الخلايا الأكثر غموضاً في جسمنا لا تنتمي لنا

العلماء يدققون بخصائص تفاعلها في الجسم الأنثوي

الخلايا الأكثر غموضاً في جسمنا لا تنتمي لنا
TT

الخلايا الأكثر غموضاً في جسمنا لا تنتمي لنا

الخلايا الأكثر غموضاً في جسمنا لا تنتمي لنا

قبل ما يُقارب 24 عاماً، نظرت ديانا بيانتشي عبر المجهر إلى غدّة درقية بشرية ورأت ما تسبّب لها بقشعريرة فورية. كانت العيّنة من امرأة تملك كروموسوم إكس إكس (XX) (الكروموسوم الأنثوي) إلّا أنّها رأت بما لا يقبل الشكّ كروموسومات «واي» (Y) (الكروموسوم الذكري) - العشرات والعشرات منها. فقالت بيانتشي: «من الواضح أنّ جزءاً من غدّتها الدرقية ذكري بالكامل».

خصائص ذكرية في جسم أنثوي

اشتبهت بيانتشي أنّ السبب يعود للحمل. فقبل سنوات، كانت المريضة حاملاً بمولود ذكر، وجدت خلاياه في مرحلة ما فرصة للخروج من الرحم ووصلت إلى غدّة والدته الدرقية - ومعها من دون شكّ إلى مجموعة من الأعضاء الأخرى - فسيطرت على هوية ووظائف الخلايا الأنثوية المحيطة بها لتتمكّن من العمل في تناغم. حينها، أصيبت بيانتشي، التي تشغل اليوم منصب مدير معهد «أونيس كينيدي شرايفر الوطني لصحّة الطفل والتنمية البشرية»، بالذهول، وقالت: «شهدت غدّتها الدرقية إعادة تشكيلٍ كاملة بفعل خلايا ابنها». حالةُ هذه السيّدة ليست فريدة. ففي كلّ مرّة تقريباً يثبت جنين في رحم ويبدأ بالنمو، يُرسل أجزاءً صغيرة منه إلى الجسم الذي يحتضنه. تبدأ هذه الإيداعات في الأسبوع الرابع أو الخامس من الحمل، وتستقرّ في كلّ قطعة من تكويننا البشري - مثل القلب، والرئتين، والصدر، والقولون، والكلى، والكبد، والدماغ. من هنا، قد تستقرّ هذه الخلايا وتنمو وتنقسم لعقود، أو حتّى، كما يعتقد العلماء، طوال العمر، في جسم المرأة التي حملت.

من جهته، وصف جي لي نيلسون، من مركز هاتشينسون للسرطان في سياتل، هذه الحالة وكأنها «أعضاء أصلية مزروعة بواسطة عملية التطوّر البشري». لعلّ الخيمرية الميكروية microchimerism (الخيميرية اسم أطلقته أسطورة إغريقية على جسم هجين مؤلف من الأسد والماعز والتنين)، هي الطريقة الأكثر شيوعاً التي تنضج فيها الخلايا المتطابقة جينياً وتنمو داخل جسدين في وقتٍ واحد.

انتقالات ثنائية الاتجاه

هذه الانتقالات العابرة للأجيال ثنائية الاتجاه: مع اجتياز الخلايا الجنينية للمشيمة إلى الأنسجة الأمومية، تهاجر مجموعة صغيرة من خلايا الأمّ إلى أنسجة الجنين، حيث تستطيع الاستقرار حتّى سنّ البلوغ. بعدها، قد تحصل هذه المقايضات الجينية عدّة مرّات خلال الحياة.

يعتقد بعض الباحثين أنّ النّاس قد يكونون لوحات فسيفساء مصغّرة عن عددٍ من أقاربهم تكوّنت عبر سلسلة من الحمول: لوحات من أخوات أكبر سناً، أو الجدّة للأمّ، أو أيّ خالات أو أخوال كانت الجدّة قد حملت بهم قبل ولادة والدة الشخص المعني. يقول فرنسيسكو أوبيدا دي تورّيس، عالم أحياء متخصص بالتطوّر في كليّة رويال هولواي، جامعة لندن، إنّ «الأمر أشبه بحمل كامل عائلتكم في داخلكم».

