القضاء الهولندي يحكم 12 سنة على قيادي في «لواء القدس» بـ«جرائم حرب»

بناءً على ثبوت مشاركته في عمليتي اعتقال عنيفتين لمدنيين اثنين على الأقل

القضاء الهولندي يحكم 12 سنة على قيادي في «لواء القدس» بـ«جرائم حرب»
TT

القضاء الهولندي يحكم 12 سنة على قيادي في «لواء القدس» بـ«جرائم حرب»

القضاء الهولندي يحكم 12 سنة على قيادي في «لواء القدس» بـ«جرائم حرب»

أدانت محكمة جزئية في لاهاي بهولندا، اليوم (الاثنين)، مقاتلاً سورياً فلسطينياً مؤيداً للحكومة في دمشق، بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بسبب أعمال تعذيب واحتجاز غير قانوني في سوريا، وأصدرت عليه حكماً بالسجن 12 سنة.

والمحكوم هو «مصطفى . أ»، فلسطيني سوري عضو ميليشيا «لواء القدس» سابقاً، اعتُقل في مدينة كيركراد الهولندية في مايو (أيار) 2022، بناءً على شكوى مقدمة من المركز السوري للإعلام وحرية التعبير (سوري فرنسي).

وقد وُجهت للمدعى عليه تهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، فضلاً عن انتمائه إلى ميليشيا «لواء القدس» ومشاركته في أنشطتها، وهو متهم بالتورط في عمليتي اعتقال عنيفتين على الأقل لمدنيين، في يناير (كانون الثاني) 2013. وبحسب النيابة العامة الهولندية، فإن «مصطفى . أ» متورط في إساءة معاملة المدنيين أثناء الاعتقالات، ويحمل المسؤولية الجنائية عن تعرض الضحايا للتعذيب في مراكز الاحتجاز، حيث تم نقلهم بعد اعتقالهم.

وأشار بيان المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية (سوري ألماني) إلى أن المحكمة استهلت إلقاء الحكم بشرح عن بداية الثورة السورية، ومواجهة النظام الاستبدادي لها بالعنف والاعتقال والتعذيب الممنهج، «وبأوامر عليا للأمن ومجموعات الشبيحة». ومن ثم سردت المحكمة بداية تأسيس ميليشيا «لواء القدس» ودورها في منهجية قمع النظام، وفي النهب والقتل والاعتقال، وعلاقتها بالمخابرات الجوية في سوريا.

ومن ثم انتقلت المحكمة لمناقشة دور المتهم (مصطفى) في «لواء القدس»، ومركزه فيها بوصفه قيادياً، ودوره في اعتقال وتعذيب المدعي يوسف، ودوره في اعتقال مدعٍ آخر توفي قبل البدء بإجراءات الادعاء.

وناقشت بعدها المحكمة الجانب القانوني، وشددت على أن مواد القانون الدولي يجب أن تطبق بوصفها «جرائم ضد الإنسانية، وليست جرائم عادية، مع معرف المجرم الأكيد بما يقوم به، فضلاً عن انتمائه ومشاركته في أنشطة ميليشيا (لواء القدس) التي صنفتها المحكمة بقرارها (منظمة إجرامية)». وقد أدانت المحكمة المتهم بناء على ثبوت مشاركته في عمليتي اعتقال عنيفتين لمدنيين اثنين على الأقل في يناير 2013، كما ثبت لها مشاركته في إساءة معاملة المدنيين أثناء الاعتقالات.

وحملت المحكمة المتهم، المسؤولية الجنائية عن تعرض الضحايا للتعذيب في مراكز الاحتجاز، حيث تم نقلهم بعد اعتقالهم. وقالت الهيئة القضائية المولج لها الحكم في القضية، إن «إدانة المتهم بالمشاركة بجرائم ضد الإنسانية في هولندا، هو نصر جديد بالغ الأهمية في سياق مسيرة العدالة للسوريين، إثبات جديد أن النظام السوري كله والميليشيا التابعة له، مدانون بارتكاب جرائم الحرب. فالجرائم ضد الإنسانية لا يرتكبها شخص، وإنما هي ترتكب بناء على أوامر من أعلى المستويات، وقرار الحكم اليوم يؤكد ذلك».

