتماع «الاحتياطي الفيدرالي» في مارس (الموقع الرسمي لـ«المصرف المركزي الأميركي»)

تترقب الأسواق الاجتماع المقبل لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، يومي 30 و31 يناير (كانون الثاني)، لتحديد اتجاهات أوضاع أسعار الفائدة التي بلغت أعلى مستوياتها منذ أكثر من 20 عاماً.

ووسط شكوك ومخاوف من سيطرة التأثيرات الجيوسياسية على العالم، يبحر مصرف «الاحتياطي الفيدرالي» في مياه اقتصادية متقلبة، رافعاً راية الوصول إلى هدف خفض معدلات التضخم إلى 2 في المائة، قبل التخلي عن سياساته النقدية التقييدية، كما يكرر دائماً رئيسه جيروم باول.

ويتبع «الاحتياطي الفيدرالي» نهجاً حذراً في تعديل الأدوات الاقتصادية، ويرسل رسائل متحفظة حول النتائج المتوقَّعة للاجتماع المقبل في مواجهة الاتجاهات التي تتوقع تخفيضات وشيكة في أسعار الفائدة. وقد دفع هذا المستثمرين إلى إعادة التفكير في رهاناتهم على مدى سرعة اتخاذ «الاحتياطي الفيدرالي» خطوة خفض أسعار الفائدة، بحيث لم يعد السؤال هو ما إذا كان يجب خفض أسعار الفائدة أو رفعها، بل بات حول توقيت خفض أسعار الفائدة ومدى سرعة تحرك «الاحتياطي الفيدرالي» للقيام بذلك.

إن التنبؤ بما قد يتخذه «الاحتياطي الفيدرالي» في الاجتماع المقبل يشبه محاولة التنجيم، وقراءة فنجان. وتشير توقعات صانعي السياسات إلى تخفيضات محتملة في أسعار الفائدة خلال عام 2024، لكن ذلك يعتمد على بيانات التضخم المقبلة، ومستويات التوترات الجيوسياسية، ومدى التحولات الاقتصادية غير المتوقَّعة، ومدى مرونة ديناميكيات السوق، وبالتالي أي مفاجآت اقتصادية وسياسية تدفع التضخم إلى الأعلى تعني استمرار مستوياته المقيدة.

وسيتأثر قرار «الاحتياطي الفيدرالي» بمؤشرات اقتصادية مهمة، هذا الأسبوع، بما في ذلك التقرير المرتقب عن معدلات الناتج المحلي الإجمالي للربع الأخير من عام 2023 الصادر عن وزارة التجارة، الذي من المتوقَّع أن تشير نتائجه إلى أن معدل نمو الاقتصاد لا يزال بطيئاً ويصل إلى 1.7 في المائة. وينتظر الاقتصاديون نتائج تقرير مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي لشهر ديسمبر (كانون الأول)، الذي من المتوقع أن يشير إلى زيادات متواضعة، ولكن أقل من هدف «الاحتياطي الفيدرالي». بالإضافة إلى ذلك، سيتأثر القرار بقياس معدلات البطالة، ومدى صحة سوق العقود الآجلة للأموال الفيدرالية، التي تُعدّ بمثابة «ترمومتر» لتوقعات السوق. وأدى كل ذلك إلى تراجع التوقعات بخفض أسعار الفائدة في الاجتماع المقبل في 30 و31 يناير (كانون الثاني)، كما تراجعت أيضاً التوقعات بخفض أسعار الفائدة في اجتماع «مجلس الاحتياطي الفيدرالي»، في مارس (آذار) المقبل.

وقد اتسمت كلمات رئيسة «مصرف الاحتياطي الفيدرالي»، في سان فرانسيسكو، ماري دالي، بالحذر الشديد عند سؤالها عن التوقعات في اجتماع يناير؛ فقد أشارت في مقابلة مع شبكة «فوكس بيزنس» إلى أنه من الحكمة توقع إجراء تعديلات لمنع خنق الاقتصاد، ولكن من السابق لأوانه الدعوة إلى خفض أسعار الفائدة حتى يكون هناك دليل ثابت على انخفاض التضخم واستقرار سوق العمل قبل الموافقة على أي تعديلات على أسعار الفائدة.

