الخلايا الأكثر غموضاً في جسمنا لا تنتمي لنا

العلماء يدققون بخصائص تفاعلها في الجسم الأنثوي

الخلايا الأكثر غموضاً في جسمنا لا تنتمي لنا
TT

الخلايا الأكثر غموضاً في جسمنا لا تنتمي لنا

الخلايا الأكثر غموضاً في جسمنا لا تنتمي لنا

قبل ما يُقارب 24 عاماً، نظرت ديانا بيانتشي عبر المجهر إلى غدّة درقية بشرية ورأت ما تسبّب لها بقشعريرة فورية. كانت العيّنة من امرأة تملك كروموسوم إكس إكس (XX) (الكروموسوم الأنثوي) إلّا أنّها رأت بما لا يقبل الشكّ كروموسومات «واي» (Y) (الكروموسوم الذكري) - العشرات والعشرات منها. فقالت بيانتشي: «من الواضح أنّ جزءاً من غدّتها الدرقية ذكري بالكامل».

خصائص ذكرية في جسم أنثوي

اشتبهت بيانتشي أنّ السبب يعود للحمل. فقبل سنوات، كانت المريضة حاملاً بمولود ذكر، وجدت خلاياه في مرحلة ما فرصة للخروج من الرحم ووصلت إلى غدّة والدته الدرقية - ومعها من دون شكّ إلى مجموعة من الأعضاء الأخرى - فسيطرت على هوية ووظائف الخلايا الأنثوية المحيطة بها لتتمكّن من العمل في تناغم. حينها، أصيبت بيانتشي، التي تشغل اليوم منصب مدير معهد «أونيس كينيدي شرايفر الوطني لصحّة الطفل والتنمية البشرية»، بالذهول، وقالت: «شهدت غدّتها الدرقية إعادة تشكيلٍ كاملة بفعل خلايا ابنها». حالةُ هذه السيّدة ليست فريدة. ففي كلّ مرّة تقريباً يثبت جنين في رحم ويبدأ بالنمو، يُرسل أجزاءً صغيرة منه إلى الجسم الذي يحتضنه. تبدأ هذه الإيداعات في الأسبوع الرابع أو الخامس من الحمل، وتستقرّ في كلّ قطعة من تكويننا البشري - مثل القلب، والرئتين، والصدر، والقولون، والكلى، والكبد، والدماغ. من هنا، قد تستقرّ هذه الخلايا وتنمو وتنقسم لعقود، أو حتّى، كما يعتقد العلماء، طوال العمر، في جسم المرأة التي حملت.

من جهته، وصف جي لي نيلسون، من مركز هاتشينسون للسرطان في سياتل، هذه الحالة وكأنها «أعضاء أصلية مزروعة بواسطة عملية التطوّر البشري». لعلّ الخيمرية الميكروية microchimerism (الخيميرية اسم أطلقته أسطورة إغريقية على جسم هجين مؤلف من الأسد والماعز والتنين)، هي الطريقة الأكثر شيوعاً التي تنضج فيها الخلايا المتطابقة جينياً وتنمو داخل جسدين في وقتٍ واحد.

انتقالات ثنائية الاتجاه

هذه الانتقالات العابرة للأجيال ثنائية الاتجاه: مع اجتياز الخلايا الجنينية للمشيمة إلى الأنسجة الأمومية، تهاجر مجموعة صغيرة من خلايا الأمّ إلى أنسجة الجنين، حيث تستطيع الاستقرار حتّى سنّ البلوغ. بعدها، قد تحصل هذه المقايضات الجينية عدّة مرّات خلال الحياة.

يعتقد بعض الباحثين أنّ النّاس قد يكونون لوحات فسيفساء مصغّرة عن عددٍ من أقاربهم تكوّنت عبر سلسلة من الحمول: لوحات من أخوات أكبر سناً، أو الجدّة للأمّ، أو أيّ خالات أو أخوال كانت الجدّة قد حملت بهم قبل ولادة والدة الشخص المعني. يقول فرنسيسكو أوبيدا دي تورّيس، عالم أحياء متخصص بالتطوّر في كليّة رويال هولواي، جامعة لندن، إنّ «الأمر أشبه بحمل كامل عائلتكم في داخلكم».

