الخلايا الأكثر غموضاً في جسمنا لا تنتمي لنا

العلماء يدققون بخصائص تفاعلها في الجسم الأنثوي

الخلايا الأكثر غموضاً في جسمنا لا تنتمي لنا
TT

الخلايا الأكثر غموضاً في جسمنا لا تنتمي لنا

الخلايا الأكثر غموضاً في جسمنا لا تنتمي لنا

قبل ما يُقارب 24 عاماً، نظرت ديانا بيانتشي عبر المجهر إلى غدّة درقية بشرية ورأت ما تسبّب لها بقشعريرة فورية. كانت العيّنة من امرأة تملك كروموسوم إكس إكس (XX) (الكروموسوم الأنثوي) إلّا أنّها رأت بما لا يقبل الشكّ كروموسومات «واي» (Y) (الكروموسوم الذكري) - العشرات والعشرات منها. فقالت بيانتشي: «من الواضح أنّ جزءاً من غدّتها الدرقية ذكري بالكامل».

خصائص ذكرية في جسم أنثوي

اشتبهت بيانتشي أنّ السبب يعود للحمل. فقبل سنوات، كانت المريضة حاملاً بمولود ذكر، وجدت خلاياه في مرحلة ما فرصة للخروج من الرحم ووصلت إلى غدّة والدته الدرقية - ومعها من دون شكّ إلى مجموعة من الأعضاء الأخرى - فسيطرت على هوية ووظائف الخلايا الأنثوية المحيطة بها لتتمكّن من العمل في تناغم. حينها، أصيبت بيانتشي، التي تشغل اليوم منصب مدير معهد «أونيس كينيدي شرايفر الوطني لصحّة الطفل والتنمية البشرية»، بالذهول، وقالت: «شهدت غدّتها الدرقية إعادة تشكيلٍ كاملة بفعل خلايا ابنها». حالةُ هذه السيّدة ليست فريدة. ففي كلّ مرّة تقريباً يثبت جنين في رحم ويبدأ بالنمو، يُرسل أجزاءً صغيرة منه إلى الجسم الذي يحتضنه. تبدأ هذه الإيداعات في الأسبوع الرابع أو الخامس من الحمل، وتستقرّ في كلّ قطعة من تكويننا البشري - مثل القلب، والرئتين، والصدر، والقولون، والكلى، والكبد، والدماغ. من هنا، قد تستقرّ هذه الخلايا وتنمو وتنقسم لعقود، أو حتّى، كما يعتقد العلماء، طوال العمر، في جسم المرأة التي حملت.

من جهته، وصف جي لي نيلسون، من مركز هاتشينسون للسرطان في سياتل، هذه الحالة وكأنها «أعضاء أصلية مزروعة بواسطة عملية التطوّر البشري». لعلّ الخيمرية الميكروية microchimerism (الخيميرية اسم أطلقته أسطورة إغريقية على جسم هجين مؤلف من الأسد والماعز والتنين)، هي الطريقة الأكثر شيوعاً التي تنضج فيها الخلايا المتطابقة جينياً وتنمو داخل جسدين في وقتٍ واحد.

انتقالات ثنائية الاتجاه

هذه الانتقالات العابرة للأجيال ثنائية الاتجاه: مع اجتياز الخلايا الجنينية للمشيمة إلى الأنسجة الأمومية، تهاجر مجموعة صغيرة من خلايا الأمّ إلى أنسجة الجنين، حيث تستطيع الاستقرار حتّى سنّ البلوغ. بعدها، قد تحصل هذه المقايضات الجينية عدّة مرّات خلال الحياة.

يعتقد بعض الباحثين أنّ النّاس قد يكونون لوحات فسيفساء مصغّرة عن عددٍ من أقاربهم تكوّنت عبر سلسلة من الحمول: لوحات من أخوات أكبر سناً، أو الجدّة للأمّ، أو أيّ خالات أو أخوال كانت الجدّة قد حملت بهم قبل ولادة والدة الشخص المعني. يقول فرنسيسكو أوبيدا دي تورّيس، عالم أحياء متخصص بالتطوّر في كليّة رويال هولواي، جامعة لندن، إنّ «الأمر أشبه بحمل كامل عائلتكم في داخلكم».

هذه الأمور مجتمعة تجعل من الخيمرية الميكروية أكثر شيوعاً من الحمل نفسه، حيث يُعتقد أنّها تحصل لدى كلّ شخص حمل بجنين، ولو لوقتٍ قصير، وأيّ شخص سبق وسكن في رحم. ويبدو أنّ ثدييات أخرى أيضاً مثل الفئران والأبقار والكلاب، وحتّى الرئيسيات تحمل مثل هذه الأمتعة الخلوية. ولكنّ الخلايا المستعارة لا تظهر دائماً في البقع نفسها أو بالأعداد نفسها. ففي حالات كثيرة، يُعتقد أنّ خلايا الخيمرية الميكروية توجد بتركيزات لا تتعدّى الواحد في المليون «تقارب حدود الرصد أو تكاد تبلغها في كثير من المقاييس الحيوية»، حسب ما شرح سنيغ سينغ زاي، عالم مناعي وطبيب أطفال في مستشفى سنسناتي للأطفال.