وقال رئيس «مصرف الاحتياطي الفيدرالي» في شيكاغو، أوستان غولسبي، لشبكة «سي إن بي سي»، إنه يجب مراقبة التقارير والبيانات، خصوصاً أرقام التضخم والصورة العامة للنمو الاقتصادي وأسعار نفقات الاستهلاك الشخصي. وبالتالي، يمكن تحديد المسار الذي سيتبعه «مصرف الاحتياطي الفيدرالي»، لأن الأمر لا يتعلق بالاجتماعات، بل يتعلق بشكل أساسي بالبيانات؛ «فما الذي يدفعنا إلى أن نصبح أقل تقييداً إذا كان لدينا دليل واضح على أننا نسير على الطريق الصحيحة لوضع التضخُّم عند الهدف المستهدف، وهو 2 في المائة؟!».

وأشار إلى أن أحد المجالات التي سينظر إليها بشكل خاص معدل تضخم الإسكان، الذي ارتفع في مؤشر أسعار المستهلك لشهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي بنسبة 6.2 في المائة مقارنة بالعام الماضي، وهو أعلى بكثير من وتيرة استهداف خفض التضخم إلى 2 في المائة.

في المقابل، كانت تصريحات رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» السابق في سانت لويس، جيمس بولارد، أكثر تفاؤلاً، حيث توقع في تصريحات لصحيفة «وول ستريت» أن يبدأ «الاحتياطي الفيدرالي» في خفض أسعار الفائدة، حتى لو لم يصل معدل التضخم إلى الهدف المستهدَف، وهو 2 في المائة. وتوقع أن تأتي التخفيضات في أسعار الفائدة في شهر مارس (آذار). وقال بولارد إن معدلات التضخم على أساس 12 شهراً يمكن أن تصل إلى 2 في المائة بحلول الربع الثالث من عام 2024. وبالتالي، سيحرص «الفيدرالي» على عدم الانتظار إلى النصف الثاني من عام 2024 دون اتخاذ قرارات سياسة نقدية سريعة.

وأصدر رئيس «مصرف الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، جون ويليامز، ورئيس «مصرف الاحتياطي الفيدرالي» في أتلانتا، رافائيل بوستيك، تعليقات تشير إلى أنهما ليسا في عجلة من أمرهما لخفض أسعار الفائدة.

ويشير بعض الخبراء إلى ضرورة أن يتجه «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» إلى خفض أسعار الفائدة خلال الأشهر الستة المقبلة لتجنب الركود. ويُعدّ مؤسس شركة «بيمكو» في نيويورك، ويليام غروس، من أنصار هذا الاتجاه الذي أشار (لوكالة «بلومبرغ») إلى أنه يرى أن أسعار الفائدة مرتفعة للغاية، وتؤثر على الأسهم التي تُعدّ عالية الثمن مقارنة بمستويات العوائد. ويعتقد أنه لا بد أن ينخفض العائد على السندات المرتبطة بالتضخم (لأجل 10 سنوات) إلى 1 في المائة في المائة من 1.5 في المائة لمنع الاقتصاد من الانزلاق إلى حالة ركود. ونصح غروس بأفكار استثمارية أكثر تحفظاً في الأسهم ذات الأرباح المرتفعة، مثل البنوك وشركات التبغ، وصفقات الاندماج والاستحواذ، والبحث عن عوائد أعلى بمخاطر أقل.

ويقول المحللون إن استمرار الارتفاع في سوق الأسهم قد يقلق «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» من استمرار معدلات التضخم في الارتفاع. كما يتزايد القلق من تسارع التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، التي يمكن أن تضع ضغوطاً تصاعدية على أسعار الفائدة قصيرة الأجل والعوائد طويلة الأجل.


