أزمة التقاعد المشتعلة تفاقم الوضع المحتقن في البرازيل

المواطنون يحصلون على رواتب تقاعد كاملة وهم في العقد الخامس

يتقاعد البرازيليون في المتوسط عند سن الرابعة والخمسين
يتقاعد البرازيليون في المتوسط عند سن الرابعة والخمسين
TT

أزمة التقاعد المشتعلة تفاقم الوضع المحتقن في البرازيل

يتقاعد البرازيليون في المتوسط عند سن الرابعة والخمسين
يتقاعد البرازيليون في المتوسط عند سن الرابعة والخمسين

تلحق أزمة التقاعد المشتعلة في البرازيل ضررًا بالغًا بالماليات العامة لأكبر بلد في أميركا اللاتينية، وتفاقم جدلاً سياسيًا حول الوضع الاقتصادي الذي دفع رئيسة البلاد إلى الصراع من أجل البقاء في السلطة.
وكمثال لهذا الوضع، ينقل تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» من البرازيل أنه عندما بلغت روزانيلا أروجو، المشرفة على إحدى المدارس العامة في البرازيل، الرابعة والأربعين من عمرها، شعرت بأنها عملت بما فيه الكفاية. وهكذا حذت الآنسة أروجو حذو ملايين المواطنين الآخرين في هذا البلد ممن أصبحوا في العقد الخامس والسادس من حياتهم، وتركت العمل لتحصل على راتب تقاعد كامل.
ويتقاعد البرازيليون في المتوسط عند سن الرابعة والخمسين، ويتمكن بعض الموظفين الحكوميين والمسؤولين العسكريين والساسة من الجمع بين عدة رواتب تقاعد تبلغ في مجملها أكثر من مائة ألف دولار سنويًا. وعندما يموتون تمكن الثغرات القانونية زوجاتهم أو بناتهم من الجمع بين تلك الرواتب لبقية أعمارهن أيضا.
وتشيع هذه الظاهرة في القطاع العام العريض بدولة البرازيل، حتى إن بعض موظفي الحكومة المتقاعدين، وكثير منهم تجاوز الستين أو السبعين، يرتبطون بنساء أصغر منهم كثيرا في العمر بحيث يصبحن مستحقات لرواتب التقاعد كاملة لعقود طويلة بعد وفاة أزواجهن.
ويقول باولو تافنر، وهو خبير اقتصادي ومرجع رائد في نظام التقاعد بالبرازيل «إنه يشبه اليونان، لكن على نطاق أضخم وأكثر جنونًا.. ينبغي أن تشعر البلاد بأسرها بالخوف حتى النخاع. إن رواتب التقاعد التي يحصل عليها البرازيليون والأعمار التي يبدأون عندها في تلقي هذه الرواتب لا يمكن وصفها إلا بالمخزية».
وتغذي أزمة التقاعد في البرازيل الاضطرابات السياسية التي تشهدها البلاد، فيما تقاوم الرئيسة ديلما روسيف النداءات الداعية إلى إزاحتها عن السلطة. لقد تأزم الاقتصاد البرازيلي بشدة، وقضت محكمة الحسابات الفيدرالية في البلاد هذا الشهر بأن السيدة روسيف انتهكت الإجراءات المحاسبية السليمة عبر استخدامها أرصدة من بنوك حكومية عملاقة لتغطية عجز الموازنة. ويجري الآن خفض ميزانيات التعليم والصحة في البلاد، كما تقترح السيدة روسيف إجراءات للحيلولة دون تضخم الإنفاق على رواتب التقاعد أكثر من ذلك.
لكن الكونغرس المتمرد وافق هذا العام على زيادة كبيرة في مزايا التقاعد. إلا أن السيدة روسيف اعترضت على التشريع، مما هيأ الساحة أمام نشوب معركة حامية الوطيس مع أعضاء البرلمان. ويرى بعض حلفاء الرئيسة البرازيلية أن هذه المواجهة تأتي في إطار استراتيجية خصومها لعزلها من المنصب.
إلا أن خبراء الاقتصاد يحذرون من أن أزمة التقاعد سوف تزداد حدة بغض النظر عن بقاء السيدة روسيف في منصبها من عدمه، ويصنفون المشكلة على أنها واحدة من القيود الهيكلية الشائكة التي تواجهها البلاد. وكان مسؤولون قد توقعوا عجزًا كبيرًا في نظام التقاعد بحلول عام 2030، لكنهم يقولون الآن إن ذلك قد يحدث العام المقبل.