يحاجج بعض العلماء بأنّ خلايا متناثرة وغير مستقرّة إلى هذا الحدّ لن يكون لها تأثير يُذكر. ولفت واي إلى أنّ «النظريات حول ما تفعله هذه الخلايا، إذا كانت تفعل شيئاً أصلاً، تبقى مثيرةً جداً للجدل حتّى بين العلماء المتخصصين بالخيمرية الميكروية». في المقابل، يؤكّد كثير من الخبراء أنّ الخلايا الخيمرية الميكروية ليست عناصر غيابية غارقة في البحر الجينومي لشخصٍ آخر، حيث إنّها كيانات مستقلّة جينياً في مقرّ إقامة غريب تحمل دوافعها التطوّرية الخاصّة التي قد تتعارض مع صاحب المقرّ. علاوةً على ذلك، قد تلقي هذه الكيانات بأثرها على بعض الجوانب الصحية، مثل قابلية المعاناة من أمراض العدوى أو المناعة الذاتية، ونسبة حصول الحمل، وربّما حتّى على السلوك.

خلايا متبادلة تعزز المناعة

ونجح الباحثون بالفعل في الكشف عن بعض الملامح لما تفعله هذه الخلايا المتنقّلة. فقد رجّحت دراسة أجراها واي على الفئران مثلاً، أنّ الخيمرية الميكروية التي يرثها الأطفال خلال الحمل قد تساعد في صقل جهازهم المناعي، وتدعيم جسم المولود الجديد في مواجهة الأمراض الفيروسية.

بصورة مماثلة، قد تساعد الخيمرية الميكروية الموروثة في فهم سبب تقبّل النّاس للأعضاء من الأمّ أكثر من الأبّ، بحسب ويليام بورلينغهام، متخصص في زراعة الأعضاء في جامعة ويسكنسن، ماديسون.

ويمكن للخلايا الجنينية التي تتسرّب إلى الأمّ خلال الحمل أيضاً أن تؤثر على صحة الطفل. يعتقد ديفيد هيغ، عالم أحياء متخصص بالتطوّر في جامعة هارفارد، أنّ هذه الخلايا قد تنصّب نفسها في وضعية تسمح لها بسحب موارد من الأمّ: في الدماغ، لجذب المزيد من الاهتمام؛ وفي الصدر، لتعزيز إنتاج الحليب؛ وفي الغدّة الدرقية، لضخّ المزيد من الحرارة في الجسم. وأضاف أنّ الخلايا قد تتداخل أيضاً في خصوبة الأمّ لتوسيع المسافة الزمنية الفاصلة بين الولادات لمنح الطفل عناية أطول وغير متقطّعة. بعدها، قد تعمل هذه الممثليات الجنينية بوصفها مختبرا لصالح الأجنّة المقبلة التي ستسكن الرحم، حسب ما شرح أوبيدا دي تورّيس. وقال إنّه في حال لم يرصد الأجنّة اللاحقون الكثير من الارتباط مع إخوانهم الأكبر سناً، فإنهم سيصبحون أكثر جحوداً عند سحب الأغذية من جسد والدتهم بدل ترك الفائض خلفهم للإخوان القادمين والذين قد يختلف وضع الأبوة والأمومة معهم عمّن سبقهم.

تأثيرات على الأمفي المقابل، وجد الباحثون صعوبة في الكشف عن مفاعيل الخيمرية الميكروية لدى الأمّهات. ولعلّ السبب الأكثر ترجيحاً هنا هو أنّه كلّما زاد اختراق الخلايا الجنينية لجسد الأمّ، تعزّزت قدرتها على تقبّل أنسجة الجنين، ما يقلّل خطر الإجهاض أو الولادة العالية المخاطر. من جهتها، قالت إيمي بودّي، عالمة في الأنثروبولوجيا الحيوية في جامعة كاليفورنيا، سانتا باربارا: «أعتقد حقاً أنّ الخيمرية الميكروية هي بوليصة تأمين للطفل لدى الأم. وكأنّها تقول: أنا هنا، لا تهاجم». وبعد الولادة، تساهم الخلايا التي تستقرّ في جسم الأمّ في تسهيل الولادات اللاحقة.

ولكنّ الخيمرية الميكروية قد لا تكون دائماً لطيفة على الأمّهات. فقد وجدت نيلسون وآخرون أنّ الأمهات اللواتي يختزنّ مزيداً من الخلايا الجنينية معرّضات أكثر من غيرهنّ للإصابة بأمراض المناعة الذاتية على المدى الطويل، ربّما لأنّ خلايا أولادهنّ خضعت لإعادة تقييم خاطئة وضعتها في خانة الغزاة المكروهين. وكانت نتالي لامبرت، من المعهد الفرنسي الوطني للصحة والبحوث الطبية، قد وجدت، بعد تجارب أجرتها على الفئران، أنّ الخلايا الخيمرية الميكروية الجنينية قد تنتج مضادّات حيوية قادرة على الاعتداء على خلايا الأمّ. من جهتها، وجدت نيلسون وزملاؤها أنّ الخلايا الجنينية قد تحمي أحياناً من المناعة الذاتية، فتساهم في تخفيف بعض الحالات، مثل التهاب المفاصل الروماتويدي، خلال الحمل أو بعد مدّة قصيرة منه.

* «ذي أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا»



حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».