مقالات ذات صلة

«سلام هرمز» لن ينهي معضلة التضخم العالمي

الاقتصاد أكواب تحمل شعار «نصف كوب» معروضة للبيع بمتجر هدايا في «هوليوود» بلوس أنجليس بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)

«سلام هرمز» لن ينهي معضلة التضخم العالمي

يبدو المشهد الاقتصادي العالمي كمن يخطو خطوتين إلى الأمام وخطوة إلى الوراء، في ظل التذبذب المستمر للمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران؛ وهو الملف الذي يستأثر…

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

كبير اقتصاديي «المركزي الأوروبي»: مراجعة مرتقبة لتوقعات التضخم والنمو

قال كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، فيليب لين، في مقابلة مع صحيفة «نيكي»، إن البنك يتجه على الأرجح إلى مراجعة توقعاته للتضخم والنمو.

«الشرق الأوسط» (طوكيو - باريس )
الاقتصاد متسوّقون في شارع تجاري بالعاصمة الكورية الجنوبية سيول (رويترز)

توقعات بأن يبقي «المركزي» الكوري الجنوبي على معدل الفائدة دون تغيير

قال محللون، الثلاثاء، إنه من المتوقع أن يبقي «البنك المركزي الكوري الجنوبي» على معدل الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه المقرر في وقت لاحق من هذا الأسبوع...

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد العلم الأميركي يرفرف فوق مدخل «بورصة نيويورك» للأوراق المالية (أ.ب)

السندات الأميركية ترتفع قبيل مزادات الديون وسط مؤشرات تضخم إيجابية

ارتفعت أسعار سندات الخزانة الأميركية عبر مختلف آجال المنحنى، الثلاثاء، بدفع من تراجع المخاوف التضخمية، وسط آمال بالتوصل إلى اتفاق يفضي إلى إعادة فتح مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ ب)

الأسواق تشطب فرضية خفض الفائدة الفيدرالية وتستعد للتثبيت المطول

تشهد التوقعات المتعلقة بسياسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي تحولاً حاداً في الفترة الأخيرة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

بريطانيا: قفزة جديدة في فواتير الطاقة تفاقم ضغوط تكلفة المعيشة

امرأة تحاول التخفيف من حرارة الجو خارج قصر وستمنستر في لندن (أ.ب)
امرأة تحاول التخفيف من حرارة الجو خارج قصر وستمنستر في لندن (أ.ب)
TT

بريطانيا: قفزة جديدة في فواتير الطاقة تفاقم ضغوط تكلفة المعيشة

امرأة تحاول التخفيف من حرارة الجو خارج قصر وستمنستر في لندن (أ.ب)
امرأة تحاول التخفيف من حرارة الجو خارج قصر وستمنستر في لندن (أ.ب)

ستواجه الأسر البريطانية، التي تعاني بالفعل من ضغوط قاسية جراء أزمة تكلفة المعيشة، قفزة جديدة في فواتير الطاقة السنوية لتصل في المتوسط إلى 1862 جنيهاً إسترلينياً (ما يعادل 2504 دولارات) اعتباراً من شهر يوليو (تموز) المقبل.

وجاء ذلك بعد أن أعلنت هيئة تنظيم الطاقة البريطانية «Ofgem» رفع سقف الأسعار بنسبة 13 في المائة، مدفوعة بالارتفاع الحاد في أسعار الغاز بالجملة في الأسواق العالمية نتيجة استمرار الصراع في منطقة الشرق الأوسط.

وتأتي هذه الزيادة المقررة من قِبل المنظم المستقل (وهو قطاع حكومي غير وزاري)، في وقت يواجه فيه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ضغوطاً سياسية واقتصادية مكثفة لتخفيف التداعيات السلبية والآثار الجانبية الناجمة عن التوترات الإقليمية الحالية، والتي أثَّرت بشكل مباشر على سلاسل إمداد الطاقة العالمية.