هذه الأمور مجتمعة تجعل من الخيمرية الميكروية أكثر شيوعاً من الحمل نفسه، حيث يُعتقد أنّها تحصل لدى كلّ شخص حمل بجنين، ولو لوقتٍ قصير، وأيّ شخص سبق وسكن في رحم. ويبدو أنّ ثدييات أخرى أيضاً مثل الفئران والأبقار والكلاب، وحتّى الرئيسيات تحمل مثل هذه الأمتعة الخلوية. ولكنّ الخلايا المستعارة لا تظهر دائماً في البقع نفسها أو بالأعداد نفسها. ففي حالات كثيرة، يُعتقد أنّ خلايا الخيمرية الميكروية توجد بتركيزات لا تتعدّى الواحد في المليون «تقارب حدود الرصد أو تكاد تبلغها في كثير من المقاييس الحيوية»، حسب ما شرح سنيغ سينغ زاي، عالم مناعي وطبيب أطفال في مستشفى سنسناتي للأطفال.

يحاجج بعض العلماء بأنّ خلايا متناثرة وغير مستقرّة إلى هذا الحدّ لن يكون لها تأثير يُذكر. ولفت واي إلى أنّ «النظريات حول ما تفعله هذه الخلايا، إذا كانت تفعل شيئاً أصلاً، تبقى مثيرةً جداً للجدل حتّى بين العلماء المتخصصين بالخيمرية الميكروية». في المقابل، يؤكّد كثير من الخبراء أنّ الخلايا الخيمرية الميكروية ليست عناصر غيابية غارقة في البحر الجينومي لشخصٍ آخر، حيث إنّها كيانات مستقلّة جينياً في مقرّ إقامة غريب تحمل دوافعها التطوّرية الخاصّة التي قد تتعارض مع صاحب المقرّ. علاوةً على ذلك، قد تلقي هذه الكيانات بأثرها على بعض الجوانب الصحية، مثل قابلية المعاناة من أمراض العدوى أو المناعة الذاتية، ونسبة حصول الحمل، وربّما حتّى على السلوك.

خلايا متبادلة تعزز المناعة

ونجح الباحثون بالفعل في الكشف عن بعض الملامح لما تفعله هذه الخلايا المتنقّلة. فقد رجّحت دراسة أجراها واي على الفئران مثلاً، أنّ الخيمرية الميكروية التي يرثها الأطفال خلال الحمل قد تساعد في صقل جهازهم المناعي، وتدعيم جسم المولود الجديد في مواجهة الأمراض الفيروسية.

بصورة مماثلة، قد تساعد الخيمرية الميكروية الموروثة في فهم سبب تقبّل النّاس للأعضاء من الأمّ أكثر من الأبّ، بحسب ويليام بورلينغهام، متخصص في زراعة الأعضاء في جامعة ويسكنسن، ماديسون.

ويمكن للخلايا الجنينية التي تتسرّب إلى الأمّ خلال الحمل أيضاً أن تؤثر على صحة الطفل. يعتقد ديفيد هيغ، عالم أحياء متخصص بالتطوّر في جامعة هارفارد، أنّ هذه الخلايا قد تنصّب نفسها في وضعية تسمح لها بسحب موارد من الأمّ: في الدماغ، لجذب المزيد من الاهتمام؛ وفي الصدر، لتعزيز إنتاج الحليب؛ وفي الغدّة الدرقية، لضخّ المزيد من الحرارة في الجسم. وأضاف أنّ الخلايا قد تتداخل أيضاً في خصوبة الأمّ لتوسيع المسافة الزمنية الفاصلة بين الولادات لمنح الطفل عناية أطول وغير متقطّعة. بعدها، قد تعمل هذه الممثليات الجنينية بوصفها مختبرا لصالح الأجنّة المقبلة التي ستسكن الرحم، حسب ما شرح أوبيدا دي تورّيس. وقال إنّه في حال لم يرصد الأجنّة اللاحقون الكثير من الارتباط مع إخوانهم الأكبر سناً، فإنهم سيصبحون أكثر جحوداً عند سحب الأغذية من جسد والدتهم بدل ترك الفائض خلفهم للإخوان القادمين والذين قد يختلف وضع الأبوة والأمومة معهم عمّن سبقهم.