هذه الأمور مجتمعة تجعل من الخيمرية الميكروية أكثر شيوعاً من الحمل نفسه، حيث يُعتقد أنّها تحصل لدى كلّ شخص حمل بجنين، ولو لوقتٍ قصير، وأيّ شخص سبق وسكن في رحم. ويبدو أنّ ثدييات أخرى أيضاً مثل الفئران والأبقار والكلاب، وحتّى الرئيسيات تحمل مثل هذه الأمتعة الخلوية. ولكنّ الخلايا المستعارة لا تظهر دائماً في البقع نفسها أو بالأعداد نفسها. ففي حالات كثيرة، يُعتقد أنّ خلايا الخيمرية الميكروية توجد بتركيزات لا تتعدّى الواحد في المليون «تقارب حدود الرصد أو تكاد تبلغها في كثير من المقاييس الحيوية»، حسب ما شرح سنيغ سينغ زاي، عالم مناعي وطبيب أطفال في مستشفى سنسناتي للأطفال.

يحاجج بعض العلماء بأنّ خلايا متناثرة وغير مستقرّة إلى هذا الحدّ لن يكون لها تأثير يُذكر. ولفت واي إلى أنّ «النظريات حول ما تفعله هذه الخلايا، إذا كانت تفعل شيئاً أصلاً، تبقى مثيرةً جداً للجدل حتّى بين العلماء المتخصصين بالخيمرية الميكروية». في المقابل، يؤكّد كثير من الخبراء أنّ الخلايا الخيمرية الميكروية ليست عناصر غيابية غارقة في البحر الجينومي لشخصٍ آخر، حيث إنّها كيانات مستقلّة جينياً في مقرّ إقامة غريب تحمل دوافعها التطوّرية الخاصّة التي قد تتعارض مع صاحب المقرّ. علاوةً على ذلك، قد تلقي هذه الكيانات بأثرها على بعض الجوانب الصحية، مثل قابلية المعاناة من أمراض العدوى أو المناعة الذاتية، ونسبة حصول الحمل، وربّما حتّى على السلوك.

خلايا متبادلة تعزز المناعة

ونجح الباحثون بالفعل في الكشف عن بعض الملامح لما تفعله هذه الخلايا المتنقّلة. فقد رجّحت دراسة أجراها واي على الفئران مثلاً، أنّ الخيمرية الميكروية التي يرثها الأطفال خلال الحمل قد تساعد في صقل جهازهم المناعي، وتدعيم جسم المولود الجديد في مواجهة الأمراض الفيروسية.

بصورة مماثلة، قد تساعد الخيمرية الميكروية الموروثة في فهم سبب تقبّل النّاس للأعضاء من الأمّ أكثر من الأبّ، بحسب ويليام بورلينغهام، متخصص في زراعة الأعضاء في جامعة ويسكنسن، ماديسون.

ويمكن للخلايا الجنينية التي تتسرّب إلى الأمّ خلال الحمل أيضاً أن تؤثر على صحة الطفل. يعتقد ديفيد هيغ، عالم أحياء متخصص بالتطوّر في جامعة هارفارد، أنّ هذه الخلايا قد تنصّب نفسها في وضعية تسمح لها بسحب موارد من الأمّ: في الدماغ، لجذب المزيد من الاهتمام؛ وفي الصدر، لتعزيز إنتاج الحليب؛ وفي الغدّة الدرقية، لضخّ المزيد من الحرارة في الجسم. وأضاف أنّ الخلايا قد تتداخل أيضاً في خصوبة الأمّ لتوسيع المسافة الزمنية الفاصلة بين الولادات لمنح الطفل عناية أطول وغير متقطّعة. بعدها، قد تعمل هذه الممثليات الجنينية بوصفها مختبرا لصالح الأجنّة المقبلة التي ستسكن الرحم، حسب ما شرح أوبيدا دي تورّيس. وقال إنّه في حال لم يرصد الأجنّة اللاحقون الكثير من الارتباط مع إخوانهم الأكبر سناً، فإنهم سيصبحون أكثر جحوداً عند سحب الأغذية من جسد والدتهم بدل ترك الفائض خلفهم للإخوان القادمين والذين قد يختلف وضع الأبوة والأمومة معهم عمّن سبقهم.