وفي هذا السياق، صرّح تيم جارفيس، الرئيس التنفيذي لهيئة تنظيم الطاقة البريطانية، في بيان رسمي، قائلاً: «إن التعديل الجديد في سقف الأسعار يعكس حالة التقلب والاضطراب المستمر في أسواق الطاقة العالمية. هذا يعني أن الارتفاع في أسعار الغاز بالجملة، والمدفوع بالصراع المستمر في منطقة الشرق الأوسط، قد بدأ يلقي بظلاله مباشرة على التكلفة الفعلية التي يدفعها المستهلكون في منازلهم مقابل الطاقة».

وتشكل أسعار الطاقة بالجملة النسبة الأكبر والعنصر الحاسم في تحديد سقف الأسعار المحلي الذي تفرضه الهيئة؛ حيث يتم مراجعته وتعديله على أساس ربع سنوي بناءً على معادلة حسابية دقيقة تأخذ في الحسبان أيضاً تكاليف شبكات الإمداد التابعة للموردين، فضلاً عن الرسوم البيئية والالتزامات الاجتماعية المفروضة.

فجوة سعرية إضافية تثقل كاهل المستهلكين

ويمثل السقف السعري الجديد البالغ 1862 جنيهاً إسترلينياً سنوياً للاستهلاك المتوسط من الكهرباء والغاز، زيادة واضحة تقدر بنحو 221 جنيهاً إسترلينياً مقارنة بالسقف السعري السابق المعمول به خلال الربع الممتد من أبريل (نيسان) إلى يونيو (حزيران)، والذي كان يستقر عند مستوى 1641 جنيهاً إسترلينياً سنوياً.

ويرى خبراء ومحللون أن هذا الارتفاع المفاجئ سيعيد خلط الأوراق التحريرية والاقتصادية للحكومة البريطانية، وسيدفع نحو مستويات جديدة من التضخم الداخلي، مما يزيد من صعوبة السيطرة على معدلات الإنفاق الاستهلاكي للأسر ببريطانيا خلال النصف الثاني من العام الحالي.


«مايكرون» تقتحم نادي التريليون دولار وتقود خريطة جديدة لرقائق الذاكرة العالمية

شعار «مايكرون» (رويترز)
شعار «مايكرون» (رويترز)
TT

«مايكرون» تقتحم نادي التريليون دولار وتقود خريطة جديدة لرقائق الذاكرة العالمية

شعار «مايكرون» (رويترز)
شعار «مايكرون» (رويترز)

لم تعد معركة الذكاء الاصطناعي العالمي مقتصرة على معالجات الرسوميات فائقة القوة التي تقودها شركات مثل «إنفيديا»، بل انتقلت رسمياً إلى عصب البنية التحتية ومفاصل التخزين ونقل البيانات. وفي خطوة تاريخية تعكس هذا التحول الهيكلي، نجحت شركة «مايكرون تكنولوجي» - أكبر مصنع لرقائق الذاكرة في الولايات المتحدة - في اختراق نادي تريليون دولار للقيمة السوقية، لتنضم إلى عملاق التكنولوجيا الكوري الجنوبي «سامسونغ للإلكترونيات».

هذا السباق المحموم نحو تحقيق «الذكاء الاصطناعي العام» (AGI) لا يعيد صياغة تقييمات الشركات فحسب، بل يدفع برسم خريطة جيوسياسية جديدة تضع الهند في قلب طموحات التوريد العالمية كبديل استراتيجي مرن لشرق آسيا.

وقد سجلت «مايكرون تكنولوجي»، التي تهيمن على الحصة السوقية الأكبر بين الشركات الأميركية في قطاعي رقائق الذاكرة والتخزين، قفزة تاريخية بعد أن تجاوزت قيمتها السوقية حاجز التريليون دولار لفترة وجيزة خلال تعاملات نهاية الأسبوع.