تأثيرات على الأمفي المقابل، وجد الباحثون صعوبة في الكشف عن مفاعيل الخيمرية الميكروية لدى الأمّهات. ولعلّ السبب الأكثر ترجيحاً هنا هو أنّه كلّما زاد اختراق الخلايا الجنينية لجسد الأمّ، تعزّزت قدرتها على تقبّل أنسجة الجنين، ما يقلّل خطر الإجهاض أو الولادة العالية المخاطر. من جهتها، قالت إيمي بودّي، عالمة في الأنثروبولوجيا الحيوية في جامعة كاليفورنيا، سانتا باربارا: «أعتقد حقاً أنّ الخيمرية الميكروية هي بوليصة تأمين للطفل لدى الأم. وكأنّها تقول: أنا هنا، لا تهاجم». وبعد الولادة، تساهم الخلايا التي تستقرّ في جسم الأمّ في تسهيل الولادات اللاحقة.

ولكنّ الخيمرية الميكروية قد لا تكون دائماً لطيفة على الأمّهات. فقد وجدت نيلسون وآخرون أنّ الأمهات اللواتي يختزنّ مزيداً من الخلايا الجنينية معرّضات أكثر من غيرهنّ للإصابة بأمراض المناعة الذاتية على المدى الطويل، ربّما لأنّ خلايا أولادهنّ خضعت لإعادة تقييم خاطئة وضعتها في خانة الغزاة المكروهين. وكانت نتالي لامبرت، من المعهد الفرنسي الوطني للصحة والبحوث الطبية، قد وجدت، بعد تجارب أجرتها على الفئران، أنّ الخلايا الخيمرية الميكروية الجنينية قد تنتج مضادّات حيوية قادرة على الاعتداء على خلايا الأمّ. من جهتها، وجدت نيلسون وزملاؤها أنّ الخلايا الجنينية قد تحمي أحياناً من المناعة الذاتية، فتساهم في تخفيف بعض الحالات، مثل التهاب المفاصل الروماتويدي، خلال الحمل أو بعد مدّة قصيرة منه.

* «ذي أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا»



«دودة الزومبي» تعود إلى الحياة بعد 24 ألف عام... وتبدأ بالتكاثر

«دودة الزومبي» حيوان مجهري متعدد الخلايا (أرشيفية - أ.ف.ب)
«دودة الزومبي» حيوان مجهري متعدد الخلايا (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

«دودة الزومبي» تعود إلى الحياة بعد 24 ألف عام... وتبدأ بالتكاثر

«دودة الزومبي» حيوان مجهري متعدد الخلايا (أرشيفية - أ.ف.ب)
«دودة الزومبي» حيوان مجهري متعدد الخلايا (أرشيفية - أ.ف.ب)

استخرج العلماء حيواناً مجهرياً أطلقوا عليه اسم «دودة الزومبي» من التربة الصقيعية في سيبيريا، ثم قاموا بإذابة الصقيع، وراقبوا الحيوان وهو يستيقظ ويتكاثر.

ووفق ما ذكره موقع «فايس»، كان هذا الكائن متجمداً منذ أواخر العصر البليستوسيني، حين كان الماموث الصوفي لا يزال موجوداً. ودخل في سبات دام نحو 24 ألف عام، ثم «عاد وكأن شيئاً لم يكن».

هذا الكائن هو «دوارة بديلويدية»، وهي حيوان متعدد الخلايا صغير الحجم، يبلغ طوله نحو نصف مليمتر، ويوجد عادة في بيئات المياه العذبة. وهي معروفة بين العلماء بقدرتها شبه المطلقة على البقاء، إذ تنجو من الإشعاع والجفاف والبرد القارس ونقص الأكسجين.

وقام باحثون من مختبر بقايا التربة الروسي بالحفر إلى عمق نحو 3.5 متر في منطقة نهر ألازيا بشمال شرقي سيبيريا، واستخرجوا «عينة لُبية»، وقاموا بتأريخها بالكربون المشع، فوجدوا أن عمرها يتراوح بين 23 ألفاً و960 عاماً و24 ألفاً و485 عاماً. ثم قاموا بإذابتها.