تأثيرات على الأمفي المقابل، وجد الباحثون صعوبة في الكشف عن مفاعيل الخيمرية الميكروية لدى الأمّهات. ولعلّ السبب الأكثر ترجيحاً هنا هو أنّه كلّما زاد اختراق الخلايا الجنينية لجسد الأمّ، تعزّزت قدرتها على تقبّل أنسجة الجنين، ما يقلّل خطر الإجهاض أو الولادة العالية المخاطر. من جهتها، قالت إيمي بودّي، عالمة في الأنثروبولوجيا الحيوية في جامعة كاليفورنيا، سانتا باربارا: «أعتقد حقاً أنّ الخيمرية الميكروية هي بوليصة تأمين للطفل لدى الأم. وكأنّها تقول: أنا هنا، لا تهاجم». وبعد الولادة، تساهم الخلايا التي تستقرّ في جسم الأمّ في تسهيل الولادات اللاحقة.

ولكنّ الخيمرية الميكروية قد لا تكون دائماً لطيفة على الأمّهات. فقد وجدت نيلسون وآخرون أنّ الأمهات اللواتي يختزنّ مزيداً من الخلايا الجنينية معرّضات أكثر من غيرهنّ للإصابة بأمراض المناعة الذاتية على المدى الطويل، ربّما لأنّ خلايا أولادهنّ خضعت لإعادة تقييم خاطئة وضعتها في خانة الغزاة المكروهين. وكانت نتالي لامبرت، من المعهد الفرنسي الوطني للصحة والبحوث الطبية، قد وجدت، بعد تجارب أجرتها على الفئران، أنّ الخلايا الخيمرية الميكروية الجنينية قد تنتج مضادّات حيوية قادرة على الاعتداء على خلايا الأمّ. من جهتها، وجدت نيلسون وزملاؤها أنّ الخلايا الجنينية قد تحمي أحياناً من المناعة الذاتية، فتساهم في تخفيف بعض الحالات، مثل التهاب المفاصل الروماتويدي، خلال الحمل أو بعد مدّة قصيرة منه.

* «ذي أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا»



ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي
TT

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي

تشغل ليلى إبراهيم في «غوغل ديب مايند» منصباً لم يكن موجوداً من قبل: رئيسة قسم الاستعداد للذكاء الاصطناعي، حيث تُركز على كيفية إعداد العالم للتطور السريع للذكاء الاصطناعي. وهي تُساعد الحكومات على التفكير في السياسات، وتُعزز فهم الجمهور للذكاء الاصطناعي، وتعمل على ضمان استخدام «جوجل» للذكاء الاصطناعي بمسؤولية.

وتقول ليلى إبراهيم، التي شغلت سابقاً منصب الرئيس التنفيذي للعمليات في «ديب مايند» لمدة ثماني سنوات تقريباً: «أتمنى لو كان المزيد من الناس يُجرون هذا النوع من الحوارات، لأنني أعتقد أن لدينا القدرة على التأثير في كيفية تشكيل هذا المجال».

تحسين الوعي بالذكاء الاصطناعي

يتضمن جزء من العمل تحسين الوعي بالذكاء الاصطناعي. تقول: «إن كنت لا تستخدمه، فلن تُتاح لك الفرصة لاتخاذ قرارات مدروسة بشأن المجالات التي تشعر فيها بالراحة عند استخدامه أو عدم استخدامه، أو كيفية تطوير الأمور».

وتتساءل: «كيف يمكننا أن نُساعد المعلمين على الشعور بالراحة عند التعامل مع البرمجة وإنشاء أدوات لفصولهم الدراسية؟»، و«كيف نتعاون مع صانعي السياسات لفهم الذكاء الاصطناعي؟».

تمارين ميدانية في سنغافورة

وفي وقت سابق من هذا العام، قاد فريقها تمريناً تمثيلياً مع مسؤولين في سنغافورة، لمساعدتهم على دراسة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُعيد تشكيل اكتشاف الأمراض، وما قد يعنيه ذلك لإصلاح نظام الرعاية الصحية أو الحاجة إلى مؤسسات علمية جديدة. في هذا التمرين، المشابه لأعمال الشركة في أماكن أخرى.

وقد اقترح المسؤولون بعض السياسات، ثم درسوا كيف يمكن أن يتغير المشهد بعد عامين، ما قد يُحفز تغييرات إضافية في السياسات. كما يعمل فريقها مع الحكومات لتقييم كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي الفاعل على الوظائف، وأين قد تكون هناك حاجة إلى إعادة تأهيل المهارات.