وتشهد البرازيل في الوقت الراهن أشد تراجع اقتصادي تواجهه منذ عقود، مما يستنزف الوظائف ويقلص الاشتراكات في نظام التقاعد. وأعلنت هيئة الإيرادات الفيدرالية أن مبالغ الاشتراكات تراجعت بواقع 9 في المائة خلال شهر أغسطس (آب) الماضي.
يضاف إلى ذلك كله معدل الخصوبة المتهاوي في البرازيل، والذي تراجع مؤخرًا إلى 1.77 طفل للمرأة الواحدة، أي أقل من المعدل اللازم لإحلال السكان لأنفسهم - وهو الأمر الذي يعزز بدوره الضغوط على نظام تقاعد يعاني بشدة بالفعل.
ويعكس هذا التحول جزئيًا ارتفاع مستويات المعيشة في العقود الأخيرة، وزيادة إتاحة وسائل تحديد النسل، لكنه سيؤدي إلى تراجع أعداد الشباب الذين يدعمون السكان الأكبر سنًا والأكثر عددًا في البلاد. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن معدل الخصوبة في البرازيل كان يبلغ 4.3 طفل للمرأة الواحدة حتى عام 1980.
كما ارتفع متوسط العمر المتوقع لسكان البرازيل إلى 74.9 سنة في 2013، مقابل 62.5 سنة في 1980، حسبما تفيد الإحصائيات الحكومية. ويقول الباحثون إن البرازيل لا تصنع مخزونًا فائضًا يؤهلها للوفاء بطفرة قادمة في الالتزامات التقاعدية الجديدة، لتهدر ميزة ديموغرافية تتمتع بها الآن لكنها سرعان ما ستزول.
ويلفت خبراء الاقتصاد النظر إلى أن البرازيل تنفق بالفعل أكثر من 10 في المائة من إجمالي الناتج القومي للبلاد على رواتب التقاعد العامة، أي ما يوازي تقريبًا ما أنفقته مؤخرًا دول جنوب أوروبا التي تمتلك سكانًا أكبر عمرًا، بحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وما لم يتم إدخال تعديلات على نظام التقاعد الحالي في البرازيل، فإن البلاد ستكون على موعد مع صدمة أشد وطأة، في ضوء أنه من المتوقع أن يبلغ عدد المواطنين البرازيليين في سن الستين أو يزيد نحو 14 في المائة من إجمالي سكان البلاد في غضون عقدين، مقابل 7 في المائة فقط الآن.
لكن التحدي الأكبر الذي يواجه القادة السياسيين على مختلف مشاربهم الآيديولوجية هو ذلك التحدي الذي ساعدوا بأنفسهم في حدوثه: سخاء رواتب التقاعد في البرازيل.
بعض المسؤولين يتدخلون من حين لآخر لمعالجة القضية، حيث حاولوا رفع سن التقاعد إلى 65 للرجال و60 للنساء، ومنع الأرامل الشابات من سهولة التحصل على رواتب تقاعد أزواجهن المتوفين، أو الحيلولة دون تلقي كثيرين في القطاع الخاص أجورهم كاملة ورواتب التقاعد. لكن الثغرات القانونية تتعدد في هذا المضمار وتجعل من السهل نسبًيا على البرازيليين أن يتقاعدوا في أعمار أقل، مع فرصة الحصول على رواتب تقاعد تعادل في العادة كامل أجورهم. ويتقاعد الرجال البرازيليون الآن في سن الخامسة والخمسين في المتوسط، بينما يتقاعد أقرانهم في اليونان عند سن الثالثة والستين في المتوسط أيضا.
ويستطيع نظام التقاعد تخفيف وطأة الفقر المدقع في البلاد. على سبيل المثال، يمكن للعمال الزراعيين أن يتقاعدوا قبل الآخرين بخمس سنوات حتى لو لم يكونوا قد أسهموا مطلقًا في نظام التقاعد العام، حيث يتلقون راتبًا شهريًا يعادل الحد الأدنى للأجور والذي يبلغ نحو 210 دولارات شهريًا. لكن هذا النظام يديم أيضا التفاوت بين الطبقات عبر توفير مزايا اجتماعية لمئات الآلاف من الموظفين الحكوميين وعائلاتهم.
على سبيل المثال، ألغى مسؤولون في عام 2000 اللوائح التي تسمح لبنات العسكريين بتلقي رواتب تقاعد آبائهن بعد وفاتهم. لكن هذا التعديل انطبق فحسب على المنخرطين الجدد في القوات المسلحة، وهكذا لا تزال أكثر من 185 ألف امرأة تتلقى رواتب تقاعد آبائهن والتي تعادل كامل أجورهم عند تقاعدهم من الخدمة العسكرية. ويقول خبراء الاقتصاد إن الإنفاق على مثل هذه الرواتب التقاعدية متوقع أن يستمر حتى نهاية هذا القرن.