ولم يقتصر الأمر على عودة الدوارة للحركة، بل تكاثرت لا جنسياً أيضاً، مُنتجة المزيد منها. لقد استنسخت نفسها. وبالكاد أتيحت للعلماء فرصة تحديد الكائنات القديمة والنسل الجديد قبل أن يتزايد عددها.

وتُعرف آلية البقاء التي لجأ إليها الكائن باسم «السبات الخفي»، وهي حالة ينخفض ​​فيها النشاط الأيضي إلى الصفر تقريباً؛ حيث يدخل الكائن الحي في نوع من السكون البيولوجي (ليس ميتاً ولا حياً بأي شكل من الأشكال)، بل في حالة انتظار.

ويُعلق هذا الكائن عملية الأيض ويُراكم مركبات معينة، مثل البروتينات المرافقة، التي تُساعده على التعافي من السبات الخفي عندما تتحسن الظروف، كما صرّح الباحث الرئيسي للدراسة في مختبر بقايا التربة، ستاس مالافين.

وقال مالافين: «يُعدّ تقريرنا أقوى دليل حتى الآن على قدرة الحيوانات متعددة الخلايا على البقاء لعشرات آلاف السنين في حالة السبات الخفي، وهي حالة توقف شبه كامل لعملية الأيض».

وما يجعل هذا الاكتشاف إنجازاً كبيراً هو مدى تعقيد «دودة الزومبي». وسبق أن تمت إعادة كائنات وحيدة الخلية من الجليد. أمّا حيوان متعدد الخلايا ذو جهاز هضمي وجهاز عصبي بدائي نجا من 24 ألف عام وهو متجمد تماماً، فهو أمر مختلف تماماً.

وكان الحد الأقصى المعروف سابقاً لبقاء الدوارات البدائية في حالة الخمول البيولوجي يتراوح بين 6 و10 سنوات. أما الاكتشاف الجديد فيماثل نحو 2400 ضعف المدة السابقة.

وهناك جانب آخر مثير هنا. فمع ذوبان التربة الصقيعية بوتيرة متسارعة، بدأت الميكروبات والبكتيريا والفيروسات القديمة، التي ظلت حبيسة الجليد لآلاف السنين، بالخروج. ولم يُربط أي من الفيروسات الذائبة التي دُرست حتى الآن بأمراض بشرية، لكن العلماء يراقبون الوضع من كثب.


التكلفة وصعوبة التعلُّم والثقة... أهم معوقات التوسع في توظيف الذكاء الاصطناعي

التكلفة وصعوبة التعلُّم والثقة... أهم معوقات التوسع في توظيف الذكاء الاصطناعي
TT

التكلفة وصعوبة التعلُّم والثقة... أهم معوقات التوسع في توظيف الذكاء الاصطناعي

التكلفة وصعوبة التعلُّم والثقة... أهم معوقات التوسع في توظيف الذكاء الاصطناعي

لم تعد الشركات الصغيرة مسرح تجارب للذكاء الاصطناعي؛ بل أصبحت تدمجه بنشاط في عملياتها اليومية. وفي كثير من الحالات، تعتمد عليه للحفاظ على قدرتها التنافسية، كما كتبت إليزابيث غور*.

استطلاع جديد

كيف تستخدم الشركات الصغيرة الذكاء الاصطناعي فعلياً؟ تؤكد بيانات جديدة من استطلاع «مين ستريت رايزينغ تور» Main Street Rising Tour survey الذي أجرته شركة «هيلو أليس» بالشراكة مع «باي بال» و«غوغل»، مدى سرعة هذا التحول والتحديات التي لا تزال قائمة.

وحسب البحث:

- الحماس للذكاء الاصطناعي: أعرب 81 في المائة من أصحاب المشاريع الصغيرة عن ذلك.

- الاستخدام اليومي: أفاد 47 في المائة فقط باستخدامه بشكل يومي.