وتقول: «نحن نعرف إلى أين تتجه التكنولوجيا، لذا يمكننا التعامل مع هذه المحادثات بطريقة أكثر تعاوناً، مدركين أن التكنولوجيا لم تصل بعد، ولكن ما الذي نحتاج إلى فعله للاستعداد لما هو قادم؟

* مجلة «فاست كومباني».


الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران

الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران
TT

الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران

الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران

تُفكّر إليزابيث مينور منذ سنوات في مخاطر الذكاء الاصطناعي، وتحديداً الأسلحة ذاتية التشغيل. ومينور هي رئيسة قسم السياسات في «أوقفوا الروبوتات القاتلة»، وهو تحالف تأسس عام 2012 لضمان احتفاظ البشر بالسيطرة على التكنولوجيا في أوقات الحرب. وقد نما هذا التحالف ليُمثّل أكثر من 300 منظمة في أكثر من 70 دولة، بما في ذلك «هيومن رايتس ووتش» ومنظمة العفو الدولية، كما كتبت ريبيكا هايلويل(*).

خرق أطر القانون الدولي

تُوضّح مينور قائلةً: «هذا أمرٌ يُهمّ العالم أجمع، لذا يجب أن يكون هناك تفاوض في إطار القانون الدولي. لا يزال القانون الدولي مُهماً، حتى وإن كان مُعرّضاً للهجمات في الوقت الراهن، وله قيودٌ تُحدّد كيفية رسم حدود ما هو مُتاح في العالم».

تسعى مينور ومنظمة «أوقفوا الروبوتات القاتلة» إلى استخدام القانون الدولي بوصفه أداةً في مكافحة انتشار أسلحة الذكاء الاصطناعي. ويتضمن جزء كبير من عملها حضور اجتماعات في الأمم المتحدة، في كل من نيويورك وجنيف. وتسعى المنظمة إلى إبرام معاهدة دولية يمكن لجميع الدول التوقيع عليها للحد من استخدام الأسلحة ذاتية التشغيل، على غرار اتفاقيات نزع السلاح والحد من التسلح التي أبرمها المجتمع الدولي بالفعل.

استخدام إسرائيل وأميركا للذكاء الاصطناعي

وقد ازداد عمل منظمة «أوقفوا الروبوتات القاتلة» أهميةً مع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في ساحات المعارك. وتشير مينور إلى بعض الأمثلة من النزاعات الأخيرة، بما في ذلك استخدام إسرائيل لتقنية تحديد الأهداف خلال الحرب على غزة، واستناد الولايات المتحدة إلى نظام «كلود» في عمليتها للقبض على نيكولاس مادورو وفي الحرب على إيران.

وتوضح مينور قائلةً: «خلال العقد الماضي فقط، شهدنا تسارعاً هائلاً في محاولات تطوير هذه الأدوات ودمجها في استخدامها في ساحات المعارك». لقد رأينا دولاً أكثر تُعلن أن هذا النوع من الحرب «الثورية» مرغوب فيه وضروري، بدلاً من اعتباره أمراً خطيراً لا ترغب أبداً في خوضه.

* مجلة «فاست كومباني».


«طائرات روبوتية مسيّرة قاتلة»... سجلت أولى الضحايا

الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة
الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة
TT

«طائرات روبوتية مسيّرة قاتلة»... سجلت أولى الضحايا

الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة
الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة

أفاد مسؤول رفيع المستوى في قطاع الصناعات الدفاعية الأوكرانية لمجلة «نيو ساينتست» بأن اختباراً أُجري قبل عامين على طائرات مسيّرة ذاتية التشغيل بالكامل، مُصممة لتدمير أي شيء في منطقة محددة، أسفر عن وقوع إصابات مؤكدة.

مسيرات روبوتية قاتلة

شمل الاختبار الذي أُجري لمرة واحدة، 10 طائرات مسيّرة من طراز «تيرميناتور Terminator» (المُدمر) تعمل بالذكاء الاصطناعي على خط المواجهة في الحرب الأوكرانية. وقُتل جنود روس، كما كتب ماثيو سباركس (*). ويقول ألكسندر كوخانوفسكي، المشرف على تصنيع الطائرات المسيّرة: «لقد جربنا ذلك. إنه اختبار، ولم نُطبّقه على نطاق أوسع».

