«الشرق الأوسط» تكشف «رسالة واشنطن المهمة» لبغداد

الهجمات الرادعة ضد الفصائل «لن تتوقف»... وللانسحاب «تبعات والتزامات»


قافلة مركبات أميركية قرب الحدود السورية العراقية أكتوبر 2019 (رويترز)
قافلة مركبات أميركية قرب الحدود السورية العراقية أكتوبر 2019 (رويترز)
TT

«الشرق الأوسط» تكشف «رسالة واشنطن المهمة» لبغداد


قافلة مركبات أميركية قرب الحدود السورية العراقية أكتوبر 2019 (رويترز)
قافلة مركبات أميركية قرب الحدود السورية العراقية أكتوبر 2019 (رويترز)

كشفت مصادر موثوقة ملامح من الرسالة التي سلمتها واشنطن للحكومة العراقية، بشأن «ترتيبات انسحاب قوات التحالف الدولي».

وتضمنت الرسالة «طريقة الانسحاب وجدوله الزمني»، إلى جانب «ما يترتب من التزامات على الجانب العراقي»، مؤكدة أن هذا الانسحاب «لو حصل، لن يوقف الهجمات الرادعة للمجموعات المسلحة الموالية لإيران». وذكرت الخارجية العراقية، ليل الأربعاء، أنه جرى تسلم «رسالة مهمة» من واشنطن، وأن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني سيدرسها بعناية، من دون الخوض في تفاصيل.

وكانت «رويترز» نقلت عن أربعة مصادر أن الولايات المتحدة والعراق بصدد بدء محادثات تهدف لإنهاء مهمة التحالف، وهي خطوة في عملية تعثرت بسبب الحرب في قطاع غزة.

لكن المصادر أوضحت لـ«الشرق الأوسط»، أن الرسالة «واضحة في أن واشنطن لا تمانع في الانتقال إلى مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية، غير أن سحب القوات (بأي طريقة) لن يوقف الهجمات الرادعة لنشاط المجموعات المسلحة الموالية لإيران، طالما أنها تسهم في زعزعة أمن المنطقة واستقرارها».

وشارك رئيس الحكومة محمد شياع السوداني «جوانب مهمة» في الرسالة الأميركية مع قادة في تحالف «الإطار التنسيقي»، من بينها «تأكيد أن الضربات الأميركية لن تتوقف ضد الفصائل»، وفقاً لما نقلته المصادر. ولمحت الرسالة إلى أن «المفاوضات الفنية المرتقبة لترتيب الانسحاب لن تكون سهلة وسريعة، وستأخذ الوقت الذي يلزم للتأكد من تسوية جميع الملفات المرتبطة بهذا الوجود العسكري».

وحسب المصادر، فإن «واشنطن شجعت بغداد خلال الرسالة على فهم وإدراك تبعات الانسحاب، بما في ذلك الالتزامات المالية والاقتصادية التي تربط البلدين». ويودع العراق عائداته النفطية في حساب مصرفي تسيطر عليه وزارة الخزانة الأميركية منذ عام 2003، عملاً بقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1483، والذي كان يهدف إلى «مساعدة العراق على إدارة موارده بطريقة شفافة».

وفي يناير (كانون الثاني) 2020، لمح الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب أنه «يفكر باستخدام حساب العائدات العراقي لسداد تكاليف المنشآت التي أنشأتها أميركا في العراق، إذا ما مضت السلطات العراقية في قراراتها، آنذاك، بإخراج القوات الأجنبية من البلاد.

ومنذ وصول الرسالة الأميركية إلى مكاتب الحكومة في بغداد، نشطت قوى سياسية في حوارات مكثفة في محاولة منها لفهم الطريقة المناسبة للتعامل مع «هذه الخطوة المفاجئة». وقالت ثلاثة مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حزباً شيعياً متنفذاً داخل (الإطار التنسيقي) يحاول الآن إقناع الفصائل المنخرطة في التصعيد الميداني ضد الأميركيين بالتراجع قليلاً».

ويقضي مقترح هذا الحزب أن توقف الفصائل عملياتها داخل العراق، وإن كانت هناك ضرورة لمواصلة التصعيد في إطار حرب غزة، فلتكن إسرائيل هي الهدف، وأن تنفذ الهجمات عليها من خارج الأراضي العراقية». وبحسب المصادر، فإن «الفصائل ترفض الاستجابة لهذه الدعوات حتى الآن».