كما أن هذا النوع من المزايا التقاعدية شائع في النظام البيروقراطي العام بالبرازيل، حتى إنه من المقدر أن تنفق البلاد 3 في المائة تقريبًا من إجمالي ناتجها القومي على رواتب أسر المتقاعدين المتوفين، أي نحو 3 أضعاف المستوى الذي تنفقه الكثير من البلدان الصناعية الغنية.
الساسة على وجه الخصوص كانوا دومًا مهرة في تأمين رواتب تقاعد كبيرة على مستوى الولايات. وفي ولاية بارا بالأمازون، كان الحكام السابقون والسيدات الأول السابقات يتلقون حتى وقت قريب رواتب تقاعد تصل إلى 7 آلاف دولار شهريًا، حتى لو كانوا لم يقضوا سوى سنوات قليلة في مناصبهم. وأوقفت المحكمة الفيدرالية العليا في البرازيل مثل هذه الرواتب العام الحالي.
لكن ولايات أخرى تعاني بسبب مدفوعات مماثلة. وفي ولاية ريو دي جانيرو، كانت السلطات هناك تعتمد على العائدات التي تحصلها من الشركات المنتجة للنفط البحري قبل أن تهبط أسعار النفط هبوطًا حادًا في الشهور الأخيرة. ويعد المسؤولون في ريو الآن حزمة إنقاذ مالي لتحويل نحو 500 مليون دولار من خزانة الولاية لتغطية العجز في نظام التقاعد هذا العام.
ويعني ارتفاع المخصصات المالية لرواتب التقاعد في ريو قلة الموارد المتوافرة للخدمات الأساسية الأخرى مثل المدارس والمستشفيات والشرطة وأنظمة الصرف الصحي. ويقول مسؤولون إن ريو تعتزم إنفاق نحو 4.5 مليار دولار هذا العام على المزايا التقاعدية، مقابل نحو 3.6 مليار دولار ستنفقها على التعليم العام والأنظمة الصحية في الولاية.
ويقول ماريانو بوتش، الخبير في أسواق العمالة ببنك «إنتر أميركان للتنمية»، إن «أمام البرازيل 3 خيارات واضحة جدًا لمنع حدوث زيادات كبيرة في الإنفاق على التقاعد: زيادة الاشتراكات، رفع سن التقاعد، أو تقليص رواتب التقاعد.. لكن جميع هذه الخيارات لا تحظى بأي تأييد شعبي». وحتى الآن، لا يبدو أن القادة السياسيين مستعدون لتبني أي من هذه الخيارات الثلاثة. وعوضًا عن ذلك، يسعى وزير المالية جواكيم ليفي إلى إحياء الضريبة على المعاملات المالية والمرفوضة على نطاق واسع في مسعى لسد العجز في نظام الرواتب.
وترفض نقابات أرباب المعاشات ذات التنظيم الجيد كل الدعاوى لتقليص المزايا التقاعدية. ويقول جواو بيمنترا (63 عامًا)، وهو رئيس سابق لرابطة مديري المتاجر تقاعد في سن 49 عامًا ويقود في العادة الاحتجاجات ضد خفض رواتب التقاعد في العاصمة برازيليا: «إجبار المتقاعدين على دفع الثمن ليس من العدل.. لماذا لا يطالبون النخبة الاقتصادية بالتضحية؟ سئمت من سماع الأحاديث عن حاجة الأشخاص العاديين إلى دفع الثمن من رواتبهم التقاعدية».
ويأمل بعض المحللين أن تفتح المعارك السياسية الدائرة في البرازيل الباب أمام إيجاد حلول لمشكلة التقاعد في البلاد. لكن آخرين يقولون إن الأزمة ربما تحدث في الواقع أثرا عكسيًا يتمثل في تقوية شوكة خصوم السيدة روسيف في الكونغرس الذين يسعون بكل ضراوة إلى زيادة المزايا التقاعدية.
وفي حال الإطاحة بالسيدة روسيف، يشير محللون سياسيون إلى أن حزب العمال الحاكم الذي تنتمي إليه سوف ينتقل إلى صفوف المعارضة، مما قد يشجعه على حشد وتعبئة نفس تلك النقابات التي ترى في إصلاح نظام التقاعد عملاً ممقوتًا.
ويقول راؤول فيلوسو، المتخصص في الماليات العامة: «لطالما كانت رواتب التقاعد العامة في البرازيل كارثة تسير بالحركة البطيئة.. الاختلاف الآن هو أن الانهيار تسارعت وتيرته، ليكشف لأبنائنا مدى الجبن السياسي وانعدام المسؤولية الذي يمارسه عليهم قادتنا».