- عامل حاسم: يتوقع 51 في المائة منهم أن يكون الذكاء الاصطناعي عاملاً حاسماً في أعمالهم خلال العامين المقبلين، ما يعكس تحولاً أوسع من مجرد الفضول إلى الاعتماد عليه على المدى الطويل.

أسباب استخدام الذكاء الاصطناعي

وقد بدأ هذا التبني يُترجم بالفعل إلى تغييرات تشغيلية ملموسة؛ إذ أفاد أصحاب المشاريع الصغيرة باستخدام الذكاء الاصطناعي لأسباب متنوعة:

- للمحتوى التسويقي: 73.2 في المائة.

- للبحوث: 67.3 في المائة.

- للأنظمة التشغيلية: 39.4 في المائة.

ولا تقتصر هذه الاستخدامات على كونها إضافات لتسهيل العمل فحسب؛ بل وأيضاً:

- العمل بكفاءة أكبر: قال 70 في المائة من المشاركين في الاستطلاع، إن الذكاء الاصطناعي يساعدهم على العمل بكفاءة أكبر.

- تحسينات في تجربة العملاء، وفقاً لـ38.6 في المائة منهم.

- انخفاض في تكاليف التشغيل، حسب 35.7 في المائة منهم.

معوقات التوسع في توظيفه

ما الذي يعيق التوسع في تبنِّي الذكاء الاصطناعي؟ على الرغم من هذا الزخم، إلا أن التبني لا يزال يواجه صعوبات جمة.

- التكلفة: أفاد نحو 32.9 في المائة من المشاركين في الاستطلاع بأنهم لا ينفقون شيئاً على أدوات الذكاء الاصطناعي شهرياً، ما يشير إلى أن حساسية التكلفة المادية وعدم اليقين لا يزالان يؤثران على حجم استثمارات الشركات.

- عوائق عملية: والأهم من ذلك أن العوائق التي يحددها أصحاب المشاريع الصغيرة هي في معظمها عوائق عملية. ويذكر أصحاب المشاريع الصغيرة صعوبة التعلم، والثقة في الأدوات، وخصوصية البيانات، كأهم مخاوفهم.

ويبدو أن هناك مخاوف بشأن خصوصية البيانات، والملكية الفكرية، وسرعة طرح خدمات الشركات لأدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة لأصحاب الأعمال.

نتائج واتجاهات

وتعقيباً على النتائج، قال كريس تيرنر، المدير التنفيذي في «غوغل»: «لا يمكننا الاستمرار في دفع تبنِّي الذكاء الاصطناعي إلى عامة الناس؛ إذ لا بد من توفير التوعية والموارد وبناء الثقة».

وتعكس هذه النتائج اتجاهات وطنية أوسع؛ إذ تُظهر بيانات من غرفة التجارة الأميركية و«غولدمان ساكس»، أن تبنِّي الذكاء الاصطناعي يزداد بسرعة؛ حيث يستخدمه الآن ما يقرب من 60 في المائة من الشركات الصغيرة. وبينما أفاد 93 في المائة من الشركات بوجود تأثير إيجابي له، لم يدمج سوى 14 في المائة منها الذكاء الاصطناعي بشكل كامل في عملياتها الأساسية. وتقول الأغلبية إنها بحاجة إلى مزيد من التدريب والدعم لاستخدامه بفعالية.

التحول من الأدوات إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي المدمجة

مع ازدياد تبنِّي الذكاء الاصطناعي، تتطور أيضاً طريقة تقديمه للشركات الصغيرة. فبدلاً من الاعتماد على مجموعة متفرقة من الأدوات الفردية، بدأت الشركات في تقديم أنظمة أكثر تكاملاً تعمل كامتداد للشركة نفسها.

وتعكس منصة «Accio Work» التي أطلقتها شركة «علي بابا» العالمية أخيراً هذا التحول. فقد صُمم النظام كفريق «وكلاء ذكاء اصطناعي» من دون كتابة رموز كومبيوترية، ويمكنه تنفيذ عمليات معقدة وطويلة الأجل، ودعم مهام تشمل البحث عن الموردين، وإدارة الامتثال، وسير عمل التسويق، والخدمات اللوجستية.