المحامي السوري أنور البني رئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية

المحامي أنور البني، مدير المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، الذي حضر جلسة اليوم، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن الحكم اليوم بإدانته الصريحة إنجاز قضائي هولندي تاريخي، واعتبر أن ما يرتكب في سوريا «جرائم ضد الإنسانية»، وانضمت هولندا بذلك إلى دول أخرى، مثل ألمانيا، في إدانة النظام في سوريا، لافتاً إلى أن «الجرائم ضد الإنسانية» ترتكب عادة من قبل أنظمة وليس الأفراد، وهذا ما كان حاضراً في قرار المحكمة اليوم، التي أوضحت أن ميليشيا (لواء القدس) كانت تعمل بقرارات من أعلى هرم النظام».

ورأى المحامي ومعتقل الرأي السابق الذي أسهم في تقديم سوريين شاركوا في جرائم حرب للمحاكمة في ألمانيا في سياق ما عرف بمحاكمات كوبلنز، أن قرار المحكمة الهولندية «مهم جداً لنا نحن السوريين، وللدول الأوروبية عموماً، في التصدي لإعادة التطبيع مع النظام السوري. وشدد المحامي السوري الفائز بـ«الجائزة الألمانية الفرنسية لحقوق الإنسان وحكم القانون» عام 2018 على أن «حكم اليوم، حلقة من مسلسل مقبل سيستمر في عدد آخر من الدول الأوروبية، بمحاكمات جديدة واعتقالات جديدة»، لافتاً إلى أن مسار العدالة الذي بدأ بملاحقة مرتكبي جرائم ضد الإنسانية، مسار طويل يبعث برسالة لكل المجرمين بأن «لا ملاذ آمناً لكم في أي مكان».

وقفة لسوريين أمام محكمة كوبلنز يناير 2022 يوم حكمها بقضية الضابط السوري أنور رسلان المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية (د.ب.أ)

يذكر أن المتهم الذي انطلقت جلسة محاكمته الأولى يوم 30 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، رفض الإجابة عن أي أسئلة من محققي النيابة العامة ثم القضاة بشأن التهم الموجهة له، مردداً أنه يتمسك بحق الصمت وعدم الإجابة.

كما تجدر الإشارة إلى أن ميليشيا «لواء القدس» تشكلت في 6 أكتوبر (تشرين الأول) 2013 من قبل المهندس الفلسطيني محمد سعيد، المعروف بارتباطه مع المخابرات الجوية، بحسب «مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا»، التي ذكرت على موقعها الرسمي، أن محمد سعيد استقطب بعض الشباب من أبناء مخيمي النيرب وحندرات في محافظة حلب، لقمع مظاهرات الطلاب اليومية المنطلقة في جامعتها آنذاك، مستغلاً الظروف المعيشية الصعبة لبعض العائلات الفلسطينية في المحافظة.


مقالات ذات صلة

العثور على رفات بشري في منطقة المزة بالعاصمة السورية

المشرق العربي رفات بشري في منطقة المزة بالعاصمة السورية اكتُشف خلال أعمال حفر وإنشاء (الهيئة الوطنية للمفقودين)

العثور على رفات بشري في منطقة المزة بالعاصمة السورية

عثر على رفات بشري في منطقة المزة بالعاصمة السورية دمشق؛ في استجابة لبلاغ بشأن الاشتباه في وجوده خلال أعمال حفر وإنشاء...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شمال افريقيا الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)

المدعون بـ«الجنائية الدولية» يطالبون بتأكيد 17 تهمة ضد الليبي الهيشري

أكدت نائبة المدعي العام لـ«الجنائية الدولية» نزهة خان أن قضية الليبي الهيشري تمثل «محطة مفصلية بمسار العدالة لمحاسبة المشتبه بارتكابهم جرائم في ليبيا»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي آليات إسرائيلية ثقيلة تهدم مبنى فلسطينياً قرب بيت لحم في الضفة الغربية المحتلة يوم الاثنين (رويترز) p-circle

الأمم المتحدة تطالب إسرائيل بمنع وقوع «إبادة» في غزة

طالبت الأمم المتحدة إسرائيل، الاثنين، بأن تتّخذ كلّ التدابير اللازمة لمنع وقوع أفعال "إبادة" في غزة، مندّدة بمؤشّرات تفيد بـ"تطهير عرقي" في القطاع والضفة.