«ستاندرد آند بورز»: متانة اقتصاد السعودية تضمن تجاوزها تبعات الصراع الإقليمي

مركز الملك عبدالله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبدالله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«ستاندرد آند بورز»: متانة اقتصاد السعودية تضمن تجاوزها تبعات الصراع الإقليمي

مركز الملك عبدالله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبدالله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)

أبقت وكالة «ستاندرد آند بورز » للتصنيف الائتماني، يوم الجمعة، على التصنيف الائتماني السيادي للسعودية عند مستوى «إي +/إيه-1» (A+/A-1) مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، مشيرةً إلى أن المملكة في وضع جيد يسمح لها بتجاوز الصراع الدائر في الشرق الأوسط.

وأوضحت الوكالة في تقريرها، أن تأكيدها لتصنيف المملكة الائتماني مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، يأتي انعكاساً لما تتمتع به المملكة من مرونة عالية لسياسات ومتانة الاقتصاد السعودي، بما في ذلك قدرتها على نقل صادرات النفط الخام إلى البحر الأحمر من خلال خط الأنابيب من الشرق إلى الغرب، إضافة إلى قدرتها العالية لتخزين النفط، بما يساهم في تخفيف آثار الصراع في الشرق الأوسط.

كما أكدت أن النظرة المستقبلية تعكس أيضاً وجهة نظرها بأن زخم النمو غير النفطي، فضلاً عن قدرة الحكومة على ترتيب الأولويات، من شأنها أن تدعم الاقتصاد والمسار المالي. كما أن التوسع غير النفطي سيستمر في دعم النمو للمدى المتوسط، مع توقع الوكالة أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.4 في المائة في عام 2026 وأن يبلغ متوسط معدل النمو 3.3 في المائة خلال الفترة 2027 إلى 2029.

و ذكرت الوكالة بأن القطاع غير النفطي -بما في ذلك الأنشطة الحكومية- يمثل حالياً 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مرتفعاً من 65 في المائة في 2018، مما يعكس تقدماً هيكلياً نتيجة جهود التنويع الاقتصادي.

وأوضحت أنه رغم الزيادة المتوقعة في الدين العام، فإنها تتوقع أن تحافظ المملكة على احتياطات مالية قوية. بالإضافة إلى ذلك، كانت المملكة قد بادرت -قبل حدوث التطورات الجيوسياسية الراهنة- في منح الأولوية لمشاريع التنويع المرتبطة بـ«رؤية 2030» لإدارة الخطط بشكل يتماشى مع الموارد المتاحة، وفق الوكالة.

وتوقعت أن تستمر المملكة في تبني نهج مرن وحذر في هذا الصدد، مع تأكيد التزامها بتحقيق أهداف رؤية السعودية 2030 دون تعريض المالية العامة للمخاطر.


مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
TT

مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الذي يراقبه مجلس الاحتياطي الفيدرالي من كثب في يناير (كانون الثاني)، في إشارة إلى استمرار الضغوط السعرية حتى قبل أن تؤدي الحرب مع إيران إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز.

وأفادت وزارة التجارة الأميركية، يوم الجمعة، بأن الأسعار ارتفعت بنسبة 2.8 في المائة في يناير مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو مستوى يقل قليلاً عن الزيادة المسجلة في ديسمبر (كانون الأول). وجاء صدور هذا التقرير متأخراً بسبب الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة الذي استمر 6 أسابيع خلال خريف العام الماضي، ما أدى إلى تراكم البيانات وتأجيل نشرها، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وباستثناء فئتي الغذاء والطاقة المتقلبتين، ارتفع مؤشر التضخم الأساسي بنسبة 3.1 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بـ3 في المائة في الشهر السابق، مسجلاً أعلى مستوى له في نحو عامين.

وعلى أساس شهري، ارتفعت الأسعار بنسبة 0.3 في المائة في يناير، بينما صعد التضخم الأساسي بنسبة 0.4 في المائة للشهر الثاني على التوالي، وهو معدل، إذا استمر، قد يدفع التضخم إلى مستويات تتجاوز بكثير الهدف السنوي البالغ 2 في المائة الذي حدده الاحتياطي الفيدرالي.

لكن البيانات الاقتصادية طغت عليها تداعيات الحرب مع إيران، التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) وأدت إلى إغلاق مضيق هرمز، ما عطّل نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. ومنذ بدء الحرب، ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 40 في المائة، بينما قفزت أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو 3.60 دولار للغالون، مقارنة بأقل من 3 دولارات قبل شهر، وفقاً لبيانات جمعية السيارات الأميركية.