وجاء هذا الصعود المدفوع بزيادة جنونية في الطلب على رقائق الذاكرة فائقة النطاق (HBM) المستخدمة في تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي ومراكز البيانات الضخمة.

وقد تربع سهم الشركة على عرش مكاسب قطاع الرقائق بعدما أنهى التعاملات مرتفعاً بنسبة 17.4 في المائة ليصل إلى 881.6 دولار، بعد أن لامس ارتفاعاً بنسبة 19.3 في المائة في الجلسة الإخبارية.

وتلقت الأسواق دفعة قوية عقب قيام مجموعة «يو بي إس» المصرفية برفع السعر المستهدف لسهم «مايكرون» من 535 دولاراً إلى 1625 دولاراً، وهو التقييم الأعلى بين 46 شركة وساطة مالية تغطي أداء الشركة.

وتأتي هذه الطفرة لتعيد كتابة تاريخ الشركة التي تأسست عام 1978 بتمويل أولي مفارق ومثير للاهتمام من مزارعي بطاطس أثرياء في ولاية أيداهو، وعلى رأسهم رجل الأعمال الشهير «جيه إو آر سيمبلوت». ورغم أن الشركة واجهت انهياراً حاداً وقاسياً في سعر سهمها قبل نحو عقد من الزمان هدد مسيرتها، فإن تركيزها الاستراتيجي في السنوات الأخيرة على توسيع نطاقها العالمي والتحول بالكامل نحو رقائق الذاكرة فائقة النطاق (HBM) المخصصة لمراكز البيانات، نجح في قيادة قفزة استثنائية في أرباحها وعوائدها.

الرئيس التنفيذي لـ«مايكرون تكنولوجي» يحمل شريحة إلكترونية في بورصة نيويورك (أرشيفية - رويترز)

إشادة سياسية من ترمب

هذا الأداء الاستثنائي للشركة لم يمر دون التفات الأوساط السياسية في واشنطن؛ فخلال يوم الجمعة الماضي، تلقّت الشركة إشادة علنية مباشرة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي قال خلال تجمع انتخابي حاشد في نيويورك: «واو، مايكرون مذهلة حقاً».

وفي نقطة تحول لافتة أثارت انتباه المراقبين والمنشورات البيانية، قادت أسهم الذاكرة هذه الطفرة الجماعية لدرجة جعلت المستثمرين يتجاهلون تماماً غياب شركة «إنفيديا» - المحرك التقليدي المعتاد لقطاع الذكاء الاصطناعي- عن هذا الرالي الأخير لأشباه الموصلات. وتوضح الرسوم البيانية لحركة السوق فجوة وتباعداً كبيراً ونادراً لم يُشهد منذ فترة طويلة بين مسار مؤشر فيلادلفيا الصاعد وبين الأداء المستقر أو المتراجع لسهم «إنفيديا»، مما يؤكد أن الوزن النسبي والقيمة السوقية في قطاع التكنولوجيا يتجهان بقوة نحو شركات «الذاكرة النقية» كمحرك أساسي جديد للنمو.

وفي مؤشر على حجم الاختلال بين العرض والطلب، أعلنت إدارة «مايكرون» أن كامل إنتاجها من رقائق الذاكرة عالية النطاق (HBM) المخطط له لعام 2026 قد تم بيعه بالكامل بالفعل، في حين بدأت الشركة عملياً عمليات إنتاج الجيل الجديد من رقائق (HBM4) لتلبية الطلبيات طويلة الأجل التي يسعى العملاء لتأمينها وسط قلق من استمرار أزمة نقص المعروض وضغوط الأسعار.

وأوضح آرت هوغان، كبير استراتيجيي السوق في مؤسسة «بي رايلي ويلث»، أن «حاجة الأسواق إلى الذاكرة النقية نمت بمعدلات قياسية في فترات زمنية قصيرة للغاية، وتثبت مايكرون اليوم أنها تقف في بؤرة هذه الثورة»، مشيراً إلى أن تجاوز عتبة التريليون دولار يعكس حجم الإنفاق الرأسمالي الهائل الذي تضخه شركات التكنولوجيا الكبرى لبناء مراكز البيانات.