نظير مجلي (تل أبيب) «الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي بلدة دوما في ريف دمشق استُهدفت بهجوم كيماوي من قبل نظام الأسد عام 2018 (رويترز)

رفات بشري في مدرسة بمدينة دوما قرب دمشق

اكتُشف رفات بشري في مدينة دوما بريف دمشق ‏خلال أعمال حفر أساس ضمن موقع داخل مدرسة تعرَّضت لقصف سابق من قوات نظام الأسد.‏

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي متزعم ميليشيا الدفاع الوطني في عهد نظام الأسد فادي صقر (سوشيال ميديا)

«العدالة الانتقالية» لملاحقة فادي صقر المتهم بجرائم حرب في سوريا

نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية، اليوم، أن فادي صقر متهم بالتورط في عمليات قتل جماعي وإخفاء قسري للمدنيين، في حي التضامن ومناطق أخرى بدمشق.

«الشرق الأوسط» (لندن)

إعلان نجاح العملية الانتخابية في حلب والحسكة ومقاعد السويداء ستبقى شاغرة

أعضاء الهيئات الانتخابية يصوّتون لاختيار مرشحي البرلمان السوري الجديد في الحسكة (رويترز)
أعضاء الهيئات الانتخابية يصوّتون لاختيار مرشحي البرلمان السوري الجديد في الحسكة (رويترز)
TT

إعلان نجاح العملية الانتخابية في حلب والحسكة ومقاعد السويداء ستبقى شاغرة

أعضاء الهيئات الانتخابية يصوّتون لاختيار مرشحي البرلمان السوري الجديد في الحسكة (رويترز)
أعضاء الهيئات الانتخابية يصوّتون لاختيار مرشحي البرلمان السوري الجديد في الحسكة (رويترز)

أعلنت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا «نجاح العملية الانتخابية في محافظة الحسكة ومنطقة عين العرب». وقال المتحدث باسم اللجنة، نوار نجمة، أنه بعد استكمال انتخابات الحسكة وعين العرب، بات الطريق ممهداً بالكامل لانعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب، وذلك فور صدور المرسوم الرئاسي المتضمن تسمية أعضاء الثلث المعين من قبل رئيس الجمهورية.

ومع استكمال الانتخابات في محافظتي الحسكة وحلب تبقى الانتخابات مؤجلة في محافظة السويداء. وقال نجمة إنه من المرجح الاحتفاظ بمقاعد محافظة السويداء وعددها ثلاثة مقاعد شاغرة إلى حين توفر الظروف الأمنية والسياسية المناسبة لإجراء الانتخابات فيها، لافتاً إلى أنه سيتم قريباً الإعلان عن أسماء الأعضاء السبعين المعينين بقرار من رئيس الجمهورية.

وكان الشيخ حكمت الهجري أحد زعماء طائفة الدروز في السويداء، والمعارض للحكومة قد جدد الأسبوع الماضي تمسكه بفصل السويداء عن مركزية دمشق و«حق تقرير المصير»، وقال إنه «أصبح خياراً لا رجعة عنه». و «لا ولاية ولا قيادة على هذا الجبل إلا لمن يختاره أهله (..) نحن الأدرى بتدبير شؤوننا وإدارة منطقتنا عبر أبنائنا الشرفاء».

وكانت اللجنة العليا للانتخابات قد أعلنت في أكتوبر (تشرين الأول) أسماء 119 عضواً في مجلس الشعب الجديد، من أصل 140 عضواً يفترض اختيارهم عبر هيئات مناطقية، وفق آلية غير مباشرة نصّ عليها الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية. وبقي حينها 21 مقعداً شاغراً عن محافظات الحسكة والرقة والسويداء لأسباب قالت اللجنة إنها «أمنية».