ويتوقع اقتصاديون أن يؤدي هذا الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة إلى زيادة ملموسة في معدلات التضخم خلال شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان).

وفي ظل هذه التطورات، أبقى مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الرئيسي عند مستويات مرتفعة بهدف كبح التضخم عبر إبطاء وتيرة الاقتراض والإنفاق والنمو الاقتصادي. ومن المتوقع على نطاق واسع أن يُبقي صناع السياسات في البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعهم الأسبوع المقبل، في ظل المخاوف من أن يؤدي الصراع في الشرق الأوسط إلى تغذية الضغوط التضخمية، ولو على المدى القصير.


النمو الأميركي يخيّب التوقعات عند 0.7 % في القراءة النهائية للربع الأخير

يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
TT

النمو الأميركي يخيّب التوقعات عند 0.7 % في القراءة النهائية للربع الأخير

يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)

أعلنت الحكومة الأميركية، في بيان صدر يوم الجمعة، أن الاقتصاد الأميركي سجل نمواً ضعيفاً بلغ 0.7 في المائة خلال الربع الأخير من العام، في خفض ملحوظ للتقديرات الأولية.

وأفادت وزارة التجارة الأميركية بأن الاقتصاد، الذي تأثر بشدة بالإغلاق الحكومي الذي استمر 43 يوماً في خريف العام الماضي، نما بمعدل سنوي بلغ 0.7 في المائة خلال الفترة الممتدة من أكتوبر (تشرين الأول) إلى ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالتقدير الأولي البالغ 1.4 في المائة، في حين كان الاقتصاديون يتوقعون تعديلاً في الاتجاه المعاكس يعكس نمواً أقوى.

ويمثل هذا تباطؤاً حاداً مقارنة بنمو بلغ 4.4 في المائة في الربع الثالث و3.8 في المائة في الربع الثاني من العام نفسه، وفق «رويترز».

وتأثر النمو بشكل كبير بتراجع الإنفاق والاستثمار الحكومي الفيدرالي، اللذين انخفضا بنسبة 16.7 في المائة نتيجة تداعيات الإغلاق الحكومي، ما اقتطع نحو 1.16 نقطة مئوية من نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأخير.

وعلى مستوى العام بأكمله، نما الاقتصاد الأميركي بنسبة 2.1 في المائة في عام 2025، وهو معدل نمو قوي نسبياً، لكنه أقل قليلاً من التقدير الأولي البالغ 2.2 في المائة لعامي 2023 و2024.

وخلال الربع الأخير، ارتفع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 2 في المائة، مقارنة بنمو بلغ 3.5 في المائة في الربع الثالث، في حين سجل الاستثمار التجاري – باستثناء قطاع الإسكان – نمواً بنسبة 2.2 في المائة، وهو ما يُرجح أنه يعكس زيادة الاستثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي، لكنه يظل أقل من وتيرة النمو البالغة 3.2 في المائة في الربع السابق.

ورغم ذلك، أظهر الاقتصاد الأميركي، الأكبر في العالم، قدراً من المرونة في مواجهة سياسات الرئيس دونالد ترمب، بما في ذلك فرض رسوم جمركية واسعة النطاق وعمليات ترحيل جماعية للمهاجرين. إلا أن الحرب مع إيران أسهمت في ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما ألقى بظلال من عدم اليقين على التوقعات الاقتصادية.

في المقابل، تشهد سوق العمل الأميركية تباطؤاً ملحوظاً. فقد قامت الشركات والمنظمات غير الربحية والوكالات الحكومية بتسريح نحو 92 ألف موظف خلال الشهر الماضي. وخلال عام 2025، لم يتجاوز متوسط الزيادة الشهرية في الوظائف 10 آلاف وظيفة، وهو أضعف معدل توظيف خارج فترات الركود منذ عام 2002.

ويثير هذا الوضع تساؤلات لدى الاقتصاديين بشأن ما إذا كان التوظيف سيتسارع لمواكبة النمو الاقتصادي، أم أن النمو سيتباطأ ليتماشى مع ضعف سوق العمل، أو ما إذا كانت التطورات في مجالات الذكاء الاصطناعي والأتمتة تسمح للاقتصاد بالنمو بوتيرة أسرع دون الحاجة إلى خلق عدد كبير من الوظائف.

ويُعد التقرير الصادر يوم الجمعة التقدير الثاني من بين ثلاثة تقديرات لنمو الربع الأخير، على أن يصدر التقرير النهائي في 9 أبريل (نيسان).