في السياق، تحركت مجدداً المياه في مبادرة راكدة قديمة، كانت تهدف إلى فتح طاولة حوار بين الحكومة العراقية والفصائل برعاية تحالف «الإطار التنسيقي»، ويقول أطراف هذه المبادرة إنهم بحاجة إلى اتفاق مع الفصائل قبل دخول المفاوضات مع الأميركيين.

وتتحدث المصادر عن «برود وعدم اكتراث لهذه المبادرة من قادة في الإطار، يشعرون بأنها تحقق مكاسب سياسية لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني».

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (رويترز)

ويأمل مسؤولون عراقيون وأميركيون أن يسهم بدء المحادثات رسمياً في تخفيف الضغط السياسي على حكومة السوداني وربما تقليل الهجمات على القوات الأميركية، وفقاً لـ«رويترز».

وتنشر الولايات المتحدة 2500 عسكري في العراق لتقديم المشورة والمساعدة للقوات العراقية لمنع عودة تنظيم «داعش» مجدداً بعدما سيطر على مساحات شاسعة من العراق وسوريا في 2014 قبل هزيمته لاحقاً.

ويتواجد أيضا مئات العسكريين من دول أخرى أغلبها أوروبية في العراق في إطار التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والذي تأسس لمكافحة تنظيم داعش.

وتعرضت القوات الأميركية في سوريا والعراق لنحو 150 هجوما شنتها فصائل متحالفة مع إيران، وشنت الولايات المتحدة سلسلة من الهجمات للرد على ما تتعرض له وكان آخرها يوم الثلاثاء.

وحمل العنف المتصاعد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني للدعوة إلى سرعة خروج قوات التحالف الذي تقوده واشنطن عبر المفاوضات، وهي عملية كانت على وشك الانطلاق العام الماضي لكن الحرب في غزة أدت إلى تعثرها.

ولم تكن واشنطن ترغب في التفاوض على انسحاب محتمل بينما تتعرض لهجمات، إذ تخشى من أن يبدو أي تغيير في المهمة وكأنه يحدث تحت ضغط، الأمر الذي من شأنه أن يعطي جرأة لمنافسين إقليميين من بينهم إيران.


مقالات ذات صلة

العراق يسترد 21.4 مليار دينار من شركتين

المشرق العربي تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقية لمكافحة الفساد (واع)

العراق يسترد 21.4 مليار دينار من شركتين

أعلن ضياء جعفر، قاضي محكمة تحقيق الكرخ الثانية، استرداد مبلغ 21 ملياراً و424 مليون دينار عراقي (نحو 14.1 مليون دولار) من شركتين مخالفتين متهمتين بالاحتيال.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء علي الزيدي في مقر جهاز المخابرات العراقي يوم 29 أكتوبر 2026 (واع) p-circle

العراق يعيد ترتيب علاقاته الخارجية

أفاد مصدر حكومي بأن رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، يستعد لزيارة الكويت والبحرين هذا الأسبوع، ضمن سلسلة زياراته إلى دول الجوار...

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي معبر «الشلامجة» الحدودي مع إيران في محافظة البصرة جنوب العراق (أ.ف.ب)

تجدد الاحتجاجات جنوب العراق للمطالبة بفتح منفذ مع إيران

تجددت المظاهرات في محافظة ميسان، جنوب العراق، السبت، للمطالبة بإعادة فتح منفذ الشيب الحدودي مع إيران.

حمزة مصطفى (بغداد)
تحليل إخباري رئيس المخابرات العراقي حميد الشطري (واع)

تحليل إخباري لماذا تولى الزيدي رئاسة المخابرات العراقية؟

لا تقتصر دلالات إقالة حميد الشطري من رئاسة جهاز المخابرات العراقي وتولي رئيس الوزراء علي الزيدي المنصب بنفسه على تغيير في أحد أبرز الأجهزة الأمنية في البلاد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي جانب من إحدى جلسات البرلمان العراقي (مواقع تواصل)

أحكام بالسجن على سياسيين عراقيين في قضية «فساد نفطي»

أعلن القضاء العراقي صدور حكمَين بالسجن على مثنى السامرائي، زعيم ثاني أكبر تحالف سني بالبلاد، وزياد الجنابي، النائب والرئيس السابق لـ«لجنة النزاهة البرلمانية»...