وفي مارس( آذار) الماضي، أجريت انتخابات محافظة الرقة، وفاز 4 مرشحين بعد تسجيل نسبة مشاركة تجاوزت 90 في المائة.

ووسط انتشار أمني كثيف في محيط المراكز الانتخابية بدء الاقتراع صباح الأحد، لاختيار ممثلي محافظتي الحسكة (شمال شرق) وحلب (شمال) في مجلس الشعب إتمام العملية الانتخابية، وقال المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات، نوار نجمة: إن أبناء هذه المناطق «أثبتوا رغبتهم الحقيقية وإرادتهم الوطنية في المشاركة بالعملية السياسية وبناء المؤسسات التشريعية في سوريا». وذلك عقب انتهاء عملية فرز الأصوات وإعلان النتائج الأولية لأسماء الفائزين.

وفاز بعضوية مجلس الشعب عن منطقة عين العرب التابعة لدائرة محافظة حلب الانتخابية، كل من (فرهاد أنور شاهين) و(شواخ إبراهيم العساف) عن منطقة عين العرب التابعة لدائرة محافظة حلب الانتخابية، و(إبراهيم مصطفى العلي)، و(عمر عيسى هايس)، و(فصلة يوسف) عن دائرة محافظة الحسكة الانتخابية. و (كيم حسين إبراهيم)، و(رضوان عثمان سيدو)، و(عبد الحليم خضر العلي)، ‏و(محمود ماضي العلي) عن دائرة القامشلي.

ووصلت نسبة التصويت في محافظة الحسكة إلى 75 في المائة من ‏أعضاء الهيئة الناخبة في دائرة القامشلي، و92 في المائة في دائرة الحسكة، بينما ‏وصلت إلى 95 في المائة في دائرة عين العرب بمحافظة حلب. وفق المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات.

وتأتي الانتخابات في المناطق التي كانت تسيطر عليها الإدارة الذاتية قبل التوصل إلى اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضمن مسار الدمج المؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية في شمال شرق البلاد ضمن هياكل الدولة السورية بموجب الاتفاق.

واعتبر عضو اللجنة العليا للانتخابات، أنس العبدة، في تصريح للإعلام إن العملية الانتخابية «خطوة محورية في مسار الاندماج الوطني» و«ثمرة للحوار الإيجابي بين مختلف الأطراف».

وقال: «الانتخابات تمنح أهالي الحسكة بمختلف مكوناتهم فرصة للمشاركة في صناعة القرار الوطني، بما يعزز التمثيل والتنوع داخل مؤسسات الدولة السورية».

وحددت اللجنة العليا للانتخابات مراكز الاقتراع في مبنى إدارة محافظة الحسكة، والمركز الثقافي القديم في الحسكة لدائرة القامشلي، إضافة إلى المركز الثقافي في عين العرب.

كما تفقدت اللجنة، السبت، مراكز الاقتراع للتأكد من الجاهزية اللوجستية وتوفير غرف الاقتراع السري وتأمين حضور وسائل الإعلام المحلية والأجنبية لمتابعة العملية الانتخابية.

‏وتنافس على المقعدين المخصصين لمنطقة عين عرب 12 مرشحاً، ‏ فيما تنافس على ثلاثة مقاعد في الحسكة 13 مرشحاً وفي القامشلي تنافس 7 مرشحين على 4 مقاعد. ‏ أما في دائرة المالكية فقد حصل المرشحان على المقعدين المخصصين.