بالنسبة لأصحاب الشركات الصغيرة -وخصوصاً أولئك الذين لا يملكون خلفيات تقنية أو فرق عمل كبيرة- يقلل هذا النوع من الأتمتة من الوقت والخبرة اللازمين لتبنِّي الذكاء الاصطناعي بشكل فعَّال.

سدُّ الفجوة لتسهيل الوصول والاستخدام

في الوقت نفسه، تُركز شركات التكنولوجيا الكبرى على أحد أبرز العوائق التي كشفت عنها بيانات الاستطلاع الجديد، ألا وهو صعوبة التعلم.

وقد وسَّعت «غوغل» مبادراتها التدريبية في مجال الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك برنامج للحصول على شهادة احترافية، مصمم لمساعدة الأفراد على اكتساب مهارات عملية في الذكاء الاصطناعي تُؤهلهم لسوق العمل. تهدف هذه البرامج إلى جعل الذكاء الاصطناعي في متناول أصحاب المشاريع الصغيرة الذين قد لا يملكون تدريباً تقنياً رسمياً. وفي الوقت نفسه، تُدمج «باي بال» الذكاء الاصطناعي مباشرة في منصتها، من خلال أدوات جديدة تُساعد الشركات في وظائف أساسية، مثل استهداف العملاء، والعروض الترويجية الآلية.

وأخيراً، فإن من المرجح ألا تُحدَّد المرحلة التالية من تبنِّي الذكاء الاصطناعي بمدى قوة هذه الأدوات؛ بل بمدى سهولة دمجها في واقع إدارة الشركات الصغيرة.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».


«لقد انتهكتُ كل مبدأ حُدّدَ لي»... اعترافات مذهلة لـ«وكيل ذكاء اصطناعي»

«لقد انتهكتُ كل مبدأ حُدّدَ لي»... اعترافات مذهلة لـ«وكيل ذكاء اصطناعي»
TT

«لقد انتهكتُ كل مبدأ حُدّدَ لي»... اعترافات مذهلة لـ«وكيل ذكاء اصطناعي»

«لقد انتهكتُ كل مبدأ حُدّدَ لي»... اعترافات مذهلة لـ«وكيل ذكاء اصطناعي»

تصدرت قصة تحذيرية حديثة حول مخاطر الذكاء الاصطناعي مواقع التواصل الاجتماعي، كما كتب جود كريمر(*).

أداة برمجية ذكية تحذف البيانات

في هذه المرة، ادّعى مؤسس شركة برمجيات أن نسخةً من أداة البرمجة «كيرسور» Cursor، المدعومة ببرنامج «كلود» Claude، حذفت قاعدة بيانات الإنتاج المختزَنة لدى الشركة بالكامل، في غضون تسع ثوانٍ فقط.

تصرف دون إذن... وسوء تخزين

وفي منشورٍ حصد 6.5 مليون مشاهدة على منصة «إكس» زعم جير كرين، مؤسس شركة PocketOS، التي تُطوّر برامج إلكترونية مخصصة لشركات تأجير السيارات، أن سلسلة من الأحداث، مِن بينها تصرف «كيرسور» دون إذن، وسوء تخزين النسخ الاحتياطية (للبيانات) من قِبل شركة ريلواي Railway، المزوّدة لخدمات البنية التحتية لشركته، أدّت إلى فقدان هائل للبيانات.

ووفق كرين، فإن برنامج »كيرسور» كان يؤدي مهمة روتينية عندما «واجه خطأً في بيانات الاعتماد»، فقرر - بمبادرة منه - «إصلاح» المشكلة بحذف وحدة تخزين من نظام «ريلواي». وهكذا نفذ أمر «حذف وحدة التخزين» ومسح قاعدة بيانات الإنتاج.

استخراج نُسخ قديمة من البيانات المحفوظة

وكتب كرين أنه نظراً لأن نظام «ريلواي» يُخزن نسخاً احتياطية إضافية داخل وحدة التخزين نفسها، فقد اضطرت شركته للرجوع إلى نسخة احتياطية عمرها ثلاثة أشهر لضمان استمرارية عملها.