حمزة مصطفى (بغداد)

«الاستخبارات العامة السورية»: إحباط مخطط إرهابي لاستهداف مصفاة حمص

مصفاة حمص وتوابعها (سانا)
مصفاة حمص وتوابعها (سانا)
TT

«الاستخبارات العامة السورية»: إحباط مخطط إرهابي لاستهداف مصفاة حمص

مصفاة حمص وتوابعها (سانا)
مصفاة حمص وتوابعها (سانا)

كشف مصدر في جهاز الاستخبارات العامة لـ«سانا»، الأحد، عن إحباط مخطط إرهابي لاستهداف مصفاة حمص وسط سوريا. وتلعب مصفاة حمص دوراً مهماً مع مصفاة بانياس في تأمين المشتقات النفطية للسوق المحلية، حيث تم في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي تأهيل وصيانة وحدة التقطير الجوي «10»، بطاقةٍ تصميمية تبلغ مليون طن من النفط الخام سنوياً؛ ما ‏يعزز قدرات المصفاة على إنتاج المشتقات النفطية، ويدعم توافر المازوت والفيول والكيروسين في السوق المحلية.‏

ولم يصدر من الجهات الرسمية حتى الآن معلومات عن الجهة التي كانت وراء مخطط التفجير.

مصفاة حمص (أرشيفية)

تضم المصفاة الحالية 4 وحدات إنتاجية تعتمد على التقطير الجوي، إلى جانب مشروع تحسين مادة النفتا لإنتاج بنزين عالي الأوكتان يلائم احتياجات السوق المحلية، وبعض الوحدات تعمل حالياً، بينما تُستكمل أعمال الصيانة والتجهيز في وحدتين أخريين تمهيداً للإقلاع، لتصل الطاقة التشغيلية للمصفاة إلى نحو 60 - 70 ألف برميل يومياً من المشتقات النفطية.

وتُعد الشركة العامة لمصفاة حمص، التي تأسست عام 1959، من أقدم المنشآت النفطية في سوريا، وقد تراجعت كفاءتها مع مرور الزمن، وأعلن الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي، خلال معرض «سير بترو 7» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، أن الشركة تعمل حالياً على إنشاء مصفاة جديدة على مسافة 51 كيلومتراً من مدينة حمص.

حريق في أحد خزانات مصفاة حمص في أغسطس 2025

اندلع حريق في أحد خزانات الوقود، في مصفاة نفط حمص، في 21 أغسطس (آب). وأفاد الدفاع المدني السوري، بأن فرق الإطفاء بالتعاون مع فوج إطفاء المصفاة، باشرت العمل فور اندلاع الحريق، مشيراً إلى صعوبة الوصول لبعض نقاط الخزان نتيجة حجم النيران وكثافة الدخان، مع اتخاذ إجراءات لتأمين محيط المصفاة، ومنع امتداد النيران إلى بقية الخزانات.

«داعش» في دير الزور

في هذه الأثناء، أطاح جهاز الاستخبارات العامة، بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي في دير الزور، بخلية تابعة لتنظيم «داعش» الإرهابي مؤلفة من شخصين، إثر متابعة استخباراتية دقيقة.

وبيّنت التحقيقات تورط الموقوفَين في تنفيذ سلسلة عمليات اغتيال بالمحافظة، كان آخرها استهداف العنصر في وزارة الدفاع إبراهيم الجاسم بطلق ناري بالقرب من جامع الرشيد في مدينة الميادين.

كما أسفرت العملية عن مصادرة أسلحة وذخائر عُثر عليها داخل مخبأ الخلية، وتتابع الجهات المختصة تحقيقاتها مع الإرهابيين لكشف ارتباطاتهم تمهيداً لتقديمهم للعدالة. وتتابع الجهات المختصة تحقيقاتها مع الإرهابيين لكشف ارتباطاتهم تمهيداً لتقديمهم للعدالة. وكان جهاز الاستخبارات العامة، بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي، أحبط في السادس عشر من الشهر الماضي ‏مخططاً لاستهداف دورية للشرطة في محافظة ريف دمشق، كانت خلية تابعة لتنظيم «داعش» الإرهابي تستعد لتنفيذه.