الحرب الإسرائيلية تعيد تسمية الأماكن والمناطق في لبنان

شاب يحمل ألعابا من أحد المواقع التي استهدفت في منطقة صور في جنوب لبنان (رويترز)
شاب يحمل ألعابا من أحد المواقع التي استهدفت في منطقة صور في جنوب لبنان (رويترز)
TT

الحرب الإسرائيلية تعيد تسمية الأماكن والمناطق في لبنان

شاب يحمل ألعابا من أحد المواقع التي استهدفت في منطقة صور في جنوب لبنان (رويترز)
شاب يحمل ألعابا من أحد المواقع التي استهدفت في منطقة صور في جنوب لبنان (رويترز)

تعيد الحرب الإسرائيلية على لبنان رسم الجغرافيا على أرضه وفي ذاكرة أبنائها؛ ففي الجنوب، لم تعد أسماء الأماكن تعريفات جغرافية، بل مفردات ترتبط بالخوف والنزوح والحدود، بعدما انتقلت خطوط ونقاط عسكرية من الخرائط إلى الحياة اليومية.

قبل سنوات، كان الليطاني نهراً، ولم يكن كثيرون يعرفون وادي الحجير أو «الخط الأصفر». أما اليوم، فقد ارتبطت هذه الأسماء بالمعارك والحدود، لتصبح امتداداً لمفردات سبقتها، مثل «الشريط الحدودي» و«الحزام الأمني»، إبان الاحتلال الإسرائيلي من 1978 إلى 2000؛ حيث يكتسب تغيّر أسماء الأماكن أبعاداً تتجاوز الجغرافيا نفسها.

حين تصبح الخطوط لغة يومية

وفي هذا السياق، يقول أحد أبناء القرى الحدودية لـ«الشرق الأوسط» إن «الحديث عن الحروب أو عن أي مشاريع إسرائيلية تتعلق بالمناطق الحدودية لا يقتصر على الخسائر المادية أو حتى على آثارها النفسية المباشرة، بل يتجاوز ذلك إلى العلاقة العميقة بين الإنسان ومكانه وذاكرته وجغرافيته».

ويضيف: «عندما نتحدث عن الخط الأصفر أو ما كان يُعرف بالشريط الحدودي قبل عام 2000، فنحن لا نتحدث عن خط على الخريطة فقط، بل عن حالة كاملة من العزل والاغتراب القسري عاشها الناس لسنوات طويلة».

ويشير إلى أنه عاش تلك المرحلة بنفسه، قائلاً: «كان هناك شعور دائم بأنك معزول عن عمقك اللبناني، وكأنك تعيش في مساحة منفصلة عن بلدك. الناس الذين كانوا خلف ذلك الخط كانوا معرضين للتنكيل والاعتقال والضغط اليومي، وكانت حياتهم كلها معلّقة على الخوف والترقب. كان هناك سؤال دائم يرافق الجميع: متى تنتهي هذه المرحلة؟ ومتى يشعر الإنسان بأنه يعيش حياة طبيعية؟».

ويلفت إلى أن آثار تلك المرحلة لم تقتصر على من بقي داخل المنطقة المحتلة، بل طالت أيضاً من اضطروا إلى مغادرتها، موضحاً أن «هناك مَن عاش المعاناة داخل المنطقة، وهناك من عاشها خارجها، وهو يحمل رغبة العودة طوال الوقت. كان الجميع يشعر بأن جزءاً منه معلّق هناك».

عائلة لبنانية على دراجة نارية تمرّ أمام مبانٍ مدمّرة جرّاء غارات إسرائيلية سابقة في مدينة صور جنوب لبنان (د.ب.أ)

المرحلة نفسها عاشها مواطن جنوبي آخر، وهو يتحدث عن بعض المشاهد التي ما زالت حاضرة في ذاكرته، مبدياً قلقه من المرحلة المقبلة، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «حتى في تشييع الوفيات كانت المعاناة حاضرة. كانوا يصلون بالجنازات إلى تبنين، فيما لا يستطيع كثيرون الدخول، وأحياناً كان يُسمح لكبار السن فقط بمرافقة الجنازة بينما يعود الآخرون»، مؤكداً أن «هذه ليست مجرد تفاصيل صغيرة، بل ذاكرة كاملة من القهر والاقتلاع».