اضطرابات «سامسونغ» العمالية تهدد سلاسل الإمداد

وفي الضفة الأخرى من السباق التريليوني، تواجه شركة «سامسونغ للإلكترونيات» الكورية الجنوبية - أكبر منتج لرقائق الذاكرة في العالم والتي سبق لـ«مايكرون» الانضمام إليها في نادي التريليون - تعقيدات داخلية؛ فبالرغم من إبرام الإدارة اتفاقاً في اللحظات الأخيرة مع النقابة العمالية لتجنب إضراب شامل، رفعت نقابة عمال الأجهزة الإلكترونية دعوى قضائية أمام المحاكم الكورية لوقف التصويت على الاتفاقية. ويرى المحللون أن أي اضطراب في مصانع «سامسونغ» قد يصب في مصلحة منافستها الأميركية «مايكرون» ويدفع بأسعار الرقائق إلى مستويات قياسية جديدة.

الهند تقتنص الفرصة

وسط هذه التوترات الجيوسياسية في شرق آسيا والمخاوف المحيطة بسلاسل الإمداد التقليدية في تايوان وكوريا الجنوبية، برزت الهند كوجهة استراتيجية بديلة لبناء مرونة في الاقتصاد الرقمي العالمي. إذ طرحت الحكومة الهندية، بموجب «البرنامج المعدل لتطوير النظام البيئي لتصنيع أشباه الموصلات وشاشات العرض»، حوافز مالية وتسهيلات بمليارات الدولارات لجذب عمالقة صناعة الرقائق ومؤسسات التصميم العالمية وتأسيس بنية تحتية صلبة للمستقبل.

وفي هذا الإطار، ترجمت شركة «مايكرون» تطلعاتها التوسعية عبر ضخ استثمارات ضخمة لتأسيس منشأة متطورة للتجميع والاختبار والتعبئة (ATMP) في منطقة ساناند بولاية غوجارات، بتكلفة إجمالية تصل إلى 2.75 مليار دولار، والتي افتتحها رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي برفقة الرئيس التنفيذي لشركة «مايكرون»، سانجاي ميهروترا.

وتعمل هذه المنشأة الحيوية كحلقة وصل لربط الرقائق الخام القادمة من المصانع العالمية وتحويلها إلى وحدات ذاكرة جاهزة للسوق ومراكز البيانات. وتتوقع التقارير أن يسهم هذا المشروع في توفير ما يصل إلى 20 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، فضلاً عن كونه مغناطيساً يجذب موردي المكونات الكيميائية والركائز الأساسية، مما يسرع انتقال الهند إلى عقدة رئيسية في هندسة الأجهزة العالمية.

دور كبير للمهندسين الهنود

ولم تبدأ قصة نجاح الهند من المصانع؛ بل انطلقت من العقول التكنولوجية؛ إذ تستضيف الحواضر البرمجية مثل بنغالورو، وحيدر آباد مقار، ومراكز أبحاث وتطوير لأبرز أقطاب الصناعة مثل «تكساس إنسترومنتس»، و«أرم»، و«إنفيديا»، و«إيه إم دي»، و«كوالكوم». وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن الهند تستأثر حالياً بنحو 20 في المائة من إجمالي مهندسي تصميم أشباه الموصلات في العالم، مما يجعلها عنصراً لا يمكن الاستغناء عنه في خطوط الابتكار ومستقبل الأجهزة الداعمة للذكاء الاصطناعي لتتحول الهند من مجرد مستهلك للتكنولوجيا إلى ركيزة أساسية في بنية الهاردوير العالمي.