وقد أُجري الاختبار قبل عامين، وشمل طائرات مسيّرة رباعية المراوح مُبرمجة للطيران باتجاه خط المواجهة، وقطع مسافة تتراوح بين 3 و5 كيلومترات خلال نحو 10 دقائق، ثم تفعيل «وضع تيرميناتور»، حيث يقوم نموذج الذكاء الاصطناعي بالبحث عن الأهداف واعتراضها.

إبادة شاملة

ويضيف كوخانوفسكي: «نطلقها ببساطة، ونعلم أن كل شيء سيُباد. كل ما يُعثر عليه في هذه المنطقة سيُباد». ويضيف: «لا يوجد أي اتصال بالطائرة المسيّرة على الإطلاق، لا يمكنك رؤية الفيديو، لا شيء... وكل من تراه سيُقتل».

ولعدم وجود أي وسيلة لمعرفة ما رصدته الطائرات المسيّرة الآلية أو ما استهدفته، أُرسلت طائرات مسيّرة يقودها طيارون بشريون إلى المنطقة لاحقاً للتحقق من النتائج يدوياً. ويشير كوخانوفسكي إلى أن الضحايا كانوا «جنديين وشاحنة واحدة». وبينما لا يوجد تسجيل للطائرات المسيّرة الآلية وهي تهاجم هذه الأهداف، فقد استُنتج أنها قتلتهم.

ويقول كوخانوفسكي إنه نُفذ بواسطة وحدة عسكرية، لم يُكشف عن اسمها، بالقرب من مدينتي باخموت وتشاسيف يار، كجزء من هجوم مضاد أوكراني. ولم ترد وزارة الدفاع الأوكرانية على أسئلة حول الاختبار أو الموقف القانوني الحالي بشأن استخدام الأسلحة ذاتية التشغيل بالكامل.

ذكاء اصطناعي مستقل عن البشر

يُعدّ استخدام الذكاء الاصطناعي شائعاً في الجيوش حول العالم، حيث يُساعد في اختيار الأهداف من بين كميات هائلة من البيانات الاستخباراتية، وأتمتة بعض وظائف الأسلحة، إلا أن العنصر البشري يبقى حاضراً في مرحلة ما. ويُعتبر اعتراف كوخانوفسكي أقوى دليل حتى الآن على وقوع حالة وفاة في معركة نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي وحده.

وفقاً لمصادر في شركات الدفاع فإن الحكومة الأوكرانية تحظر حالياً استخدام الذكاء الاصطناعي في المرحلة النهائية من اعتراض الأهداف، على الرغم من استخدامه في أجزاء كثيرة من العملية بواسطة العديد من الأجهزة حتى تلك المرحلة. ويقول كوخانوفسكي إن الحكومة تُدرك القدرات المتنامية للذكاء الاصطناعي، وأنها تُجري محادثات مع شركات الدفاع حول إمكانية تخفيف القواعد.

وكانت تقارير قد أشارت في عام 2023 إلى أن طائرات هجومية أوكرانية مُسيّرة مُجهزة بالذكاء الاصطناعي كانت تعثر على أهداف وتهاجمها دون مساعدة بشرية، ولكنها كانت تُستخدم ضد مركبات مثل الدبابات، وليس ضد المشاة. ولم يتم تأكيد وقوع أي إصابات بشرية في ذلك الوقت.

مسيَّرة كارغو التركية

دعوات لحظر النظم القاتلة ذاتية التشغيل

رغم عدم وجود حظر دولي رسمي على الأسلحة ذاتية التشغيل القادرة على القتل دون تدخل بشري، فقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى فرض حظر، مصرحاً العام الماضي بأنه «لا مكان لأنظمة الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل في عالمنا». وأشارت الأمم المتحدة إلى وجود مخاوف من أن تنتهك هذه الأسلحة القوانين الدولية الإنسانية وقوانين حقوق الإنسان، وذلك بإقصاء العنصر البشري عن العمليات العسكرية. كما يُوجد خطر من أن ترتكب الأنظمة ذاتية التشغيل أخطاءً، سواء بمهاجمة جنود من الجانب نفسه أو مدنيين.