من هنا يرى أن المخاوف الحالية من أي حديث عن أحزمة أمنية أو مناطق عازلة تعيد استحضار تلك الذاكرة مجدداً. لكنه يرى أن المشهد اليوم يبدو أكثر قسوة، موضحاً أن «هذه المرة الوضع أصعب بكثير، لأننا لا نتحدث فقط عن منطقة مغلقة أو محتلة، بل عن قرى جرى تدميرها وتجريفها بالكامل. جرى محو البيوت والمؤسسات وأماكن العبادة والمعالم التي تربط الناس بذاكرتهم وحياتهم اليومية».

ويقول: «الصدمة اليوم أعمق من السابق. بعد التحرير عام 2000 عاد الناس إلى قراهم وبيوتهم، أما اليوم فالخوف أن يعود الناس إلى مناطق لم تعد تشبه نفسها». ويضيف: «عندما يفقد الإنسان الساحة التي اعتاد الجلوس فيها، والحسينية أو الكنيسة أو المسجد أو حتى الشوارع التي يعرفها، يصبح كأنه فقد جزءاً من ذاكرته وهويته. اليوم لم يعد الناس يبحثون فقط عن بيوتهم، بل باتوا يبحثون عن ملامح قراهم نفسها».

تصاعد الدخان عقب غارة إسرائيلية استهدفت بلدة كفرتبنيت في قضاء النبطية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، يقول المعالج النفسي داود فرج لـ«الشرق الأوسط» إن «مصطلح (المنطقة الصفراء) لا يعبّر عن مساحة جغرافية أو توصيف أمني وعسكري فحسب، بل يحمل دلالات نفسية واجتماعية أعمق ترتبط بإعادة تشكيل علاقة الإنسان بالمكان»، موضحاً أن «الألوان والرموز والتسميات ليست أموراً محايدة، بل تشكل جزءاً من الذاكرة والانتماء والوعي الجمعي».

وأضاف أن «الجنوب شهد عبر العقود الماضية تبدلاً في توصيف مناطقه الحدودية من (المنطقة العازلة) إلى (الشريط الحدودي) و(الحزام الأمني)، وصولاً إلى ما بات يوصَف اليوم بـ(المنطقة الصفراء)؛ حيث تعكس كل تسمية تحولاً في طبيعة الواقع المفروض على الأرض».

حين يتحول اللون إلى ذاكرة

ويضيف فرج: «اللون الأصفر هنا لا يرتبط فقط بخريطة أو نطاق عسكري، بل يتحول إلى رمز لمنطقة أُزيلت منها الحياة البشرية وتحولت إلى مساحة فارغة من الناس»، مشيراً إلى أن «الخطورة تكمن في أن هذه المنطقة لا تبدو ثابتة الحدود، بل تتسع كلما توسعت عمليات التدمير وإزالة معالم الحياة من القرى والبلدات».

وأوضح أن ما يحدث اليوم «يتجاوز حدود الدمار المادي والعمليات العسكرية التقليدية، ليصل إلى مستوى أعمق يمسّ البنية النفسية والذاكرة الجمعية للسكان»، موضحاً أن «الإنسان يبني علاقته بالمكان عبر ما يُعرف بـ(الذاكرة الانطباعية)، وهي الصورة الأخيرة التي يحتفظ بها عن المكان الذي عاش فيه، وتتحول مع الوقت إلى مرجع نفسي وعاطفي دائم». وأوضح أنّ «المهجّرين يحملون معهم دائماً تلك الصورة الأخيرة لبيوتهم وأحيائهم وقراهم، وتبقى حاضرة في ذاكرتهم حتى بعد مغادرتهم المكان».

وأشار إلى أن المشكلة تبدأ عندما يتغير الواقع على الأرض بصورة جذرية من دون أن تتشكل لدى الفرد صورة جديدة عنه، لافتاً إلى أن «كثيرين ما زالوا يعيشون على صورة الجنوب كما تركوه، بينما بدأ آخرون في تكوين صور جديدة من خلال الخرائط الجوية والمشاهد المتداولة للقرى المدمرة؛ الأمر الذي قد يخفف من عنصر الصدمة عند العودة».