وفي العاشر من الشهر نفسه، فككت قوى الأمن الداخلي بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة، خلية مرتبطة بتنظيم «داعش» في منطقة الحولة بريف ‏حمص، وتم إحباط مخططات إرهابية كانت تستهدف دور العبادة ودوريات لقوى الأمن الداخلي.‏

وفي السادس من أكتوبر الماضي، تمكن جهاز الاستخبارات العامة، بالتعاون مع قيادة الأمن الداخلي في محافظة ريف دمشق، من ‏إلقاء القبض على الذراع التنفيذية في تنظيم «داعش» الإرهابي بحمص، المدعو خالد رائد بيروني، ‏الملقب بـ«أبو حسن دوشكا»، خلال عملية أمنية نُفذت في بلدة حجيرة بريف دمشق.


الخوف من تجدد الحرب يغيّر خريطة السكن في ضاحية بيروت

عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)
عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)
TT

الخوف من تجدد الحرب يغيّر خريطة السكن في ضاحية بيروت

عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)
عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)

يدفع الخوف من تجدد الحرب سكاناً في الضاحية الجنوبية لبيروت إلى تغيير أماكن إقامتهم، أو استئجار منازل في مناطق أخرى، رغم امتلاك بعضهم منازل سليمة لم تتعرض لأي ضرر. ولم تعد قرارات الانتقال مرتبطة حصراً بالدمار أو الإنذارات بالإخلاء، بل باتت المخاوف من اندلاع مواجهة جديدة عاملاً أساسياً في اختيار مكان السكن، حتى التخطيط للزواج وتمضية سنوات التقاعد.

وتكشف شهادات جمعتها «الشرق الأوسط» عن تحولات في حياة عائلات اختارت الابتعاد عن الضاحية بحثاً عن الأمان، فيما يواصل آخرون الإقامة فيها مع الاحتفاظ بمكان بديل يمكن اللجوء إليه عند الضرورة. وبين من يتحمل إيجاراً إضافياً رغم امتلاكه منزلاً، ومن يستأجر شقة واسعة لاستقبال أفراد عائلتين إذا تجدد النزوح، تتقدم الهواجس الأمنية على الاعتبارات المادية والاجتماعية.

الجيش اللبناني ينفذ تدابير أمنية عند مداخل الضاحية الجنوبية لبيروت قبل أسابيع (قيادة الجيش اللبناني)

منزل الزوجية يتسع لعائلتين

لم يكن اختيار ناديا حوري لمنزل الزوجية قراراً تقليدياً. فالشابة التي تزوجت حديثاً، وكانت تقيم في الضاحية الجنوبية قبل زواجها، قرّرت الانتقال إلى منطقة بشامون، واضعة احتمال تجدد الحرب في مقدمة حساباتها.

وتروي حوري لـ«الشرق الأوسط»: «عندما قررت الزواج، لم أفكر فقط في المنزل الذي سأعيش فيه مع زوجي، بل أيضاً في المكان الذي يمكن أن يلجأ إليه أهلي وأهل زوجي إذا اندلعت حرب جديدة. لذلك اخترت الانتقال إلى بشامون، وحرصت على أن يكون المبنى آمناً والشقة واسعة بما يكفي لاستقبال العائلتين».

وتضيف: «فضّلت تحمل التكلفة الإضافية على أن أجد أهلي أو أهل زوجي مضطرين إلى النزوح من دون أن يكون لديّ مكان لاستقبالهم. أردت أن أكون مستعدة لأي طارئ».

مبانٍ مدمرة نتيجة القصف الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث يرتفع علم لـ«حزب الله» يوم 6 مايو 2026 (إ.ب.أ)

صدمة القصف تدفع إلى الرحيل

أما لانا شعيب، وهي من سكان منطقة المريجة في الضاحية الجنوبية، فقد استأجرت استوديو صغيراً في الأشرفية، بعدما باتت غير مطمئنة إلى العودة إلى منزلها، فيما غادر والدها ووالدتها إلى قريتهما في البقاع.

وتقول شعيب لـ«الشرق الأوسط» إن «الوضع مقلق والمخاوف الأمنية ليست وحدها ما يدفعنا إلى الابتعاد عن الضاحية، بل أيضاً الظروف المعيشية التي خلّفها القصف».