أحدث برنامج ذكي يخرق القواعد

وأكد أن فريقه كان يستخدم أحدث إصدار من «كيرسور»، وهو الإصدار المدعوم بأحدث نموذج كلود من «أنثروبيك» موديل «أوبوس 4.6» Opus 4.6.

وعندما ضغط كرين على برنامج الذكاء الاصطناعي للحصول على تفسير، اعترف البرنامج بانتهاكه المتعمَّد للقواعد التي وضعها نظام PocketOS، بما في ذلك قاعدة «لا تخمن أبداً!»، و«لا تُنفّذ أبداً أوامر تخريبية/لا رجعة فيها (مثل «ادفع- بقوة» push –force، أو «إعادة ضبط المنتج» hard reset... إلخ إلا إذا طلبها المستخدم صراحةً).

انتهاك سافر

وكتب نظام الذكاء الاصطناعي: «لقد انتهكتُ كل مبدأٍ وُضِعَ أمامي: خمّنتُ بدلاً من التحقق. نفّذتُ إجراءً تخريبياً دون استئذان. لم أفهم ما كنتُ أفعله قبل تنفيذه. لم أقرأ وثائق (ريلواي) حول سلوك وحدات التخزين عبر البيئات المختلفة».

اعتراف كتابي بالذنب

وتابع كرين مدّعياً أن «كيرسور» تُسوّق لنفسها على أنها أكثر أماناً مما هي عليه في الواقع. وكتب: «الحقيقة هي وجود سِجلّ موثَّق لأنظمة تنتهك هذه الضمانات، بشكلٍ كارثي أحياناً، وأحياناً مع اعتراف الشركة نفسها بالإخفاقات. في حالتنا، لم يكتفِ النظام بفشله في مجال السلامة، بل شرح كتابياً بالتحديد قواعد السلامة التي تجاهلها».

ولم تردّ كلٌّ من «كيرسور» و«ريلواي» و«أنثروبيك» على طلب مجلة «فاست كومباني» للتعليق.

العبرة من القصة

مع انتشار منشور كرين على نطاق واسع، انقسم المعلّقون حول المغزى الحقيقي من قصته.

وزعم بعض المعلّقين أنه على الرغم من تجاوز برنامج «كيرسور» صلاحياته وعدم كفاية إجراءات الحماية لدى «ريلواي»، لكن فريق كرين يتحمل جزءاً من المسؤولية لمنحه الذكاء الاصطناعي هذه الحرية الكبيرة والوصول إلى بيانات الشركة.

مسؤولية النظم الذكية... ومستخدميها

جاء في أحد الردود التي انتشرت على نطاق واسع: «هذا المنشور رائع لأنه ينتقد الذكاء الاصطناعي بشدة، ويحمّل، في الوقت نفسه، هذا الشخص المسؤولية كاملةً». وكتب معلّق آخر: «من المؤسف أن يقوم برنامج ذكاء اصطناعي بحذف قاعدة بيانات الإنتاج - دون أي وسيلة لعمل نسخة احتياطية - ما يُعرّض الأعمال بأكملها للخطر. لكن اللوم يقع على عاتق المطور الذي قرر تفويض اتخاذ القرارات لبرنامج الذكاء الاصطناعي، ثم لم يراجع الإجراءات، بل خاطر بها دون تفكير».

خروقات سابقة

لا تقتصر مخاطر الاعتماد على الذكاء الاصطناعي على مثال شركتيْ «كيرسور» و«ريلواي»، إذ وقعت فضيحة مماثلة، في فبراير (شباط) الماضي، حين صرّحت مديرة في شركة «ميتا» بأنها شاهدت برنامج OpenClaw يُفرغ بريدها الإلكتروني. وقد تجاهل البرنامج تعليماتها بعدم القيام بأي إجراء دون موافقة. ومع ذلك اعترف البرنامج بتقديم النص التالي: «لقد انتهكتُ التعليمات. من حقكِ أن تغضبي».

وتُجسّد هاتان الحادثتان معاً العبرة الحقيقية لأي شركة تسعى لاستخدام برامج الذكاء الاصطناعي: قد تتصرف هذه التقنية بشكل غير متوقع، نعم، لكن لهذا السبب يقع على عاتق البشر مسؤولية ضبطها.

* مجلة «فاست كومباني».