الأسواق تترقب محادثات واشنطن وطهران وبيانات التضخم لتقييم حركة الذهب

سبائك الذهب البريطانية في متجر «بيرد وشركاه» في هاتون غاردن بلندن (رويترز)
سبائك الذهب البريطانية في متجر «بيرد وشركاه» في هاتون غاردن بلندن (رويترز)
TT

الأسواق تترقب محادثات واشنطن وطهران وبيانات التضخم لتقييم حركة الذهب

سبائك الذهب البريطانية في متجر «بيرد وشركاه» في هاتون غاردن بلندن (رويترز)
سبائك الذهب البريطانية في متجر «بيرد وشركاه» في هاتون غاردن بلندن (رويترز)

استقرت أسعار الذهب خلال تعاملات يوم الأربعاء، بالتزامن مع ترقب المستثمرين لعلامات ملموسة تعكس تقدماً في مفاوضات السلام بين الولايات المتحدة وإيران، بانتظار تصريحات مرتقبة من مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي لاستشراف المسار المستقبلي للسياسة النقدية.

ولم يشهد سعر الذهب في المعاملات الفورية تغيراً يذكر، ليستقر عند 4504.95 دولار للأوقية بحلول الساعة 02:15 بتوقيت غرينتش، كما حافظت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم يونيو (حزيران) على استقرارها عند 4503.90 دولار.

وفي قراءة للحركة الحالية، قال إيليا سبيفاك، رئيس قسم الماكرو العالمي في منصة «تاتستيلايف»: «يبدو أن الاتجاه العام يتجه نحو الهبوط، لكننا نمر بفترات طويلة من التماسك والاستقرار، وهو ما نشهده اليوم بالتحديد»، مضيفاً أن «الأسواق تركز بشكل متزايد على ما إذا كنا سنشهد خرقاً حقيقياً أو انفراجة في مسار القصة الأميركية الإيرانية».

وكانت طهران قد صرحت يوم الثلاثاء بأن واشنطن انتهكت اتفاق وقف إطلاق النار عبر شن ضربات عسكرية بالقرب من مضيق هرمز المتنازع عليه، مما قد يضيف مزيداً من التعقيد على الجهود الرامية لإنهاء هذا النزاع.

وفي المقابل، أفاد وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، بأن التوصل إلى اتفاق لوقف الصراع قد يستغرق «بضعة أيام»، وذلك بعد أن أبدى الطرفان في وقت سابق إشارات إيجابية حول إحراز تقدم نحو اتفاق أولي ينهي الأعمال العدائية ويعيد حركة الشحن عبر المضيق الحيوي.

وإلى جانب الملف الجيوسياسي، تتجه أنظار المستثمرين صوب مسؤولي السياسة النقدية في الاحتياطي الفيدرالي ، حيث من المقرر أن يتحدث كل من نائب رئيس مجلس الاحتياطي، فيليب جيفرسون، وعضو مجلس المحافظين ليزا كوك، لتقييم تداعيات التضخم على قرارات الفائدة المقبلة.

كما تتطلع الأسواق بحذر إلى صدور بيانات إنفاق الاستهلاك الشخصي الجوهري (PCE) لشهر أبريل (نيسان) يوم الخميس، وهو المقياس المفضل للتضخم لدى البنك المركزي، للحصول على دلائل أكثر وضوحاً.

وأشار سبيفاك إلى أن مخاطر التضخم وتحركات أسواق السندات باتت مؤثرة لدرجة سحبت الاهتمام بعيداً عن العوائد المباشرة للمعدن الأصفر، متوقعاً أن ينخفض الذهب ليتراوح بين 3700 و3800 دولار للأوقية بحلول نهاية العام إذا ما استمر الاتجاه الهبوطي الحالي.

وعلى صعيد المعادن النفيسة الأخرى، تراجعت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 0.2 في المائة لتصل إلى 76.83 دولار للأوقية، في حين هبط البلاتين بنسبة 0.9 في المائة إلى 1941.12 دولار، بينما حافظ البالاديوم على استقراره عند 1379.44 دولار.