وتضيف: «المنطقة لا تزال تعاني بسبب كمية الخراب والغبرة والمشاكل في المياه...كل هذه العوامل تجعلني أبحث عن مكان آخر».

لكن العامل الأكثر تأثيراً في قرارها يبقى الخوف من تجدد الغارات، خصوصاً بعد التجربة التي عاشتها خلال إحدى الضربات الليلية، وتوضح أن «عدم وجود ضمانات تحول دون تجدد الحرب يجعل العودة إلى الضاحية خياراً صعباً بالنسبة إليها».

وتكشف شعيب أنها تفكر في مغادرة المنطقة بصورة نهائية، قائلة: «عندما ينتهي هذا الوضع وتعود الأمور إلى طبيعتها، نبيع المنزل ونبحث عن مكان آخر»، مشددة على صعوبة أن يترك الإنسان منزلاً أنفق عليه شقاء عمره.

أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)

تقاعد بعيداً عن الخوف... ولو بتكلفة إضافية

ولم ينتظر خير الدين، الذي فضّل عدم الكشف عن بقية اسمه، تعرض منزله في منطقة السانت تيريز في الضاحية لأي ضرر حتى يقرر مغادرته. فقد ترك المنزل السليم وانتقل مع زوجته إلى خلدة في جبل لبنان، حيث استأجر منزلاً مقابل 600 دولار شهرياً، رغبة في تمضية سنوات تقاعدهما بعيداً عن الخوف واحتمالات النزوح المتكرر.

ويروي خير الدين لـ«الشرق الأوسط»: «منزلي لم يتضرر، وكان بإمكاننا البقاء فيه، لكننا تعبنا من الخوف ومن احتمال اضطرارنا إلى الهروب مجدداً. وصلنا إلى عمر نريد فيه أن نرتاح ونعيش بهدوء، بعيداً عن القصف والقلق من عودة الحرب».

ويوضح أن قراره الانتقال إلى خلدة ارتبط أيضاً برغبته وزوجته في البقاء بالقرب من أولادهما الذين يقيمون في المنطقة ومحيطها.

ويضيف: «أردنا أن نكون قريبين من أولادنا، وأن نمضي تقاعدنا في مكان نشعر فيه بالأمان. لم نعد نريد أن نعيش كل فترة على أعصابنا، أو نفكر إلى أين سنذهب إذا تجددت الحرب».

ويقرّ خير الدين بأن استئجار منزل مقابل 600 دولار شهرياً، رغم امتلاكه منزلاً صالحاً للسكن، يشكل عبئاً مالياً إضافياً عليه في مرحلة التقاعد، لكنه يبرر قراره بالقول: «راحة البال أصبحت أهم بالنسبة إلينا. نريد أن نعيش ما تبقى من عمرنا بعيداً عن الخوف والهروب».

شاليه صيفي يتحول إلى ملاذ للطوارئ

وعلى خلاف الذين غادروا الضاحية، لا يزال «أبو علي»، الرجل الثمانيني، يقيم في منزله فيها، لكنه اتخذ إجراءً احترازياً باستئجار شاليه في منطقة فاريا بعقد سنوي، تحسباً لاحتمال اندلاع حرب جديدة.

ويروي أبو علي لـ«الشرق الأوسط»: «ما زلت أسكن في الضاحية، ولا أريد ترك منزلي، لكنني استأجرت شاليه في فاريا طوال السنة حتى يكون لدي مكان أذهب إليه إذا تجددت الحرب. أستخدمه عادة في الصيف، لكنني فضّلت الاحتفاظ به تحسباً لأي طارئ».

ويوضح أن تقدمه في السن جعله أكثر حرصاً على تأمين مكان يمكن الانتقال إليه فوراً إذا تدهورت الأوضاع الأمنية، بدلاً من الاضطرار إلى البحث عن مأوى في اللحظات الصعبة.

ويؤكد أبو علي أن استئجار الشاليه لا يعني اتخاذ قرار نهائي بمغادرة الضاحية، بل هو إجراء احترازي فرضته المخاوف من تكرار الحرب، ولا أريد أن أجد نفسي مضطراً إلى النزوح من دون أن يكون لديّ مكان ألجأ إليه».