وتعمل معظم الجيوش على تطوير أجهزة تُؤتمت جزءاً على الأقل من عملية مهاجمة الأهداف، إذ تمتلك الولايات المتحدة برمجيات تجمع وتحلل كميات هائلة من البيانات المتنوعة، وتختار أهدافاً في ساحة المعركة يمكن استهدافها بطائرات مسيرة. ولكن، نظرياً، يتطلب ذلك تأكيداً بشرياً. وقد وردت مزاعم بأن الولايات المتحدة تُطور أيضاً ما يُسمى بطائرات «حارس المرمى Goalkeeper» المسيرة، وطائرات «ويبلش Whiplash» البحرية المسيرة، القادرة على تحديد أهدافها وتدميرها.

مسيرات تركية قاتلة

وكان تقرير للأمم المتحدة قد صدر عام 2021، أشار إلى احتمال استخدام طائرة «كارغ -2» Kargu-2 رباعية المراوح، من إنتاج شركة تركية، في هجمات ذاتية على البشر في العام السابق. ولم يُفصّل التقرير مصدر هذه الادعاءات أو ما إذا كان قد سقط قتلى أو جرحى، لكنه رجّح أن حكومة «الوفاق الوطني» الليبية استخدمت هذه الطائرات المسيّرة ضد قوات حفتر المنسحبة.

أنظمة أميركية

وصرح الرائد دانيلو بولوجوخنو، وهو شخصية بارزة في فوج الأنظمة غير المأهولة الحادي والعشرين التابع للفيلق الثالث بالجيش الأوكراني، الذي لم يكن على علم بالتجربة أو مشاركاً فيها، لمجلة «نيو ساينتست» بأن جنوده يستخدمون أنظمة تحكم شبه ذاتية، لكن يبقى هناك عنصر بشري في عملية التحكم.

ويضيف بولوجوخنو: «تستطيع هذه الأنظمة والمنصات المسيّرة تحديد الأهداف وتتبعها تلقائياً، فضلاً عن توجيه نفسها ذاتياً خلال الأمتار الأخيرة من الاقتراب، ما يُسهّل عمل المشغلين. مع ذلك، لا نستخدم أنظمة مسيّرة ذاتية التشغيل بالكامل تقوم باختيار الأهداف ومهاجمتها بشكل مستقل دون أي تدخل بشري».

هل نريد مجتمعاً يقتل الآخرين.. دون تدخل بشري؟

وتقول مارياروزاريا تاديو الباحثة في جامعة أكسفورد، إن القتل باستخدام الذكاء الاصطناعي يسلب كرامة الجندي، ويُعفي المهاجم من المسؤولية، ويجب حظره. وتضيف: «الأمر ليس مجرد مشكلة، بل هو أمر مروع. هل نريد أن نكون مجتمعاً يقتل الآخرين، ويسمح لحكومته بقتل الآخرين، دون تدخل بشري؟».

طائرات اعتراضية ذاتية التشغيل

يقول كوخانوفسكي إن مشروع «المُدمر» لم يتقدم منذ تجربته، بسبب القوانين الأوكرانية. وهو الآن الرئيس التنفيذي لشركة «أيرو سنتر» لصناعة الطائرات المسيّرة - التي يقول إنها لم تشارك في التجربة لأنها لم تكن قد أُنشئت آنذاك - وهي شركة أوكرانية تعمل على تطوير طائرات اعتراضية ذاتية التشغيل. صُممت هذه الطائرات لاستهداف مسيرات «شاهد» الروسية الانتحارية القادمة وإسقاطها قبل وصولها إلى مناطق مكتظة بالمدنيين أو بنى تحتية حيوية.

سيتألف نظام «أليتا» التابع للشركة من 16 منصة إطلاق، مُجهزة بـ64 طائرة مسيّرة. سيكون النظام جاهزاً بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وقادراً على رصد الطائرات المسيّرة القادمة، والإقلاع تلقائياً، والتحرك نحو الهدف بسرعة 450 كيلومتراً في الساعة، لإسقاط أي شيء بدءاً من الطائرات المسيّرة الصغيرة وصولاً إلى المروحيات.

لكن القوانين الأوكرانية الحالية تمنع التشغيل الذاتي الكامل، وتُلزم بشرياً بالتحقق من الأهداف في المراحل النهائية للاعتراض. حتى في هذه الحالة، لن تحتاج مجموعة الطائرات المسيّرة الـ 64 بأكملها إلا إلى مُشغّلين بشريين فقط، ما يعني تقليصاً كبيراً في عدد الأفراد.

* مجلة «نيو ساينتست»، خدمات «تريبيون ميديا».