آلية عسكرية إسرائيلية تتحرك قرب الحدود (رويترز)

ورأى فرج أن ما يجري لا يقتصر على تدمير المنازل والمنشآت، بل يطال البنية الجغرافية ذاتها، قائلاً إن «الطرقات تتغير، والمعالم تختفي، وحتى الحدود المكانية التي اعتاد الناس التعرف من خلالها إلى مناطقهم قد تتبدل».

وتابع: «البيت ليس مجرد جدران، والقرية ليست مجموعة أبنية، بل هما جزء من ذاكرة اجتماعية متراكمة، وحين تُزال هذه المعالم يصبح الناس أمام واقع جديد يفرض عليهم بناء ذاكرة جديدة مختلفة عن تلك التي عاشوا عليها»، محذراً من أن «الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في إعادة تشكيل المكان، بل في إعادة تشكيل الوعي المرتبط به».


توقُّع الإفراج عن موقوفي «قسد» الاثنين

محافظ الحسكة المهندس نور الدين أحمد (فيسبوك)
محافظ الحسكة المهندس نور الدين أحمد (فيسبوك)
TT

توقُّع الإفراج عن موقوفي «قسد» الاثنين

محافظ الحسكة المهندس نور الدين أحمد (فيسبوك)
محافظ الحسكة المهندس نور الدين أحمد (فيسبوك)

تتوقع الأوساط الرسمية والشعبية الإفراج غداً (الاثنين)، عن دفعة جديدة من أسرى «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) لدى الحكومة السورية، حسبما أعلن محافظ الحسكة نور الدين أحمد، مساء أمس.

وقال أحمد إن الإفراج عن الأسرى جاء بعد سلسلة من الاجتماعات والتنسيق مع الجهات المعنية في دمشق والحسكة، وفي إطار اتفاقية 29 يناير (كانون الثاني)، وإن هذه الخطوة تأتي في سياق الجهود الوطنية الرامية إلى تعزيز الاستقرار وترسيخ السلم الأهلي.

وشدد على أن المسؤولية الوطنية تقتضي مواصلة العمل المشترك لما فيه مصلحة جميع السوريين، والحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها، بعيداً عن كل أشكال الانقسام والتوتر.

وكان نائب محافظ الحسكة المتحدث باسم الفريق الرئاسي، أحمد الهلالي، قد صرح، الأربعاء الماضي، في سياق حديثه عمَّا يتعلق بملف موقوفي «قسد» لدى الدولة، بأن «عملية إحصاء أخيرة تجري حالياً لهم، تمهيداً للإفراج عنهم قبل عيد الأضحى المبارك».

وأكد متابعة الجهات المعنية في الدولة بشكل مستمر لملف المعتقلين المرحَّلين إلى جمهورية العراق، بينما تستكمل الجهات المختصة الإجراءات القانونية واللوجستية المتعلقة بإعادتهم إلى سوريا.

تجمُّع أهالي المعتقلين المنتسبين لـ«قسد» في الحسكة يوم 11 أبريل بعد إطلاق سراحهم بموجب اتفاق مع الحكومة السورية (رويترز)

وكانت السلطات السورية قد أعلنت، الخميس، انطلاق قافلة جديدة من مدينة القامشلي تقل أهالي مدينة عفرين النازحين في محافظة الحسكة، باتجاه قراهم وبلداتهم في منطقة عفرين بريف حلب الشمالي.

وقالت مديرية إعلام الحسكة، في بيان صحافي، إن القافلة تضم نحو 1300 عائلة، وذلك ضمن عمليات العودة المستمرة التي يشرف عليها الفريق الرئاسي المكلف بتنفيذ اتفاق 29 يناير الماضي مع قوات «قسد».

ونقلت قناة «الإخبارية» السورية عن نائب محافظ الحسكة، والمتحدث باسم الفريق الرئاسي المكلف بتنفيذ الاتفاق مع «قسد»، أحمد الهلالي، قوله إنه لم تعد هناك أي إجراءات أمنية استثنائية مرتبطة بعودة أهالي عفرين، وبات بإمكان من تبقَّى منهم العودة في الوقت الذي يختارونه.