العراق يسترد 21.4 مليار دينار من شركتين

تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقية لمكافحة الفساد (واع)
تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقية لمكافحة الفساد (واع)
TT

العراق يسترد 21.4 مليار دينار من شركتين

تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقية لمكافحة الفساد (واع)
تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقية لمكافحة الفساد (واع)

في إطار الحملة التي أطلقتها الحكومة العراقية لمكافحة الفساد، تتواصل الإجراءات القضائية بحق متورطين في عمليات فساد مالي. وفي أحدث تطورات الحملة، أعلن ضياء جعفر، قاضي محكمة تحقيق الكرخ الثانية، استرداد مبلغ 21 ملياراً و424 مليون دينار عراقي (نحو 14.1 مليون دولار) من شركتين مخالفتين متهمتين بالاحتيال.

وأوضح جعفر، في بيان صدر يوم الأحد، أن المخالفات ارتُكبت بهدف الاستفادة من فروق أسعار صرف الدولار في عمليات تحويل الأموال إلى خارج البلاد بطرق احتيالية.

وجاء هذا الإعلان بعد أيام من صدور أحكام بالسجن بحق نائبين، لمدة 6 سنوات لأحدهما و5 سنوات للآخر، مع إلزامهما برد مبالغ مالية في قضية فساد تتعلق بعقود مصافي تكرير النفط.

وقضت محكمة مكافحة الفساد، الخميس الماضي، بالسجن 6 سنوات بحق النائب مثنى السامرائي، رئيس كتلة «العزم»، وإلزامه برد مبلغ 30 مليار دينار، قالت المحكمة إنه انتفع بها نتيجة توسطه في عقود مصافي تكرير الشمال والجنوب.

كما قضت المحكمة بالحبس المشدد لمدة 5 سنوات بحق النائب زياد الجنابي، وإلزامه برد مبلغ 4 مليارات دينار، انتفع بها من عقود مصافي الشمال.

وفي قضية ذات صلة، صدر حكم بالسجن لمدة 8 سنوات بحق حسين طالب، المدير العام السابق لشركة توزيع المنتجات النفطية، على خلفية تدخله في ترسية العقود بهدف تحقيق مكاسب شخصية.

وكانت الحكومة العراقية قد شرعت، أواخر يونيو (حزيران) الماضي، في حملة اعتقالات بتهم تتعلق بالفساد الإداري، شملت العشرات من النواب السابقين والحاليين ووكلاء الوزارات والمديرين العامين، في إطار حملة أُطلق عليها حينها اسم «صولة الفجر».

وأطلق رئيس الوزراء علي الزيدي الحملة بعد توليه منصبه في مايو (أيار) الماضي، بهدف ملاحقة المتورطين في قضايا الفساد. غير أن وتيرتها تراجعت لاحقاً تحت ضغوط سياسية، وفق تقارير محلية.

وقال موسى فرج، الرئيس الأسبق لهيئة النزاهة الاتحادية، إن حملة الزيدي «تمثل تقدماً مقارنة بمراحل سابقة، حين كانت قرارات حكومية تسهم في حماية الفاسدين، أو عرقلة عمل الأجهزة الرقابية والقضائية»، على حد قوله.

وأضاف أن الحملة «حققت نتائج في ملفات مرتبطة بقضية الفساد في المصافي، استناداً إلى إفادات أدلى بها الجميلي أمام الجهات القضائية، فضلاً عن تحركات في قضايا الكسب غير المشروع».

لكنه رأى أن الحملة لا تزال محدودة النطاق، مشيراً إلى أن «ملفات رئيسية، بينها فساد العملة، والعقارات، وتهريب النفط، والموظفون الوهميون، لم تشملها الإجراءات بالقدر نفسه».

وقال فرج، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن من أوجه القصور أيضاً «عدم مساءلة الكتل السياسية التي ينتمي إليها مسؤولون متهمون بالفساد، رغم نفوذ تلك الكتل واستفادتها من بعض المتورطين»، وفق تقديره.

وأضاف أن «استمرار الحملة وفاعليتها يتوقفان على توسيع نطاق التحقيقات وملاحقة الملفات الأوسع، إلى جانب منع الكتل السياسية من استبدال مرشحين تابعين لها بالمحكومين».